يعني فيصير البيتان هكذا:
كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لحبلى كرى كره بعد إحفال
ولم أشرب الروى للذة ... ولم أبتطن كاعبا ذات خلخال
لتناسب ركوب الخيل وكرها وقوع الكر بعد الركوب وشرب الرق ومباطنة الكاعب لكون الشرب من دواعي النكاح فكونهما من الملاذ المتلازمة في الأغلب، وقد يقال: إن كلام امرئ القيس متناسب فإنه جمع في البيت الأول بين ركوب الخيل للذة الاصطياد ونحوه لا للحرب وتبطن الكاعب مع أنه فرع من الركوب وشرب الرق وكر الخيل لأنه ربما مدعاه إلى التشجع والإقدام وكثيراً ما يعتاد ذلك، وقد ذكر في بعض الكتب أن رجلاً /372/ بغدادياً كان كثير الطعن على القدماء والمحدثين ورد على سيف الدولة فلما أنشد هاذان البيتان بحضرته طعن فيهما بهذا المعنى المذكور.
فقال رجل آخر حاضر: لا ولا كرامة لهذا الرأي الله أصدق منك حيث يقول: {إن لك ألا تجوع فيها ولاتعرى وأنك لاتظمأ فيها ولاتضحى} فأتى بالجوع مع العرى ولم يأت به مع الظما. قال مصنف ذلك التكاب: وقول امرئ القيس أصوب ومعناه أعز وأغرب لأنه أراد بقوله للذة الصيد هكذا قالت الحكما ثم حكى عن شبابه وغشيانه النساء فجمع البيت معنيين ولو نظم على ما قاله المعترض لنقص فائدة عظيمة وفضيلة شريفة. ولو نظر البيت الثاني كما ذكر لكان ذكر اللذة حشواً لا فائدة فيه لأن الزق لايسبا إلا للذة.
وأما الآية الكريمة فجارية على مايعتاد من ذكر العرى مع الجوع، يقال: جائع عريان، ولايقال: ظمئان وبين الظمأ والضحى تناسب لأن الضاحي من لايستره شيئ عن الشمس، ومن حقه أن يظمأ يعم أكثر الروايات، ولم ......... الزق الروي يقال: سبا الخمر إذا شراها ليشربها.
قوله: (وهذا مروي عن أمير المؤمنين).
روي في التمهيد عنه عليه السلام أنه قال: إلى ثواب ربها ناظرة. وعن النخعي قال: حدثنا من سمع علياً عليه السلام يقول: في قوله تعالى: {إلى ربها ناظرة} إذا جاز المؤمنون الصراط فتحت لهم أبواب الجنة فينظرون إلى ما أعد الله لهم من الثواب والكرامة وما يعطون من النعم.
وروي عن ابن عباس: إلى ثواب ربها ناظرة. وعن مجاهد وقتادة مثله. وعن سعيد بن مسلم قال: سألت سعيد بن جبير عن قول الله تعالى: {إلى ربها ناظرة} فقال: ما يقول أهل العراق؟ فقلت: يزعمون أنهم يرون الله تعالى. قال: كذبوا أليس الله تعالى يقول: {لاتدركه الأبصار}؟ قلت: فما تقول في قوله: {إلى ربها ناظرة} قال: إلى ثواب ربها ناظرة.
قوله: (ويمكن مجامعته للأول) إلى آخره.
يعني فتحمل ناظرة على معنيين: ألانتظار والرؤية للثواب، وهو ينبني على أنه يصح أن يقصد باللفظ الواحد معنييه أو معانيه حيث يكون مشتركاً وفيه خلاف وسيأتي تحقيق ذلك في آخر الكتاب.
وفيما ذكره المصنف تسليم أن الرؤية من معاني النظر.
قوله: (فإن قيل: إن في الانتظار تنغيصاً) إلى آخره).
هذا سؤال يرد على التأويل الأول. والجواب عنه من وجهين معارضة وتحقيق، فالمعارضة بالرؤية فإنها لاتستمر لأهل الجنة بل لاتقع حال الوطء والمداعبة ونحو ذلك من جميع الحالات التي يستحي العبد من رؤيته لله تعالى وهو عليها.
إذا ثبت ذلك قلنا: فهو في هذه الحال ونحوها ينتظر حصول التلذذ برؤيته تعالى عندهم لأن رؤيته أعظم الثواب عندهم، ولهذا قيل يلزمهم القول بأن الشهوة تتعلق به تعالى أن يصح تعلق النفرة به فيلزم أن تكون رؤيته عقوبة لأهل النار كما أنها مثوبة لأهل الجنة وهم لايقولون به فما أجابوا به في انتظار الرؤية فهو جوابنا في انتظار الثواب. وقد أشار المصنف إلى هذه المعارضة في آخر جوابه.
