يعني من حيث أنه لايجعل الذات على صفة من دون واسطة إلا الفاعل لها والاتحاد عندهم صفة مع أن الفاعل لاتخير له في ذلك وإلا كان يصح منا أن نجعل الأشياء المتعددة من مقدوراتنا شيئاً واحداً، ولو صح ذلك لصح من الفاعل أن يجعل الشيء الواحد أشياء كثيرة.
قوله: (فلا يكون لها اختصاص بأفنوم الابن).
يعني فيجعله متحداً بعيسى دون أفنوم الأب وأفنوم روح القدس، لنه إذا كانت الأفانيم جميعاً قديمة كانت متساوية فلا يصح أن يختص ببعضها علة دون البعض الآخر إذ العلة التي تختص بذلك البعض إنما تختص به لوجودها على حد وجوده، وجميع القدماء موجودون على حد واحد.
قوله: (والأول /387/ والثاني باطلان بالاتفاق).
يعني وهو أن يصير المحدث قديماً أو القديم محدثاً، فإن ذلك لايتوصر إذ القديم الموجود في الزل فكيف يصح مع أنه قد وجد في الأزل أن يصير بعد ذلك غير موجود في الأزل، وهكذا الكلام في المحدث.
قوله: (والثالث يبطل معنى الاتحاد).
يعني وهو أن يكون كل واحد منهما باق على حقيقته والناسوت ذات محدثة واللاهوت ذات قديمة إذ مع قدم أحدهما وحدوث الآخر لا شك في كونهما غيرين ومع كونهما غيرين لايكون للاتحاد معنى.
قوله: (فيلزم قيام صفة بموصوفين).
هذا الوجه يختص بالقائلين بأن أفنوم الأب وسائر الأفانيم صفات فأما من جعلها أشخاصاً أو معاني فلا يلزمه ذلك، وإنما استحال قيام صفة بموصوفين للزوم قيامها بأكثر من ذلك وأن يتعدى إلى الاختصاص بموصوفين كثيرين وذلك محال.
قوله: (في حكاية الإثبات فاخمدوهم لأجل ما فعلوه).
لايبعد أن يكون مصحفاً والأصل: ما طلبوه، أو نحوه، ليناسب هذا البيت سائر الأبيات في التزام الباء الواقعة قبل الضمائر وما في حكمها.
قوله: (والكلام عليهم على جهة التفصيل).
يعني بتقسيم الاتحاد إلى ما يحتمله كلامهم والرد عليهم على كل وجه مما يحتمل أن يكون مراداً لهم.
قوله: (وخروج الموصوف عن صفة ذاته أو حصوله على أكثر من صفة للنفس).
يعني لأنهما إذا صارا ذاتاً واحدة وقد كان لكل واحد منهما قبل ذلك صفة ذاتية إذ قد كان مما يصح أن يعلم على انفراد فحين صارا ذاتاً واحدة لابد من أحد أمرين إما زوال إحدى الصفتين الذاتيتين التي كان أحدهما يستحقها ويختصان بصفة واحدة إذ قد صار ذاتاً واحدة وهو محال لأن خروج الذات عن صفتها الذاتية محال على ما هو مقرر في موضعه ثم أنه ليس إحدى الصفتين بأن تزول أولى من الأخرى أو تثبت الصفتان جميعاً مع أنهما قد صارا ذاتاً واحدة وهو محال لأنه لايجوز اختصاص ذات واحدة بصفتين ذاتيتن لأن الصفتين الذاتيتين إن كانتا في حكم المتماثلتين لزم مماثلة الذات لنفسها لحصولها على ما لو حصل عليه غيرها لماثلها وإن كانتا مختلفتين لزم مخالفتها لنفسها لحصولها علىما لو حصل عليه غيرها لخالفها والمماثلة والمخالفة فرع على الغيرية وكون الذات غيراً لنفسها محال، وقد تقدم تقرير هذه الطريقة وذكر ما يرد عليها من الإشكالات وقد قيل إنه يلزمهم الأمران جميعاً لأنه مع اتحاد الذاتين وتصيرهما ذاتاً واحدة يلزم خروج إحدى الذاتين من صفتها الذاتية من حيث أنه لايصح اتصاف ذات واحدة بصفتين ويلزم أن تثبت الصفتان جميعاً من حيث أنه لايجوز خروج الذات عن صفتها الذاتية ولأنه ليس أحد الصفتين بالزوال أو الثبوت أولى من الأخرى فيلزمهم كلا الأمرين وهو الذي تقضي به بعض نسخ الشرح للسيد الإمام.
