قال الإمام يحيى: وحاصله أنه تعالى قد فقد داعيه وخلص صارفه عن الفعل وكل من فقد داعيه وخلص صارفه عن الفعل فإنه لايفعله. وإنما قلنا أنه تعالى قد فقد داعيه إلى القبيح وخلص صارفه عنه لأنه إما أن يكون داعي حاجة أو داعي حكمة، والأول باطل لاستحالة المنافع والمضار عليه كما سلف، والثاني أيضاً باطل لأن ذلك مرتب على كون الفعل حسناً، وأما خلوص صارفه فظاهر لنه تعالى إذا كان عالماً بقبحه وعالماً بأنه غني لايحتاج إلى شيء فقد خلص صارفه، وإنما قلنا إن كل من فقد داعيه وخلص صارفه عن الفعل فإنه لايفعله لأنه لو وقع والحال ما ذكرنا لبطل وقوعه على حسب الداعية وخرج عن كونه مقدوراً له لأن حقيقة الفعل ليس إلا وقوعه على حسب الداعية. انتهى.
قال بعض المتأخرين: ويؤيد هذين الدليلين كليهما ما قيل أن اعتقاد الجهل مقدور لأحدنا ومع ذلك لايمكن أن يقصد إليه يوفعله وهو عالم بأنه جهل، إما لأنه لا داعي له إليه أو لوجود الصارف عنه وهو علمه بقبحه وغناه عنه بخلاف الكذب فإنه قد يفعله لحصول غرض فيه في بعض الأحوال.
فائدة
قال الشيخ أبو هاشم: كل أفعاله تعالى توصف بأنها عدل سواء تعلقت بالحقوق كالإثابة، أو لاتعلق لها بذلك فخلق العالم وسائر التفضلات. وقال الشيخ أبو علي: إنما يوصف بأنه عدل مناه ونحوها ما تعلق نحو الغير فقط، إذ العدل توفير حق الغير واستيفاء الحق منه فيخرج خلق العالم ونحوه مما لايتعلق بحق الغير وكلام أبي هاشم مبني على أن ما كان حسناً فهو عدل والخلاف في التحقيق اللفظي.
فصل فيما يلزم المجبرة في هذه المسألة
ومعنى الإلزام: هو أن يأتي على مقتضي ما يذهب إليه الخصم أمر لا يذهب إليه من حيث أن ما ذهب إليه يفضي إلى ذلك الذي لايذهب إليه ويقتضيه فنورد عليه لزوم ما لايلتزمه بسبب ما ذهب إليه لئلا يذهب إليه.
قوله: (قال لأنه ليس بأعظم من غيره من القبائح).
قال السيد الإمام: وأوضح ذلك بمثال فقال: إن أحدنا لو قال لصبي أدخل البيت ففيه رمان موضوع لأجلك وليس في البيت ذلك فليس ذلك بأعظم من أن يقلع سناً من أسنانه أو يقطعه إرباً إرباً. قال: ولقد مر على القياس. وأقول: إنه وإن مر على قياس مذهبهم فلقد عظمت حرابه على الله وقلت مراقبته لله ورد ما هو معلوم ضرورة من دين رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
قوله: (فلا تثبت دلالته على المعنى النفسي).
أي على أنه صدق لأنه إذا اعترض الشك في صدق العبارة اعترض في المعبر عنه.
قوله: (وكل وجه يذكرونه في المنع من الأمر به) إلى آخره.
يعني لأن المانع من ذلك لايكون إلا قبحه إذ لا إشكال في قبح الأمر بالقبائح، ونقول: إذا لم يأمر بالقبيح لقبحه فكذلك /403/ لايفعله لقبحه بل الأمر به أهون من فعله في القبح، فإن قالوا: إن فعله لايقبح منه. قلنا: وكذلك الأمر لو صدر منه لم يقبح منه لانتفاء علة القبح في حقه عندكم.
فإن قالوا: إن السمع دل على أنه لايأمر به كقوله تعالى: {إن الله لايأمر بالفحشاء}.
قلنا: وكذلك السمع دل على أنه لايفعله كقوله: {إن الله لايظلم الناس شيئاً}، ثم أن وجه دلالة السمع منتفية على قواعدكم إذ وجه دلالته صدوره عن عدل حكيم لايجوز عليه الكذب، وقد نفيتم هذه القاعدة فلا سبيل لكم إلى الاستدلال بالسمع.
قوله: (فهلا جاز أن ننصب الأدلة على الباطل) إلى آخره.
