إن قيل: كيف يتأتى لكم الاستدلال بدليل المقابلة مع أن الذي يذهب إليه شيخكم أبو هاشم أن المقابلة أو ما في حكمها ليست بشرط في الرؤية وصرح بذلك عنه الشيخ ابن متويه وصححه ولهذا أجاز أبو هاشم رؤية الفنا وإن كان غير مقابل ولا حال في المقابل ولا في حكم المقابل، وقال: لو قدرنا أنه لم ينف جميع الأحياء منا لصح أن يدركه من الأحياء من لم ينفه على هذا الحد إذا كان في نفسه على صفة يصح إدراكه عليها وكذلك أجاز رؤية اللون لو وجد لا في محل وصرح ابن متويه في التذكرة والحاكم في شرح العيون بأن الله تعالى لو كان مما يصح رؤيته لرأيناه وإن لم يكن في جهة بل على ما هو عليه، ونص أبو هاشم على أنه تعالى لو قدر كونه مرئياً لم يستلزم مماثلته للمرئيات ولا مجانسته لها فلا يلزم أن يكون جسماً ولا حالاً في جسم، وصححه المهدي عليه السلام واحتج بأن ذلك ككونه تعالى معلوماً فإنه لايلزم مجانسته للمعلومات وهذا تصريح بنقيض ما يترتب عليه هذا الدليل فكيف يتأتى مع ذلك الاستدلال به أو كيف يتأتى القول بأن كوننا لانرى إلا ما كان مقابلاً أو حالاً في المقابل بل أو في حكم المقابل يعلم ضرورة أن الأشعرية بخلافهم في ذلك جاحدون للضرورة وأنه من جسرتهم على العناد وصناعتهم في التمويه فهذا شيخكم أبو هاشم وغيره من أعيان علمائكم قائلون بمثل مقالتهم.

قلنا: أما على مذهب أبي هاشم ومن وافقه فلا كلام في ضعف هذا الدليل وعدم تأتيه، وقد ضعفه الشيخ أبو هاشم لذلك ورجح دليل الموانع وعلى مذهب الشيخ أبي عبدالله وغيره ممن تقدمه من علماء المعتزلة فهو قوي صحيح لأنهم حكموا باشتراط المقابلة وكذلك على مذهب أبي علي فإنه ذهب إلى أن كونه تعالى مرئياً لو قدر يستلزم مجانسته للمرئيات ويلزم عليه أن يكون جسماً أو حالاً في جسم ولهذا كان معتمده في هذه المسألة دليل المقابلة ومذهبه هو القوي، والذي عليه الجمهور، ولهذا صححه المتأخرون من المعتزلة وأصحابنا كالقاضي وتلامذته والشارحين والمصنف رحمه الله.
وربما يقال: قد يمكن تمشيته على مذهب أبي هاشم ومن وافقه فإن ابن متويه قال: ونحن وإن كنا نقول أن المقابلة غير مشروطة في صحة الرؤية فالشعاع يجب نفوذه في السمت الذي يقابل العين والحق أنه لايمكنهم مع ما تقدم ذكره الاستدلال بهذا الدليل.
إذا عرفت هذا فالذي دعا أبا هاشم إلى أن لم يعد المقابلة شرطاً أنه قال: لو كانت شرطاً لوجب ألا يرى اللون لأنه غير مقابل لنا إذ المقابلة لاتعقل إلا بين المتحيزين.

