قلت: اتصل به على معنى أن النظر إلي محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر وهو أن تنظر إلى الجبل الذي يرجف بك وبمن طلبت الرؤية لأجلهم كيف أفعل به وكيف أجعله دكاً بسبب طلبك الرؤية لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره كأنه جل وعلا حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد إليه في قوله: {وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولداً} فإن استقر مكانه كما كان مستقراً ثابتاً ذاهباً في جهاته فسوف تراني تعليق لوجود الرؤية بوجود ما لايكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكه دكاً ويسويه بالأرض، وهذا كلام مدمج بعضه في بعض وارد على أسلوب عجيب ونمط بديع ألا ترى كيف تخلص من النظر إلى النظر بكلمة الاستدراك ثم كيف بنى الوعيد بالرجفة الكائنة بسبب طلب النظر على الشريطة في وجود الرؤية، أعني قوله: {فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى له ربه} للجبل ولما ظهر له اقتداره وتصدى له أمره وإرادته جعله دكاً أي مدكوكاً.
قوله: (وليس عدم العلم بمسألة لارؤية مما يقطع بكونه كبيراً).
أي عدم العلم بصحتها إن كانت صحيحة أو استحالتها إن كانت مستحيلة يعني فلا يقال هو كبيرة وإذا كان كبيرة فالكبيرة لاتجوز على الأنبياء عندكم لما ذكره من عدم القطع بكونها كبيرة لاسيما في حق الأنبياء فإن ثوابهم قد يكفر كبيراً من المعاصي التي لايكفرها ثواب غيرهم.
قال بعض أصحابنا: ولو لزم ما قالوه من جهل موسى عليه السلام باستحالة الرؤية على الله تعالى فلا خلل في ذلك لأن معرفتها ليست من فروض الأعيان إذ تجويزها لايستلزم الجسمية وكوننا نعرف ما لايعرفه بعض الأنبياء في موضع لا خلل فيه أيضاً فمن الجائز أن يعزب عن بعض الأنبياء كثير مما اطلع عليه غيرهم كدقائق مسائل اللطيف والمساحة والهندسةوبالجملة فكل مسألة لايعد العلم بها من فروض الأعيان فعدم العلم بها يجوز على الأنبياء كغيرهم وكغير ذلك من أمور الدنيا وأحوالها فإن خاتم الأنبياء وأفضلهم لم يعلم ما في تأبير النخلمن الصلاح حتى قال: أنا أعرف بدينكم وأنتم أعرف بدنياكم.
قوله: (ولا هذه المسألة مما يتوقف عليها العلم بالنبوة).
يعني فلا يقال: كيف تجوزون جهل موسى عليه السلام باستحالة الرؤية مع أنه قد علم صحة ثبوته بلا كلام والعلم بصحة ثبوته وصواب ما أرسل به يتوقف على العلم بنفي الرؤية كما يتوقف على العلم بأنه تعالى عدل حكيم وذلك لأن الكلام في الرؤية غير المكيفة وليس الجهل بما هو الحق فيها يقدح في العلم بصحة النبوة من حيث لايتوقف عليها مسألة العدل والحكمة.
واعترض الرازي هذا الجواب بأن قال: إن الأمة مجمعة على أن علم الأنبياء والرسل بذاته تعالى وصفاته أتم وأكمل من علم كل واحد من آحاد الأمة إذا ثبت هذا فنقول لما كان العلم باستحالة الرؤية حاصلاً لكل واحد من آحاد المعتزلة فلو لم يكن هذا العلم حاصلاً لموسى عليه السلام لكان كل واحد نم آحاد المعتزلة أعرف بذات الله تعالى وصفاته من موسى عليه السلام ولما كان هذا باطلاً بالإجماع سقط ما ذكروه.
ويمكن الجواب بأن علمه عليه لاسلام باستحالة الرؤية عقيب السؤال مسقط للتسبيح الذي أورده لأن معه لايكون كل واحد من آحاد المعتزلة أعرف بذات الله تعالى وصفاته من موسى أو قد شاركهم فيه بعد ورود الجواب وليس حصول العلم له بعد أن لم يكن حاصلا يقتضي ما ذكره ولم يقع الإجماع على أنه يجب حصول العلم بذات الله تعالى وصفاته للأنبياء من أول وهلة ولو قدرنا أنه عليه السلام لم يعلم استحالة الرؤية مع علم المعتزلة بها لم يقتض أن يكون كل واحد منهم أعلم بذات الله تعالى وصفاته من موسى عليه السلام كما ذكره فإن العلم باستحالة /368/ الرؤية ليس علماً بذات الله تعالى ولابصفة له ولو كان علماً بصفة فليس العلم بها هو كل العلم بذات الله وصفاته فتبين أن كلامه مبناه التسبيح الذي لاثمرة له.
