هم منسوبون إلى رجل يقال له: ماني بن بريك. وقيل: مانيا وهو من دعاتهم وأخذ مذهبه أو أكثره عن قوم كانوا يقولون بذلك، وقيل: أنه ادعى النبوة وجاء بكتابين سمى أحدهما الإنجيل والآخر الشابرقان وله شريعة وكان ينهى قومه عن ادخار فوق قوت يوم وكسوة سنة وينهى عن السرق والزنا ودخول بيت الأوثان، وروي أن ماني بن بريك ظهر في أيام سابور بن ازدشير وهو تلميذ لقاردون، فقال سابور بمقالته من إلهية النور والظلمة، ثم عاد بعد ذلك إلى دين المجوسية ولما يملك ولد ولده بهرام بن هرمز بن سابور /377/ أتاه ماني فعرض عليه مذاهب الثنوية فأجابه احتيالاً عليه إلى أن أحضر له دعاته المتفرقين في البلاد الذين يدعون الناس إلى مذاهب الثنوية فقتلهم.
ومذهب المانوية كما ذكره ولم يفرقوا بين النور والظلمة إلا أن النور يستعمل حياته وسمعه وبصره في الخير، والظلمة عكسه.
قوله: (وقالت الديصانية). قد يقال فيهم: الريصانية.
قوله: (وقالت المزدكية). اسمهم في كتب كثيرة من جملتها التمهيد مثبت بالقاف بدلاً عن الكاف منسوبون إلى رجل يقال له: مزدق، وكان ادعى الربوبية تعالى الله عما يقول الجاهلون ، وقتله على ما روي كسرى أنوشروان.
قوله: (وأثبت المرقبونية). هم منسوبون إلى رجل يقال له مرقبونا.
قوله: (وسمت المجوس النور يزدان والظلمة أهرمن).

هم مع ذلك يقولون بأن كل خير من يزدان بطبعه وكل شر من أهرمن بطبعه ومما روي عنهم أن الأرواح من يزدان والأجساد من أهرمن والذي ذكره أكثر المتكلمين عنهم أن مرادهم بيزدان الباري تعالى وباهرمن الشيطان، وأن الباري تعالى ليس هو النور والشيطان ليس هو الظلمة بل الله تعالى على صفاته التي يعتقدها والشيطان أيضاً حي قادر فمنهم من قال: هما جسمان ومنهم من قال: ليسا بجسمين، ومنهم من قال: بل أهرمن جسم ويزدان ليس بجسم، ومنهم من عكس. والذي يلوح من كلام السيد الإمام والمصنف أنهم يريدون بيزدان النور وبأهرمن الظلمة وأنهم لايخالفون الثنوية إلا في العبارة.
قوله: (من عفونة كانت قديمة). العفونة: ألمزبلة.
قوله: (من فكرة يزدان الردية).
جعلوها ردية لتولدها أهرمن مع أنه رأس كل شر منها قالوا: وتلك الفكرة أن يزدان لما استتم أمره فكر في شأنه فقال: كيف يكون حاله لو كان معه ثاني منازع فحدث أهرمن من هذه الفكرة، وقال: هأنا منازعك ومخاصمك.
قوله: (وزعموا أن عند حدوث هذا الثالث).
كان صوابه الثاني إلا أن يريده ثالث يزدان والعفونة، أو ثالث يزدان والفكرة وفيه بعد فلعله من سهو القلم.
قوله: (حصل بينهما حرب).