قوله: (لأن إرادة الباري لاتختص بالأجسام).
يعني لكونها موجودة لا في محل واختصاصها بالأحياء من الأجسام لايكون إلا بحلولها فيهم لأنه غاية مايمكن الاختصاص به تعالى ولابسائر الأحياء غاية ما يمكن من الاختصاص إذ لم يوجد على حد وجوده ولا خلت في سائر الأحياء، فإذا أوجبت له مع عدم الاختصاص أوجبت لهم أيضاً إذ لافرق.
قوله: (لجاز أن يتحدا في العلم وغير ذلك).
تلخيصه أن يقال: لو اتحد الباري تعالى والمسيح مشيئة بمعنى أن إرادة عيسى أوجبت له تعالى مع عدم اختصاصها به إذ لم يوجد على حد وجوده لزم مثل ذلك في علم عيسى وقدرته وحياته أن يوجب صفات له تعالى وإن لم تكن مختصة به قياساً على الإرادة مع كون موجبات هذه المعاني جائز عليه تعالى كموجب الإرادة فلا يقال: إن موجباتها /388/ تستحيل عليه تعالى فإن التزم الخصم ذلك لزم منه جواز أضداد هذه الصفات عليه لأن من حق من جازت عليه صفة معنوية أن يجوز عليه ضدها، ولهذا لما جاز كونه تعالى مريداً لمعنى جاز كونه كارهاً كذلك.
قوله: (وبالجملة فكل حيين يصح أن يختلفا في الإرادة).
يعني فلا يصح القول بأن إرادتهما واحدة، وأن مرادهما واحد.
فصل في شبه النصارى
قوله: (ما لايفعله إلا الله تعالى).
يعني كقلب العصا حية، وإخراج الناقة من الجبل.
قوله: (أو يكون في الحكم كأنه من فعله).
يعني كالسير في الهوى وفوق الماء ونتق الجبل، وقلب المدن، فهذه وإن كانت ليس بأفعال له تعالى فهي في الحكم كأنها من فعله إذ لا تكون إلا مع أن يقدره تعالى على ذلك وهو خارق للعادة.
إذا ثبت هذا قلنا: ما من نبي إلا وقد ظهرت المعجزات على يديه فيلزمهم القول بأن الأنبياء جميعاً أبناء له تعالى وأنه اتحد بهم وهم لايقولون به وليس للمسيح في تلك الخوارق التي ظهرت له إلا كونها كانت على يديه وإلا فهي فعله تعالى فعلها تصدياٌ له.
قوله: (وشيء من غير أب).
ذلك موجود في أنواع الطيور فإن من إناثها ما يبيض مع عدم الذكر ويخرج الولد من بيضته.
قوله: (وبعد فالكلام عندنا عرض محدث يعدم في الوقت الثاني).
يعني فلا يمكن حمل الآية على ظاهرها ولايكون فيه حصول مرادهم وإنما قال: عندنا؛ لأن الأشاعرة يجعلون الكلام معنى في النفس.
قوله: (فالروح عندنا هو النفس).
النفس بفتح الفاء وهي الأجزاء التي تتردد في مخارق الحي وقد حكي عن بعضهم أن الروح الحاية التي هي عرض. والحجة عليه ما ذكره حيث قال: (توضيحه) إلى آخره.
وقد ذهب أبو الهذيل إلى أن هذه الأجزاء الباردة هي الحياة وهي الت توجب كون الحي حياً ورد بأن الأجسام لاتوجب الصفات واختلفوا في هل الحياة تحتاج إلى الروح أو لا. فقال الشيخ أبو هاشم رحمه الله: تحتاج إليه فإن من منع من النفس بطلت حياته على طريق الاستمرار، وإذا كانت الحال مستمرة في ذلك عرفنا حاجة الحياة إليه.
