وقيل: بأعين أوليائنا الملائكة صلوات الله عليهم، وكانوا يعلمونه صنعتها، وأن المراد بقوله تعالى: {تجري بأعيننا} تجري السفينة بحفظنا. وقيل: بأمرنا. وقيل: بأعين الماء التي أنبعناها.
وقال الجوهري: يقال: أنت على عيني في الإكرام والحفظ جميعاً، قال الله تعالى: {ولتصنع على عيني}.
قوله: (قال ابن حلزة).
هو بالحاء المهملة المكسورة واللام المكسورة المشددة والزاي المعجمة، قال الجوهري: الحلزة بتشديد اللام: القصيرة، ويقال: البخيلة، ومنه: الحارث بن حلزة اليشكري.
قوله: (في البيت: تلوى بها العلياء).
تلوى بضم التاء من ألوى بثوبه إذا رفعه، وقيل: إن العليا لاوية بالنار ولم يذكره الجوهري، وإنما قال: ألعلياء كل مكان مشرف. وقد قيل: إنه أراد بالعلياء العالية.
وقوله: (فتنورت} بمعنى نظرت، وتنور النار نظرها بالليل ليعلم قربها وبعدها وقلتها وكثرتها. وقوله: (فيه بحزازي حزاز) وحزازي بحاء معجمة مفتوحة وزائين معجمتين جبل كانت العرب توقد عليه أمارة للغارة.
قال عمرو بن كلثوم:
ونحن غداة أوقد في حزازي ... رفدنا فوق رفد الرافدينا
وقوله: (فيه الصلا) قال الجوهري: ألصلا صلا النار، وإن فتحت الصاد قصرت وقلت: صلا النار. ومعنى: هيهات منك الصلا. يعني بعدت منك هي ونارها.
قوله: (دليل على أنه لم يرها).
يعني فلا يقال: أن مراده بقوله وبعينيك أي بمشاهدتك ورؤيتك بل بعنايتك، والظاهر خلاف ما ذكره المصنف وأن المراد وبعينيك أي عزائي منك ومشاهدة، وقد ذكره بعض العلماء.
قوله: (ولكنه عرف بعنايته) أي عرف إيقادها النار بعناية منه.
تنبيه
هذان البيتان اللذان أوردهما المصنف غير متصلين وبينهما بيت ثالث وهو:
أوقدتها بين العقيق لشخصين ... بعود كما يلوح الضياء
قوله: (وعين الركبة).
قال الجوهري: ولكل ركبة عينان وهما يقرنان في مقدمها عند الساق.
قوله: (والنقد).
قال الجوهري: والعين الدينار والعين المال الناض.
قوله: (والمطر).
قال الجوهري: والعين مطر أيام لايقلع.
قوله: (وعين الميزان).
قال الجوهري: وفي الميزان عين إذا لم يكن مستوياً.
قوله: (وعين موضع بالعراق).
قال الجوهري: العين ما عن يمين قبلة العراق.
قوله: (وعين الرأي ذاته).
خصه ههنا بالرأي وذكر الجوهري أن عين الشيء نفسه فأ"لق في الرأي وفي غيره والعين أيضاً الجاسوس.
قوله: (لن التفريط في الجنب إلى آخره).
يعني لأن العضو الذي يثبتونه لله تعالى لو كان لكان غير مقدور، وإنما يدخل التفريط فيما يقدر عليه.
قوله: (والمعنى في الجانب الذي لله).
يعني الجانب الذي يؤدي إلى رضاه وقيل: المراد في ذاته والتحقيق أن المعنى فرطت في حقه.
قوله: (وقيل معناه في أمر الله) إلى آخره.
ومن شواهده أيضاً قولهم: ما فعلت في جنب حاجتي، وقول كثير:
ألا تتقين الله في جنب عاشق ... له كبد حرى عليك تقطع
قوله: (كما قال كثير عزة /348/ فما ظنة البيت).
الظنة: التهمة. وكذلك معنى .......، والاضطلاع احتمال الشيء الثقيل.
قوله: (أن يكون فعله فعل المخادع).
