والثاني: الواجب الذي هو في مقابلة الجائز. يقال: صفات الله واجبة له، المعنى أنها غير جائزة.
والثالث: الذي هو في مقابلة الاختيار كما يقال: كون الجسم متحركاً صادر عن مؤثر على سبيل الوجوب أي ليس بمختار.
والرابع: الذي يراد به الثابت المستمر يقال من توفرت دواعيه إلى الفعل وصوارفه عن تركه وجب حصول الفعل منه بمعنى استمر حصوله.
قوله: (ويدخل في ذلك ما يكون استحقاق الذم على الإخلال به عارضاً).
اعلم أن المصنف استشعر ورود إشكال على حده للواجب وهو أن يقال: يلزمك أن يكون أكل الميتة وشرب الخمر واجباً لأنه يستحق الذم على تركه على بعض الوجوه وهو مع الضرورة وخشية التلف فأراد أن ينبه في الحد على دفع هذا الإشكال، ولكن صعب عليه الاحتراز ولم تتسهل له العبارة لأنه إن ساتثنى ذلك وقال: إلا في حالة عارضة لزم إخراج أكل الميتة ونحوه مطلقاً في حالة الضرورة وغيرها، وليس كذلك فإنه في حالة الضرورة واجب لامحالة، فقال: ويدخل في ذلك. إلى آخره.
ودخوله قد حصل من قوله: على بعض الوجوه. لكنه دخل معه غيره وهو أكل الميتة ونحوه في غير حال الضرورة وهذا الذي زاده المصنف لايخرجه ففي العبارة ركة، وإن كان المقصود معروفاً.
ولو قيل: ما إذا لم يفعله القادر عليه استحق الذم على بعض الوجوه مالم يكن أصله القبح ولايجب إلا في حالة عارضة لكان أوضح وأسلم والله أعلم.
قوله: (لتدخل الواجبات المخيرة).
يعني كالكفارات الثلاث فإن المكلف إذا فعل واحدة منها وترك الآخرتين فقد ترك واجباً ولايذم على تركه في هذه الحال لكنه يذم على تركه على بعض الوجوه وهو حيث لايكون قد فعل ما فعله.
قوله: (وفرض الكفاية).
يعني فإنه إذا فعله بعض المكلفين وتركه الآخرون فإنهم لايذمون على تركه في هذه الحال، وهو واجب عليهم، لكنهم يذمون على بعض الوجوه وهو حيث تركه ولم يفعله غيرهم.
قوله: (والواجب الموسع).

يعني فإن المكلف إذا تركه في أول الوقت فربما سمي تاركاً للواجب ولايستحق الذم لكنه يستحقه على بعض الوجوه وهو حيث تركه حتى خرج الوقت أو تركه في أوله غير عازم على فعله في بقية وقته.
قوله: (والمطلق الذي تركه صغير).
يعني فإن تاركه لايذم حيث له ثواب أكثر من عقاب تركه ويذم على بعض الوجوه حيث تركه ولاثواب له يزيد على عقاب تركه وأراد بالمطلق مالم يرد مؤقتاً بوقت كالحج ونحوه.
قيل: والاحتراز في حد الواجب عما تركه صغير وفي حد القبيح عن الصغيرة لتدخلا بقولنا: على بعض الوجوه لايتأتى إلا على مذهب متقدمي المعتزلة من أن الغصيرة تنقسم إلى محققة ومقدرة فالمحققة حيث يكون ثواب فاعلها أكثر من عقابها والمقدرة حيث لايكون ثوابه أكثر لكنه يمكن أن يكون أكثر بحيث أنه لو كان له ثواب كثيراً لوقعت مكفرة في جنبه فأما على اصطلاح متأخريهم وهو أن الصغيرة ليست إلا قسماً واحداً وهو المحققة فلا نحتاج إلى الاحتراز منها ولايصح.
قلت: وما ذكره ليس بصحيح فإن الاحتراز محتاج على كلا المذهبين إذ المراد أن هذا الفعل أو الترك المعين الذي هو صغيرة في حق هذا الفاعل المعين الذي ثوابه أكثر من عقابه يستحق الذم عليه على بعض الوجوه، وهو حيث يصدر منه ولا ثواب له يزيد على عقابه وسواء قلنا بأنه حينئذ صغيرة مقدرة أو لا.