الذي يحكى عنهم في تفصيل ذلك أن الدنيا كانت ذات بهجة سليمة من الآفات وكان إبليس بمعزل عن النور وكان في الظلمة فاحتال بشياطينه في الوصول إلى الدنيا ورام دخولها فخرق خرقاً فدخلها بشياطينه وجنوده وهزم يزدان وملائكته وجنوده ومنعه حتى أدخله الجنة وحصره فيها وحاربه ثلاثة آلاف سنة فصالح بينهما مهروس وسهيل ورامسان من الملائكة على أن يكون إبليس وجنوده في العالم ..... سبعة آلاف سنة بثلاثة الآلاف سنة التي حارب فيها يزدان، وأن يزدان رأى أن الصلح واحتماله للمكروه هو وملائكته وجنوده إلى انقضاء الأجل أصلح قالوا: واشترط إبليس لنفسه وجنوده ثمانية عشر شرطاً جملتها تعود إلى أن يصير له حظ في خلقة الرياح والماء والنار والمودة وتسليط خلقه على خلق الله قالوا: لما استقاما على شروطهما أشهدا على أنفسهما عدلين ودفعا سيفيهما إلى المصالح بينهما فمن رجع عن شرطه ونكث عن عهده قتل بسيفه ولهم من هذه المقالات الهوسية ما يطول ذكره ويستهجن زبره ولولا استدعاء كلام المصنف لإيراده لما حسن أن يودع الأوراق وينشر في الآفاق، فأخرس الله ألسنتهم وأعمى أبصارهم كما عميت بصائرهم.
وأكثر المحكي من مذاهبم يستند إلى معتمد الشيخ ابن الملاحمي.
قوله: (بعدة الأفلاك السبعة).
هي زحل، والمشتري، والمريخ، والشمس، والزهرة، وعطارد، والقمر.
قوله: (وفيهم قائلون بالتناسخ).
يعني تناسخ الأرواح على ما يأتي ذكره في باب الآلام /378/.
قوله: (فاتفقوا على أن الله تعالى جوهر واحد ثلاثة).
أفأنتم الذي قادهم إلى ذلك؟ إن قالوا: إن صانع العالم إما جوهر أو عرض لايصح كونه عرضاً لأن العرض لايقوم بنفسه ولايصح أن يفعل فبقي أن يكون جوهراً فإنما بنفسه ولايكون متحيزاً لن ذلك لايكون إلا مع حدوثه فبقي أنه جوهر قائم بنفسه غير متحيز وهو متكلم حي، والأفنوم عندهم الشيء المفرد.
قوله: (وأفنوم الابن).

وهو الكلمة المحكي عنهم أن أفنوم الابن هو الكلام والمعنى متقارب وقد اختلفوا في تفسير الأقاسم فمنهم من جعلها ذوات فأفنوم الابن الكلام أو العلم وأفنوم روح القدس الحياة. وقال بعضهم: بل هي أشخاص. وقال بعضهم: بل هي صفات.
قوله: (وروح القدس قابضة بينهما).
زعموا أن الابن لم يزل يتولد عن الأب تولد الضياء عن الشمس قالوا: ولم يزل أفنوم روح القدس الذي هو الحياة قابضاً بينهما بمعنى أنه جامع بين الأب والابن وقد فسر بعض أصحابنا قولهم بالأب والابن وروح القدس بما يقوله الفلاسفة من أنه تعالى عقل وعاقل ومعقول فهو من حيث أنه عقل أفنوم الأب، ومن حيث أنه عاقل لذاته أفنوم الابن، ومن حيث أنه معقول لذاته أفنوم روح القدس.
قوله: (فقيل هي الجوهر وهو هي).
هذا قول اليعقوبية والنسطورية منهم، وإن كان قد رويعن بعض النسطورية أن كل أفنوم إله ناطق وقالت الملكانية منهم بل الجوهر غير الأفانيم.
قوله: (واتفقوا على اتحاد الكلمة) إلى آخره.
يريدون بالكلمة أفنوم الابن لأنه عندهم المتحد بعيسى دون أفنوم الأب.
قوله: (ممازجة الدهن للسمسم). السمسم حب الجلجلان.
قوله: (فصار المسيح جوهراً من جوهرين).
قد مثلوا ذلك بالفحمة إذا ألقيت في النار فصارت جمرة فإنها ليست بنار خالصة ولا فحمة خالصة.
قوله: (وقال النسطورية: ادَّرَعَتْه).
أي ادرعت الكلمة التي هي أفنوم الابن عيسى.
قوله: (فالمسيح عندهم جوهران على الحقيقة).
تلخيصه: أنهم ذهبوا إلى أن جوهر الابن اتحد بجوهر المسيح فصار من اثنين فالمسيح عندهم جوهران جوهر قديم هو الكلمة، وجوهر محدث هو شخص المسيح فالمسيح إله تام وإنسان تام، قالوا: وكان حصول الكلمة مع عيسى على جهة المجاورة فادراعها له كادراع الشمس للجدار، وروي عنهم أيضاً القول بأن أفنوم الابن اتخذ عيسى هيكلا ومحلاً.
قوله: (بمعنى الانسانية المتصورة في الذهن).

