هو بفتح الجيم والحاء الأولى، وكان صوابه: الاثنان بلفظ التخيير فيقول: الموجب أو المصحح فإن وقوع الظلم مصحح ومصححه الجهل والحاجة وليس بموجب عنهما، ولا هما بموجبين له، ولكن الموجب معلولات العلل ومسببات الأسباب.
وفيه سؤال وهو أن يقال: وتقدير المصحح الذي هو التمانع من دون مصححه وهو الداعي إليه لايصح.
لكنه يجاب بأن التمانع يقع من غير ثبوت داع كما في النائمين.
قوله: (فلا يلزم التمانع). كلام لا معنى له لأن اعتبار وقوع الاختلاف في الإرادة والداعي أدخل في لزوم التمانع من اعتبار الصحة فما معنى أنه لايلزم التمانع من اعتبار الوقوع.
وأقرب ما يقال في توجيهه أنه إذا كان المعتبر الوقوع فيهما وبني لزوم التمانع عليه لم يلزم التمانع لأن الاختلاف في الداعي والإرادة تمنع منه الحكمة كما مر، والله أعلم.
قوله: (وبعد فمن مذهب الخصوم) إلى آخره.
يقال: إنك بصدد الاستدلال على نفي قديم قادر مثل للباري تعالى والاعتراضات وردت على دليلك في ذلك فما بالك رجعت إلى الكلام على أهل النور والظلمة وله فصل بعد هذا يخصه.
قوله: (ثم إن سلمنا أن مقدورهما واحد) إلى آخره.
تلخيص هذا الجواب: أن كون مقدورهما واحداً لايقتضي عدم صحة وقوع التمانع بينهما لأنه يصح أن يدعو أحدهما الداعي إلى فعل كون مسبب مقدور لهما فيحاول فعله بفعل سببه وهو الاعتماد الذي هو مقدور لهما ويدعو الآخر الداعي إلى فعل كون في جهة أخرى مسبب ضد له مقدور لهما جميعاً فيفعل سببه الذي هو مقدور لهما فيقع التمانع والسببان وإن كانا مقدورين لهما معاً فهو يصح من كل واحد منهما فعل أحد السببين، وإن لم يرد الآخر فعله، ولا دعاه الداعي إليه لأنه مقدور /382/ له فيصح إيجاده منه ولايتوقف وجوده منه على إرادة الآخر، وإن كان أيضاً قادراً عليه لأن كل واحد منهما قادر مستقل يصح أن ينفرد بفعله.
قوله: (وأما من جهة السمع).
أي وأما الذي يؤيد دلالة التمانع من جهة السمع.

قوله: (فقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}، وقوله: {إذن لذهب كل إله بما خلق} الآية ونحو ذلك).
لعله يشير بنحو ذلك إلى قوله تعالى: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً} فهذه الآيات فيها مناسبة لدليل التمانع وإشارة إليه وإن لم تكن صريحة فيه.
قال جار الله في قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} فيهدلالة على أمرين: أحدهما: وجوب ألا يكون مدبرهما إلا واحداً. والثاني: ألا يكون ذلك الواحد إلا إياه.
فإن قلت: لم وجب الأمران؟
قلت: لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف وهذا ظاهر. قال: وأما طريقة لاتمانع فللمتكلمين فيها تحاول وطراد.
وقال رحمه الله في قوله تعالى: {إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} أي لانفرد كل من الآلهة بخلقه الذي خلقه واستبد به ولرأيتم ملك كل واحد منهما متميزاً من ملك الآخرين ولغلب بعضهم بعضاً كما ترون حال ملوك الدنيا ممالكهم متمايزة وهم متغالبون.
وقال في قوله تعالى: {لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلاً بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض كقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} فهذه المعاني تناس بمعنى التمانع وفيها إشارة إليه فصارت هذه الآيات مؤكدة لدلالته كما نبه المصنف عليه.
قوله: (دليل لو كان مع الله تعالى قديم ثان) إلى آخره.