قوله: (لعدم التنافي).
أراد الذي يستحق الذم عليه على كل وجه يستحق الذم عليه على بعض الوجوه قطعاً فقد دخل في المحدود، وفيه نظر. /393/
تنبيه
الواجب يسمى أيضاً فرضاً ولازماً ولازباً وحتماً، والحنفية يفرقون بين الفرض والاوجب فيجعلون الفرض ما دل على وجوبه دليل قاطع، والواجب ما الدليل عليه ظني.
قوله: (وينقسم إلى عقلي) إلى آخره.

هذه القسمة بحسب طريقه، والعقلي: ما علم وجوبه بالعقل وهو ضربان: ضروري كقضاء الدين ورد الوديعة وشكر المنعم. واستدلالي: كوجوب المعارف الإلاهية وشكر المنعم المعلوم إنعامه دلالة. والشرعي: ما لانعلم وجوبه إلا من جهة الشرع ولا يقال ما علم وجوبه من جهة الشرع، فإنه يدخل فيه ما علم وجوبه عقلاً وشرعاً وليس بشرعي بل هو عقلي لسبق العقل إلى معرفة وجوبه ولأن دليل العقل أقوى، فأما ما تطابق فيه العقل والشرع من العمليات وكان يجوز أن يرد الشرع فيه بخلاف حكم العقل فإنه شرعي مثاله: ما ورد الشرع بتحريم ذبحه من الحيوانات التي لايؤكل لحمها. ذكر ذلك أبو الحسين وغيره.
وذهب الشيخ الحسن وصاحب الجوهرة إلى أن ما هذه صفته عقلي، والشرعي ضربان: ضروري كالصلاة والزكاة والحج والصوم، فإنه يعلم بالضرورة أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أتى بشرعيتها وكان يدين بها، واستدلالي كتفاصيل فروض الصلاة والوضوء وأعمال الحج ومقادير النصب في الزكاة ونحو ذلك.
تنبيه
اعلم أن قولنا شرعي أعم من أن نقول: سمعي. لأن لاسمعي مقصور على ما يسمع من الأدلة الشرعية نحو كلام الله وكلام رسوله والشرعي يدخل فيه غير ذلك كدلالة فعله صلى الله عليه وآله وسلم والقياس.
قوله: (وينقسم إلى مخير) إلى آخره.
هذه قسمة للواجب بحسبه في نفسه.
قوله: (تقوم مخالفة في الصورة مقامه).
وإنما لم يقل يقوم غيره لأنه ليس في الواجبات شيء لايقوم غيره مقامه فإن الصلاة في جانب من المسجد تقوم مقامها الصلاة في جانب آخر مع أنها أعيان أخر، ولسنا نكلف باتحاد أعيان الذوات لأنها لاتميز لنا عن غيرها فالتكليف بها تكليف بغير الممكن.
قال السيد مانكديم: وإن وجد فيما يجب على الله تعالى يعني لأنه لايمتنع اختصاص المصلحة الدينية بأعيان يوجدها الله تعالى دون غيرها وهو تعالى قادر عليها عالم بتميزها كبعثته من علم أن المصلحة له ولسائر المكلفين في إرساله دون غيره.

قوله: (كرد الوديعة بالنفس أو بالغلام).
جعل هذا مثلاً للمخير العقلي والأولى في تمثيله أن ينزل بإنسان داء فقيل له: تنفعك الحجامة أو شرب هذا المسهل لأن اختلاف الصورة ههنا واضح.
قوله: (وينقسم إلى موسع) إلى آخره.
هذه قسمة بالنظر إلى وقته وكان الأولى في هذا النوع من التقسيم أن يقال: وينقسم إلى مطلق لاوقت له كالزكاة والحج ونحو ذلك وإلى مؤقت وهو ضربان موسع ومضيق وقد قيل في حقيقة الموسع ماله وقت يسعه ويزيد عليه، وفي حد المضيق ما له وقت يسعه أو بعضه ولايزيد عليه. ذكره بعضهم. قال: ولايكون الواجب المؤقت إلا في الواجبات الشرعية.