أرادوا أن ادراع الكلمة هو لمعنى الإنسانية الحاصلة في عسى لا الشخصية وهو قول الملكانية فإن الإمام يحيى حكى عنهم أن الاتحاد كان بالإنسان الكلي وحقيقة الكلي هو الذي لايمنع تصوره من وقوع الشركة فيه ..... الإنسان من حيث أنه إنسان حقيقة واحدة يشترك فيها الأشخاص المفردة مثل زيد وعمرو.
قال عليه السلام: والباقون أثبتوا الاتحاد بالإنسان الجزئي. ومعناه: هو الذي يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه فإن زيداً لمكان حقيقته المعينة يمتنع وقوع الشركة فيه، وقد قال بعضهم: معنى اتحاد الكلمة بعيسى تدبيرها للأمور على يديه.
قال الإمام يحيى: وللنصارى سبحة معروفة من أكثر ما نقل عنهم وهي قولهم: نؤمن بالله الواحد الأب مالك كل صانع ما يرى وما لايرى وبالذات الواحد أيسوع المسيح بن الله ذكر الخلائق كلها الذي ولد من الله قبل العوالم كلها وليس بمصوغ إله من إله حق من جوهر الله الذي أتقن العوالم كلها وخلق كل شيء من أجلنا معاشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد بروح القدس وصار إنساناً وحبل به وولد وقتل ودفن وقام بعد ثلاث وصعد إلى السماء وجلس عن /379/ يمين الله وهو مستعد للمخرج تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء ونؤمن بروح القدس الذي خرج من الله وبمعمودية واحدة لغفران الخطأ به وبجماعة واحدة وبقيامه أبداً بنا والحياة الدائمة إى أبد الآبدين.
قال عليه السلام: ولهم أقاويل مختلفة ومذاهب مضطربة ومن أحاط علماً بما ذكرناه عنهم هان عليه مناقضتها وإفسادها.
قال عليه لاسلام: واعلم أن أقرب النصارى إلى الحق وأكثرهم أيضاً فريقان أحدهما البولية أصحاب بولي، فإنهم قالوا: الله واحد والمسيح ابتدئ ومن مريم ابتداء وأنه نبي صالح عبد مخلوق إلا أن الله شرفه وكرمه وسماه ابناً على طريق التبني لا من طريق الولادة، ولعل التبني في لغتهم موضوع للإكرام والتعظيم من غير أن تعتبر فيه المجانسة ولذلك قالوا تبناه الله.

الفريق الثاني: الأرضوسية منهم فإنهم زعموا أن عيسى كان عبدالله ولكنه اتخذه ابناً على سبيل التشريف وغرضهم بالتبين الإكرام والإعظما لاحقيقة البنوة كما حكيناه عن الفريق الأول.
قوله: (فإن هذا مذهب جمهور النصارى).
فيه نظر وإنما هو مذهب فرقة منهم من ثلاث فرق إذ فرقة أخرى قالت: ذواق وفرقة أخرى قالت: أشخاص، إلا أن يكون المصنف فهم أن تلك الفرقة أكثرهم.
قوله: (وذلك هو مذهب النصارى في الأفانيم).
فيه نظر لأنه ليس بمذهب جميعهم بل مذهب بعضهم لكنهم الأكثر.
قوله: (فإن عندهم أنها لاتستقل بنفسها).
يقال: أما الذين قالوا: إن الأفانيم ذوات فجعلوها مستقلةوقد صرح بذلك بعض أصحابنا وجعله وجه الفرق بين كلامهم وكلام المجبرة.
فصل
ودليل أهل الحق أنه لو كان معه تعالى قديم ثان لصح بينهما التمانع وصحة التمانع محال.
قوله: (فهذان أصلان) الأول أنه لو كان معه تعالى ثان لصح بينهما لاتمانع والثاني أن صحة التمانع محال.
قوله: (يقتضي اشتراكهما في القادرية وسائر صفات الذات). قد تقدم تقرير هذه القاعدة في فصل الكيفية فلا وجه لإعادته.
قوله: (ومن حق كل قادرين صحة التمانع بينهما). الذي يدل على ذلك ويوضحه مع ما ذكره أن القادرين إن كانا قادرين للذات كان كل واحد منهما قادراً على جميع أجناس المقدورات وإن كانا قادرين بقدرة كان كل واحد منهما قادراً على جميع الأجناس العشرة ومن حق كل قادرين اختلافهما في أعيان المقدورات لما تقدم من استحالة مقدور بين قادرين ومن حقهما صحة اختلافهما في الدواعي.
قوله: (والتمانع) إلى آخره.