وقد أجاب الشيخان أبو الهذيل وأبو القاسم عن أصل الشبهة بأن المراد بقوله: {رب أرني أنظر إليك} أي أرني آية أعلمك عندها ضرورة، ولعل المصنف أراد هذا المعنى بما سبق من قوله: (وبعد فما أنكرتم أن ثم مضافاً محذوفاً تقديره: رب أرني أنظر إلى عظيم سلطانك) إلى آخره.
واعترض بأن موسى قد رأى من الآيات العظيمة ما فيه كفاية كقلب العصا وفلق البحر وتفجر الماء من الحجر وإخراج يده بيضاء فطلب آية بعد هذه الآيات تعنت لايليق بالأنبياء عليهم السلام.
وأجيب بأنه وإن كان كذلك إلا أنه لم يحصل له بتلك الآيات علم ضروري وهو أنما طلبه لا ما قد حصل وهو العلم الاستدلالي.
واعترض أيضاً بأنه عليه لاسلام مع معرفته للباري تعالى في حال مناجاته لايليق منه ذلك إذ لايليق بعاقل أن يقول لمن يناجيه: عرفني نفسك فضلاً عن الأنبياء فهم أكمل الناس عقلاً وأسد معرفة بالله تعالى.
قوله: (فإن لن في اللغة لتأبيد النفي).
يدل على ذلك أنه يصح الاستثناء من الأوقات فدل على الاستغراق ولأن إثبات الرؤية في وقت يناقض ذلك ويدل على استغراقها للأوقات أنها إما أن تكون نفياً للرؤية في جميع الأوقات فهو ما نقوله أو نفياً لها في بعض الأوقات فهو تخصيص لغير مخصص أو ليست بنفي لها في أي الوقات فهو خلاف صريح الآية.
قوله: (وأما قوله تعالى: {ولن يتمنوه}) إلى آخره.
هذه إشارة إلى سؤال يرد على قولنا أن (لن) لتأبيد النفي وتقريره أن يقال: إنه تعالى قال في اليهود: {ولن يتمنوه أبدا} أي الموت، ثم حكى عنهم طلبه بقوله تعالى: {وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك} فدل على أنها ليست لتأبيد النفي.
وتقرير الجواب: أن فيه قرينة تدل على خلاف الظاهر وهي أنهم إنما لم يتمنوه في الدنيا هرباً من العقاب وقد صاروا حال سؤالهم لمالك معاقبين فعدم تمنيهم لايفيدهم هرباً منه بل الهرب منه في حصول ما سألوه من الموت لو حصل والسلامة من العقاب.
قوله: (فأخبر تعالى أن الموت الذي تفرون منه هو الموت الأول).
يعني وحينئذ يكون قوله تعالى: {ولن يتمنوه} الضمير فيه عائد إلى الموت الأول وإذا كان كذلك ففائدة لن وهي التأبيد حاصلة لأنهم لم يسألوا الموت الأول أبداً قطعاً وإنما سألوا موتاً ثانياً.
قوله: (إنه تعالى قد ذكر التأبيد في هاتين الآيتين) إلى آخره.
يعني قوله تعالى: {ولن يتمنوه أبداً} {ولايتمنونه أبداً} مع أن التأبيد بلا خلاف يشمل جميع الأوقات فإذا كان كذلك ولم يقتض لفظ التأبيد هنا شمول جميع الأوقات ووجب العدول عن ظاهر التأبيد فكذلك في (لن) وقع ما اقتضى العدول عن ظاهرها ولايقدح ذلك في أنها تشمل الأوقات، وإذا قبل فيعدل عن ظاهر قوله تعالى: {لن تراني}.
قلنا: لاموجب للعدول ههنا فإنه لم يخبر عن الرؤية بعد ذلك وفي تلك الآية أخبر عن طلبهم للموت بعد فاقتضى العدول.
وقد أجيب عن أصل السؤال بأنه يجوز أن يكون الذين حكى الله عنهم طلب الموت غير اليهود الذين أخبرنا بهم لايتمنونه.
قوله: (حجة الوجه الثاني أنه علق الرؤية بشرط مستحيل) إلى آخره.