فإن قلنا: الشرط في إدراك اللون أن يكون حالاً في المقابل كان الشرط في الإدراك بالحاسة الواحدة قد اختلف وذلك غير جائز وهذه هي العلة أيضاً في أنه لم يجعل اتصال الشعاع شرطاً لأنه لايعقل الاتصال بشيء إلا بالمتحيز إذ الاتصال من قبيل التأليف فإن /358/ جعلنا الشرط في اللون اتصاله بمحله اختلف الشرط فيما يدرك بحاسة واحدة ثم علل امتناع اختلاف الشرط في الإدراك بحاسة واحدة بأنا وجدنا الحواس عند اختلافها يختلف الشرط في الإدراك بها كحاسة الشم وحاسة الصوت فإن الشرط في الإدراك بحاسة الشم انتقال محل الرائحة إلى الخيشوم ومجاورته لها والشرط في الإدراك بحاسة السمع انفتاح الأذن وصحتها ووجدنا ما يدرك بالحاسة الواحدة لايختلف شرطه كحاسة الطعم وأن الشرط في إدراك الطعوم بها حصول محل الطعوم مع اللهاة بحيث لاساتر ولا ما يصح حصول الساتر فيه فيجب فيما يدرك بحاسة البصر ألا يختلف شرط إدراكه فجعلنا الشرط حصول قاعدة الشعاع مع المرئي بحيث لاساتر ولا ما يصح وقوع الساتر فيه لا المقابلة واتصال الشعاع، وهذا ليس بالقوي فإنه قياس من غير علة جامعة.
وقوله: (إن الحاستين إذا اختلفتا اختلف شرط الإدراك بهما).
غير صحيح على الإطلاق فإن الشرط في الإدراك بحاسة الطعم وحاسة الشم واحد، وهو حصول محل المحسوس مع الحاسة بحيث لاساتر ولا ما يقدر ذلك فيه وقد صرح ابن متويه بأن الشرط في الإدراك بهاتين الحاستين على سواء وذلك ظاهر.
ويلحق بهذا الدليل فائدة وهو بيان الوجه في رؤية أحدنا وجهه في المرآة ونحو ذلك فإنه الذي في حكم المقابل وقد جعل أصحابنا الوجه في ذلك أنه ينفصل من نقطة الناظر شعاع يتصل بالمرآة ثم ينفصل منها شعاع ويتشكل من هذا الشعاع ما هو بهية العين فيرى وجهه حيث هو بذلك الشعاع الذي تشكل بشكل العين وعلى هذا لو جمع بين مرائتين مرآة أمام وجهه ومرآة خلفه بحيث تقابل إحدى المرآتين الأخرى لرأى قفاه.

وقال أبو الحسين والفلاسفة: بل الوجه أنه ينطبع صورة الوجه في المرآة وأنكروا الشعاع من الأصل وأبطل أصحابنا ما ذهبوا إليه بأن الانطباع غير معقول ولو انطبع نفس الوجه في المرآة لزم إحساسنا بذلك وعلمنا به ومعلوم خلافه فإن قالوا: المنطبع مثله.
قلنا: فالمرآة منصوبة لرؤية الوجه لا مثله ولو انطبع الوجه ظاهر المرآة لزم أن يحول بيننا وبين رؤيتها وإن انطبع باطنها لزم أن يحول بيننا وبين رؤية الوجه ثم أنا نرى في المرآة الأجسام العظيمة كالجبال فكيف يتصور انطباعها في المرآة مع صغرها.
وحكى الحاكم عن صالح قبة أن الذي يراه في المرآة شيء يخترعه الله هناك. قال: وهذا جهل عظيم لأنه يوجب أن يكون المرآة على صغرها قد خلق فيها الأجسام العظيمة فإنا نرى في المرآة السماء والجبال وغيرها وكان يجوز اختلاف العادة فلا يخترع الله ذلك الشيء فيها فكان يجوز أن ينظر ولا يرى وذهب أبو الهذيل وابن الإخشيد أنه يتشكل في المرآة مثل شكل الوجه والرد عليهما من جنس ما تقدم.
فصل فيما يصح الاستدلال به من السمع على هذه المسألة
فإنها مما يصح الاستدلال عليه بالسمع.
واعلم أولاً أن المسائل بالنسبة إلا الاستدلال عليها بالسمع تنقسم إلى ثلاثة أقسام منها ما لايصح الاستدلال عليه بأدلة السمع وعقده أن نقول: كل مسألة لايصح العلم بصحة السمع إلا بعد العلم بها فإنه لايصح الاستدلال بالسمع عليها. ومنها: ما لايصح الاستدلال عليه إلا بأدلة السمع وعقده أن نقول: كل ما لايقضي العقل فيه بوجوب ولا إحالة لايصح الاستدلال عليه إلا بأدلة السمع. ومنها: ما يصح /359/ العلم به من جهة السمع مع صحة العلم بطريق العقل، وعقده أن نقول: كل مسألة يصح الاستدلال بأدلة السمع عليها مع الجهل بها ويمكن التوصل إليها بأدلة العقل فإنه يمكن الاستدلال عليها بأدلة السمع مع صحة التوصل إلى العلم بها بطريق العقل.
أما القسم الأول

