الذي يدل على صحة هذا الأصل وجوه ثلاثة: الوجهان اللذان ذكرهما المصنف الأول قوله: فلأن كون الشيء مرئياً أو غير مرئي إلى آخره. وتلخيصه أن يقال: كون الشيء مرئياً أو غير مرئي مما يرجع إلى ذاته ففي الشاهد إلى الصفة المقتضاة وفي الغائب إلى الصفة الذاتية كما تقدم فإذا كان تعالى قد تمدح بأنه لايرى وذلك التمدح راجع إلى ذاته على ما تقدم فقد ثبت بذلك أنه لايرى لصفته الأخص فإثبات كونه مرئياً يقتضي خروجه عما لأجله كان غير مرئي وهي الصفة الأخص وخروجه عناه يقتضي خروجه عما يقتضيه من الصفات إذ يستحيل حصول المقتضي من دون مقتضيه وفي ذلك خروجه عن كونه قادراً عالماً حياً موجوداً.
وهذا أبلغ نقص في حقه تعالى ويؤدي إلى انقلاب ذاته لأنه إذا خرج عن الصفة الذاتية إلى صفة أخرى ذاتية فقد صارت ذاته غير ما كانت وأنقص من ذلك إن خرجت عنها لا إلى صفة.
قوله: (والعكس).
يعني وخروج الذات عن كونها مرئية إل أن تكون غير مرئية يقتضي الإنقلاب أيضاً، والطريقة في الطرفين واحدة. الوجه الثاني: ذكره أيضاً وهو قوله: (وبعد فإما أن يتمدح بنفي صفة كمال) إلى آخره.
وله تتمة وهو أن يقال: فإذا كان تمدحه بنفي الرؤية تمدحاً بنفي صفة نقص فإثبات الرؤية إثبات لتلك الصفة فيحصل غرضنا من أن إثبات ما نفاه تعالى يؤدي إلى النقص.
الوجه الثالث: أنه نقص من حيث أن ثبوت ما تمدح تعالى بنفيه يكشف عن الكذب والكذب من أوصاف النقص.
قوله: (من حيث أن حرف النفي إذا دخل على اسم الجنس المعرف باللام اقتضى الاستغراق).
فيه نظر لأنه يوهم أن اقتضاء الاستغراق في اسم الجنس المعرف هو لأجل تقدم النفي وليس كذلك فإن التعريف من ألفاظ العموم تقدمه نفي أو لا كقوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر} وإنما تعتبر إفادة اسم الجنس للاستغراق مع تقدم النفي إذا كان يكره، وإنما أفاد حرف النفي في هذه الآية الاستغراق في الأوقات لدخوله على الفعل المستقبل والله أعلم.
قوله: (بدليل صحة الاستثناء).
يعني في الأشخاص والأوقات نحو: إلا بصر زيد، وإلا في الآخرة. ولا كلام في أن صحة الاستثناء دليل الاستغراق وسيأتي تلخيصه في باب الوعيد ومما يؤكد ذلك أن النفي الذي تضمنته الآية إما أن يكون في جميع الأوقات عن جميع الأشخاص فهو الذي يقول أو يكون في بعض الأوقات أو عن بعض الأشخاص فلا مخصص أو لايكون نفياً في أي الأوقات ولا عن أي الأشخاص، فخلافه معلوم من ظاهر الآية ويدل على عمومها أن إثبات الإدراك في وقت ما أو لشخص ما ينافي ظاهرها ولولا عمومها لم ينافه.
تنبيه
اعلم أن هذه الآية لاتوصل إلى العلم بنفي الرؤية إلا إذا كانت دلالة العموم قطعية وهو موضع /363/ نظر، فالذي يذكره المحققون أن دلالته ظنية، وعلى هذا لايوصل إلا إلى الظن وسيأتي لهذا المعنى مزيد تحقيق في باب الوعيد.
قوله: (والجواب أن من حق التخصيص التنافي على مقتضى الخاص).
يعني بأن يرد المخصص مصرحاً بنقيض ما ورد به العام في مقتضى الخاص وليس كذلك ههنا فإن العام انتفاء إدراك الأبصار بمعنى أنها لاتراه والخاص على زعمهم نظر بعض الوجوه إليه، ومعناه الانتظار وليس عدم الرؤية منافياً له بل يصح اجتماع انتفاء الرؤية وثبوت النظر، إذا كان بمعنى الانتظار، وكذلك لو جعلنا النظر في قوله تعالى: {إلى ربها ناظرة} نظر الرؤية كما يزعمون فإن معناه تقليب الحدقة السليمة التماساً للرؤية لانفس الرؤية فإثباته لايناقض نفيها بل يصح اجتماع إثباته ونفيها.