يعني حيث أتى في غير صورته التي يعرفون.
قوله: (والمعنى يوم يكشف عن شدة).
فيه نظر لأنه قصد أن الساق مجاز في الشدة وليس كذلك وإنما مجموع الكشف عن الساق مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب.
قال جار الله: وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن في العرب. فمعنى يوم يكشف عن ساق يوم يشتد الأمر ويتفاقم ولاكشف ثم ولاساق.
قوله: (وقال آخر وإن شمرت).
صدر هذا البيت: أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها.
فصل
وأما أنه تعالى لايجوز أن يكون عرضاً فقد خالف فيه بعض الصوفية.
قوله: (وإلا وجب مثله في كل عرض).
يقال: ليست الأعراض متماثلة ولا للعرض بكونه عرضاً صفة تثبت في كل عرض، فالقائل بأنه تعالى عرض يقول: بل يستحق كونه تعالى قادراً لذاته التي لم يشاركه فيها غيره من الأعراض، ولعله يجاب بأنه بنى على ألا عرض غير هذه الأعراض المعقولة فإذا أثبتوه تعالى عرضاً فلا بد أن يجعلوه من بعض أجناسها وإذا جعلوه قادراً لذاته لزم مثله في ذلك الجنس ويكون كلام المصنف مصروفاً إليه، أي كل عرض من ذلك الجنس.
قوله: (ولزم ما تقدم من المجالات).
يقال: وما الذي تقدم من المجالات في مثل هذا الموضع؟
والجواب: لعله توهم أنه لما قال في الاستدلال على نفي الجسمية دليل لو كان تعالى جسماً لاستحالة أن يكون قادراً علاماً لأنه لايصح أن يستحق هذه الصفات لذاته وإلا لزم في كل جسم مثله ذكر المجالات اللازمة من كون كل جسم مثله وهو أن يصح منا صح ممانعة القديم تعالى وفعل الأجسام وعدم الخروج عن هذه الصفة ونحو ذلك من المجالات فأراد أنها تلزم لو كان كل عرض قادراً لذاته في حق كل عرض أو أراد ما تقدم من المجالات على القول بقدم المعاني.
قوله: (وفي ذلك حدوثه).
يعني لما تقدم من أنه لايجعل الذات على صفة إلا من كان قادراً على تلك الذات، وإذا كان تعالى مقدوراً وقد وجد كان محدثاً ويلزم ما ذكره من امتناعها عليه في الأزل إذ ما كان بالفاعل فلا بد من تقدم الفاعل عليه.
قوله: (لما تقرر من أن ما يحل لايجوز أن يوجد غير حال).
يعني فلا يكون للخصم أن يقول أنه تعالى كان لا في محل فلما أحدث المحل حل فيه ودليل ما ذكره أنه لو جاز حلوله ووجوده غير حال لم يكن بأن يحل أولى من ألا يحل إلا لأمر من فاعل أو علة وذلك محال في حقه تعالى.
فإن قيل: الذي قررتم في أمر الحلول هو في الأعراض الموجودة التي يحدثها القادرون فأما ما كان منها حياً قادراً عالماً قديماً فذلك موقوف على اختياره.
قلنا: لافرق لأن الحلول وعدمه كيفية في الوجود وكيفية الوجود لاتفارقه، فإما أن يوجد حالاً أبداً وإما أن يوجد غير حال أبداً.
قوله: (وللزم أن يحل في محل واحد).
إنما جعل هذا إلزاماً لهم لأنهم يجعلونه تعالى حالاً في الصور الحسنة مع تعددها، وقد استدل الشيخ أبو الحسين على إبطال أن يكون تعالى موجوداً في محل بأن قال: لو كان تعالى حالاً في محل لكان لايخلو إما أن يقال بأنه تعالى حال فيه أبدا فيلزم منه حدوثه تعالى أو قدم المحل أو يقال بأنه تعالى حل في جسم بعد أن لم يكن حالا فيه فيقال: حلوله فيه إما أن يكون واجباً فذلك الوجوب إن كان راجعاً إلى المحل لزم أن تكون الأجسام كلها مستوية فيه، فيلزم كونه حالاً في جميعها وفيه إما انقسام ذاته تعالى وذلك من صفات الأجسام وهو محال، وإما حصول الشيء الواحد في الوقت الواحد في أكثر من جزء واحد /349/ وهو باطل بالضرورة.