قوله: (والمندوب هو ما كلفنا فعله) إلى آخره.
هذا بناء على مذهب أبي إسحاق بن عباس وهو أنا مكلفون بالمندوب خلاف ما ذهب إليه ابن الحاجب وغيره من أنه ليس بتكليف. قال ابن الحاجب: والخلاف هذا لفظي. فقال بعض شارحي كتابه: لأنه إن أريد بالتكليف ما يترجح فعله على تركه سواء ذم تاركه أم لا فهو تكليف وإن أريد به مطلوب طلباً يمنع تركه فليس بتكليف وهكذا المكروه في جانب النهي فإنه كالمندوب في جانب الأمر خلافاً واحتجاجاً.
قوله: (وأما ذم الفقهاء) إلى آخره.
إشارة إلى ما نسب إلى الناصر وأكثر المعتزلة /394/ أنه من اعتاد ترك النوافل فسق، وعن القاضي أن ترك السنة لغير عذر محظور، وظاهره فيه غاية الضعف فلا تفسيق إلا بقاطع. وقد قال صلى اللّه عليه وآله وسلم في الأعرابي الذي أقسم لازاد على الفرائص ولانقص: (( أفلح وأبيه إن صدق )) .
قوله: (والمكروه) إلى آخره.
إنما سميم كروهاً تجوزاً لأن النهي عنه ليس بنهي على الحقيقة إذ لاتقترن به كراهية لكن لما أشبه القبيح في أنه يستحق بتركه الثواب سمي مكروهاً ومثاله في الشرع واضح والعقلي منه كالتعبيس وعدم البشر لغير سبب.

فصل في الوجه الذي لأجله وجب الواجب وقبح القبيح وحسن الحسن
قوله: (جملة أو تفصيلاً). قد بينهما في قوله: (فلا يعلم قبح الظلم) إلى آخره.
ويعرف منه أن من علم كونه ظلماً فقد علم وجه القبح جملة ومن علم أن كونه ظلماً هو المؤثر في قبحه فقد علمه تفصيلاً.
قوله: (من نحو كونها ظلماً وعبثاً) إلى آخره.
اعلم أن أمهات القبائح أربع: الظلم والكذب والعبث والجهل. وإنما قبحت لكونها ظلماً وكذباً وعبثاً وجهلاً، وما عداها من القبائح راجع إليها وضابط ذلك أن يقال: الوجه الذي إذا وقع عليه الفعل كان قبيحاً لايخلو إما أن يكون من حيث تعلقه بغيره أو من حيث الفعل نفسه، فالأول الكذب والجهل، إذ وجه قبحهما كون متعلقهما لا على ما هو به.
والثاني لايخلو إما أن يكون عدم الغرض في الفعل فهو العبث، أو كون فيه ضرر خالص وهو الظلم فلا يرد قبح الظن الذي متعلقه لا على ما هو به لأن له مقتضياً وهو الأمارة بخلاف الكذب والجهل، فلو قدرنا صدور ظن لا عن أمارة متعلقة لا على ما هو به لكان قبيحاً لكنه لايقع إذ لا داعي غليه.
قوله: (ومفسدة ونحو ذلك).
المفسدة: ما يكون المكلف معه أقرب إلى فعل القبيح وترك الواجب وأراد بنحو ذلك سائر القبائح كالكذب والجهل.
قوله: (بحسب خلاف في النوافل سيأتي).
إشارة إلى ما ذهب إليه الجمهور من أن وجه حسنهما كونها مسهلة للفرائض وسيأتي بحقيقة وفي المحيط عن بعض المتكلمين أن وجه حسنها كونها ألطافاً في الواجبات الشرعية دون العقلية، وهذا الفعل فاسد لأنه يقتضي وجوبها ووجه كراهة المكروه أن تركه مسهل لترك القبائح وليس فعله مفسدة داعياً إلى فعلها إذن لقبح ولايلزم من القول بأن النوافل تسهل الواجبات أن يكون داعم إليها ولطفاً فيها فيجب بل كما يقول من تعود الأشعار سهلت عليه وإن لم يكن السفر الأول داعياً إلى الآخر واعلم أن وهج وجوب الواجبات العلمية كونها ألطافاً في العقلية العملية ووجه قبح الاعتقادات الجهلية والتقليدية و........ كونها مفاسد في الواجبات العقلية العملية ذكره بعضهم.

