اعلم أولاً أن حقيقة المانع عن الرؤية ما لأجله يتعذر على الحي رؤية المرئي مع استمرار حاله في كونه حياً لا آفة به وتعداد الموانع كما ذكره المصنف وهي ثمانية فأما السيد الإمام فلم يعد القرب المفرط وعدم الضياء المناسب للعين منها.
قال الفقيه قاسم: ولعله أدخل القرب المفرط في كون المرئي في خلاف جهة الرائي لأنه لما قرب قرباً مفرطاً كالميل في العين صار كأنه في غير جهة الرائي وأدخل عدم الضياء المناسب للعين كظلمة الليل في الحجاب ويجعل الظلمة حجاباً كثيفاً لما منعت من الرؤية، وقيل: الوجه في عدم عدهما من الموانع أن من حق المانع أن يكون حاصلاً مع صحة الحاسة، ومع القرب قد تعذر انفصال الشعاع ومع عدم الضياء المناسب قد صار الشعاع في حكم الزائل فلم يحصل ما يناسبه وانفصال الشعاع وحصول ما يناسبه من تمام صحة الحاسة.
قوله: (والرقة واللطافة).
الرقة: هي الحاصلة في أجسام الملائكة والجن فإن أصحابنا يذهبون إلى أن المانع من رؤيتها رقتها واللطافة الحاصلة في الجوهر الفرد.
قالوا: ومتى قوي الشعاع صح إدراك الأجسام الرقيقة كما يشاهد المحتضر أجسام الملائكة مع رقتها لما قوي شعاعه فهذا المانع هو لأجل ضعف الشعاع، وخالفهم أبو القاسم في أجسام الجن وقال: لايصح رؤيتهم بحال إلا متى كثوا واختلفوا أيضاً في هل يصح رؤية الجوهر الفرد متى قوي الشعاع أم لا فصححه الجمهور كما في الجسم الرقيق، ومنعه أبو عبدالله. قال: لأنه يدخل في تضاعيف أجزاء الشعاع فلا يصح إدراكه واحتج أبو القاسم بمثل هذا في منع رؤية الجن إلا متى كثفوا ويلزمه القول بمثل ذلك في حق الملائكة.
واعلم أيضاً أنهم مختلفون في اللطافة والرقة ما هي. فقال القاضي: يجوز أن تكون الملائكة والجن والأجسام اللطاف اختصوا بجنس من أجناس الفعل ذلك الجنس لطافة والمختص به لطيف، وجوز أن يكون المرجع بذلك إلى قلة الأجزاء وإلى تأليفها على وجه مخصوص، وكذلك كلامه في الرقة.

وحجته أنه حصل لطيفاً مع جواز ألا يحصل فلا بد من معنى هو اللطافة.
وقال سائر الشيوخ: اللطافة عبارة عن تخلخل الأجزاء وليست بمعنى لأنه متى أمكن أن يكون تخلخل الأجزاء فلا وجه لإثبات معنى، ولأن اللطافة هي خلاف الكثافة والكثافة ليست بمعنى بالاتفاقن وإنما المرجع بها إلى /353/ اكتناز الأجزاء. ذكره الحاكم في شرح العيون.
قوله: (والحجاب الكثيف).
يحترز به عن الرقيق كالثوب الرقيق ونحوه.
قوله: (وكون المرئي في خلاف جهة الرائي).
يعني بأن لايكون مسامتاً له بل خلفه أو عن يمينه أو يساره أو نحو ذلك.
قوله: (وكون محله في بعض هذه الأوصاف).
هذا المانع يختص بالألوان وهو أن يكون محل اللون قريباً كلون الميل حال كونه في العين أو بعيداً أو محجوباً أو نحو ذلك لأن اللون لايوصف بأنه بعيد أو قريب أو محجوب أو لطيف أو رقيق.
إذا عرفت هذا فالدليل على أن هذه التي عددها المصنف هي موانع الرؤية أن الرؤية تنتفي بحصولها أو بحصول واحد منها، وتثبت مع فقدها ولا أمر يعلق به المنع سواها أو يقول: استدلالاً على أنه لامانع سواها أن تحريره يؤدي إلى فتح باب الجهالات كما قلناه في الإدراك فكان يلزم تجويز أن يكون بين أيدينا فيلة ولاندركها لحصول مانع غيرها وهو محال ثم أنه يرد على جعلهم البعد مانعاً سؤال وهو أن يقال: ألسنا نرى السماء مع بعدها عنا البعد المفرط ففي الأثر أن بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة عام؟.
وأجاب أصحابنا بأنها لعظم حجمها لا يكون البعد مانعاً في حقها ففي الأثر أن حجم الشمس كحجم الأرض مائة ونيف وستين مرة مع أنها ترى بالنظر إلى لاسماء في غاية الصغر فكيف يكون مع ذلك حجم السماء.
فائدة