وقال الشيخ أبو علي رحمه الله: بل لاتحتاج إليه إذ لو احتاجت إليه لوجب أن تشيع الحاجة في كل محل فيه حياة مع علمنا بأن الروح لاتجاوز أكثر المحال ولبسط الكلام في ذلك موضع أخص به.
قوله: ( {وأيدهم بروح منه} أي بهداية).
الذي ذكره في بعض التفاسير، قيل: بنصر. وقيل: بالإيمان. وقيل: بالقرآن. وكلام المصنف مناسب لما ذكره جار الله فإنه قال: وأيدهم بروح منه: بلطف من عنده حييت به قلوبهم.
قوله: ( وقال إني ذاهب إلى أبي وأبيكم) هو بالباء الموحدة.
قوله: (وكتاب الله العزيز مشحون بإبطال مذهب النصارى).
يعني في التثليث والبنوة، كقوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة}، وقوله تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه هو الغني} ونحو ذلك من الآيات.
وقد أجاب الإمام يحيى عليه السلام على تسليم صحة نقلهم بأن معناه أنه يضهب إلى الموضع الذي أمره الله تعالى الرؤوف بهم وبه المالك له ولهم لأنه يتجوز بالأبوة عن الرحمة والرأفة لأن شفقة الآباء على الأبناءمعروفة فجاز أن يتجوز باسم الأب عن الرؤوف الرحيم وذلك لايقتضي أن يسمى المرحوم ابناً قياساً بل لابد من أذن سمعي.
وقد أجيب أيضاً بأنه لو صح ما قلتم لوجب ألا يقتصروا عليه لأنه قال: أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم. فلم يخص نفسه بذلك ثم أن الابن حقيقته في اللغة من خلق من ماء الأب، والابن في الشرع المولود على فراش الأب، والأب لغة من خلق الولد من مائه، وشرعاً من /389/ ولد الولد على فراشه ولايصح أي هذه الأشياء المعتبرة لغة أو شرعاً في حقه تعالى وحق المسيح والابن وإن استعمل في غير ذلك تجوزاً فهو بشرطين: أحدهما أن يكون من جنس الحيوان الذي منه الأب. الثاني أن يكون دونه في السن وكل هذا لايصح في حقه تعالى والمسيح، فهذه الجملة تبطل ما يقوله اليهود من أن عزير ابن الله.
تنبيه
مقالات اليهود والنصارى في عيسى عليه السلام على طرفي نقيض، أما اليهود فغلوا في بغضه وقالوا: ولد لغير رشدة، وأطنبوا في سبه وبالغوا في ذمه، وأما النصارى فغلوا في تعظيمه هو وأمه ومدحهما حتى قالوا: هو إله، وأمه كذلك.
فائدة
سمي عيسى عليه السلام بالمسيح لأنه مسح بالبركة. وقيل: من مسح الأرض، لأنه عليه السلام كان يمسحها بمعنى أنه يسير فيها أكثر من يغره. وقيل: سمي بذلك لأن باطن قدمه كان مسنوناً ليس فيه انخفاض كالأقدام المعتادة. ولايقال: فكان الدجال سمي مسيحاً لذلك فإنه سمي مسيحاً لأنه ذو عين واحدة وعينه الأخرى مساوية لخده. وقيل: لمسحه الأرض كما تقدم في عيسى عليه السلام.
تنبيه
لا كلام في أنه يلزم المكلف في هذه المسألة أن يعلم أنه تعالى واحد لاثاني له يشاركه في القدم وصفات الكمال والإلهية وأنه لايستحق العبادة غيره تعالى لاختصاصه تعالى بتلك الصفات وإنعامه بأصول النعم دون غيره وأن العلم بذلك من فروض الأعيان.