فهو مثيله إثبات الصانع وكونه قادراً عالماً غنياً عدلاً حكيماً وصدق صاحب الشريعة صلى الله عليه وآله وسلم وهذه متفق عليها وكونه حياً موجوداً لايشبه المحدثات عند الجمهور ومسائل العدل النفسية ككونه تعالى غير فاعل لأفعال العباد ولايكلف ما لايطاق ولايظلم ولايعاقب بغير ذنب ولايريد المعاصي.
عند القاضي وابن متويه والسيد الإمام قالوا: فإنا مالم نعلم نفيها عنه تعالى لم نعلم عدله وإنما هي تفصيل لكونه تعالى لايفعل القبيح ولايخل بالواجب وهذه مسألة عدل حكيم وبالاتفاق أنه لايصح الاستدلال عليها بالسمع.
وأما القسم الثاني
فهو كتفاصيل أمور الآخرة وأحوالها وبعض مسائل الوعد والوعيد.
وأما القسم الثالث
فهو مسألة مدرك ومريد ونفي الرؤية والثاني وإثبات الصفة الأخص وإثبات القدم بعد إثبات الوجود ومسائل العدل الإثباتية وبعض مسائل الوعد والوعيد بالاتفاق وكونه تعالى حياً موجوداً لايشبه المحدثات عند الشيخ الحسن وأبي رشيد وكذلك قال السيد الإمام في كونه غنياً قال: لأن كونه تعالى غير محتاج كاف في كونه غنياً وإن لم يعلم كونه حياً لكن لايكون مدحاً إلا مع انضمام كونه حياً إليه.
قيل: والحق في كونه موجوداً أنه من ذهب إلى أن الوجود صفة زائدة على الذات أمكنه الاستدلال بالسمع إليها ومن ذهب إلى أنه نفس الذات لم يمكنه لأنها عنده تعود إلى إثبات الصانع وكونه تعالى لايفعل أفعال العباد ولايكلف ما لايطاق ولايظلم ولا يعاقب بغير ذنب ولايريد المعاصي، ونحو ذلك من مسائل العدل النفيية عند بعضهم.
علمنا حينئذ صحة السمع فيصح لنا الاستدلال عليها بالسمع.
قيل: وهذا قول أكثر المتكلمين وهو الصحيح ثم نعود إلى الاستدلال بالسمع على أنه تعالى لايرى فإنه لايتوقف صحة العلم بكونه دليلاً على نفي العلم بنفي الرؤية لاسيما الرؤية غير المكيفة.

قوله: (وهذه أربعة أصول الأول أنه يمدح بنفي إدراك الأبصار والثاني أن مدحه بذلك راجع إلى ذاته. الثالث: أن إدراك الأبصار هو رؤيتها، ألرابع أن إثبات ما نفيه مدح راجع إلى الذات يؤدي إلى النقض.
قوله: (فلا خلاف فيه).
هكذا ادعى أصحابنا الإجماع على صحة هذا الأصل قالوا: وإنما اختلف في وجه التمدح فيها وبماذا وقع فعندنا أنه ينفي الرؤية في الدنيا والآخرة، وقالت الأشعرية: بل ننفيها في الدنيا فقط. وقالت المجسمة: بل ننفي الإحاطة. وقال ضرار: بل بأنه لايدرك بهذه الحواس. وقيل في دعوى الإجماع نظر، فقد حكى الرازي عن بعضهم أن الآية وردت لمجرد الإخبار لا لقصد التمدح.
قوله: (ودليله سياق الآية).
يعني فإن سياقها يشهد بأنه تعالى يمدح بذلك لما ذكره تعالى في أولها وآخرها من التمدح. قال تعالى: {بديع السموات والأرض أنا يكون له ولد ولم يكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل}، {لاتدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار /360/ وهو اللطيف الخبير}.
قوله: (ومن المستهجن عند أهل اللسان).
أي عند أهل البلاغة والبيان وذلك ظاهر فإنهم يستهجنون أن يقول قائل: فلان عالم فاضل يرتقي يمشي في السوق صالح زكي لما توسط بين أوصاف المدح ما ليس بمدح.
قوله: (لكان قد شاركه في ذلك غيره).
يعني الواحد منا إذا كان حياً لا آفة به.
قوله: (وصار كالتمدح بأنه لاتأخذه سنة ولا نوم وبنفي الصاحبة والولد فإنه إنما يكون مدحاً بانضمامه إلى كونه حياً).
يعني فأما مع عدم الانضمام فلا يكون مدحاً ولهذا فإن الجمادات لاتأخذها سنة ولانوم فكذلك يكون المدح في كونه تعالى لايرى بانضمام كونه يرى.
قوله: (كالكاشف عن مخالفته تعالى للمحدثات).
يعني فإنه لايصح وجود محدث يرى ولايرى حياً لاتأخذه سنة ولانوم ولاتصح عليه الصاحبة والولد فإذا كان قد حصل ذلك في الباري تعالى كشف عن أنه ليس بمحدث.