تنبيه
إن قيل: إذا كان وجه وجوب الواجب الشرعي كونه لطفاً فما قولكم في فرض الكفاية أهو لطف لفاعله فقط أو له ولغيره أو لغيره فقط؟ فإن قيل نأخذ الأولين لزم أن يتعين عليه، وإن قيل: بالثالث لزم ألا يجب عليه لأن نفع الغير لايجب.
والجواب: أنه لطف له ولهم جميعاً ولايلزم أن يتعين عليه لأنه لطف للجميع من أي فاعل كان وليس لفاعله من الإلتطاف به إلا كما لغيره، وإنما يختص بثوابه لا غير، ومن هنا قيل بأن ثوابه أكثر من ثواب فرض الغير لإسقاطه الوجوب عن الكل.
قوله: (لولا هذا لما حسن التكليف).
وذلك لأنها إذا لم تكن واجبة في أنفسها أو قبيحة كان التكليف بها فعلاً أو تركاً عبثاً لافائدة فيه، ولم يكن لجعل هذه واجبة في أنفسها أو قبيحة كان التكليف بها فعلاً أو تركاً عبثاً لافائدة فيه، ولم يكن لجعل هذه واجبة وهذه قبيحة معنى إذ لامخصص.
قوله: (أرادوا بذلك أنا نعلم بالضرورة قبح كل مفسدة في الدين وحسن كل مصلحة في الدين). /395/
فيه نظر لأن أمر الدين وشأنه غير معلوم بالضرورة فكيف يعلم بالضرورة قبح ما هو مفسدة فيه، وحسن ما هو مصلحة فيه، وهو يستلزم أن يعلم الفرع ضرورة مع أن الأصل لايعلم إلا بالاستدلال، ولعله يجاب بأن المراد بالدين وجوب الواجبات وقبح المقبحات على الإطلاق، وفي ذلك ما نعلم ضرورة.
فصل
قوله: (وذهب البغداديون من شيوخنا إلى أن القبيح يقبح لعينه).
قد تؤول كلامهم بأن معنى كون القبيح ذاتياً للظم مثلاً أنه لايقع ظلم إلا وهو قبيح، وكذلك سائر القبائح فهو ذاتي لما قد حصل فيه وجه القبح المجرد ذات الفعل فيكون جعله للذات تجوزاً، ويعود مذهبهم إلى مذهب البصريين.
قوله: (وقال ابن الإخشيد).
هو أبو بكر محمد ذهب هو وأتابعه إلى أنه قبح الفعل للإرادة المتعلقة به من جهة فاعله.

قيل: وإنما زادوا أن الذي يؤمر في وقوع الفعل على وجه دون وجه هو الإرادة والقبح فرع على وقوعه على وجه مخصوص فإذا لم يقع على ذلك الوجه إلا بالإرادة كانت هي المؤثرة في قبحه لأنه ما أثر في السبب فهو المؤثر في المسبب، وعلى هذا فالخلاف بيننا وبينهم يعود إلى الوفاق فإنهم على هذا يوافقوننا في أنه يقبح لوقوعه على وجه ونحن نوافقهم أنه لايقع على ذلك الوجه إلا بالإرادة. وفيه نظر.
قوله: (وسيتضح عن قريب).
يعني إبطال أقوال المخالفين والرد على ما احتجوا به.
تنبيه
لم يذكر المصنف هذا الدليل على أن وجه وجوب الشرعيات وقبح القبائح الشرعيات ما ذكره فلنذكر ما يذكره الأصحاب في ذلك مفصلاً، أما الذي يدل على أن وجه وجوب الشرعيات كونها مصالح لنا فهو أن الله تعالى قد عرفنا وجوبها ولا يصح أن يجب لا لأمر وإلا لم يكن وجوبها أولى من عدمه، وإذا كان وجوبها لأمر فلا يصح أن يكون هذا الخبر بوجوبها أو الأمر بها لأنها مالم تكن واجبة لم يحسن الإخبار بوجوبها ولا الأمر بها بل يقبح لأن إيجاب ما ليس بواجب قبيح.