الكلام في العدل
اعلم أولاً أن وجه تأخيره وتقديم كتاب التوحيد والإتيان به على أثره أنه كلام في أفعال الله تعالى وأحكام أفعاله وما يتعلق بذلك، والتوحيد كلام في ذاته تعالى وصفاته الإثابتية والنفيية، فكان تقديمه وتأخير العدل واجباً لأنه لايمكن الكلام على فعل لذات وعلى حكمه إلا بعد العلم بتلك الذات وما كان من الصفات يتوقف عليه العلم بالإعال وأيضاً فمن مسائل التوحيد ما يدل على بعض مسائل العدل ومن حق الدليل أن يتقدم العلم به على المدلول فلنتكلم على ضبط علوم العدل وحصرها، وله طريقان: جملي وتفصيلي، فالجملي حاصله أنها تنقسم إلى إثبات ونفي، فالأول أن أفعاله تعالى حكمة، وأن أقواله صدق، وأنه يأمر بالمصلحة وينهى عن المفسدة ويريد الطاعات ويكره المعاصي، ويثيب المطيعين ونحو ذلك.
والثاني أنه تعالى لايفعل القبيح ولايخل بالواجب ولايريد القبائح ولايرضى الكفر ولايحب الفساد ولايكره الطاعات ولايكلف ما لايطاق ولايعذب بلا ذنب ولايظلم ولايأمر بالفحاش وغير ذلك، والتفصيلي أن يقول هي بالنظر إلى اختلاف الناس فيها تنقسم إلى ستة أقسام:
الأول: نثبته فعلاً لله وغيرنا ينفيه كإنزال الأمراض والأسقام والآفات في النفوس والزروع، وأن القرآن من قبيل أفعاله تعالى.
الثاني: ما ننفيه عنه تعالى وغيرنا يثبته فعلاً له كأفعال العباد وتكليف ما لايطاق وإضلال الخلق وأعوانهم وصدهم عن السبيل ونحو ذلك.
الثالث: مانقضي عليه بالحسن وغيرنا يقضي بقبحه كما يقوله في تكليف من المعلوم من حاله أنه يكفر وننفيه من المعلوم من حاله أنه يضل مع كونه في الحال مهتدياً واحترام من المعلوم من حاله أنه سيهتدي وهو ضال في الحال، والبعثة للأنبياء عليهم السلام.
والرابع: ما نقضي عليه بالقبح وغيرنا يذهب إلى حسنه منه تعالى كما نقوله من قبح تكليف ما لايطاق وقبح الإضلال والإغواء وتعذيب من لاذنب له كتعذيب الأطفال بذنوب آبائهم.
الخامس: ما نقضي عليه بالوجوب وغيرنا /390/ يمنع وجوبه كالتمكين للمكلفين، والإثابة للمطيعين، والتعويض للمؤلمين، واللطف في حق من يلتطف وغير ذلك.
السادس: عكسه، وهو ما لا نعده واجباً وغيرنا يقضي بوجوبه كنفينا وجوب الأصلح في الأمور الدنيوية ووجوب العقاب فمرجع علوم العدل ومدارها على هذه الأقسام.
عدنا إلى تتبع ما يفتقر إلى الكشف من كلام المتن.
قوله: (العدل).
في اللغة: مصدر عدل. قيل: هذا عرف اللغة، وأما أصلها فالعدل: المثل، ومنه: {أو عدل ذلك صياماً}.
قلت: بل الظاهر أنهما معنيان لغويان فإن مصادر الأفعال ثابتة في أصل اللغة.
قوله: (ومنه: {إنه عمل غير صالح}).
أي ومن استعمال المصدر في الفاعل للمبالغة قوله تعالى: {إنه عمل غير صالح} في قراءة من قرأ بفتح الميم والتنوين.
قوله: (وهو في اصطلاح الفقهاء) إلى آخره.
ذكر السيد م بالله في تحقيقه أنه الخارج من كل شبهة المحاسب نفسه في كل طرفة، وتارة ذكر أنه من كانت محاسنه أكثر من مساويه مع اجتناب الكبائر وهذا أقرب، وذكر ابن الحاجب أن العدالة محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة. قال: ويتحقق باجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر وبغض الصغائر وبغض المباح. يعني ببغض المباح: كالأكل في الأسواق وبحضرة الجمع، والبول في السكك لغير عذر، ونحو ذلك مما لايفعله من له مروءة، وقوله: ليس معها بدعة. ليخرج فاسق التأويل كالخوارج.