يقال: هذا غير لازم لهم لأن الأدلة التي أشرت إليها إن كانت شرعية بما دلت عليه هو عندهم حق، ولايصح كونه باطلاً فلا يثبت أنه نصب أدلة على الباطل، وإن كانت أدلة عقلية فالدليل العقلي يدل على مدلوله لذاته ووجه دلالته الثابتة فيه لا لأن ناصباً نصبه واختار كونه دليلاً.
قوله: (إنما نثبت ذلك إذا ثبت أن المدعي صادق).
يعني فلو ثبت صدق الأنبياء وكل من ادعى النبوة وظهر المعجز على يديه أمكن أن يقال في حقه أن المعجز موضوع للتصديق لتواتر ظهوره على ذوي الصدق وعدم علمنا بظهوره على يغرهم فأما وصدقهم غير معلوم للتجويز الذي ذكرناه على قياس مذهبكم فمثل هذا الجواب لايتأتى لكم، وليس تسليمنا لصدقهم كافياً لكم فإنا علمناه لعلمنا بعدل الله وحكمته وقبح إرسال الكذابين منه وأنتم عن هذا بمعزل.
تنبيه
اعلم أنها قد جرت عادة الأصحاب ببناء هذه المسألة على ثلاثة أركان وهي أنه تعالى لايفعل القبيح ولا يخل بالواجب وأفعاله كلها حسنة ويحققون العدل بأنه الذي هذه صفته والمصنف عدل عن تحقيقه بذلك إلى ما قد عرفت، واعترض حقيقتهم بما فيها من التكرار في المعنى واكتفى بالاستدلال على أنه لايفعل القبيح عن الاستدلال على الركنين الآخرين لن الأدلة متقاربة وإلا فإنه لابد من تقرير أنه لايخل بالواجب إذ الترك في حقه ليس بفعل بالاتفاق. فلا يقال: إن ترك الواجب قبيح وقد دللنا على أنه لايفعل القبيح وكذلك فلا بد من الاستدلال على أن أفعاله كلها حسنة، فقد نص المصنف على أن في الأفعال ما ليس بحسن ولا قبيح فلا يدل ثبوت أنه لايفعل القبيح على أن أفعاله كلها حسنة إلا لو لم يكن بينهما واسطة.
وقد قال الإمام يحيى: لايقال إن هذا الأصل الثالث يعني أن أفعاله تعالى كلها حسنة لافائدة فيه لأنه إذا ثبت أنه تعالى لايفعل القبيح ولايخل بالواجب فأفعاله كلها لابد من كونها حسنة فلا معنى لإيراده.
إلا أنا نقول: في إيراده غرضان أحدهما الاحتراز عما يعد يسيراً من الأفعال وعما يقع من الساهي، فإن مثل هذا لايوصف بحسن ولاقبح فلا يعد من أفعاله تعالى لاستحالة السهو عليه، واستحالة أن يفعل فعلاً لا غرض فيه. وثانيهما: أنا نذكره دفعاً لكلام المجبرة حيث قالوا: إن الحسن ليس إلا ما أمر به والقبيح ليس إلا ما نهى عنه فأفعاله ليست بحسنه ولاقبيحة بهذا المعنى. انتهى.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن الواجبات على الله تعالى عند العدلية ثمانية تمكين المكلفين، والبيان لهم، واللطف حيث يكون بهم في المعلوم لطفاً من فعله تعالى، وتعويض من لم يزل به ألم أو غم أو فوت نفع من جهته تعالى، وقبول توبة التائبين إذا وقعت على الوجه الواجب، وإثابة المطيعين له، وإعادة كل من له عند الله أو على أحد من الخلق عوض، والانتصاف لمن له حق على غيره.
وقد خالف في وجوبها المجبرة على طبقاتهم /404/ بناء على قاعدتهم في نفي التحسين العقلي، وخالف أيضاً تعد العدلية في وجوب اللطف على ما سيأتي.
قيل: والأجود في التمكين والبيان واللطف ألا يعبر عنها بالوجوب عليه بل لابد من فعله له إذ لو لم يفعل ذلك بالمكلف لانتقض غرضه بالتكليف وألا يوصف بالوجوب إلا ما كان مستحقاً كسائرها.