وإن كان الوجوب راجعاً إلى الحال نفسه لزم كونه تعالى في كل المحال إذ لامخصص لذاته بمحل دون محل، وإن كان حلوله جائزاً فهو إما لوجود معنى أو عدمه ولا اختصاص للمعنى المعدوم والموجود فكان يلزم أن يكون تعالى في كل محل وهو باطل، وإن كان بالفاعل فإما أن يجعل ذاته في كل محل فيلزم انقسام ذاته، وإما أن يجعلها في محل واحد فيلزم أن تكون ذاته تعالى أصغر المقادير تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فثبت أن الحلول لايجوز عليه تعالى وكما لايجوز أن يكون حالاً فكذلك لايجوز أن يكون تعالى محلاً إذ قد تقدم أنه ليس بجسم، وإذا لم يكن جسماً لم يكن متحيزاً ولاحلول إلا في متحيز.
وقد ذهبت الكرامية إلى أن الحوادث تحل في ذاته تعالى عند حدوثها فكل أمر محدث في العالم فإنه يحدث في ذاته تعالى معنى يحلها تسمى الأحداث، ولايصح إثبات معنى الإلاهية عندهم إلا بذلك تعالى الله عما يقولون.
فصل
وكما لايجوز أن يكون جسماً ولاعرضاً فكذلك لايجوز عليه ما يجوز على الأجسام.
قوله: (والكون في الأماكن ونحو ذلك).
يعني كالصعود والهبوط اولزيادة والنقص والاستراحة والغم والسرور والألم واللذة وهذا مذهب أهل العدل وأكثر الفرق الإسلامية وحكى عن الفلاسفة القول أنه تعالى يلتذ بإدراك ذاته وكماله، قيل: ويحكى هذا عن الغزالي إلا أنه يعند عن مثله مع علو محله في الإسلام، وروي عن بعض قدماء المعتزلة أنه تعالى يجوز عليه الغم والسرور والأسف والغيرة وتعلق بما ورد من أنه تعالى يفرح بتوبة العبد وما ورد في الخبار لا أغير من الله تعالى، وبقوله تعالى: {يا حسرتا على العباد} والصحيح أن هذه المعاني من توابع الحيوانية وأن هذه الألفاظ وردت في حقه على سبيل المجاز.
تنبيه
من أثبت التجسيم أثبت توابعه من الكون في جهة والاستقرار على مكان ومن نفاه فمن حقه أن ينفي توابعه كلها وعن بعض الكرامية نفي التجسيم وإثبات الجهة وأنه تعالى بجهة فوق، وعن الكلابية صحة وصفه تعالى بأنه على العرش بلا استقرار ويبطل قولهم جميعاً أن الجهة والمكان من لوازم الجسمية وتاوبعها فلا يتصور ذلك مع نفيها الذي قامت الأدلة عليه وشبهتهم ما ورد من السمع مما يقضي بأنه تعالى فوق كقوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده}، {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}، {بل رفعه الله إليه} وما ورد من رفع اليدين عند الدعاء وهو أمر اتفقت الأمة عليه.
والجواب: أن الأدلة العقلية قد قامت على نفي الجسمية وفي ذلك انتفاء لوازمها من الفوقية وغير الفوقية ويجب تأول ما قضى ظاهره بخلاف ما قامت الدلالة القاطعة عليه أما قوله تعالى: {فوق عباده} فتصوير للقهر والعلو بالعلية والقدرة كقوله: {وإنا فوقهم قاهرون}.
وأما قوله تعالى: {إليه يصعد الكلام الطيب} فأراد يصعد إلى السماء فيكتب حيث تكتب الأعمال المقبولة وكذلك قوله: {بل رفعه الله إليه} المراد إلى سمائه وإنما جعل الصعود والرفع إليها صعودا ورفعاً إليه لأنها موضع أمره ومحل ملائكته.