هذا الدليل محكي عن قدماء المعتزلة كأبي الهذيل وأبي علي وغيرهما.
قوله: (أما من يوجب كون مقدورهما واحداً فلا يتوجه هذا إليه).

يعني لأنه يجعل جميع أعيان المقدورات مقدورة للقادر للذات ولايقول بأنه لايقدر على بعض العيان حتى إذا وجد ذلك العين دل على غيره لكونه ليس بمقدور له، وإلى هذا ذهب الجمهور فقالوا: يجب إيجاد مقدورات القديمين لاشتراكهما فيما لأجله وجبت القادرية وهو الصفة الذاتية.
وقال أبو إسحاق: لايجب ذلك لامتناع مقدور بين قادرين سواء كانت القادرية في القادرين جائزة أو واجبة فمن حق هذه الصفة ألا تثبت أفرادها إلا مختلفة.
وقد اعترض الإمام يحيى هذا الدليل بأن قال: قولكم أنه لو كان مع الله تعالى قديم ثان لكان يجب ألا ينفصل الاثنان عن الواحد، إما أن يريدوا أنه ليس عند العاقل دليل يميز به أحد الإلهين عن الآخر فهو حق لانزاع فيه، ولكن نقول: إنه لايلزم من عدم العلم بالأمر المميز عدم تميزه في نفسه فيجوز أن يكون المميز حاصلاً وإن لم تعلموه، اللهم إلا أن يقولوا: لاطريق إليه وحينئذ تكون طريقه أخرى غير هذه الطريقة، وقد سبق الكلام عليها. وإما أن يريدوا أنه لايمكن أن يختص أحد الإلهين في نفسه بأمر يكون لأجله مميزاً عن الآخر فهذه دعوى لا بد من تصحيحها بدلالة.
ويمكن الجواب بأن مرادهم أنه لايمكن أن يختص أحدهما بأمر يكون لأجله مميزاً عن الآخر لأنهما قد اشتركا في القدم وهو صفة ذاتية والاشتراك فيه لايكون إلا مع الاتشراك في جنس الذات ويلزم منه الاشتراك في سائر صفات الذات، فلا يتعقل افتراقهما في أمر يتميز به أحدهما عن الآخر لكنه عليه السلام قد رفع هذه القاعدة وبنى على /383/ بطلان هذه الطريقة.
وقد ذكر عليه السلام أدلة كثيرة يعتمدها أصحابنا في نفي الثاني كهذه الدلالة ونقضها جميعاً إلا دليل التمانع فصححه وذكر أن المعتمد في نفي قديم ثان دلالة الشرع لأن هذه المسألة مما يمكن لااستدلال بالسمع عليها.

والأدلة السمعية آيات التهليل كقوله تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو}، وقوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله}، ولو كان معه قديم ثان لوجب أن يشاركه في جميع صافته التي هي كونه قادراً على جميع أجناس المقدورات عالماً بجميع أعيان المعلومات قديماً غنياً عن كل شيء، وذلك معنى الإلاهية التي نفاها تعالى عن غيره وكرر أنه لا إله معه. وبالجملة فنفي إله ثان على أي صفة كان معلوم من ضرورة الدين وإجماع الأمة.
وقد استدل على نفي الثاني بطريقة مركبة من العقل والسمع وتحريرها أن يقال: لو كان لله تعالى ثان قديم لوجب أن يشاركه في جميع صفاته لما تقدم في مواضع كثيرة تقريره وإذا شاركه في جميع صفاته كان عدلاً حكيماً مثله لأنه يكون عالماً بقبح القبيح غنياً عنه عالماً باستغنائه عنه، وإذا كانا كلاهما حكيمين لم يجز أن يرسلا ولا أن يرسل أحدهما رسولاً كاذباً فدل ذلك على صدق الأنبياء والمعلوم ضرورة من دين خاتمهم وأفضلهم وكذلك غيره منهم الإخبار بأنه لا إله إلا إله واحد وأنه لاثاني له والدعاء إلى ذلك والتصريح به، ولو كان ثم ثان في نفس الأمر لكان ذلك كذباً والكذب لايجوز عليهم.