وإلى هذا المعنى لحظ لامصنف وهو الذي وعد بأنه سيبينه.
قوله: (نقيض لقولنا: تدركه الأبصار).
النقيضان كل قضيتين إذا صدقت إحداهما كذبت الأخرى فنقيض الكلية السالبة نحو: لاشيء من الإنسان بحجر. جزئية موجبة وهي: بعض الإنسان حجر. ونقيض الكلي الموجبة مثل: كل إنسان حيوان. سالبة جزئية: ليس بعض الإنسان بحيوان. وإنما جعل نقيض الكلية من إحدى الطرفين جزئية من الطرف الآخر لأنه لايمكن استمرار كذب إحداهما وصدق الأخرى إلا مع ذلك، فيفهم من قول الرازي أن قوله تعالى: {لاتدركه الأبصار} سالبة جزئية في المعنى ولهذا جعل نقيضه موجبة كلية، ولكنه غير مسلم له كما نبه عليه المصنف بعد.
وقول الرازي أيضاً: إن تدركه الأبصار موجبة كلية مخالف للقواعد فإن مثل هذه القضية عند المنطقيين تسمى مهملة إذ لم يؤت فيها بلفظة كل ونحوها من ألفاظ التسوير ويحكم عليها أهل المنطق بأنها جزئية لأن ذلك هو المتحقق فيها.
قوله: (وبعد فإذا استحال في بعض الأبصار أن تدركه) إلى آخره.
يقال: ليس نفي الإدراك عن بعض الأبصار يقتضي استحالته في حق من نفى عنه بل عدم وقوعه.
فصل في شبههم في إثبات الرؤية
قوله: (أليس من صريح مذهبكم أن الصحح أمور سلبية).
يعني أن المرجع بها إلى نفي الاستحالة فمعنى كونه يصح وجوده أنه لايستحيل وجوده ومعنى صحة كونه معلوماً أنه لايستحيل أن يعلم لأنهم يثبتونها أحكاماً خاصة، وقولهم: فلو كانت أموراً ثابتة لزم قدمها يعنون لحصولها فيما لم يزل ولهذا قالوا بأن صحة وجود العالم فيما لم يزل معناه أنه لايستحيل وجوده فيما لايزال ونحن نجعل صحة وجوده في الأل أمراً ثبوتياً والمرجع بها إلى إمكان وجوده فيما لايزال.
قوله: (فإن صحة رؤية اللون يحتاج إلى ما لاتحتاج إليه صحة رؤية الجوهر وهو المحل).
وهذا ينبني على أن اللون لايصح إدراكه إلا في محل وأنا لو قدرنا وجوده لا في محل لم يصح إدراكه ولاذي صرح به أبو هاشم أنا لو قدرنا وجوده لا في محل لصحت منا رؤيته ومع ذلك لأنه لايجعل الشرط في الرؤية إلا حصول قاعدة الشعاع مع المرئي بحيث لاساتر ولا ما يقدر حصول الساتر فيه ولايشرط المقابلة أو تنافي حكمها، فأما من اشترط ذلك فيقول: لو وجد لا في محل لم تصح رؤيته.
قال ابن متويه: إلا على ما قاله الشيخ أبو عبدالله من تقدير جهة له فيجعله مرئياً لحصول المقابلة بثبوته في جهة إلا أنه لايتصور إلا مع وجوده لا في محل أن يكون في جهة لأن ذلك يقتضي كونه متحيزاً.
قوله: (فما أنكروا أن علة صحة الرؤية في الجوهر واللون هي كونهما ممكني الوجود).
يعني فنكون قد عللنا هذه الصحح المتماثلة بعلة اشترتك فيها المرئيات في الشاهد وهي كونها ممكنة الوجود ومع ذلك لايلزم صحة /364/ رؤية الباري تعالى لعدم حصول هذه العلة في حقه إذ هو واجب الوجود غير ممكنه.
قوله: (إذا كان علة صحة الرؤية كونه ممكناً أو كونه معلوماً بطل اشتراط كونه شيئاً).
اعلم أن هذا الجواب أقرب إلى عدم المطابقة فإنه إنما يكن مطابقاً لو قيل لايكون كون الشيء معلوماً علة في صحة رؤيته إلا بشرط أن يكون شيئاً، والمعدوم وإن كان معلوماً فليس بشيء وليس هذا مضمون السؤال وإنما حاصله أن المعدوم إذا لم يكن شيئاً لم يكن معلوماً، وإذا لم يكن معلوماً لم يلزم صحة رؤيته، وإن كانت العلة في رؤية المرئي كونه معلوماً.