قلت: بل الأولى ألا يوصف شيء منها بأنه واجب عليه تعالى وألا يصرح بلفظ الوجوب بل يقال في جميعها لابد من أن يفعلها أو تتجنب هذه اللفظة على ما بلغني عن بعض الفضلاء رحمه الله أنه كان لاينطق بذلك تأدباً في حق الله جل جلاله وعظم شأنه، والذي يدل على أنه تعالى لايخل مما ثبت وجوبه عليه على سبيل الجملة أنه متوفر الدواعي إلى إيجاده ولا صارف له عنه، وكل من توفرت دواعيه إلى إيجاد فعل وعدم صارفه عنه فلا بد أن يفعله، والذي يدل على أن دواعيه تعالى متوفرة إلى ذلك خالصة عن الصوارف أنه تعالى عالم بوجوب ما ثبت وجوبه عليه، وعالم باستحقاق الذم على تركه ولامشقة عليه تعالى في إيجاده لقدرته على الممكنات وكونه عالماً بأن ترك الواجب والإخلال به بمنزلة الإقدام على القبيح صارف له عن الإخلال به فثبت بهذا أنه تعالى قد فقد صارفه وتوفرت دواعيه إلى فعل الواجب، فأما الذي يدل على أن من توفرت دواعيه إلى فعل وانتفت صوارفه عنه فإنه يفعله فتقريره بطريقين إحداهما أنه لو لم يفعله والحال هذه لبطل كونه قادراً عليه لأن من حق ما تعلقت قادريته به وفوقه على حسب داعيه وانتفاؤه بحسب صوارفه، وثانيهما بالرد إلى الشهد فإن الواحد منا متى توفرت دواعيه إلى الفعل وجب وجوده ومتى صرفه عنه صارف امتنع وجوده.
وأما الذي يدل على أن أفعاله تعلى كلها حسنة فهو أن الفعل الواقع من العالم لايخلو إما أن يكون له فعله أو لا، ولا واسطة بينهما، إن كان له فعله فهو الحسن، وإن لم يكن له فعله فهو القبيح، وقد ثبت أنه لا يفعل القبيح فثبت بذلك أن أفعاله كلها حسنة والحمدلله.
القول في خلق الأفعال
ذهب أهل العدل إلى أن أفعال العباد منهم، وهو مذهب أكثر أهل القبلة وغيرهم من أهل الأديان الكفرية.
وقال أهل الجبر: هي من الله تعالى، وإنما سمو جبرية لمذهبهم في هذه المسألة وقولهم بأن العبد مجبور على هذه الأفعال لااختيار له فيها.
قيل: وابتداء مذهبهم كان من الطاغي معاوية بن أبي سفيان ومن كلامه في الجبر: إنما أنا خازن من خزان الله أعطي من أعطى الله وأمنع من منع الله. فقال له أبو الدرداء: كذبت يا معاوية بل تعطي من حرمه الله وتمنع من أعطاه الله. وقيل: قاله أبو ذر وصدقه أبو الدرداء، ومن كلامه: ما أظهرني الله عليكم إلا وهو يريد ذلك. وقال لأهل الشام: إن الله أمرني عليكم. وقال: لو كره الله ما نحن عليه لغيره. وظهر الجبر وشاع في سلطان بني أمية وكان يقال: الجبر أموي، والعدل هاشمي.
واعلم أن من المخالفين في هذه المسألة المطرفية فإنهم يضيفون المتعدي من أفعالنا إلى الله تعالى ويصرحون بكونه منه، وأما المباشر فلا يضيفونه إليه، ولايقولون بالكسب ويقولون: إذا ضرب أحدنا غيره أو قتله فههنا ضارب ومضروب وضرب وانضراب، وقاتل ومقتول وقتل وانقتال، فالقاتل والمقتول ظاهران، والقتل ما يكون في يد القاتل، والآلة من الاعتمادات والحركات والانقتال ما يكون في المقتول من تفريق البنية والاعتمادات والحركات /405/ وزهوق الأرواح فهذا الانقتال فاعله الله عندهم تفرد بإحداثه، وهكذا الكلام في الانضراب وغيره من المتعديات كالانكسار ونحوه.
قوله: (كإضافة ألوانهم).
قالوا: فقولنا صلى فلان وصام وحج كقولنا: اسود وابيض وحي ومات. قالوا: والطاعات علامة إيصال الثواب منه تعالى إلى العبد لا أنه يستحق ذلك والمعاصي علامة إيصال العقاب إليه لا أنه يستحقه.
قوله: (وبه قال الأشعري) إلى آخره.
كما أن هذا قول الأشعرية فهو قول النجارية والكلابية.