قوله: (وهو منتقض).
يعني حد القاضي لا مذهبه وأراد بقوله: أو لنصرة. ليدخل نحو العقاب.
فصل
قوله: (مر في هذه الجملة) إلى آخره.
اعلم أن المصنف لما أتى بذكر كتاب العدل وفرغ من حقيقته قدم على الكلام في مسائله أربع مقدمات لاحتياج مسائل العدل إليها وتوقفها عليها، فإنا مالم نعلم القبح والحسن ونحوهما لايمكنا الحكم على أفعال الله بإثبات الحسن ونفي القبح ونحو ذلك في الوجوب وغيره، ومالم نعلم أن القبيح يقبح لوجه يقع عليه من أي فاعل كان لم يمكن القول بأنه تعالى لايفعله لتجويز أنه لايقبح منه، ومالم نعلم أن القبح والحسن يثبتان عقلاً لم نحتج إلى الاستدلال على أنه لايفعل القبيح إذ لا قبيح يمكن وجوده منه تعالى ولو لم نثبت قادريته على فعل القبيح لم نعلم أن تركه له لأجل قبحه وكنا نجوز أن يكون لعدم القدرة عليه، ولم نحتج إلى الاستدلال على أنه لايفعله.
فالمقدمات الأربع الكلام في حقيقة الفعل وقسمته وتوابع ذلك وهو الفصل الأول، والثانية الكلام في الوجه الذي لأجله وجب الواجب وقبح القبيح وحسن الحسن وهو الفصل الثاني، والثالثة: أنا نعلم بالعقل وجوب بعض الأفعال إلى آخره وهو الفصل الثالث، والرابعة الكلام في أن الله تعالى قادر على ما لو فعله لكان قبيحاً وهو الفصل الرابع.
قوله: (كالمسببات المتراخية).
يعني مسببات الاعتمادات كالإصابة في الرمي ونحو ذلك إذ لاتتراخى من المسببات غيرها.
قوله: (لتدخل الصغائر).
يعني حيث صدرت ممن له ثواب أكثر من عقابها فإنه لايستحق عليها ذماً مع قبحها لكنه يستحق الذم عليها على بعض الوجوه وهو أن يفعلها وليس له من الثواب ما يزيد على عقابها.
قوله: (عند غير أبي هاشم).
وإلى مثل قوله ذهب أبوه أبو علي وأصحابهما.
قوله: (عند غير أبي الحسين).
وإلى مثل قوله ذهب ابن الملاحمي حكاه عنه الفقيه قاسم، وحكى عنهم الإمام يحيى إطلاق القول بعدم قبح أفعال الصبيان ومن لاعقل له والساهي والنائم واحتجوا بأن القبيح يقبح لوقوعه على وجه إذا علم فاعله قبحه أو تمكن من العلم، والصبيان ونحوهم لا علموا ولاتمكنوا.
نعم وأما أبو علي بن خلاد وغيره من متأخري المعتزلة فذهبوا إلى أنه /391/ ما صدر من الساهي والنائم والصبيان والمجانين من أنواع القبيح فهو قبيح لن القبيح يقبح لوجه يقع عليه من كونه ظلماً، وكذباً وجهلاً وعبثاً، وبه قال الشيخان وأصحابهما في الصادر من الصبيان والمجانين. قيل: وبهذا قالت الزيدية.
واعلم أنه لاخلاف في أن القبائح لاتقبح منهم بمعنى أنهم لايستحقون عليها ذماً ولا عقاباً.
قوله: (عند من يقول بقبحها). هو الظاهر من مذهب الأصحاب والموافق للقواعد وإن لم يقبح منهما بمعنى أنهما لايستحقان عليها ذماً ولاعقاباً وقد نص الفقيه قاسم على أن الإلجاء لايخرج القبيح عن كونه قبيحاً وفي كلام أبي الهذيل ما يدل على مخالفته في ذلك فإنه ذكر أن الكذب الواقع من المكره لايقبح وإن لم يعرض. وذكر الفقيه قاسم أن الإلجاء قد يرفع قبح الفعل كمن الحي إلى إفساد زرع لغيره.