وأما التحقيق فقد استوفاه المصنف وقد أورد عليه الرازي أنه وإن كان لا مشقة في الانتظار إذا كان على الصفة التي ذكرتم ولا غم معه فإنه مما لم تجر العادة بالتلذذ به في الدنيا والمسرة فلا تحسن البشارة بما هه صفته وإن فرضنا أنه لامشقة فيه بل لو قدرنا حصول لذة فيه لم تحسن البشارة به أيضاً لما لم يكن مما يعتاد الانتفاع به في الدنيا كما أنه لايحسن منه تعالى أن يعدنا /373/ بإدخال النار وإن أخبرنا بأنا نتلذذ بإدراكها لما لم يكن مما يعتاد الانتفاع به في الدنيا.
وأجيب بعدم التسليم فإنه يحسن من الله تعالى أن يعدنا بالانتظار على الصورة التي ذكرناها. قوله: فإنه مما لم تجر العادة بالتلذذ به في الدنيا والمسرة.
قلنا: لانسلم بل بالانتظار على الصورة التي ذكرناها تقع المسرة في الدنيا فإن من كان بين يديه طعام شهي لذيذ وهو مع ذلك منتظر لغيره من أنواع الطعام اللذيذة قاطع بحصولها فإنه يستر بذلك سروراً عظيماً فكذلك في الآخرة.
قوله: (كما لايحسن منه تعالى أن يعدنا بدخول النار) إلى آخره.
قلنا: لانسلم بل إذا وصف للمطيع تلذذه بالكون فيها وحصول السرور بذلك حتى يعلمه نتيقنه حسن من الله تعالى أن يعده بذلك مع أن هذا ليس وزانا لمسألتنا لأن دخول النار مما يقع به التألم في الدنيا والتضرر بخلاف الانتظار على الصورة التي ذكرناها فإنه يقع معه السرور لأجلها دنيا وآخرة.
قوله: (ما أنكرتم أن الإلى واحدة الآلاء).
إنما عرف إلى للعهد لأن المراد الإلى المذكورة في الآية وقد أورد على هذا أن الزمخشري وهو من أئمة النجاة النافين للرؤية ذكر في مفصله عند ذكر الحروف الجارة أن (إلى) لاتكون إلا حرفاً فكيف يجعلونها اسماً ويحكمون بأنها واحدة الآلاء.
والجواب قال الإمام يحيى عليه السلام: ما ذكره الزمخشري طأ وجهل بمقاصد النجاة واحتج في التمهيد لصحة كونها اسماً بحجج واضحة وأضاف القول بأن إلى واحدة الآلاء إلى الزهري، قال: ذكره في مهذبه والمبرد وابن الأعرابي وذكره ابن دريد في الجمهرة وابن السكيت في المقصور والممدود.
قال: وأنشدوا للأعشى: أبلج لايرهب الهزال.. إلى آخره. وقد قيل: إن الذي حكي عن الأزهري من كونها اسماً إنما أراد به مع تنوينها وهي في الآية غير منونة.
وأجيب بأنها في الآية مضافة فلهذا لم ترد منونة لأن الإضافة تمنع التنوين وأورد أن البيت منسوب إلى الأعشى وهو ركيك لايقع في شعر مثله ثم أنه قال فيه: ولايخون إلى وأراد بالخيانة ههنا جحود النعمة وإنكارها ولامستعمل في السنة أهل اللغة كفران النعمة لا خيانتها.
والجواب: لعله يدل الكفران بالخيانة لاستقامة الوزن بها وعدم استقامته بغيرها تجوزاً ومن تأويلات هذه الآية ما ذكره الإمام يحيى عليه السلام وهو أن إلى قد تجيء بمعنى عند ذكره الأزهري في التهذيب، وذكر ابن السكيت أيضاً أن إلى بمعنى عند قد جاء وأنشد أوس:
فهل لكم فيها إلى فإنني ... بصير بما أعيى النطاشي حذيما
أي فهل لكم فيها عندي فعلى هذا يكون معنى الآية: وجوه يومئذ ناضرة عند ربها ناظرة.
قوله: (لقوله تعالى: {يا أيها الإنسان} إلى آخره).
يعني واسم الجنس المعرف بالألف واللام من ألفاظ العموم ولهذا قسمهم بعد ذلك فدل على استغراقه.
قوله: (لكان كأنه قال: واعلموا أنكم من أهل الثواب).