اختلف أصحابنا في رؤية السماء عند فتح الجفن إليها في أول وهلة فمنهم من قال: الوجه في ذلك أن الشرط في رؤيتنا لما نراه أن ينفصل الشعاع من العين إلى السمت الذي نوجه أحداقنا إليه ولايكون بينه وبين ذلك المرئي ساتر ولا ما يجري مجراه كالبعد في حق غير السماء ونحوها ولايشترط اتصال شعاع العين ولا شعاع الهوى بالمرئي ومنهم من قال: بل لابد من اشتراطه، وإذا كان كذلك فالسبب في رؤيتها في أول وهلة أن شعاع العين يتصل بالذي يليه من أجزاء الهوى وتلك الأجزاء شبيهة بالشعاع في نورها فتكون أجزاء الهواء لنا كالشعاع المنفصل من العين وكل جزء منه متصل بالذي فوقه أو في حكم المتصل واتصالها في وقت واحد، فكأن الذي يلي السماء منها منفصل عن عينه فلذلك نراها في الحال.
تنبيه
اعلم أن الموانع تنقسم إلى قسمين فمنها ما يمنع بنفسه على كل حال وهو الحجاب الكثيف وكون المرئي في خلاف جهة الرائي، وكون محله بأحد هذين الوصفين ومنها ما يمانع لأمر يرجع إلى غيره لا لأمر يرجع إليه وهو الرقة واللطافة والبعد فإن امتناع الرؤية مع هذه الموانع إنما هو لضعف الشعاع وانقطاعه في حق البعيد فلو قوي أو لم يقطعه البعد لصح الإدراك ولهذا يصح منا إدراك الملائكة والجن مع رقتهم إذا قوي شعاعنا، ويدرك أحد المدركين أبعد مما يدرك الآخر لقوة شعاعه وعدم انقطاعه كما ذكر في كتب الأمثال أن الزرقا أدركت على مسيرة ثلاث.
تنبيه آخر
في بيان الفرق بين المانع والمحيل، والفرق بينهما أن المانع يصح زواله فيحصل ما كان ذلك المانع مانعاً منه، والمحيل بالعكس من ذلك كوجوب عالميته تعالى فإنه لما كان محيلاً لكونه جاهلاً لم يصح زواله.
قوله: (لجوزنا مثله في الباري تعالى).
يعني ومعلوم قطعاً أن ذلك لايجوز.

واعلم أن لهذا الدليل تتمة يكون أصلاً من أصول الدليل تركها المصنف لظهورها وهي وقد ثبت أنا لانراه تعالى الآن ويدل عليه أنا لو رأيناه الآن لعلمناه ضرورة لأن العلم بالمدرك ضروري، وقد تقدم إبطال أن يعلم تعالى ضرورة /354/.
قوله: (وأجاب أصحابنا بأن الشعاع المنفل من العين صنوبري الشكل بمثالة المثلث) إلى آخره.
هذا الجواب محكي عن أبي هاشم رحمه الله فإنه قال: الشعاع ينفصل من نقطة العين على شكل صنوبري مستدقة مما يلي المرئي وواسعة مما يلي الرائي فإذا كان المرئي بعيداً كانت تلك الزاوية أدق وأصغر فلذلك وجب أن يرى الكبير صغيراً ، ومعنى قوله: على شكل صنوبري. أنه كالصنوبرة وهو ثمر شجرة بمثابة المثلث وقيل: بل هو اسم للشجرة لا للثمرة. والذي يدل على أن الشعاع بمثابة المثلث وأن وسعه إلى الرائي ومستدقه إلى المرئي أن أحدنا إذا قرب حلقة أو غيرها من عينه رآها أ:بر مما هي لن ذلك الشعاع متصل على ضرب من السعة فيخيل إليه لأجل سعيه أن الحلقة واسعة فإذا ابتعدت الحلقة عن عينه رآها كأنها صغيرة لاستدقاق الطرف الآخر.
وكذلك فإذا غمز أحدنا عينه يرى الشعاع الذي ينفصل من السراج على ما ذكر فيرى موضع انفصاله من السراج أوسع من الطرف الآخر.
وأجاب أبو الحسين عن أصل الاعتراض بأن صورة المرئي تحدث في الهوى على جهة التأثير ثم يتصل الهوى بنقطة الناظر فيحدث صورة المرئي في النقطة فإذا كان المرئي في أقصى البعد ضعف تأثيره في الهوى واضمحل لأن طول المدى يضعف التأثير ويقطعه ومثل ذلك بالرامي بحجر في بئر فإنه يتحرك الماء ثم لايزال اضطرابه يضعف إلى أن يبطل، وكلما قوي التحريك والاعتماد طال زمان التحريك وكلما ضعف التحريك والاعتماد قصرت مدته وكذلك إذا عظم الجسم المرئي وقوي اللون المدرك قوي تأثيره في الهوى، ومتى صغر وقل فإنه يضعف تأثيره في الهوى وقد تقدم ما قاله افمام يحيى عليه السلام من أنه يجب أن يطالب أبو الحسين بحقيقة هذا التأثير.