وأما رفع اليدين في الدعاء فلا يدل على ما ذكروه وإنما هو أمر تعبدنا به ولاوجه لأخذ ما ذكروه منه ولعل الحكمة فيه أن الخير والبركة والرزق ينزل من فوق أو لأن الداعي مستعطي ومن عادة المستعطي مد يده لما يعطى وقد روي عنه عليه السلام: (( السماء قبلة الدعاء )) .
قوله: (ولاما يجوز على الأعراض من الحلول والتضاد وجواز العدم ونحو ذلك).
يعني كإيجاب الصفات والأحكام، وإنما استحال عليه تعالى توابع الجسمية والعرضية لما تقرر بالأدلة من أنه تعالى ليس بجسم ولاعرض فلا يثبت له ما يتفرع عنهما.
فائدة
أجاز أبو القاسم أن يقال فيه تعالى هو بكل مكان بمعنى أنه حافظ ومدبر، فالمعنى حفظه وتدبيره بكل مكان لكن مع التقييد بهذا /350/ المعنى كأن يقال: الله في كل مكان. أي حافظ مدبر لارتفاع إيهام الخطأ حينئذ ومنعه سائر الشيوخ لأنه مجاز فارتفاع إيهام الخطأ لايكفي في جواز استعماله في حقه تعالى مالم يرد الذن به فيطلقه مع الأذن حيث ورد في كلام الله أو كلام رسوله لا في غير ذلك.
تنبيه
قال أصحابنا: يلزم المكلف في هذه المسألة أن يعلم أنه تعالى لايشبه الأجسام والمتحيزات فيما لم يزل وفيما لايزال ولايصح عليه مشابهتها في حال من الأحوال ولاتوابعها من الحركة والسكون والصعود والهبوط والموت والعجز والجهل والهرم والسقم والغذاء والحاجة، وأنه ليس بعرض ولايشبه الأعراض فيما لم يزل وفيما لايزال ولايصح كونه كذلك في حال من الأحوال ولايصح عليه خصائصها ولوازمها المتقدم ذكرها.
القول في استحالة الرؤية على الله تعالى
قوله: (ذهب أهل العدل إلى آخره).
اعلم أن أهل العدل ذهبوا إلى أنه تعالى يستحيل أن يرى نفسه وأن يراه غيره بكل احل وفي كل وقت وذهبت المجسمة إلى أنه تعالى يرى نفسه ويراه غيره من المكلفين في الدنيا والآخرة. قال بعضهم: والناس كلهم يرونه لكنهم لايعرفونه وبعضهم يقول: أنه تعالى يدرك بكل الحواس ويرى في جهة على حد رؤية الأجسام ويرى بالحاسة من دون معنى.
وذهب أهل الخبر إلا النجار وأصحابه إلى أنه تعالى يرى نفسه ويراه غيره وهم المؤمنون من المكلفين فقط لأن رؤيته من أعظم الثواب والأظهر من مذهب الأشعرية أنه لايرى بحاسة غير حاسة الرؤية، وذهب ضرار إلى أنه يرى بحاسة سادسة غير الحواس الخمس واتفقوا جميعاً على أنه لايرى في جهة لاخلف ولا أمام ولافوق ولا تحت ولايمين ولاشمال.
قال أصحابنا: وهذه رؤية غير معقولة. قال الإمام يحيى عليه السلام: ويقرب أن يكون الخلاف بيننا وبين الأشعرية في هذه المسألة لفظياً كما ذكره المحققون من متأخريهم، فإن الغزالي ذكر في كتابه الاقتصاد أن الرؤية عبارة عن تجل مخصوص لاينكره العقل وهذا هو العلم بعينه ونحن لانأباه وذكر الرازي في النهاية بعد تحريره الأدلة العقلية لهم وقال: إنها ليست بقوية، قال: ويقرب أن يكون الخلاف في المسألة لفظياً. انتهى.