يعني لأنهم جعلوا الملاقاة الرؤية والرؤية لاتكون إلا للمثابين لأنها من أعظم الثواب على مذهب الخصم فاختاره تعالى بأنهم ملاقوه إخبار بأنهم يرونه واخباره بأنهم يرونه كإخباره بأنهم يثابون.
قوله: (وما وعد من ثواب أو عقاب).
يعني بقوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه} أي يلقون ثوابه وقوله: {فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه} أي يلقون عقابه وقوله تعالى: {واعلموا أنكم ملاقوه} وقوله: {يا أيها الإنسان} إلى آخرها أريد بالملاقاة فيهما ملاقاة الثواب في حق المطيعين وملاقاة العقاب في حق العاصين.
قوله: (فإن ذلك هو الذي يصح فيه معنى الملاقاة).
يقال: ألست ذكرت أن معنى الملاقاة تقابل الشيئين وتقاربهما بعد مباعدة وذلك لايكاد يتصور في العقاب والثواب. /374/
والجواب: أن هذا المعنى إلى الحقيقة أقرب من رؤية الله تعالى فيكون من قبيل المجاز الأقرب في وجوب حمل الكلام عليه وقد قيل: المراد في قوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} أي يوم يلقون ملائكته.
قوله: (تمسكوا بقوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}).
وجه احتجاجهم بها أنها وردت في المعذبين والمراد أنهم محجوبون عن رؤية ربهم وفي ذلك دليل على أن المثابين لايحجبون عن رؤيته تعالى وأنهم يرونه.
قوله: (وتقديره عندنا عن رحمة ربها). يعني عن ثوابه وعطائه لأنه الذي يتصور فيه معنى الحجاب.
قوله: (فإن هذا من الخطابات التي لامفهوم لها اتفاقاً بين المحققين).
وذلك لأنه من قبيل مفهوم اللقب كما نصوا عليه في مثل قولك زيد موجود أنه لايدل على عدم غيره ولم يخالف في ذلك إلا قليل سلكوا غير منهج التحقيق وأما غيره كمفهوم الصفة نحو: في الغنم السائمة زكاة فهم مختلفون فيه فمذهب أصحابنا وابن شريح وأكثر الحنفية أنه لامفهوم للصفة يجب العمل به وذهب الشافعي وابن حنبل والأشعري والجويني إلى أنه يعمل بمفهوم الصفة وهذا الخلاف إنما هو في باب العمل فأما العلم فلا كلام في أن المفاهيم لاتوصل إليه وعلى هذا فتمسكهم بتلك الآية تمسك فارغ.
قوله: (وإنما يروون في تفسيرها خبراً عن أبي بكر).
روي عنه رضي الله عنه أنه قال: الزيادة النظر إلى وجه الله، وأما الرازي فروى في تفسيرها خبراً عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: قد صح عنه أنه قال: (( الزيادة هو النظر إلى وجه الله تعالى )) .
قوله: (غرفة في الجنة).
الغرفة: ألعلية والجمع غُرُفات وغُرَفات وغُرْفات وغُرَف.
قوله: (انتظارهم لما يزيدهم الله من فضله).
هذا التفسير يصلح أن يكون تأويلاً للخبر الذي ذكره الرازي وهو الزيادة النظر إلى الله تعالى فيكون بمعنى الانتظار.
قوله: (سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر).
تمام هذا الحديث المروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( لاتضامون في رؤيته )) ويروى بتشديد الميم يعني لاتزدحمون كما أن القمر لايزدحم عند رؤيته.
قال ابن الأثير: ويجوز على هذا ضم الياء وفتحها على تفاعلون ويتفاعلون وتضم التاء والتخفيف بمعنى لاينالكم ضيم في رؤيته فيراه بعضكم دون بعض والضيم الظلم هكذا ذكره في النهاية.
قوله: (وهو مطعون في سنده) إلى آخره.
يقال: أكثر ما يقتضيه ذلك الطعن أن رواية فاسق تأويل ورواية فاسق التأويل بل كافره مقبولة على الصحيح.
والجواب: أن كلامه مبني على أن رواية فاسق التأويل وكافره وشهادتهما غير مقبولة وهو مذهب الجمهور من المتكلمين والمروي عن القاسم والهادي والناصر والمنصور عليهم السلام، وإن كان من العلماء من يذهب إلى قبول روايتهما وهو المروي عن السيد لامؤيد بالله، وفي رواية أيضاً عن القاسم والهادي وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وبيان أدلة ذلك وموضع ذكرها أصول الفقه.