فصل في الكلام على ..... الثنوية في النور والظلمة
وقد ذكر بعض المتكلمين أنهم يعنون بالأنوار عالم العقل وقواه، وبالظلمة عالم الطبيعة وقواعها، فإن الإنسان مركب من العالمين معاً.
قال الإمام يحيى: فإن كان هذا مذهبهم فهم يوافقون الفلاسفة في المعنى،ولهذا قال بعض العلماء: مراد الثنوبة بالنور والظلمة ما يسميه الفلاسفة بالهيولى والصورة.
قوله: (إن النور والظلمة جسمان) إلى آخره.
قد تقدم ذكر ما يقوله أصحابنا في النور والظلمة وبيان خلافهم في ذلك في مسألة نفي التجسيم والأقرب أنه خلاف لفظي وقد استدل على أن النور عرض بوجوه أربعة:

الأول: أن الأجسام المستنيرة والمظلمة مشتركة في الجسمية ومتباينة في النور والظلمة فما اشتركت فيه يجب أن تكون متغايرة لما افترقت فيه فإذن الجسمية غير النور والظلمة.
الثاني: أن الجسم المعين يصير مضيئاً بعد أن كان مظلماً وبالعكس من ذلك وجسميته باقية في الحالين فيجب أن تكون مغايرة لهذين الوصفين.
الثالث: أن الشمس إذا كانت محاذية لكوة البيت فحين تطلع الشمس يصير البيت مضيئاً فإذا سدت صار مظلماً فلو كان النور جسماً لبقي بعد سدنا للكوة في البيت.
الرابع: أن الشمس إذا طلعت من دائرة الأفق استضاء وجه الأرض ومن المحال أن تنتقل الأجسام منها إلى الأرض لاستحالة الطفر والضوء قد حصل دفعة واحدة فيجب أن يكون الضوء غير الجسم، وهذه الوجوه ذكرها الإمام يحيى في التمهيد إلا أنه يجب أن نسأله عن استنارة وجه الأرض عند طلوع الشمس على قوله هذا وما وجه حصول هذا العرض في وجه الأرض هل هو ما ذهب إليه بعضهم من أن الشمس تكسب الهواء ضوءاً وانطباع الضوء في الهوى فهو لايصح لأن انتقال الأعراض مستحيل فكيف يصير وجه الأرض والهوى مضيئين لانتقال عرض إليهما والانطباع لايعقل، ثم كان يلزم منه بقاء ذلك الضوء وإن غابت الشمس لأن لاهوى ووجه الأرض قد اكتسبا هذا الضوء وغيبوبة الشمس لاتؤثر في انتفائه وعدمه، وإن جعل حصول الضوء في الهوى ووجه /384/ الأرض مخترعاً عند طلوع الشمس أجرى الله العادة بذلك فكان يجوز اختلاف العادة فلا يصح.
وقد وقع في كلام أصحابنا أن الذي نشاهده من النور في أجزاء الهوى يستمده من الشمس حالاً فحالاً، فإذا غابت الشمس انقطع الاتسمداد فلا يرى كذلك بل تزول استنارتها كما أن النار إذا التهبت ولم يمدها شيء فإن أجزاءها تذهب فلا ترى لانقطاع الاستمداد. وفيه نظر.

قال عليه السلام: وأما لاظلمة فهي عبارة عن عدم النور. واحتج لذلك بوجهين: أحدهما أن حال البصير في الظلمة التامة كحال الأعمى، ثم أن الأعمى لا يدرك كيفية الظلمة لأنه لايبصر شيئاً أصلاً فيجب أن تكون الظلمة عبارة عن أن البصر لايدرك شيئاً فتكون الظلمة أمراً عدمياً.