وكان يلزم وجوب المباح والقبيح لو وقع الإخبار بوجوبهما أو الأمر بهما مع ثبوت وجه القبح والإباحة ولايصح أن تكون واجبة للثواب لأن طلبه لايجب وإلا لوجبت النوافل ولايصح وجوبها لدفع ضرر العقاب لأن استحقاق العقاب بتركها فرع وجوبها فيؤدي إلى الدور فلم يبق إلا أن وجوبها علينا لكونها مصالح وألطافاً ولايصح أن تكون لطفاً في المعارف الإلاهية لأنا لانعلم وجوبها إلا بعد حصول تلك المعارف فلم يبق إلا أن تكون لطفاً في الواجبات العقليات العمليات، وترك المقبحات العقليات.
والذي يدل على أن القبائح الشرعية قبحت لكونها مفاسد أن الله تعالى نهى عنها وأعلمنا بقبحها ورغب في تركها، فإما أن تقبح لأمر أو لا لأمر وتعود القسمة التي ذكرناها آنفاً في الواجبات الشرعية.
قوله: (ويبطل قول البغداديين) إلى آخره.

هذا الذي ذكره وجه صحيح في إبطال قولهم وقد ذكر أصحابنا في إبطاله وجوهاً أخر منها:
أن صفة الذات يرجع إلى إفراد الذوات فكان يلزم في كل حرف من حروف الكذب أن يكون قبيحاً وإن لم ينضم إليه غيره.
ومنها: أن القبيح لو كان قبيحاً لذاته لكان يجب كونه قبيحاً في حالة العدم بناء على مذهبهم في ثبوت الذات وصفتها الذاتية في حالة العدم.
ومنها: أن القبح لو كان لصفة ذاتية لوجب في كل القبائح أن تكون متماثلة لأن الاشتراك في الحكم الصادر عن الصفة الذاتية يقضي بالاشتراك في الصفة الذاتية والاشتراك فيها يقتضي التماثل واختلافها لاشك فيه لكن جميع هذه الوجوه مؤاخذة لهم بظاهر قولهم، ومجاراة لهم بحسبه وكلامهم قد يؤل بما ذكرناه، وقد حمل الرازي كلام الشيخ أبي القاسم في هذه المسألة وفي غيرها كقوله في الواجب والحسن والأمر والنهي والخبر وجميع الأوصاف /396/ التي تجري على الأفعال على أن مراده بقوله فيها لذاته وعينه، أن عين الضرر الذي فيه حقيقة الظلم يكون ظلماً، وكذلك الجهل والكذب والعبث ونحو ذلك لاتختلف الحال فيه، ولايحتاج في كونه كذلك إلى إرادة، وكذلك قوله في أنواع الكلام كالأمر فإنه بالوضع اللغوي موضوع للأمر من غير اعتبار إرادة كالأسد والحمار، وكذلك غيره من ضروب الكلام.
قيل: وكلام الرازي بنفسه يقضي بذلك سيما في ضروب الكلام وحمله لكلام أبي القاسم على ما ذكر ليس بالبعيد وهو جيد على النظر.
قوله: (وكذلك لو نفى الاعتقاد).
أي لو قدرنا أنه مما ينفى فبقي لكان على ما ذكر ويتضح الكلام في ذلك على مذهب أبي هاشم.
قوله: (بل من لايثبتها) يعني نفاة المعاني وقد تقدم ذكرهم.
قوله: (ويعدوا ذكره فيه دور) إلى آخره.
فيه إشكال لأنه إنما يكون دوراً لو قال: بأن قبح الفعل لقبح الإرادة كما توهمه عبارة المصنف لكن ظاهر مذهبه أنه يقبح للإرادة نفسها لا لقبحها فلا دور.
قوله: (وبعد فلو سلمنا ذلك).

أي توقف قبح الكذب على إرادة الإخبار عن الشيء لا على ما هو به وإن كنا لانسلمه فإن القبح وكون الخبر كذباً لايتوقف على تلك الإرادة وإنما يكون كذباً لأن خبره لا على ما هو به سواء أراد ذلك أو لم يرده.
قوله: (والبراهمة) إلى آخره.