قوله: (ثم كان من أصحاب معاوية من تعد).
روي أنه لما لحق بمعاوية هدم أمير المؤمنين عليه السلام داره ومما يروى عنه أنه كان يقول: إن علياً ليس من أوليائي إنما وليي الله ورسوله وصالحوا المؤمنين.
قوله: (وبعد فظاهر الخبر يقتضي التشبيه) إلى آخره.
يقال: ليس في الخبر ألا نشبهه تعالى بالقمر في تجلي الرؤية وحصولها بسهولة لا في شكله وصورته.
وأجيب بأن التشبيه في الرؤية تشبيه في المرئي وإن كنا نسلم أنه ليس في الخبر ما يدل على ذلك.
قوله: (ونحوها مما لايجوز على الله تعالى).
يعني من كونه على شكل الاستدارة وهيئة الإضاءة والإنارة.
قوله: (ومنه قوله عليه السلام: (( ليس لعين /375/ ترى الله يعسى ثمامة فتطرف حتى تغير أو تنتقل )) وفي عد الرؤية هنا مما ورد بمعنى العلم نظر والظاهر أنها الرؤية الحقيقية ولو كانت بمعنى العلم لم يكن لنسبتها إلى العين وجه والذي ذكره لايقضي بصرفها عن ذلك فإن وجوب الإنكار على من علم يؤخذ من غير هذا الخبر.
قوله: (ولصق بالأرض).
تمام الخبر: وقال لن يراه أحد ولاينبغي لأحد أن يراه.
قوله: (حاكياً عن عائشة: ثلاث من قالهن فقد أعظم الفرية على الله تعالى).
الخبر تمامه: (( من زعم أن محمداً رأى ربه مع قوله تعالى: {لاتدركه الأبصار}، ومن زعم أن محمداً يكتم شيئاً من الوحي مع قوله: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالاته، ومن زعم أن محمداً صلى اللّه عليه وآله وسلم يعلم الغيب مع قوله تعالى: {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء )) .
تنبيه
قال أصحابنا: يلزم المكلف في هذه المسألة أن يعلم أنه تعالى لايرى نفسه ولايراه غيره بل لايدرك بحاسة من الحواس لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأنه لايجوز ذلك عليه فيما لم يزل وفيما لايزال ولاتجوز لارؤيته وإدراكه بحال من الأحوال.
القول في أن الله تعالى واحد لاثاني له
قوله: (لاقتضائه التناهي والتجديد).
إن قيل: فما قولكم في قوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولاخمسة إلا هو سادسهم}.
قلنا: المراد بذلك رابعهم وسادسهم في العلم بما يتناجون به لا رابعهم وسادسهم في العدد ولابمعنى أنه كأحدهم وبصفتهم فهو يتعالى عن ذلك، ومما يدل على امتناع الواحد في حقه تعالى بهذا المعنى قول أمير المؤمنين عليه السلام واصفاً له تعالى واحد لاتعدد دائم ثم لا بأمد دائم لا بعمد.
قوله: (خلافاً لعباد).
الظاهر من كلام غير المصنف وقوع الاتفاق على أنه إذا أضيف إلى ذلك قولنا حي فإنه مدح كما إذا قيل: الحي الذي لايتجزى وإنما الخلاف في أنه هل يجري عليه تعالى واحد بمعنى أنه لايتجزى مع عدم اقتران كونه حياً به فذهب الجمهور إلى جواز ذلك وذهب عباد إلى أنه لايصح وصفه بذلك لأنه يوهم كونه تعالى جوهراً واحداً أو ذاتاً واحدة من الأعراض.
قوله: (وأما من بعض الوجوه).
أي وإما أن يكون عدم قبوله للتجزئ من بعض الوجوه وهو الوجه الذي جعل واحداً من جهته فإن الإنسان لايكون إنسانين ولا الدار دارين.
قوله: (وهذا المعنى مستحيل في حقه تعالى).
يعني لإفادته أنه واحد له أبعاض والله يتعالى عن ذلك.
واعلم أن هذه المعاني التي تقدم ذكرها هي معاني الواحد لغة وأما معنى الواحد عرفاً فهو ما ذكره بقوله: وقد يراد به المختص بصفات الكمال أو بعضها على حد فعل المشاركة له فيها وهذا المعنى أيضاً مستحيل في حقه تعالى لأنه يقضي بصحة مشاركة الغير له فيها.
قوله: (وقد يراد به واحد القدم) إلى آخره.
هذا حده في اصطلاح المتكلمين.
قوله: (وهو المتفرد بصفات الكمال).