قوله: (حتى القدرة والحياة والسمع والبصر ونحوها).
يعني من الموجودات التي قد علمنا استحالة رؤيتها كالعلم والشهوة والإرادة والكراهة لحصول علة صحة الرؤية فيها عندهم وهو الوجود.
قوله: (إذ لا أقل من اطراد العلة).
يعني وهي أن تكون متى حصلت حصل معلولها فيكون متى حصل الوجود الذي هو عندهم علة في صحة الرؤية حصلت الصحة وإن كان في وجوب العكس خلاف، واعلم أن الوجود على كلامهم إنما يكون مقتضياً للصحة لا علة فيها لأنه ليس بذات ولكن حكم المقتضي في وجوب اطراده حكم العلة وهو أيضاً يسمى علة تجوزاً.
قوله: (ولهذا قال الرازي) إلى آخره.
اعلم أن الرازي لما تيقن ضعف أدلتهم العقلية في هذه المسألة وظهور بطلانها ذهب إلى أنه لادليل في العقل يدل على صحة الرؤية ولا على استحالتها، قال: ولكنه قد ورد في ظواهر كتاب اله تعالى وسنة رسوله ما يقضي بصحتها فحينئذ توجه القول بها مع عدم المانع منها عقلاً ولكن تلك الظواهر لاتوصل إلى العلم فتكون ظنية.
قوله: (حتى رؤية الباري تعالى).
أي رؤيته للأشياء فإنها عندهم معنى موجود فلم يجدوا بداً من القول بصحة رؤيته على أصلهم.
قوله: (وأن يخلق الله تعالى لوناً غير هذه الألوان).
اعلم أن مذهب الشيخين وهو الظاهر من قول أصحابنا أنه يجوز أن يكون في المقدور لون سادس غير هذه الألوان الخمسة الموجودة. قالوا: لأنه لادليل على نفي هذه الزيادة فيجب تجويز كونه في المقدور.
قال ابن متويه: وإذا جوزنا الزيادة أجريناها مجرى الأكوان في ألا تنحصر، وقد يجوز أن تكون الزيادة أيضاً محصورة كالمزيد عليه وفي الناس من منع من كون الازئد مقدوراً وزعم أنه يؤدي إلى الجهالات حتى يلزم تجويز أمور لا تعقل، وأبطلوا هذا بأن اللون وما يحصل به من الهيئة للأجسام قد عقلناه فالذي جوزناه هو لون يحصل لمحله به هيئة معاكسة لهذه الهيئات فلا يكون في ذلك لزوم جهالة.
قوله: (فبأي شيء يفرقون بينهما حتى يعلموا اللون لوناً والحياة حياة).
لهم أن يقولوا: نحن نجد الفرق لن هذا اللون وإن كان غير هذه الألوان المعروفة فإنه يثبت لمحله به هيئة معاكسة للهيئة الحاصلة بهذه الألوان دون الحياة والحياة وإن كان لابد مع القول بصحة رؤيتها من القول بثبوت هيئة لمحلها بها إذ ذلك من حكم كل مدرك أدرك على حد إدراك محله أنه لابد من ثبوت هيئة للمحل، قياساً على الألوان والحرارة والبرودة، فإن الهيئة تثبت لمحالها بها لام أدركت على حد إدراكها فالهيئة التي تحصل بالحياة ليست معاكسة لهيئة هذه الألوان ولعله يجاب بأن هذا الفرق إنما يتصور لو كان إدراك اللون وغيره على صفته المقتضاة كما يقوله، وأما إذا كان على صفة الوجود كما يقولونه والوجود متماثل فلا فرق.
قوله: (والأول لايمكنهم القول به لاتحاد الطريقة في الجميع).
يعني لايمكنهم القول بأن الوجود /365/ علة في صحة الرؤية دون غيرها من أنواع الإدراكات لاتحاد طريقتهم في جعل الوجود علة في الرؤية وفي سائر الإدراكات فإنه يقال في الإدراك بالذوق مثلاً أن صحة ذوق الطعوم وإدراكها على هذا الحد مع اختلافها حكم متماثل فلا بد أن يعلل بأمر اتفقت فيه وثبت اشتراكها جميعاً فيه ولم تشترك أنواعها إلا في الوجود، فيجب أن يكون هو العلة في صحة إدراكها والباري تعالى قد شاكرها فيه فيجب صحة أن يدرك على حد إدراكها، وكذلك الكلام في الشم والسمع.