الوجه الثاني: أنه إذا كان إنسان قريباً من النار وإنسان آخر بعيد عنها فالبعيد منها يرى القريب ولايكون الهوى المظلم مانعاً بالنسبة إليه فلو كانت الظلمة أمراً ثبوتياً لم يفترق الحال بينهما فكانت إذا منعت أحدهما منعت الأخرى.
وهذا لايستقيم على قاعدة أصحابنا لأن النور عندهم باقي والباقي لاينتفي إلا بضد أو ما يجري مجراه، فلا بد أن تكون الظلمة أمراً ثبوتياً مضاداً له وإلا كان يلزم إذا وجد في جسم ألا ينتفي عنه وقد علل ابن متويه رؤية البعيد من النار للقريب منها وعدم رؤية القريب منها للبعيد بأن شعاع البعيد وجد مادة فرأى معها بخلاف من بالقب منها، فإن شعاعه ينفصل إلى الظلمة التي لامادة فيها للشعاع فلا يرى من فيها.
هذا والمحكي عن الثنوية أن النور والظلمة نفس الأجسام وذواتها وبذلك يتضح بطلان قولهم بقدمهما.
قوله: (ولا كان أحدهما بأن يكون فاعلاً للخير أولى من الشر).
يعني لكونهما قديمين وإذا كانا كذلك كانا مثلين فلا يختص أحدهما بوجوب أمر له دون الآخر.
قوله: (وكذلك في المدح والذم).
يعني ولا كان النور بأن يكون ممدوحاً أولى من الظلمة ولا كانت الظلمة بأن تكون مذمومة أولى من النور، وهذا إنما يستقيم على قولهم بصدور الخير والشر عنهما على سبيل الوجوب من غير اختيار فلا وجه حينئذ لاختصاص النور بالمدح والظلمة بالذم.
قوله: (لاسيما وهما قادران للذات).

يعني لكونهما قديمين والقديم لابد من كونه قادراً لذاته وإذا كانا كذلك كان كل واحد منهما قادراً على جميع أجناس المقدورات خيرها وشرها وهذا لااستثناء المذكور يرجع إلى قوله: ولا كان أحدهما بأن يكون فاعلاً للخير أولى من الشر.
قوله: (ويكف يصح الفعل من غير حي ولا قادر).
فيه نظر لأنهم لم يقولوا بصحة الفعل من الظلمة بل جعلوا الشر صادراً عنها بطبعها فلا يكون في نسبة صحة الفعل إلى غير حي قادر ويمكن أن يجاب بأن المصنف نبه على أن الظلمة إذا كانت عندهم جسماً فالجسم غير موجب لأمر من الأمور والطبع غير معقول فلو كان لها تأثير لكان على جهة الاختيار، وإذا كان تأثيرها لايصح أن يكون إلا على جهة الاختيار فهو لايصح إلا من حي قادر ولايصح من عاجز موات.
قوله: (فكان يجب حصوله ولم يزل أي الامتزاج).
يعني ومع حصوله في الأزل يقع لااستغناء عن الثالث ويؤدي إلى قدم العالم مع وضوح الدلالة على حدوثه، وهم أيضاً على ما حكاه بعض أصحابنا لايقولون بقدمه.
قوله: (على أنه قد يكون صدر الخير والشر من غيرهما هو الثالث).
كان الأولى الإتيان بلفظ التخيير فيقول: الخير أو الشر؛ لأن الحاصل عن الثالث هو الامتزاج لا غير فهم إما أن يجعلوه خيراً أو شراً، ولعل المصنف بنى على أنه قد يكون خيراً في بعض المواضع وشراً في بعضها.
قوله: (لأن العقوبة جسم وكل جسم محدث). يعني فكيف يقولون بقدمها مع ذلك.
قوله: (ومما يعدونه شراً) /385/. يعني لنفرة النفوس عنها وذلك هو معنى الشر عندهم.
قوله: (فيجب تقدم أهرمن عليها ليكون محدثاً لها).