واعلم أن من طالع كتبهم كالأربعين للرازي وعرف احتجاجهم وتصفح كلامهم علم أن خلافهم معنوي وأنهم يثبتون الرؤية التي هي الإدراك.
إذا عرفت هذا فاعلم أنه لايحتاج إلى الاحتجاج في هذه المسألة على المجسمة إذ لانزاع بيننا وبينهم فيها على الحقيقة لأنهم يسلمون أن الله تعالى لو لم يكن جسماً لم تصح رؤيته، ونحن نسلم لهم أنه تعالى لو كان جسماً تعالى عن ذلك لصحت رؤيته فالكلام عليهم في إبطال القول بالتجسيم وقد مر وإنما فائدة الاحتجاج على صحة المذهب في هذه المسألة إبطال القول بالرؤية من غير تجسيم ولاتكييف كما هو مذهب الأشاعرة والضرارية.
قوله: (ونسب إلى الشيخ أبي القاسم القول بأنه تعالى يرى نفسه ولايراه غيره).
قيل: هذا القول إنما حكاه أبو القاسم في كتاب المقالات عن بعضهم فأما هو فلم يقل بذلك ربما لم يقل به أحد كما ذكره المصنف.
قوله: (لنا: أما من جهة العقل فدليلان).
اعلم أن الأدلة على أنه تعالى لا يرى كثيره وأكثر ما يعتمده أصحابنا الاستدلال بهذين الدليلين اللذين ذكرهما المصنف دليل الموانع ودليل المقابلة والذي عليه الأكثر من المتكلمين النافين للرؤية كالقاضي وتلامذته وغيرهم /351/ أنهما على سواء، ليس أحدهما أقوى من الآخر وذكر الشيخ ابن الملاحمي أن دلالة الموانع هي المعتمدة وأن دلالة المقابلة فيها ضعف لأنها مثبتة على أن المقابلة أو ما في حكمها شرط في الرؤية وهي مستحيلة في حقه تعالى وما كان مستحيلاً عنده لم يكن شرطاً.
وذهب السيد المؤيد بالله عليه السلام إلى أن دلالة المقابلة أقوى لأن دليل الموانع ينبني على أن العلم بأنه لا فيل بحضرتنا يستند إلى أنه لو كان لرأيناه وذلك ليس بالقوي عنده. قال: ويمكن أن يكون ذلك العلم غير مستند.
واعلم أنه لايتأتى لأبي علي الاستدلال بدليل الموانع إن استمر على القول بأن الإدراك معنى ولا لأبي هاشم الاستدلال بدليل المقابلة لما سنذكره وقد بدأ المصنف بدليل الموانع.
قوله: (وهذه خمسة أصول).
الأول أنه حاصل على الصفة التي لو رئي لما رئي إلا لكونه عليها، الثاني: أن أحدنا حاصل على الصفة التي لو رئي لما رئي إلا لكونه عليها. الثالث: أن الموانع مرتفعة. الرابع: أنه تعالى موجود. الخامس: أن هذه الشرائط التي معها يجب رؤية المرئيات.
قوله: (فعندنا أنها الذاتية في حقه تعالى والمقتضاة في حق المحدثات).
إنما جعلها أصحابنا الذاتية في حقه تعالى مع أن من قواعدهم أن المرئيات ترى على صفاتها المقتضيات لأن صفاته تعالى المقتضاة يستحق جنسها وقبيلها على سبيل الجواز فلا يجوز أن يدرك تعالى عليها ولو صح ذلك للزم أن يدرك نحن على كوننا قادرين وعالمين ونحوهما وهو محال، وإلا كان يلزم إذا زالت عنا أن يزول صحة كوننا مدركين ولا اعتبار بالكيفية لن المؤثرات لايختلف تأثيرها باختلاف كيفية استحقاقها فلو أثرت قادريته تعالى وعالميته في صحة إدراكه لأثرت قادريتنا وعالميتنا في صحة إدراكنا وهو محال قطعاً وإنما جعلها المقتضاة في حق المحدثات لأنها لو كانت الذاتية للزم أن يدركها في حال عدمها لحصول ما يصحح إدراكها في حالة العدم وهي الصفة الذاتية فعلمنا أنها تدرك على المقتضاة التي لايكون حصولها إلا مع الوجود ولايقال بل الصفة الذاتية التي تقتضي صحة الإدراك لكن بشرط الوجو لأنه اشتراط ما لادليل عليه.