ينبغي ههنا ذكر حقيقة التمانع والمانع والممنوع والممنوع منه، فالتمانع حقيقته: ما ذكره المصنف. والمانع هو ما لأجله يتعذر على القادر إيجاد مقدوره مع بقا حاله في كونه قادراً هذا إذا استعمل في الفعل، وأما إذا استعمل في الفاعل فهو من تعذر لأجل ما أوجده على غيره إيجاد مقدوره، والممنوع من تعذر عليه إيجاد مقدوره لأجل ما فعله الغير . والممنوع منه ما تعذر إيجاده لأجل ما فعله الغير.
واعلم أن لاذي يقع به التمانع بين القادرين جنس الاعتماد وشرطه اختلاف الاعتمادات الحاصلة من كل واحد منهما، كمتجاذبي الحبل فإن أحدهما يجذبه إلى غير الجهة التي يجذبه إليها الآخر فيقف الحبل بينهما لاو ينجذب إلى إحداهما دون الأخرى، فالتمانع يقع بأمرين مختلفين موجودين وهما الاعتمادان فإنهما موجودان ومختلفان لتغاير الجهتين بواسطة ضدين معدومين في حكم الموجودين وهما الكونان اللذان يولدهما الاعتمادان لو لم يقع التمانع وهما في حكم الموجودين لوجود أسبابهما.
هكذا قيل وهو خلاف ما ذكره الفقيه حميد من ذكر أن التمانع يقع بأمرين معدومين بواسطة فعلين موجودين وهو الذي يقضي به كلام ابن متويه، وإذا تأملته /380/ فهو خلاف في عبارة مع أنه لاخلاف في أن المانع لايقع إلا مع الاعتمادات على الصفة المتقدمة وإنما الخلاف فيما به يقع التمانع. فقال أكثر المتكلمين يقع بالاعتمادات بواسطة الأكوان المتولدة عنها.
وقال الفقيه حميد: بل يقع بالأكوان المعدومة بواسطة الاعتمادات الموجودة ولا كلام في أن التمانع لايقع بمعدوم من غير واسطة لأن المعدوم لاحكم له ولاتأثير ولابموجود صرف لأن مع الوجود لا يمانع، ولابموجود ومعدوم لن الموجود غير ممنوع منه والمعدوم لا أثر له. وإذا قيل: إن التمانع قد يقع بغير الفعل فحقيقته أن يحاول كل واحد من القادرين ضد ما يحاول الآخر على وجه يتعذر من كل واحد منهما إيجاد ما يحاوله.

قوله: (فلأنا إذا قدرنا أن أحد القديمين أراد تحريك الجسم يمنة وأراد الآخر تحريكه يسرة).
يعني بأن يوجد أحدهما فيه اعتماداً إلى إحدى الجهتين والآخر اعتماداً إلى الجهة الخرى فإما أن التمانع يقع بين المراد والمكروه بواسطة الإرادة والكراهة فلا وذلك لأن إرادة كل واحد منهما إرادة للآخر وكذلك الكراهة لاختصاصهما بهما على سواء وإذا كان كذلك وأراد أحدهما إيجاد السواد وكره الآخر إيجاده لم يكن بأن تؤخذ إرادة من أراد السواد أولى من كراهة من كرهه لأن إرادة كل واحد منهما وكراهته هي إرادة الآخر وكراهته فالتمانع يعود إلى الإرادة والكراهة لا أنه يكون بين المراد والمكروه فأما الاعتمادان فيقع التمانع بين موجبهما بواسطتهما ولهذا ضعف الجمهور ما قاله الشيخ أبو علي بن خلاد وما ذكره الشيخ أحمد بن الحسن في الواسطة.
والخلاصة من أن التمانع بين المراد والمكروه وهو الذي تقضي به عبارة المصنف.
قولهك (وفيه خروجهما عن كونهما قادرين).
يعني لأن من حق القادر وقوع فعله عند إرادته له أو حصول داعيه وكان الأولى أن يقول: وفي ذلك خورجهما عن كونهما قادرين للذات لأن القادر بقدرة قد لايقع مراده بأن يمنع منه ولايخرجه ذلك عن كونه قادراً.
قوله: (وفيه خروج من لم يوجد مراده عن كونه قادراً للذات).
دليله ما ذكره ولأنه إنما أوجد مراد الآخر ولم يوجد مراده لأن الآخر أوجد أكثر مما أوجد ولو كان قادراً للذات لم يصح من صاحبه إيجاد أكثر مما يصح إيجاده منه لأن من حقه لو كان قادراً للذات أن يقدر على ما لايتناهى ولاشيء أزيد مما لايتناهى فلما تناهى مقدوره تبين أنه ليس قادراً للذات أو أنه قادر بقدرة وقد أشار المصنف إلى هذا بقوله: (وبعد فجواز المنع على أحدهما يدل على أنه متناهي المقدور).
قوله: (فإن قيل أنهما حكيمان فلا يختلفان في الإرادة والداعي).