المجبرة يحرفون هذا الوجه ويجعلونه لهم ويحررونه على عكس ما يحرره أصحابنا فيقولون: قد علقها بأمر جائز وهو استقرار الجبل وكان جائزاً لأن الجبل جسم وكل جسم يجوز سكونه واستقراره وإذا كان كذلك فالمعلق على الشرط الجائز جائز لأنه يجوز حصول ذلك الشرط، وإذا حصل لزم حصول المشروط إذ لو لم يحصل انكشف عدم كونه شرطاً وهو يكشف عن الكذب في كلامه تعالى عن ذلك، وقد رد عليهم الإمام /369/ عماد الإسلام من وجهين: أحدهما: أنه وإن كان ممكناً بالإضافة إلى ذاته فهو مستحيل بالإضافة إلى أمور أخرى ولافرق في استحالة حصول الشيء ووقوعه بين أن يكون مستحيلاً لذاته وبين أن يكون مستحيلاً لأمور أخر، ولهذا فلا فرق في عدم الوقوع بين استحالة حدوث ذات القديم تعالى وبين استحالة وقوع القبيح من جهته وإن كان استحالة حدوثه لذاته واستحالة وقوع القبيح منه لداعيه، واستحالة استقرار الجبلة يثبت لأمور ثلاثة:
أما أولاً فلأن عندكم أنه أراد في ذلك الوقت ألا يستقر الجبل وما أراد تعالى ألا يحصل كان حصوله مستحيلاً عندكم، فإن حصول الاستقرار في ذلك الوقت محال.
وأما ثانياً فلأنه تعالى علق الرؤية باستقرار الجبل حال تحركه وحصول الاستقرار حال الحركة محال.
وأما ثالثاً فلأن معنى قوله تعالى: {فإن استقر مكانه فسوف تراني} إن استقر حال التجلي لأمرين أما أولاً فلأن أحدنا لو قال لحاجب الخليفة أرني الخليفة. قال الحاجب: لن تراه، ولكن انظر إلى زيد فإن استقر مكانه فسوف تراه فلما تجلى الخليفة لم تستقر دما زيد علمنا أنه أراد فإن استقر قدماه حال التجلي، وأما ثانياً فلأن الغرض بقوله: {فإن استقر مكانه فسوف تراني} لو لم يكن حال التجلي لكان لامعنى لقوله فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} ليس إلا ليريد أن استقرار الجبل حالة التجلي محال فثبت حصول الرؤية معلق على أمر مستحيل فيجب أن يكون مستحيلاً.
الوجه الثاني: سلمنا أن الرؤية متعلقة على أمر ممكن فلم قلتم أنه لابد أن تكون ممكنة بيانه أن المعلق على ما يوجد وهو مما يصح وجوده يفيد أمرين أحدهما استحالة حصول المعلق عند عدم الشرط الثاني صحة حصوله عند حصول الشرط والمطلوب بالمعلق بالشرط ههنا ليس إلا وقوع الرؤية وحصولها عند حصوله ولاشك أن موسى عليه السلام لما سأل الرؤية بقوله: {رب أرني أنظر إليك}، وأجابه الله تعالى بقوله: {لن تراني} ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فعلق الرؤية بأمر غير حاصل فكان تعليقه للرؤية على مالم يوجد لبيان نفي وجودها وجوابه مطابقاً، فإما أن الغرض بيان أن لارؤية ممكنة أو غير ممكنة فهو أمر غير مطلوب ولامقصود فلو كان الغرض من التعليق بيان صحة الرؤية واستحالتها لم يكن الجواب مطابقاً فثبت أن الغرض بيان نفي وجودها لانتفاء شرطها وهو المطلوب.
قوله: (ولهم ان يقولوا بل علقها باستمرار الاستقرار).
يعني وإذا كان كذلك فاستمرار الاستقرار جائز غير مستحيل وفيه حصول غرضهم من أنه علقها بأمر جائز لامستحيل فتكون جائزة ولايلزم عليه حصول الرؤية كما قاله أصحابنا فيما لو كان الشرط استقراره قبل الاندكاك أو بعده لأنه لم يستمر استقراره فلا يلزم حصولها.
قوله: (شبهة تمسكوا بقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}).
وجه احتجاجهم بها أن المراد بيومئذ يوم القيامة والمراد بناضرة حسنة من النضارة التي هي حسن الرونق وهي وجوه المؤمنين لأن وجوه العصاة ذلك لايوم باسرة كما حكاه تعالى وقوله: {إلى ربها ناظرة} ولامراد بناظرة ههنا رائية لأن النظر بمعنى الرؤية ههنا قالوا: ويؤكده أن النظر إذا علق بالوجه وعدي بإلى لم يحتمل إلا الرؤية.
قوله: (ويعقب النظر بالرؤية) إلى قوله: (ويجعل غاية له الرؤية).