قوله: (وقال المدعون للتحقيق منهم).
أشار به إلى الجويني وتلميذه الغزالي والقاضي أبي بكر الباقلاني وأبي إسحاق الاسفراييني وابن الخطيب الرازي، وهؤلاء من متأخريهم وهم المشاهير من علماء هذا المذهب واتفقوا على إنكار الكسب وتجهيل القائلين به، وإن حدوث أفعال العباد من جهتهم لكنهم ذهبوا إلى أن القدرة موجبة لمقدورها عند الدواعي. وقالوا بأنها صالحة للضدين لكن يجب أحدهما عند حصول الداعي، هكذا حكاه بعضهم.
والذي حكاه الإمام يحيى عن الباقلاني أنه يذهب إلى أن الإيجاد إنما هو بقدرة الله تعالى وأن تأثير قدرة العبد إنما هو في صفة زائدة للفعل وهي كونه طاعة أو معصية. قال: وهذا هو الكسب عنده. قال: وذهب الجويني إلى أن الإيجاد كما يكون حاصلاً بقدرة الله تعالى فهو أيضاً بقدرة العبد عند الاختيار ولامعنى للكسب عنده.
قال: وهو مذهب الإسفراييني منهم.
قوله: (لأنه لا اختيار لهم في السبب ولا في المسبب).
أراد بالسبب القدرة لأنها إذا كانت موجبة فهي سبب إذ حقيقة السبب حاصلة فيها وهي كل ذات توجب ذاتاً أخرى وإذا كانت سبباً فلا اختيار لنا فيها لأنها من فعل الله تعالى ولا فيما هو مسبب عنها إذ هو صادر على سبيل الإيجاب وغير واقف على الاختيار لا هو ولاسببه.
فصل
وقد اختلف أصحابنا في تفصيل الكلام عليهم.
قوله: (وقال أبو الحسين) إلى آخره.
وإلى هذه الطريقة وهي دعوى الضرورة ذهب محمود بن الملاحمي أيضاً ومال إليه الإمام يحيى.
قوله: (ولكن جحده علماؤهم).
يعني وهم العدد اليسير منهم، قال أبو الحسين: المتسمون بالعلم منهم ضربان ضرب ذو فقه وأصول فقه وعلم أدب فهؤلاء بمعزل عن علم الكلام وحكمهم فيه حكم العوام، وضرب منهم وهم العدد اليسير يتسمون بعلم الكم يجوز على مثلهم المكابرة واتباع الأهواء لأمور دنيوية وأما عوامهم وهم السواد الأعظم منهم فلو عرض مذهبنا ومذهبهم عليهم بحيث لاينسب إلى رؤسائهم فعند ذلك يقفون عن السب والتجهيل لهم، ويقولون: لا ندفع ما قال علماؤنا وهم في اطن أمرهم جائرون عمهون لايدرون ما يأتون ويدرون من اتباع مذاهب أسلافهم أو اتباع مذهب أهل العدل، ثم أنهم إلى الرجوع إلى قول أسلافهم أميل لمآربهم.
قال: وقد اتفق لي ذلك مع بعض المجبرة فإنه أنكر مذهبهم وذم قائله، فلما قيل له: إنه مذهب من يعظمونه من علمائهم أمسك عن الإنكار والذم وقد ذكر الفقيه أحمد بن حميد الحارثي عين المتكلمين بصنعاء أن مثل ذلك اتفق له مع بعض المجبرة ومما قررت به قاعدة أبي الحسين في دعوى الضرورة أن كل عاقل يعلم من نفسه أن وقوع تصرفاته موقوفة على دواعيه، ولولا دواعيه لما وقع منها شيء فمتى اشتد به الجوع وكان تناول الطعام ممكناً له فإنه يقع منه الأكل لامحالة ومتى اعتقد أن فيه سماً انصرف عنه وكذلك يعلم من حال غيره من العقلاء الذين أحوالهم سليمة وقوف أفعالهم /406/ ووقوعها بحسب دواعيهم وأراد بهم وأن الواحد منا إذا علم ماله من المنفعة في شرب الماء حال عطشه ولم يمنعه مانع فإنه يقع منه لامحالة ومتى علم ما علم من المضرة في دخول النار فإنه لابد حل فيها إذا كان الموجد للشيء هو من يحدث منه الفعل موافقاً لدواعيه وثبت عند العقلاء أنه قد تقرر في بدائه عقولهم أن العبد حاله كذلك علمنا أن لعمهم بكونهم محدثين لأفعالهم علم ضروري.