لا إشكال في أنهم لايعلمون كوننا منهيين مأمورين لإنكارهم النبوات والشرائع وأما كوننا مملوكين مربوبين فيعلمونه لاعتقادهم ثبوت الصانع والله أعلم.
قوله: (وبعد فيلزم ألا يجب علينا معرفة النبوة) إلى آخره.
هذا الوجه خاص في إبطال القول بأن علة الحسن والقبح الأمر والنهي لا كوننا مملوكين مربوبين إذ لاتتوقف معرفة ذلك على العلم بالنبوة فلم يكن إلى قوله مملوكين مربوبين حاجة.
قوله: (وأما نهي صاحب الدار) إلى آخره.
هذا جواب عن سؤال مقدر حاصله التزام أن يؤثر نهينا في القبح فإن من نهى الغير عن دخول داره أو وطئ أرضه أو نحو ذلك صار فعله لذلك قبيحاً ولاعلة له إلا النهي. فأجاب عنه بأن نهيه لم يكن علة لقبح تلك الأفعال بل كاشفاً عن عدم رضاه وفعلها مع عدم رضاه يقبح لأنه إضرار به لانفع فيه ولادفع ولا استحقاق فكان ظلماً وكونه ظلماً وجه في قبحه وفيه نظر، لأنه يقبح وإن فرض عدم الضرر لكن يقبح حينئذ لا لمجرد نهيه بل لأن الشارع نهى عن التصرف في ملكه بغير رضاه، ونهيه قد كشف عن عدم الرضا فيكون ذلك من مناهي الشرع.
قوله: (شبهتهم أنه يقبح من الله تعالى فعل الظن).
يقال: كيف يتصور احتجاجهم هذا وهم لايقولون بأنه يقبح من الله شيء لعدم نهيه وأي دلالة في هذا على أن القبيح يقبح للنهي عنه وهذا إشكال ظاهر فلعلهم أتوا بهذه الشبهة توصلاً إلى بطلان قولنا كأنهم قالوا: إذا كان القبيح يقبح لوجه نفع عليه فلم قضيتم بقبح الظن من الله تعالى دوننا مع أن الوجه قد حصل في الموضعين.
قوله: (من حيث لاحكم للظن) إلى آخره.

قد يسلك في تعليل قبحه منه تعالى وجه آخر وهو أن يقال: يقبح من حيث يكون صادراً منه تعالى لا عن أمارة ينظر فيها لأنه يستحيل كونه ناظراً في الأمارة إذ من حق الناظر الشك والتجويز.
قوله: (وهو تعالى عالم لذاته) فلو فعل الظن لفعله لا عن أمارة، والظن الصادر لا عن أمارة قبيح إذ لافائدة فيه ولاثمرة تحته.
قوله: (لأنه يستجلب به الضرر على نفسه).
يعني وهذا وجه قبح فقبح ذلك الفعل لأجله منا ولم يحصل هو ولا غيره من وجوه القبح في التكليف الصادر منه تعالى ونظير هذه الشبهة قولهم أنه يحسن من الله تعالى إنزال العقوبة بالعاصي وإرادة إنزالها ويقبح من العاصي أن ينزل ذلك بنفسه أو يريده. /397/
والجواب كالجواب في أنه قبح من الفواحد منا لكون ذلك ضرراً ولو أمكنه دفعه لوجب عليه فكيف يحسن منه إرادته ولم يقبح من جهته تعالى لأنه لاضرر عليه فيه مع استحقاق العاصي له.
فصل
عندنا أنه يعلم بالعقل وجوب كثير من الواجبات وقبح كثير من المقبحات وحسن كثير من المحسنات.
قوله: (أي لاعمدة لها إلا الشهرة).
إشارة إلى ما يقولون من أنا لاننكر قبح هذه الأمور وحسنها ولكنا نقول أنها أمور مشهورة وآراء محمودة عند العقلاء تنغرس في مبدأ الصبا وأوائل النشو، وربما تنشو عن التسالم وطيب المعاشرة وربما تحصل من الحنو والرقة، ولاستحسانها واستقباحها أسباب كثيرة لاتنضبط وليست أموراً بديهية يقتضيها العقل بصريحه كما يقتضي سائر الأمور البديهية.

77 / 158
ع
En
A+
A-