وجه الاحتجاج بذلك على أن النظر غير الرؤية أن الشيء لايعقب بنفسه ولايجعل وصلة إليه، ولا غاية له، وكان المثل الموافق للوصلة أن يقول: رائية تنظر وقع مني ونحوه فأما انظر لعلك ترى فهو من قبيل ترجي الرؤية مع النظر لا من قبيل التصريح بكونه وصلة.
قوله: (قلنا محال بدليل قوله تعالى: {وتراهم ينظرون إليك}) إلى آخره.
يعني فجميع ما حكاه من الآيات وكلام /370/ العرب وأئمة اللغة قد حصل فيه اقتران النظر بإلى ولم يفد الرؤية فدل على استحالة ما ادعوه لغة، وقد اختلف في تفسير قوله تعالى: {وتراهم ينظرون إليك وهم لايبصرون} فقيل: نظر المقابلة وقيل: تقليب الحدقة لأن عبدة الأصنام كانوا يجعلون لها أعيناً من الجواهر واليواقيت فيخيل إلى من رآها أنها تقلب أحداقها، وقيل: بل أريد الرؤية مجازاً والتقدير: وتراهم كأنهم يرون وهم لايرون.
قوله: (وحكى الرازي عن الخليل).
يعني بالرازي ابن الخطيب الأشعري حكى في ذلك في كتابه الأربعين معترضاً به على دليل أصحابه.
قوله: (في البيت: نظر الظما حيا الغمام).
الظما جمع ظام، كالعطاش جمع عاطش، والحيا وهو مقصور مطر الربيع.
قوله: (والنظر مع كون البحر حائلاً هو الانتظار).
جملة المصنف على أن معنى البيت: إذا نظرت إليك والبحر بيني وبينك والظاهر أن مراده والبحر دونك في الكلام وذلك أن العرب تصف الكريم بالبحر ويطلقون لفظة البحر على الكريم تجوزاً واستعارة ويشبهون كرمه بكرم البحر ولذلك قال صاحب البردة يمدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
كالزهر في ترف والبدر في شرف ... والبحر في كرم والدهر في همم
وقال غيره:
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والبر ساحله
وهذه الجملة وهي قوله: والبحر دونك جملة اعتراضية أريد بها تأكيد ما تصدى له الشاعر من بيان كرمه وكثرة إحسانه إليه.
قوله: (قال حسان:
وجوه يوم بدر ناظرات ... إلى الرحمن يأتي بالفلاح).
قيل: إن بعضهم رواه على وجه آخر وجعله لغير حسان:
وجوه ناظرات يوم بكر ... إلى الرحمان تنتظر الخلاصا
وزعم أن مراد الشاعر بيوم بكر يوم اليمامة، وسماه يوم بكر لأن الحرب فيه كان بين أصحاب أبي بكر رضي الله عنه وبين مسيلمة الكذاب واصحابه، وأراد بالرحمن في البيت مسيلمة وذلك لأنهم كانوا يسمونه رحمن اليمامة وكان أصحابه يطمعون في أن يخلصهم عن ذلك البلا وينظرون إليه في ذلك، والشاعر من أصحابه والحجة ثابتة على كلا الروايتين.
قوله: (وقال البغيث) هو بالباء الموحدة المفتوحة والعين المهملة المكسورة والياء الساكنة التحتانية والثاء المثلثة. قال الجوهري: هو شاعر من بني تميم سمي بذلك لقوله:
تبغث مني ما تبغث بعد ما ... استمر فؤادي واستمر سريري
قوله: (في حكاية الشعر: ويوم بذي قار).
قال الجوهري: يوم ذي قار يوم لبني شيبان وكان ابرويز أغراهم جنساً فظفرت به بنو شيبان وهو أول يوم انتصرت فيه العرب من العجم ووجه الاحتجاج بهذا البيت أن الموت لايصح رؤيته فوجب حمله على الانتظار لأن المعنى فيه صحيح.
قلت: والسابق إلى الفهم أن الشاعر أراد الرؤية تخييلاً وتصيراً لشدة الأمر وأن الموت كأنه برز في تلك الحال وصار مشاهداً. وقال الرازي: بل كنى بالموت عن الشجعان واستشهد بقول بعضهم:
وقل لهما ذروا بالغدر والتمسوا ... عذراً يبرركم إني أنا الموت
قوله: (لأن بعض المتعجرفين منهم).