قوله: (وقلنا إلا في حالة عارضة) إلى آخره.
اعلم أن ظاهر هذا القيد لايفيد ما أراد به من الاحتراز بل يفيد نقيضه لأن تناول الميتة يستحق الذم عليه على بعض الوجوه ويستحق الذم عليه إلا في حالة عارضة فكما أنه يدخل تناول المضطر للميتة بقولنا على بعض الوجوه فإنه يدخل بقولنا إلا في حالة عارضة.
ولعل الوجه في تمشيته ألا يجعل استثناء من قوله هو ما إذا فعله الاقدر عليه استحق الذم بل يجعل استثناء من المحدود كأنه قال: فما جمع هذه القيود فهو قبيح إلا في حالة عارضة فليس بقبيح وعلى كل حال ففيه ركة.
قوله: (ما استحق الذم عليه على كل الوجوه). يعني كجهل المكلف بالله تعالى.
واعلم أن هذه الحقيقة التي ذكرها المصنف للقبيح رسمية وحده الحقيقي على ما ذكره بعضهم ما ليس للقادر عليه المتمكن منه الإقدام عليه على بعض الوجوه فهذه الأوصاف تجري مجرى الذاتية إذ لاتعقل ماهية القبيح مع كونه للتمكن منه الإقدام عليه وليست بذاتية لأنها أوصاف للقادر عليه لا له.
قلت: والظاهر أنها أيضاً حقيقة رسمية.
فائدة
القبيح يسمى قبيحاً لغة وشرعاً، وأما تسميته جريمة ومحظوراً ومعصية ومكروهاً لله تعالى فاسماً شرعياً.
قوله: (فأما الشيخان) إلى آخره.
وإلى مثل ما ذهبا إليه ذهب القاضي في مواضع وله مواضع أخر ما يقضي بموافقته لأبي عبدالله والجمهور.
قوله: (من كونه جلب نفع أو دفع ضرر إما للنفس أو للغير).
هذا هو الوجه عندهما فيما عرف فيه ذلك، وأما نحو الصدق الذي لانفع فيه ولادفع فحسن عندهما لكونه صدقاً، وكذلك الأمر بالحسن والنهي عن القبيح يحسن لكونه أمراً بذلك ونهياً عن ذلك قيل: وكلامهم جميعاً متقارب مع اتفاقهم على أنه مبني حصل وجه قبح مع وجه الحسن أن الحكم يكون له ويقبح الفعل، ولايعتبر حصول وجه الحسن فيه.
قوله: (واعترضه الجمهور) إلى آخره.
الأحسن في توجيه اعتراضهم أنه لو كان يحسن لوجه يقع عليه للزم إذا اجتمع في الفعل وجه حسن ووجه قبح أن يكون حسناً قبيحاً ككذب فيه جلب نفع أو دفع ضرر.
قوله: (ويمكن الجواب) إلى آخره.
يرد عليه أنه لو كان للحسن وجه لايستقل بالتحسين ولم يقف تأثيره على انتفاء وجه القبح كما أن وجه القبح لما كان مؤثراً في القبح استقل بالتأثير فيه ولم يحتج إلى انتفاء وجه الحسن.
فصل
قوله: (وينقسم الحسن) إلى آخره.
كان قياس قوله: ومندوب أو ما في حكمه وأن يقول: ومباح أو ما في حكمه. والذي في حكمه العقاب من فعل الله تعالى ولايسمى مباحاً لأن المباح ما عرف فاعله حسنه إلى آخر حده، ولايصح أن يكون الله معرفاً لكن له حكم المباح.
قوله: (وهو الثابت أيضاً).
منه قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( إذا وجب المريض فلا تبكين باكية )) أي إذا ثبت ساكناً، ومنه وجب الحق على فلان، أي ثبت وقر.
قوله: (وفي الاصطلاح) /392/ .
اعلم أنه يستعمل اصطلاحاً في أمور أربعة:
أحدها: ما ذكره وهو الواجب الذي هو مناط التكليف.