وأجاب بعضهم عن أصل الاعتراض بأن بخار الأرض وأجزاء من الهوى تطيق بذلك المرئي وتسامته فتكون كالساترة على بعض حزمه كل عضو منه كالمستور بعضه فتراه صغيراً.
قوله: (ما يرى حوله من الفضاء).
الفضاء: ما اتسع من الأرض وهو أيضاً الساحة.
قوله: (أو غيره).
يعني كالسماء فإنا إذا أدركنا الشمس صغيرة فهو لاتساع ما نشاهده من السماء وحرمها مع مشاهدتنا إيها كلها وفيما ذكره بعد.
قوله: (إنما نعلم كبره أو حسنه بأن يضم إلى غيره).
المناسب للسياق أن يقال: إنما بيان صغره أو خشونته بأن يضم إلى ما هو أكبر منه أو أحسن.
قوله: (مع حصول الإدراك الذي يدرك به الجميع).
له أن يقول: لا أسلم حصول الإدراك الذي يدرك به الجميع فإنه لايدرك الجميع إلا بمعان كثيرة من جنس الإدراك ولم يحصل له إلا بعضها ولو حصلت جميعها لأدرك جميعه.
قوله: (بل قد أحال بعض شيوخنا رؤيته) إلى آخره.
يعني أبا عبدالله على ما تقدم فإنه منع من رؤيته وأحالها سواء قوي الشعاع أو لم يقو حكاه عنه بعضهم، والذي في التذكرة أن أبا عبدالله حكى ذلك عن أبي هاشم، وإن كان الظاهر في كتب أبي هاشم أنه يصح رؤيته وقد احتج الجمهور على صحة رؤيته إذا قوي الشعاع بأنه لو كان العلة في استحالة رؤية الجزء انفراده لوجب ألا يراه الله تعالى ولما صح منا أن نراه مع انضمام غيره إليه لأن التأليف لا مدخل له في الرؤية.
قال ابن متويه: وللشيخ أبي هاشم أن يقول إن اقتران غيره به شرط في صحة رؤيته كما أن رفع الحجاب وغيره شرط فيكون هذا مما يرجع إلى الحاسة كالحجاب فلا يثبت مثله في الله تعالى.
قوله: (ثم نقلب عليه السؤال).
له أن يقول: إنما لايرى الأجزاء إذا انفردت عندي لأنه لم يخلق له إدراكها عند انفرادها /355/ ولا يتأتى مثل هذا الجواب على مذهبكم.
قوله: (ألاعتراض الثالث له).