يعني فمع حدوثها لابد لها من محدث ولايمكنهم أن يجعلوا يزدان محدثاً لها لأنه لايصدر عنه إلا الخبر وهي شر لنها مما تنفر عنه النفوس، وأيضاً فهي الموجبة لأهرمن وهو أصل كل شر فهي شر.
قوله: (ولأنه كان يجب أن يتولد عن كل عفونة أهرمن).

يعني لحصول كل عفونة على لاصفة التي حصلت عليها تلك الموجبة، ولايجوز أن يحصل الموجب على الصفة التي توجب ثم لاتوجب إذ ليس تأثير العفونة على جهة الاختيار فيقال: إن تلك اختارت إحداث أهرمن دون البواقي، ومما يلزمهم أيضاً أن يتولد عن تلك العفونة المولدة لأهرمن كل وقت أهرمن وإلا فما المخصص بإيجابها في وقت دون وقت، ثم أنهم مع القول بقدمها يلزمهم إيجابها له في الأزل.
قوله: (أو من شكه).
إشارة إلى ما ذهب إليه بعضهم من أنه حدث من شك وقع لله.
قوله: (وكان يجب في كل فكرة وشك مثله). أي مثل ذلك الذي ذكروه في تلك الفكرة والشك.
قوله: (إذا اتحد متعلقه). يعني فكان يلزم إذا فكر الواحد منا على تلك الصفة وهو أن يفكر في أنه لو كان للباريتعالى عن ذلك مشارك ومنازع كيف كانت يكون حاله أن يحدث أهرمن كما حدث عن فكرة الباري لاتحاد متعلق الفكرتين فتكونان متماثلتين وما تولد عن أحد المثلين تولد مثله عن المثل الآخر، والأسباب لايختلف تأثيرها من أي فاعل صدرت مع أنه أيضاً لايشترط في توليد فكرتنا أن تكون مماثلة لتلك الفكرة بل تولد على كل حال فإن الاعتمادات تولد الأكوان سواء تماثلت أو لم تتماثل فكان يلزم في كل فكرة في أمر من الأمور أن تولد أهرمن.
قوله: (ولأن هذه الفكرة لاردية من قبل الشرور) يعني عندهم، لإيجابها ما هو أصل للشرور وهو أهرمن وما أوجب الشر أو أصله فهو شر.
فإن قيل: فما قولكم في إحداثه تعالى للشيطان مع أنه أصل المعاصي والقائد إليها؟
قلنا: ولا سوا لأن عندنا أن الشيطان غير موجب للشر بل فاعل مختار وهو عندهم موجب.
واعلم أن أصحابنا رحمهم الله قد تكلموا على هؤلاء الطوائف وبسطوا في الكلام عليهم بما لا مزيد عليه ولم يورد المصنف إلا الأقل من ذلك وفيه كفاية ومذهبهم في وضوح البطلان أشهر من فلق الصبح إذا استبان.

فصل في شبه الثنوية
قولهم: والفاعل الاوحد لايفعل الخير والشر.
قد يؤكدون ذلك بأن يقولوا: ألا ترى أن النار يصدر عنها التسخين ولايصدر عنها ضده الذي هو التبريد، وكذلك فالثلج يقع به التبريد ولايقع منه التسخين.
قوله: (بل يجب فيمن قدر على الشيء أن يقدر على جنس ضده).
يعني فإذا قدر أحدهما على الخير وجب أن يقدر على الشر لأنه ضده وهذه مجاراة لهم على مذهبهم وهو أن الخير ضد الشر وإلا ففي التحقيق لا يعتبر التضاد بذلك وإنما يرجع إلى تعاكس الذوات في صفاتها المقتضاة عن الذاتية.
قوله: (وقد يفعل الضدين دفعة واحدة) إلى آخره.
هذا كالأول في أنه مجاراة لهم على ما يقولونه من أن الخير والشر ضدان وأن الفاعل الواحد لايفعلهما وإلا فليس القتل باليمين والإنقاذ باليسار ضدين من حيث كونهما قتلاً وإنقاذاً.