قوله: (وبعد فقد قيل) إلى آخره.
القائل لما ذكره صاحب كتاب الإكليل وهو من أصحابنا وذلك أنه إذا ثبت أنه تعليل لنفي الصاحبة والولد فتعليل المدح مدح أيضاً.
قوله: (أو على صفة الوجود).
يقال: أما المحدثات فلو كانت ترى على صفة الوجود لم يكن كونها مرتبة راجعاً إلى ذاتها لأن الوجود في حقها صفة بالفاعل وأما الباري تعالى فإذا قدرنا كونه مرئياً لوجوده فكونه مرئياً كما ذكرت راجعاً إلى ذاته لأن الوجود في حقه صفة مقتضاة عن صفة ذاته لكن ظاهر ما ذكره الإطلاق في حقه وحق غيره لقوله: فلأن كون الشيء مرئياً أو غير مرئي إلى آخره.
وليس بسديد فكان الأصوب أن يقول: فلأن كون الباري مرئياً أو غير مرئي إلى آخره.
قوله: (فهو يمدح بثبوت صفة لأجلها لايرى).
يعني لأن الشيء إنما يرى لصفة ثابتة له وإنما لايرى لصفة أيضاً ثابتة له فإذا كان تعالى لايرى فهو لثبوت صفة له ترجع إلى ذاته.
قوله: (بل يثبت حيث تنتفي وينتفي حيث تثبت).
يعني يثبت الإدراك حيث تنتفي الإحاطة كقولك: أدركت السماء والجبل فإن الإدراك ثابت ههنا مع انتفاء الإحاطة وتثبت الإحاطة حيث ينتفي الإدراك كقولهم: السور أحاطب المدينة مع أنه ليس بمدرك لها إذ هو جماد.
قوله: (ولأنه كما لاتلحقه الأبصار فهي لاتلحق غيره كالمعدوم ونحوه).
يعني مما لايرى ككثير من الأعراض. وفيه سؤال وهو أن يقال: وكما لاتراه الأبصار لايرى غيره؟
والجواب: أنه وإن كان كذلك إلا أنه يقع المدح بالانضمام إلى أنه يرى وأما في اللحوق فلا يمكن قبل ذلك وهو أنه يكن مدحاً بالانضمام إلى أنه يلحق إذ اللحوق من صفات الأجسام فبان الفرق.
قوله: (فالمعاني لايصح عليها اللحوق).

يعني أن ذلك لايتصور إلا في الأجسام إذ معناه انفصال اللاحق حتى يتصل بالملحوق وذلك ظاهر قوله على أنه يكون التقدير لايلحقه اللحوق، يقال: بل يكون التقدير لاتلحقه المعاني التي هي الإدراكات لا ما ذكرته ولعل الجواب والله أعلم هو بأن يقال: إذا جعلتم الفعل وهو يدرك بمعنى يلحق مع أن الإدراك الذي هو مصدره بمعناه لزم أن يكون الإدراك بمعنى اللحوق وإذا فسرتم الإبصار بالإدراك فقد عاد المعنى لايلحقه اللحوق، وهذا ظاهر مع التأمل .
قوله: (فيكون المعنى أنه لم يخلق لنا إدراكاً نطعمه به).
سياق كلامه يقضي بأن المراد في الآية بقوله: ولايطعم. ولا يدرك إدراك المطعومات مضارع طعم وليس كذلك فإنه مضارع أطعم فلا يكون للاستشهاد بها معنى.
قوله: (وأكثرهم يلتزم هذا).
يعني وهم الذين أجازوا أن يشم /361/ ويذاق ويلمس بأن يخلق هذه الإدراكات كالأشعري تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
قوله: (وإن كانوا لايطلقون العبارة).
يعني بأنه يصح كونه تعالى مسموماً ومذوقاً وملموساً.
قوله: (وأما قياسه لذلك على التمدح بنفي الظلم والعبث) إلى آخره.
اعلم أن أصحابنا يجعلون تمدحه تعالى بنفي الظلم والعبث دليلاً على جواز وقوعه منه من جهة القدرة وأنه غير مستحيل ويحتجون بذلك على أنه تعالى يقدر على فعل القبيح فعارضهم الرازي بذلك وقال: إذا جعلتم تمدحه بنفي الظلم دليلاً على جواز فعله فتمدحه بنفي الرؤية دليل على جواز وقوعها.
قوله: (بنفي الجمع بين الضدين ونحو ذلك).
يعني كجعل الجوهرين في جهة.
قوله: (فإنه غير مقدور).
يعني فلا يتأتى أن قال فيه كما قيل في الفعل من أن التمدح به لايكون إلا مع جواز فعله لأن ما كان راجعاً إلى الذات لايجوز فعله مع الاتفاق على أنه يصح التمدح بما يرجع إلى الذات.
فائدة