قوله: (ويلزم عليه صحة الرؤية حال العدم كما سلف).
يعني لما تقرر من أنها ثابتة حال العدم.
قوله: (حاكياً عنهم ولاتشبيهه بخلقه).
يعنون لأن لارؤية التي يقول بها رؤية غير مكيفة فأما الرؤية المكيفة فلا كلام في أنها تقتضي تشبيهه تعالى بخلقه.
قوله: (هذا شيء أخذوه من كلام شيخنا أبي علي).
وذلك أنه قال: لايكفر من قال بالرؤية التي ليست بمكيفة. وقال محتجاً على عدم كفره: لأن قوله بالرؤية لايوجب حدوثه تعالى ولاحدوث معنى فيه ولاتشبيهه بخلقه ولاتكذيبه ولاتجويره ولا قلب ذاته فيجب ألا يكفر من قال بها فجعلها الخصم شبهة له.
قوله: (وما أنكرتم أن التمانع) إلى آخره.
يعني كما قلتم في المقابلة واشتراطها فإن بعض مشيختهم قال إن المقابلة أو ما في حكمها إنما كانت شرطاً في الرؤية بمجرى العادة. وقال الرازي: إن اشتراطها في رؤيته تعالى من أحكام الوهم والخيال.
فصل في شبههم من جهة السمع
اعلم أولاً أنه يقال لهم: لايصح لكم الاستدلال بالسمع على هذه المسألة ولا على غيرها نم المسائل لما ذهبتم إليه في باب العدل من المذاهب الفاسدة المفضية إلى عدم الوثوق بالسمع.
قوله: (أقوى ما تمسكوا به سؤال موسى عليه السلام).
يعني الذي حكاه الله تعالى عنه وهو قوله عليه السلام: {رب أرني أنظر إليك} وتقرير احتجاجهم به أن موسى عليه السلام سأل الرؤية لنفسه لأنه أضاف السؤال إليه بقوله: أرني. وأضيف إليه في الجواب فقيل: {لن تراني}، ولنزول الصاعقة به ولأنه تاب من ذلك ولو كانت الرؤية مستحيلة لما سألها فإنه أعلم خلق الله بما يجب لله وما يستحيل على الله وهو كليمه وخيرته من خلقه.
قوله: (تزعمون يا معاشر المجبرة) إلى آخره.
يعني فإن من مذهبكم أنه تعالى لايرى إلا في الآخرة وموسى عليه السلام سأل الرؤية على زعمكم في الدنيا فكأنكم عرفتم ما جهله نبي الله وكليمه وهو تأخر حصولها إلى الآخرة.
قوله: (لأنه لو كان كذلك لما كان لهم ذنب فيصعقوا).
يقال: أن صعقهم لم يكن عند سؤال موسى للرؤية فيتوجه ما قلته ولكن صعقهم حال قولهم: {أرنا الله جهرة}.
قوله: (ولبطل ما علمناه من إضافتها إليهم).
لعله أراد ما اضيف إليهم من طلبها بقولهم: {أرنا الله جهرة}.
قوله: (وأما توبته عليه السلام) إلى آخره.
هذا جواب عن سؤال لهم تقديره: أنه إذا كان سؤال موسى عن قومه فلم تاب فإن الذنب ذنبهم لأنهم السائلون في الحقيقة، ومعلوم أنه تعالى قد حكى التوبة عنه في قوله تعالى: {فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين}.
قوله: (لأن طريقة الأنبياء) إلى آخره.
من هذا القبيل ما روي عن نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه كان يستغفر ربه في اليوم سبعين مرة وقيل في المجلس الواحد مائة مرة.
قوله: (كما يروى مثله عن محمد صلوات الله عليه إلى آخره).
عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال لجبريل صلى الله عليه: (( أحب رؤيتك في صورتك التي تكون عليها في السماء )) فواعده عرفات فخرج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فإذا جبريل قد ملأ ما بين المشرق والمغرب ورأسه في السماء ورجلاه في الأرض فخر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مغشياً عليه فتحول جبريل إلى صورته وضمه إلى صدره. قال تعالى: {ولقد رآه بالأفق المبين}.
قوله: (امتحاناً لاعقوبة).
يعني فإنه /366/ وإن كان قد أذنب بذلك السؤال في تلك الحال فذلك الذنب صغير في حقه عليه السلام ومكفر في جنب ماله من الثواب فلا يقال أن الصعقة عقوبة على ذلك.