وقد ذهب الشيخان أبو إسحاق وأبو عبدالله إلى أن المحدثات ترى على صفاتها الذاتية لكنهم موافقون في المعنى فإنهم يجعلون الصفة الذاتية ما هو عند الجمهور الصفة المقتضاة مثاله الجوهر فهم الجميع متفقون على أنه يرى لتحيزه. لكن قال الجمهور: هو صفة مقتضاة. وقالا: بل صفة ذاتية ولايثبتان الجوهرية على ما تقدم.
قوله: (ويبطله أن الوجود متماثل).
يعني في حكم المتماثل لن لافات لايطلق عليها لفظ التماثل وإنما يقال: تجري مجرى المتماثلة بمعنى أناه لو كانت ذوات مستقلة لسد بعضها مسد الأخر فيما يكشف عن الصفة الذاتية على التفصيل وأن بعضها يقوم مقام البعض في الحد والحقيقة وفي اقتضاء ما يقتضيه من الصفات والأحكام وبالعكس من ذلك في المخالفة وقد تقدم الدليل على أن الوجود في حكم المتماثل.
قوله: (فيعود الأمر إلى ما قلناه).
يعني في حقه تعالى وهو المقصود ههنا.
قوله: (لأن الصفة المقتضاة مختلفة).
يعني جنس الصفة المقتضاة والمراد أن صفات الذوات المقتضاة ليست كلها متماثلة فلا يلزم من رؤية بعض الذوات على بعضها رؤية سائر الذوات على سائرها.
قوله: (فكذلك في الشم والذوق والسمع وهو ظاهر البطلان).
أي بطلان أن يدرك تعالى هذه الأنواع من الإدراكات بحواس أخر أظهر من بطلان غيره لن المخالفين يوافقون في إنكار إدراكه على غير جهة الرؤية إلا الأشعري فإنه التزم ذلك. ولما قال به أنكر أصحابه عليه /352/ وتبرأوا منه وقالوا: إنك معتزلي، ولكن توردنا المضايق وتريد إقحامنا بالمحالات حتى نلتزمها نحن لانقول بذلك.
قوله: (فليس بأشد من مخالفة بعضها لبعض).
يعني حواس البصر فإن فيها سهلاً وشكلاً وزرقاً وملحاً كما يقوله أصحابنا والسهلة كهيئة الحمرة في سواد العين كالشكلة في بياضها ورجل أزرق العين والمرأة زرقاء بينة الزرق والاسم الزرقة وإذا اشتدت حتى تضرب إلى السواد قيل هي أملح العين وهذا إن قصد بالحواس في قوله: فإن كانت مماثلة لهذه الحواس الأبصار فقط، وأما إن قصد بها الحواس الخمس وهو معنى حسن فاختلافها أظهر فلا يحتاج إلى استظهار.
قوله: (لأن ذلك ينبني على أن الإدراك معنى).
يعني من حيث أن جعل الرؤية مختلفة لايتأتى إلى مع جعلها جنساً من المعاني تختلف باختلاف متعلقه وأما إذا كانت صفة مقتضاة عن الحيية فهي تقتضيها على سواء والحاسة ليست إلا شرطاً في اقتضائها للرؤية وفيه نظر فإن اختلاف المتعلق كما يدل على اختلاف المعاني المتعلقة يدل على اختلاف الصفة المتعلقة وإن لم يكن ثم معنى ورؤية الباري لو كان مرئياً تعالى عن ذلك متماثلة غير مختلفة سواء كان الإدراك معنى أو صفة وسواء اتفقت الحاسة أو اختلفت.
قوله: (وأما أن الموانع مرتفعة) إلى آخره.