قوله: (وهو فاعل واحد). يعني فالنور أجبره على الخير كالصدق والظلمة أجبرته على الشر كالكذب.
قوله: (قلنا ولم كانا بأن يجبرا بعض الناس على ذلك) إلى آخره.
يعني مع قولكم /386/ بأنهما غير مختارين بل موجبان فما المخصص لهما بأن يجبرا بعض الناس دون بعض، فإن منهم من يصدق ويكذب، ومنهم من لايكذب، وبالجملة فأحوالهم مختلفة في ذلك وكذلك فما المخصص بأن يجبرا في وقت دون وقت.
تنبيه
وأما ما ذكره من النار والثلج فنحن نقول: إن ذلك من فاعل واحد وهو الله تعالى فإنه الفاعل للحرارة عند إلهاب النار، والبرودة عند وضع الثلج، وأجرى تعالى العادة بذلك لما علم فيه من المصالح كما في إنبات البذر وحصول الأمطار في الأوقات المخصوصة وخلق الحيوانات من أجناسها.
وقد قيل: إن التسخين بانتقال أجزاء من النار فيها حرارة إلى الماء فتدرك تلك الأجزاء الحارة فتظن أن الحرارة في الماء، وليس كذلك الحال في التبريد.

فائدة
اختلفوا في إحراق النار لما تحرقه فالذي عليه الجمهور أن الله تعالى هو المحرق، أجرى العادة بأنه يحرق عندها فلو اتصلت بشيء ولم يرد الله إحراقه لم يحرقه، والذي روي عن السيد م بالله والشيخ أبي القاسم أن لانار تحرق بطبعها فكل ما اتصلت به مما جرت العادة بأن أمثاله تحترق أحرقته لامحالة، ولا يمنع من إحراقها إلا حصول مانع بينها وبينه.
فصل في الكلام على النصارى
وقد تقدمت حكاية مذهبهم. قال الإمام يحيى عليه السلام: وقد حكى نقلة المقالات عنهم أقاويل مختلفة ومذاهب مضطربة لا تؤول إلى رابطة، ومهما لم تنضبط المذاهب فالكلام عليها عسير صعب، وذكر السيد الإمام قريباً من ذلك.
قوله: (وأما قولهم بالاتحاد).
الاتحاد في اللغة على ما ذكره السيد الإمام افتعال يشتق من الوحدة لأن العرب متى اعتقدوا في شيئين أنهما صارا شيئاً واحداً قالوا: أتحدا. والشيئان لايصيران شيئاً واحداً على الحقيقة أصلاً لأن ذلك مستحيل إلا أن العرب إذا اعتقدوا ذلك فأجروا الإسم مطابقاً لاعتقادهم كانوا مصيبين في التسمية مخطئين في الاعتقاد كاعتقادهم في الأصنام أنها تستحق العبادة فسموها لذلك آلهة.
قوله: (فيلزم قدم المسيح أو كونه إلهاً حالة العدم).
يعني لأن اتحاد الباري بالمسيح إذا كان واجباً مع وجوده تعالى في الزل لزم ألا ينفك الاتحاد عنه فيحصل في الأزل وهو إما أن يحصل مع وجود عيسى فيلزم قدمه أو مع عدمه فيصير إلاهاً حالة العدم لأن مع إيجاد الباري تعالى وصيرورتها شيئاً واحداً قد صار إلاهاً فإن قالوا: إن اتحاده به مشورطاً بوجوده فلا يلزم حصول الاتحاد ووجود عيسى لذلك في الأزل ولا اتحاد الباري به مع عدمه.
قلنا: إذا كانت ذات عيسى عليه السلام ثابتة في الأزل حالة العدم على القول بثبوت الذوات في حالة العدم وذات القديم موجودة صح حصول الاتحاد لثبوت الذاتين ولا دلالة على اشتراط الوجود.
قوله: (لأن في ذلك حدوثه).

75 / 158
ع
En
A+
A-