واعلم أنه لاخلاف في أن تعلق الأفعال بنا ضروري وفي حسن تعلق الأمر بها والنهي والمدح والذم ضرورة والمجبرة لايخالفون في ذلك على سبيل الجملة لكن يخالفون في التفصيل، وهو كون وجه التعلق هو الحدوث والجماهير من أصحابنا يقولون : لانعلم ذلك إلا استدلالاً. وأما أبو الحسين ومن تابعه فادعوا العلم الضروري بالتفصيل كما وقع الاتفاق عليه في الأمر الجملي.
وقد قيل: إن الناس كانوا قبل أبي الحسين بين منكر لكون العبد موجداً لأفعاله ومعترف بصحة الإيجاد بان لدعواه على النظر والاستدلال فكيف يسمع من أبي الحسين نسبة العقلاء إلى إنكار الضرورة.
وأجاب الإمام يحيى بأن من قبله متفقون على وجوب الإضافة إلينا ومعترفون بصحة وقوفها على أحوالنا وهم بين منكر لتأثير القدرة في الحدوث ومثبت جهة أخرى وهم عدد قليل وبين معترف بالحدوث مثبت له بطريق الاستدلال ويجوز أن يعرض اللبس في العلم بكونه ضرورياً أو نظرياً كما عرض للكعبي في خبر التواتر فظنه نظرياً فظهر أن كلام أبي الحسين مطابق للعقلاء ضرورة.
قوله: (وبين قوله أن الفعل موقوف على الداعي).
اعلم أن أبا الحسين يذهب إلى أن الفعل لايقع ولايصح وقوعه إلا لداع ومرجح، وأن وقوعه من غير اعتباره محال لأنه شرط في وجود الفعل وإلى هذا ذهب ابن الملاحمي والإمام يحيى، وهو قول متأخري الأشعرية خلاف ما ذهب إليه أبو هاشم وجمهور المعتزلة وغيرهم من المتكلمين أنه ليس بشرط.
وقال أبو الحسين: الفعل عند حصول المرجح واجب الحصول بالضرورة. قال الرازي: وإذا كان يذهب إلى هذا فالداعي علم ضروري أو ينتهي في آخر الأمر إلى العلم الضروري، وإذا كان الفعل لايقع إلا بالداعي الضروري وإنما ينتهي إليه فالداعي سبب للفعل ومؤثر فيه وفاعل السبب فاعل المسبب فالفعل على هذا من الله تعالى وادعى الرازي أن أبا الحسين يذهب إلى أن أفعال العباد من الله تعالى، وإنما كان يظهر لأصحابه إنكار ذلك وأن قوله كقولهم، بل أبلغ محاباة لهم وتستراً عن ذمهم له.
قوله: (فليس الداعي موجباً للفعل).
فيه سؤال وهو: أن أبا الحسين قد صرح بوجوب الفعل عند حصول الداعي.
وجوابه: ما ذكره الإمام يحيى من أن مفهوم الوجوب مشترك والغرض به هنا أن له أولوية بالوجود من ضده وتلك الأولوية حاصلة بالنظر إلى داعيه وإن كان ضده ممكناً بالنظر إلى قادريته لأن العقل لايأبى إثبات واسطة بين التساوي والتعيين على سبيل الوجوب، وهو أن يكون أحد الجانبين أولى بالحصول من الآخر وإن لم تنته تلك الأولوية إلى درجة الوجوب، ولهذا فإن أحدنا يستحق المدح والذم إذا ترك الفعل عند توفر دواعيه، وأما عند حصول الإلجاء فلا يستحق مدحاً ولاذماً، وهذا يدل على إمكان الترك عند حصول تلك الأولوية.
قوله: (فإن قال نعم يقدر على ذلك فقد ترك مذهبه).
فيه نظر لأنه لاينفي القدرة، وإن قال بأنها موجبة فكان الأولى أن يقال: هل لأبي الحسين اختيار في أن يقول ولك في أن تتعجب لأن ظاهر مذهبه نفي الاختيار /407/ لقوله بالقدرة الموجبة وكذلك في سائر كلام المصنف على الرازي.
فصل
وقد استدل سائر الشيوخ وهم الذين لايدعون الضرورة في تفضيل تعلق الأفعال بوجوه من الأدلة.
قوله: (وأبطله الجمهور بأن الداعي أيضاً فعل).