يعني للرازي وله تحرير غير ما ذكره المصنف وهو أن قولكم رؤيته تعالى لو كان مرئياً مشروطاً بما يشرط به غيره من المرئيات في الشاهد لايصح لأن رؤيته مخالفة لرؤية المرئيات وإذا خالفتها كان شرطها مخالفاً لشرطها ولايكفي في التماثل كون كل ذلك رؤية. قال: والعجب من المعتزلة كيف حكموا بصحة افتراق المتماثلات في الأحكام فإن السوادات متماثلة ويحل بعضها غير ما يحله البعض الآخر ولايصح أن تتفق في ذلك فيكون ما حل منها محلاً صح أن يحل في محل الآخر، وأوجبوا اتفاق رؤية الباري تعالى ورؤية غيره من المرئيات في الحكم مع اختلافها.
والجواب: أما على التحرير الذي ذكره المصنف فما ذكره رحمه الله، وأما على هذا التحرير الأخير فبأن يقال: إنا اعتبرنا تلك الشروط فقط في رؤية جميع المرئيات لدلالة دلت على ذلك وهي وقوف إدراكنا للمدركات عليها ثبوتاً ونفياً وليس هناك أمر يعلق به كوننا مدركين غير ذلك فلهذا قضينا بأنه تعالى لو كان مدركاً لكان إدراكنا له على الحد الذي أدركنا علهي غيره من المدركات لا لتماثل الرؤية بل لقيام الدلالة، وكذلك حكمنا على السوادين بما ذكره لقيام الدلالة وهي المعتمدة.
وللرازي أيضاً اعتراض رابع وهو أن قال: دلالتكم هذه تدل على أنكم لاترونه فما الذي يدل على أنه ليس بمرئي في نفسه؟
وأجاب ابن الملاحمي بأنه لو كان مرئياً في نفسه لرأيناه إذ لايتأتى كون رؤيته مع إمكانها مشروطة بأمر مستحيل إذ المستحيل لايكون شرطا. وأجاب الجمهور بالاجماع على عدم القول برؤيته في نفسه مع فرض عدم رؤيتنا له فمن قال أنا لانراه قال برؤيته في نفسه لأمر غير صحيحة لكن مع حكاية أبي القاسم عن بعضهم أنه يرى نفسه ولايراه غيره لايثبت انعقاد الإجماع.

قيل: ويجاب بأنه إذا ثبت بألا نراه فكونه مرئياً في نفسه لاطريق إليه وما لاطريق إليه وجب نفيه. والأصح في الجواب والله أعلم ما جعل أصل الدلالة وهو أنه تعالى لو صح رؤيته في نفسه لرأيناه لحصول المقتضي والشروط ولا شرط يعقل غيرها. فقال: إن عدم الرؤية منا لعدم حصوله فإذا لم نره مع حصول المقتضي والشروط دل على أنه ليس بمرئي في نفسه.
قوله: (الدليل الثاني من جهة العقل).
يعني على أن الله تعالى لايرى وهو المسمى بدليل المقابلة والذي صححه السيد المؤيد بالله واستقواه وتحريره ما ذكره المصنف.
قوله: (فهذه ثلاثة أصول).
يعني الأول أن أحدنا لايرى إلا بالحاسة، والثاني أن الرائي بالحاسة لايرى إلا ما كان مقابلاً أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل، والثالث: أن الله تعالى ليس بمقابل ولا حال في المقابل ولا في حكم المقابل.
قوله: (بل يجوزون ذلك في العلم والقدرة ونحوهما).
أراد بنحوهما الحياة والمراد أنهم يجوزون حلول المعاني هذه في الأجزاء المنفردة ولايشترطون البنية التي هي تأليف مخصوص في مجموع أجزاء.
قوله: (ولكن طريق العلم به الإدراك).
أي إدراكها بتصرف وبفعل الأفعال المحكمة ونحو ذلك فإن هذا هو الطريق إلى القادرية والعالمية وهما الطريق إلى الحيية وهي الطريق إلى المدركية.
قوله: (والله لم يخلقه فيك).
يعني فلم تشاهدها حال تصرفها ولا أحسست بذلك.
قوله: (هو محل القدرة دون الجملة).
يعني لأنها حينئذ يكون حكمها راجعاً إلى المحل فيكون هو المتصف بما يوجبه من /356/ الصفات.
قوله: (ولايكون للإرادة تأثير في الأفعال).