اعلم أن تمدحه تعالى الراجع إلى ذاته من نفي وإثبات ينقسم إلى قسمين: واجب وجائز. والواجب ينقسم إلى مستمر كتمدحه بأنه تعالى قادر وعالم وحي وموجود وأنه لايرى ولايشبه المحدثات وأنه لاثاني له، وتمدحه بنفي عكس صفاته الأربع، وإلى غير مستمر كتمدحه تعالى بأنه مدرك سامع مبصر فإن هذه الصفات وإن كانت واجبة فهي غير مستمرة.
والجائز كتمدحه تعالى بأنه يريد الطاعات ويكره المعاصي ولايكره الطاعات ولايريد المعاصي، وأما التمدح الراجع إلى الفعل فهو ينقسم إلى إثبات ونفي والإثبات ينقسم إلى قسمين: تمدح بفعل واجب كتمدحه تعالى بقبول التوبة وإثابة المطيع وتعويض المؤلم وتمدح بفعل غير واجب بل مفضل كتمدحه تعالى بأنه رازق منعم منفضل ونحو ذلك والراجع إلى النفي ينقسم إلى قسمين: تمدح بنفي فعل يقبح لو فعله كتمدحه تعالى بأنه لايظلم ولايكذب ولايعذب بغير ذنب، والتكلف ما لايطاق وأنه لايفعل كراهة الطاعة ولا إرادة المعصية وتمدح بنفي فعل لايقبح لو فعله كما لو تمدح بأنه لا يعاقب من يستحق العقوبة قبل ورود السمع وبهذا التفصيل يعرف أن التمدح بنفي الرؤية لابد من كونه راجعاً إلى الذات على ما تقدم.
قوله: (المشاهدة واللحوق والبلوغ والإيناع).
المشاهدة هي الإحساس بإحدى الحواس تقول: شاهدت اللون وشاهدت الحرارة أي أدركتهما، وإن كانت في العرف لاتستعمل إلا في الإدراك بحاسة البصر واللحوق كقوله تعالى: {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} والبلوغ كقولهم: أدرك الصبي إذا بلغ الحلم، والإيناع كقولهم: أدركت الفاكهة أي نضجت وأينعت.
قوله: (وأما قول القائل أدركت ببصري حرارة الميل)

هذا سؤال أورده ابن أبي بشر الأشعري قال أصحابنا: وإنما اخترع هذا الكلام لا أن أهل اللغة قالوه وهو أن يقال: قولكم أن الإدراك إذا قرن بالبصر لم يحتمل إلا الرؤية غير صحيح فإن العرب تقول: أدركت ببصري حرارة الميل، فذكروا الإدراك وقرنوه بالبصر ولم يفد الرؤية بل اللمس لأن الحرارة لاتدرك إلا لمساً. قال أصحابنا: ولو صح أن هذا لغة فذكر الحرارة قرينة تصرف عن أن يراد بالإدراك الرؤية لأن الحرارة لاترى ونحن فرضنا الكلام فيما لاقرينة فيه صارفة عن ذلك المعنى مع الإطلاق. وجواب المصنف يؤول إلى هذا.
قوله: (فكيف يعقل في هذا المعنى أن يكون قد وصل إلى المرئيات فضلاً عن أن يكون قد أحاط بالشيء من جميع جوانبه).
فيه نظر لأن الرازي لم يجعل الإدراك هو الواصل بل جعله الوصول والواصل هو المدرك.
قوله: (فالإدراكات عندهم /362/ خمسة).
يعني بعدد الحواس الخمس فكل حاسة تدرك بها فذلك بإدراك يحل فيها مخالف للإدراك بالأخرى.
قوله: (أن يكون سمعه قد أحاط به).
يعني لأنه جعل الإدراك الإحاطة بالمدرك من جميع جوانبه فإذا صح ذلك فمن الإدراكات الإدراك بحاسة السمع للصوت فيلزم إذا أدرك صوتاً أن يكون إدراكه له إحاطة سمعه به من جميع جوانبه كما ذكره في إدراك البصر مع أن الصوت لا جوانب له ولايتصور الإحاطة في حقه.
قوله: (فالله تعالى يدرك نفسه عندهم بهذه الإدراكات الخمسة).
يقال: أما الرازي فربما لايقول بذلك بل يقول لايدرك نفسه إلا بالإدراك الذي هو الرؤية لكن هذا متوجه إلى من قال بذلك منهم ومتوجه إليه في الإدراك بمعنى الرؤية.
قوله: (وأما الأصل الرابع) إلى آخره.

70 / 158
ع
En
A+
A-