قال في الصحاح: فلان يتعجرف على فلان، إذا كان يركبه بما يكره. انتهى. وأظنه ههنا من قولهم: جمل فيه عجرفة، إذا كان قليل المبالاة ولعمري أن مقالة هذا المتعجرف الذي ذكره المصنف تعاكس ما قاله الرازي منهم فإنه احتج على أن النظر ليس بمعنى الرؤية في كتابه الأربعين بخمس وعشرين حجة من الآيات والأثبات، وذكر مالم يذكره أصحابنا من ذلك فلله در الإنصاف.
قوله: (وبعد فهب أنه صحيح).
أي أن نسبته إلى بعض أهل اللغة صحيحة.
قوله: (لأنها فعل الله تعالى وغيرها من الإدراكات) /371/.
يعني على مذهب الخصوم فإنهم يذهبون إلى أن لارؤية معنى يفعله الله تعالى ولايكون إلا من فعله وكذلك سائر الإدراكات فأما مذهبنا فهي صفة مقتضاة عن الحيية وكذلك سائر الإدراكات والمقتضى لايوصف بأن له فاعلاً فلا يضاف إلى فاعل.
قول: (ولهذا لايذم أحدنا على العشق لأنه فعل الله تعالى).
إنما كان فعله تعالى على الإطلاق لأنه الشهوة التي تتعلق بالصور والألوان من بني آدم والشهوة يختص تعالى بفعلها على الصحيح من المذهب، ولايبعد أن يكون العشق على مذهب البغدادية من فعلنا أو يكون منه على رأيهم ما هو قبيح.
قوله: (التي هي معنى يحل العين).
يعني على مذهبهم.
قوله: (وليس الرؤية تقضي على العاشق بل هي مما يستلذ به).
ذكر الرازي في الأربعين عكس هذا الذي ذكره المصنف قال: ومعلوم أن الذي يقضي على العاشق رؤية المعشوق لاتقليب الحدقة نحوه وكلامه قوي ويؤكده ما يسمع به عن العشاق من تغيرهم بل موت بعضهم عند رؤية المعشوق والله أعلم.
قوله: (فكيف يسميها موتاً).
أي كيف يجعلها سبباً للموت لأنه قال: كادت تقضي عليه يعني تميته.
قوله: (ومنها أن ظاهرها يقتضي أن الوجوه هي الناظرة). إلى آخره.
يعني فإذا ثبت أنه لايمكن بنفيه الآية على ظاهرها من كل وجه ووجب تأويلها من وجه يثبت محاربتها وصح تأويلها من غير ذلك الوجه مع الموجب لتأويلها.
قوله: (فدل على أنه أراد ذوي الوجوه).
يعني مع أن ظاهرها لايقضي بذلك بل بخلافه فيكون حملها على ذوي الوجوه حملاً على غير ظاهرها.
قوله: (حيث قال للأعرابي) إلى آخره.
قال ذلك له وقد مر به وهو رافع يده إلى السماء شاخص بنصره إليها.
قوله: (وقد أسندت هذه الحكاية إلى ابن عباس).
ذكر الإمام يحيى عليه السلام في التمهيد رواية هذا التأويل عن أمير المؤمنين وحكى قريباً منه عن ابن عباس وهو أنه سئل عنها فقال: أهل الجنة ينتظرون رحمة الله وكرامته، وتلا قوله تعالى: {لاتدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}.
قوله: (وابن المسيب) إلى آخره.
حكى الإمام يحيى عن ابن المسيب أنه قال: معناها تنتظر الثواب من ربها، وعن مجاهد أن معنى الآية حسنة مستيسرة تنتظر الثواب من ربها، وعن أبي صالح أيضاً أن معناها تنتظر الثواب من ربها، قال الإمام عليه السلام: فثبت أن المفسرين فسروا الآية بذلك ولم ينكر عليهم غيرهم فكان إجماعاً منهم فوجب حملها عليه.
قوله: (إن الله تعالى جعل الظن الذي هو الخوف) إلى آخره.
يعني حيث قال تعالى: {تظن أن يفعل بها فاقرة} وقد ذكر الإمام يحيى قريباً مما ذكره المصنف فإنه قال: يصير معنى الآية: وجوه يومئذ ناضرة أي ناعمة لثواب ربها منتظرة ووجوه يومئذ باسرة أي كالحة في مقابله قوله: ناظرة تظن أن يفعل بها فاقرة أي تخاف حصول العقاب وتتوقع هجومه وهي في مقابلة قوله: منتظرة لثواب ربها ليناسب آخر الكلام أوله، ويتسق نمط الآية.
قوله: (فيزدوج الكلام).
الازدواج والمزواجة والتزاوج بمعنى ذكره الجوهري.
قوله: (قالوا لو جعل عجز البيت الثاني) إلى آخره.