يعني لأنهما إذا كانا حكيمين فالذي يدعو أحدهما إلى الفعل من العلم بحصول منفعة للغير فيه يدعو الآخر إليه والذي يدعو أحدهما إلى فعل الإرادة يدعو الآخر أيضاً إذ ليس دواعيهما دواعي حاجة فتختلف دواعيهما لاختلاف نفعهما وإذا كانا لايختلفان في الداعي والإرادة لم يتمانعا إذ التماعن فرع على اختلاف الدواعي.
قوله: (فتكون إرادة كل واحد منهما).
أي من الضدين حكمة وكذلك يكون الداعي إلى فعل كل واحد منهما داعي حكمة.
قوله: (فإن قيل إن أردتهما معنى واحد) إلى آخره.
هذا سؤال يرد على قوله في جواب السؤال الأول ومعلوم أن كل حيين يصح اختلافهما في الإرادة وتقريره أن يقال: ليس ما ذكرته من حق كل حيين إلا في الشاهد لأن الواحد منا مريد بإرادة حالة في قلبه فتختص به ولاتختص بالمريد الآخر فلا يوجب لمن لم يختص به فيختلفان في الإرادة بخلاف القديم الثاني لو ثبت تعالى الله عن ذلك لأن إرادته تعالى لا في محل فهي كما تختص به غاية ما يمكن من الاختصاص تختص أيضاً بالقديم المقدر فتوجب له أيضاً أو لايصح اختلافهما في الإرادة إذ لايصح اختصاصها بأحدهما دون الآخر لثبوتها في حقهما على سواء.

والجواب عن هذا السؤال يمنع اتحاد إرادتهما لما ذكره المصنف ولأنه كان يلزم منه إيجابهما الصفتين ولو تعدت في إيجابهما عن صفة إلى ما زاد عليها لتعدت ولا حاصر، واعترض بأن ههنا حاصراً معقولاً لأنها قد اختصت بالقديم تعالى والقديم المقدر لوجودها على حد وجودهما فيوجب لهما دون غيرهما إذ لم يختص به ..... بأنها توجب له فإن الاختصاص بالأحياء من الأجسام لايكون إلا بالحلول في القلب.
وأجيب بأنه إذا صح تعديها إلى إيجاب صفتين صح أن تتعدى لا على ذلك الوجه وهو الإيجاب لسائر الأحياء بل بأن تتعدى في الإيجاب في حق القديم تعالى إلى أزيد من صفة وإذا تعدت إلى ذلك تعدت ولا حاصر ف يحقه وحق من اختصت به.
قوله: (ومن هنا قال أصحابنا أن الإرادة لو خلقت فينا لما أثرت في كون كلامنا أمراً وخبراً).
يعني لو خلقت فينا إرادة كون كلامنا خبراً عن شخص معين لما أثرت في كونه خبراً عنه لأنه يكون التأثير حينئذ له تعالى ومن حق المؤثر في حكم الفعل أو صفة له أن يكون هو الفاعل له على ما تقدم وقد مضى بيان الوجوه التي تمنع من تأثير الإرادة المخلوقة فينا في وجوه أفعالنا.
قوله: (قلنا الحق أنه لايصح تقدير وقوع الظلم).
يعني وإذا لم يصح تقديره مع صحة تقدير التمانع بين الاقدرين لم يكن لقائل أن يقول لم لم يقم تقدير وقوع الظلم من جهته تعالى مقام وقوعه لأنه لايصح التقدير.
قال أصحابنا: التقدير قد يقوم مقام التحقيق كمسألتنا هذه، ومعنى قولهم أنه يقوم مقامه أنه كاف في معرفة كون أحدهما أغلب أو يساويهما وربما لايقوم مقامه كتقدير وقوع الظلم من جهته تعالى ووقوع ما علم الله أنه لايقع ومعنى أنه لايوم مقامه أنه لايكفي في الدلالة على الجهل أو الحاجة.
قوله: (إن تقدير الموجب المصحَح).

74 / 158
ع
En
A+
A-