أي في وقوعها على الوجوه المختلفة وذلك من حيث أن الفاعل للكلام هو حي غير الحي الذي حلته واختص بها وهو حر في القلب وإذا كان كذلك لم يصح أن تؤثر إرادته في فعل غيره بأن يقع بها على وجه كما أن إرادة زيد لاتؤثر في فعل عمرو وكذلك الداعي فإن محله جزء في القلب فإذا كان ذلك الجزء حياً على انفراده لم يؤثر داعيه في وقوع فعل غيره من الأحياء لمثل ما سبق وهو ظاهر.
قوله: (ونحو ذلك مما لايعد في كمال العقول).
يعنيكالحفظ عند قليل الدرس والمعرفة بالصناعات عند قليل الممارسة فإن الحفظ والعلم بالصياغة لايكون إلا ضرورياً ويختلف العقلاء في حصوله مع القليل من الدرس والممارسة.
قوله: (ولايعلمون أنهم عالمون به).
قد نفى أبو القاسم هذه القاعدة وذهب إلى أنه لايجوز أن يعلم أحدنا بالشيء ولايعلم أنه عالم به. واحتج أصحابنا على صحة ذلك بأن السوفسطائي مع علمه بالمشاهدات غير عالم بأنه عالم بها والسمتي مع علمه بمخبر الأخبار المتواترة غير عالم بأنه عالم بأنه عالم به وله أن يقول: لا أسلم ذلك ولا بضد فإن فيه ومن البعيد أن يعلم أحدنا العلم الضروري ثم لايعلم أنه عالم بمعلومه.
قوله: (لما قد نمقوه من أساطيرهم).
التنميق التزيين والأساطير ههنا الأباطيل واحدها أسطورة وإسطاره.
قوله: (بانتفاء المقابلة وما في حكمها) الذي في حكمها ههنا الحلول فيما حصلت فيه المقابلة أو حصول الصورة في المرآة.
قوله: (وهذا عي ومهازلة).
العي الضلال والمهازلة مفاعلة من الهزل وهو خلاف الجد. قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( ثلاث هزلهن جد )) .
قوله: (إذا صح أن يعلم المعدوم).
ويقال: إنهم ينازعونك في صحة العلم بالمعدوم فكيف يبنى عليه الإلزام؟

والجواب: أن الخصوم لاينازعون في ذلك بل لعلهم مصرحون بصحته وإن فرضنا أن القول بصحة العلم به ينبني على ثبوت الذات في العدم وثبوت الصفات الذاتية لها في تلك الحال وكونها التي يصحح العلم بها فقد تقدم ذلك وتوضح العلم بالمعدوم ما يعلمه من الثواب والعقاب وما أخبر الرسول بحدوثه في غد فإنا نعلم جميع ذلك مع كونه معدوماً.
قوله: (لبعض مشيختهم).
المشيخة جمع شيخ كشيوخ وأشياخ وشيخة وشيخان ومشائخ ومشويخاً.
قوله: (ودلالة الشهوة والنفار على الزيادة والنقص).
يقال: قد صرحتم بأن حصول الزيادة والنقص عند حصول الشهوة والنفار يجوز أن يكون لمجرى العادة فكيف يلزم الخصم ذلك ولو التزمه لم يمكنك إنكاره ولم يعد مكابراً.
قوله: (يزيده وضوحاً أن الله تعالى يرى الأشياء في جهاتها).
يعني فقد حصل غرضنا من أن الرائي لايرى إلا ما كان في جهة وإذا كان كذلك تقرر لزوم رؤيتنا له في جهة وذلك معنى المقابلة وإن كان رؤيته للشيء في جهة لايكون فيه معنى المقابلة في حقه تعالى لما لم يكن في جهة وأما نحن فلكوننا في جهة لابد من المقابلة.
قوله: (اعلم أن كلامنا مع المخالفين إنما هو على تقدير ثبوت الإدراك معنى).

يعني الكلام معهم في هذه الاعتراضات فإن معارضتهم فالعلم مبني على أن الإدراك معنى كالعلم والألم يكن لهم أن يقيسوه عليه وكذلك فالاعتراض الثاني مبني على أن إدراكنا للباري تعالى معنى مخالف للمعاني التي يدرك بها غيره من المدركات فيجوز ألا تكون المقابلة شرطاً فيه وكذلك فالاعتراض الثالث أيضاً مبني على أن الإدراك معنى وأن المقابلة أو ما في حكمها ليست شرطاً فيه وإنما يتوقف عليها بمجرى العادة /357/ فلو اعترف بأن المدركية صفة مقتضاة عن الحيية لم يمكنه جعل المقابلة شرطاً فيها بمجرى العادة لأن ما كان شرطاً في اقتضاء المقتضي لم يجز اقتضاؤه من دونه ولا أمكن جعله شرطاً بمجرى العادة كالوجود في التحيز وإنما يمكن ذلك إذا كان الإدراك معنى لأن المعاني لايقف في إيجابها على شرط هذا غاية ما يمكن به توجيه كلام المصنف.
واعلم أنه رحمه الله قد أهمل الأصل الثالث من هذا الدليل وهو أنه تعالى ليس بمقابل ولا حال في المقابل ولا في حكم المقابل لظهوره وعدم مخالفة الخصم فيه وتضمن نفي الجسمية والعرضية له.
تنبيه

69 / 158
ع
En
A+
A-