يعني من الوجود والقادرية والعالمية والحيية ونحو ذلك فإنه لايشاركه فيها مشارك على الحد الذي يستحقها وهو الوجوب والثبوت في الأزل وهذا معنى انفراده تعالى بها.
فصل
ذهب المسلمون إلى أن الله تعالى واحد لا ثاني له تعالى في القدم والإلاهية.
قوله: (وخالفت الثنوية) إلى آخره.
قيل: أما إثبات ثاني يشارك القديم في جميع ما يجب له من الصفات ويستحيل عليه فلا قائل به ولامخالف فيه يثبته، وإنما خلاف هؤلاء المخالفين بإثبات ثان يشاركه في بعض الصفات وإنما سميت الثنوية ثنوية لقولهم بإلهين اثنين.
قوله: (حاكياً عنهم وإن كل خير فهو من النور بطبعه وإن كل شر فهو من الظلمة).
الخير عندهم /376/ ما تميل النفوس إليه وتلتذ به، والشر ما تنفر عنه وتنقبض سواء كان ما تميل إليه النفوس أو تنفر عنه حسناً او قبيحاً واتفقوا أيضاً على أن النور والظلمة قديمان.
قوله: (وأن العالم ممتزج منهما).
اعلم أن الذي أداهم إلى القول بأن العالم ممتزج من النور والظلمة أن قالوا: إنا وجدنا أجسام العالم على ضربين أحدهما ذو ظل وطول يستر غيره من أن يقع عليه النور وينفي عنه النور المشرق الثاني الظل له كالأجسام النيرة المشرقة كالشمس وسائر الأنوار، فعلمنا أن العالم نور وظلمة وأنهما ممتزجان وأنهما ضدان متنافيان بنفي أحدهما الآخر فما كان له ظل فهو من جنس الظلام وما لم يكن ذا ظل فهو من جنس النور فلهذا حكموا بأن العالم ممتزج منهما، واختلفوا في كيفية الامتزاج فمنهم من قال أن قطعة من النور خرجت غازية للنور فأحاطت الظلمة بالقطعة التي غزتها من النور فامتزجا وأحاط النور بالقطعة التي غزته من الظلمة.
وقال بعضهم: إن النور لما كانت جهته العلو وجهة الظلمة السفل دفعها النور بالاعتماد عليها فاندفع فيها لشدة انغماسه فخالطها. وقال بعضهم: لما كانت الظلمة ذات خشونة وغلظة على النور أراد أن تليها بالدخول فيها فلما دخل فيها غلبت عليه فامتزجا. وقال بعضهم: بل اتفقا في جهة الاتصال بينهما فامتزجا من غير قصد ولاعمد.
وروي عن أبي الهذيل أنه قال: قلت لرجل من المجوس حدثني عن الإنسان ما هو؟ قال: من أصلين قديمين امتزجا وهما نور وظلام. فقلت له: أخبرني عن هذا النور ما جاء به إلى الظلام حتى مازجه أجاء إلى أنسه وألفه وشكله أم جاء إلى ضده وعدوه؟ فقال: بل أتى ليؤديه.
فقلت: فهل عنده أن الظلام يقبل الأدب فتنقلب طبيعته؟ قال: لا. قلت: فهو كمن قال للنار كوني برداً وسلاماً. فلما سمع قومه هذا الجواب أنكروه وقالوا: أليس هذا جوابنا بل الجواب أن لاظلام وثب على النور فأسره. قلت: فهل يكون الأسر إلا عن فضل قوة فأسر النور لايكون إلا عن ضعفه وقوة الظلام، وذلك خير في الظلام وشر في النور فانقطعوا وقالوا: أهل دينكم أصحاب إبل غلاظ الطباع حفاة فمن أين جاءكم هذا التدقيق؟!
قوله: (وإنهما غير متناهيين إلا من جهة التلاقي).
اعلم أنهم يذهبون إلى أن جهة النور العلو وجهة الظلمة السفل ولكل واحد منهما ست جهات، خمس لاتنتهي منها وتنتهي من السادسة، فالنور لاتنتهي إلا من جهة السفل لأن الظلمة تلاقيه منها والظلمة لاتنتهي إلى من جهة العلو لأن النور يلاقيها منها، واحتجوا لذلك بأن الحس يشهد بأن الأجسام النورية صاعدة أبداً والأجسام المظلمة هابطة أبداً فلو كان النور متناهياً من جهة الفوق لكان يجب أن يتصاعد أكثر مما يتصاعد لأن صعوده بطبعه فلو كان يمكن صعوده لوجب وكذلك قالوا في الظلمة.
قوله: (فقالت المانوية).