قوله: (كما أن سبب دخول بيت المقدس) إلى آخره.
ذكر المفسرون أن بني إسرائيل لما أفسدوا وخالفوا التوراة بكثرة المعاصي وقتلوا أنبياءهم كزكريا ويحيى عليهما السلام سلط الله عليهم من قبلهم وخرب ديارهم ببيت المقدس وهو بختنصر وحرف التوراة قيل أنهم لما قتلوا يحيى صلوات الله عليه لم يزل دمه يفور حتى قتل بختنصر منهم سبعين ألفاً أو اثنين وسبعين ألفاً ثم سكن، وقيل: بل لما قتلوا يحيى صلى الله عليه أتاهم ملك الروم فقتل منهم مائة ألف وثمانين ألفاً وخرب بيت المقدس ثم لم يبن إلا في خلافة عمر رضي الله عنه. قال الله تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً}. قيل: المرة الأولى قتل زكريا صلى الله عليه، والثانية قتل يحيى صلى الله عليه، وقيل: قتل شعيباً صلى الله عليه، وقيل: كثرة المعاصي، {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار}.
وقيل معناه: ترددوا وطافوا وقيل: مشوا. وقيل: عاثوا وأفسدوا {وكان وعداً مفعولاً، ثم رددنا لكم الكرة عليهم}، قيل: الرجعة والدولة وذلك أنهم لما تابوا نصرهم الله {وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا}.
رجعنا إلى أصل الكلام قال الإمام يحيى عليه السلام: فأما صعقته يعني موسى صلى الله عليه وتوبته مما كانتا إلا من أجل استعظام طلب الرؤية وفخامة شأنها ولما ظهر من آثارها من الأمور الهائلة كدك الجبل وحصول الصعقة كأن الله عز سلطانه حقق أن طلب الرؤية مع استحالته يشبه إضافة الولد إليه في قوله تعالى: {تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعوا للرحمن ولداً}.
قال عليه السلام: ولو كان للمجبرة دراية وفطانة وعلم بأحوال النبياء عليهم السلام لعلموا أن قوله عليه السلام: {أرني أنظر إليك} لما فيه من إيهام الجسمية والعرضية ما كان إلا سؤالاً عن قومه وترجمة عن مقترحهم وحكاية عن جهلهم.
قوله: (وأما قولهم كيف طلب بالسؤال) إلى آخره.
هذا اعتراض يرد منهم على تجويز أصحابنا أن يكون سؤالها ليرد من جهته تعالى ما فيه مقنع للقوم وقطع لطمعهم، قالوا: فلم لم يسأل أن يجعل الله لهم إلاهاً ليرد من جهته تعالى ما فيه مقنع لهم كما قلتم في الرؤية لولا أن الرؤية جائزة فسألها دون الإله الثاني، وسؤالهم هذا يرد أيضاً على جواب لبعض أصحابنا عن هذه الشبهة وهو أن قال: إن موسى عليه السلام كان عالماً باستحالة الرؤية لكن أراد ورود دلالة سمعية من جهته تعالى يدل على استحالتها لتزداد الأدلة ترادفاً ويزداد هو طمأنينة وزيادة الأدلة من الأغراض العظيمة، ولهذا نجد العقلاء لايكتفون في المسألة بدليل مع وجود غيره بل يستدلون بكل ما يمكن أن يكون دليلاً عليها وإن كان بعض تلك الأدلة مغنياً.
ولهذا سأل إبراهيم عليه السلام ربه تعالى أن يريه كيف يحيي الموتى وإن كان عالماً باقتداره تعالى على ذلك، وهذا الجواب أتى بمعناه أبو الهذيل على ما حكاه ابن الخطيب، واعترضه في الأربعين مع الاعتراض الول بأن موسى عليه السلام لو كان قاطعاً بامتناع الرؤية على ما ذكرتموه وإنما سأله للوجه الذي ذكرتموه لكان الأدب أن يقول: يا رب زدني دليلاً على امتناع الرؤية، فأما أن يسأل الرؤية مع العلم بامتناعها فهذا لايليق بالعقلاء.
قوله: (تقديره أرني أنظر إلى عظيم سلطانك لاحاجة إلى هذا التكليف).
والظاهر أن موسى سأل الرؤية ولاموجب للتأويل.
قوله: (يكون تقدير الجواب) إلى آخره قد أورد جار الله في تفسير هذه /367/ الآية ما يشفي ويكفي من ذلك قوله في هذا المعنى: فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله: {ولكن انظر إلى الجبل} بما قبله؟