يعني فكما تضاف صحة العلم إلى هذه الذات التي يصح كونها معلومة فيقال يصح العلم بها يضاف إلى كل ذات غيرها وينسب إليها.
قوله: (وكذلك نسبة صحة الفعل إلى جميع الأجناس نسبة واحدة).
يعني فكل صحة صادرة عن كل قدرة شاملة للأجناس العشرة وإن لم يشمل كل عين منها.
قوله: (لأنا إنما نعلل التجانس والانحصار).
يعني وهو نسبة صحة الفعل فكل قدرة إلى كل حدس واستواء القدر في ذلك لا استواؤها في صحة فعل كل عين بها.
قوله: (وإن اختلفت نسبتها إلى الأعيان).
يعني فهذه القدرة يصح بها فعل هذه العين من المقدورات دون غيرها وهذه القدرة يصح بها فعل العين الأخرى دون هذه العين وغيرها.
قوله: (ويمكن أن يجاب) إلى آخره.
تلخيص الجواب أنا لم نعلل تعذر فعل الجسم ونحوه بالقدر بصحة فعل المقدورات العشرة بها وإنما عللنا تعذر فعل الجسم بها بكونها قدراً فتعذر فعله بها لهذا الوجه، ثم استدللنا بصحة فعل الأجناس العشرة بها وتجانس مقدوراتها جميعاً لكونها قدراً على صحة التعليل ودليل صحة العلة وهو ههنا صحة أن يفعل بكل واحدة من القدر سائر الأجناس العشرة غير العلة التي هنا كونها قدراً.
قوله: (فما أجاب به فهو جوابنا).
يعني فإنه لايمكنه أن يجيب إلا بأنه لو صح ذلك وهو فعل الجسم منه لصحة البنية واعتدالها لصح منا لصحة بنانا واعتدالها، فإذا قيل له: ولم وجب ذلك؟ لم يكن له بد من أن يقول: لأن ما صح ببعض البنا الصحيحة صح ببعضها الآخر، دليله ما نحن عليه وترتب الدليل على نحو ما رتبناه فكذلك نقول، ولو صح منه فعل الجسم ونحوه بقدرة هي معنى عندنا لصح منا بذلك المعنى أيضاً.
قوله: (وقوله إن إثبات ذلك).
أي إثبات الصحة والاعتدال في حقه تعالى.
قوله: (فلايكون لأبي الحسين) إلى آخره.

يقال: الاعتراضان مضافان إلى ابن الملاحمي، وعجل الرد متوجهاً إليه فما سبب ذكر أبي الحسين؟ والجواب: أن السبب في ذلك أن أبا الحسين هو المورد للاعتراض الثاني على ما ذكره بعض أصحابنا وهو القائل أن إثبات ذلك إثبات ما لاطريق إليه، والضمير في قول المصنف وقوله عائد إليه.
قوله: (نحو قوله تعالى: {قل هو الله أحد}).
وجه الاستدلال بهذه الآية أنه تعالى لو كان جسماً لم يكن واحداً لمماثلة الأجسام له وهذا مأخذ حسن وجعل جار الله نفي التشبيه في هذه السورة الكريمة المحتوية على الإشارة إلى علوم التوحيد مأخوذاً من قوله تعالى: {لم يلد} فإن المراد به نفي التشبيه والمجانسة.
قوله: (على من يقر بالسمع).
يعني بأنه دليل موصل إلى العلم خاصة من يقر بأنه دليل في هذه المسألة كما يضهب إليه مخالفونا.
قوله: (فالحق أنه لايصح).
نبه على الخلاف الواقع في صحة الاستدلال على هذه المسألة بالسمع كما هو مذهب الشيخ الحسن وصاحب الجوهرة فإنهما أجازا ذلك ولعل حجتهما على ذلك أنا نعلم كونه تعالى غنياً وهي الصفة التي تقف صحة السمع عليها بدليل /343/ أبي إسحاق وهو لايتوقف على نفي التشبيه وإنما الذي يتوقف على نفيه دليل أبي هاشم وكذلك فقد ثبت لنا أنه عالم لذاته وإن لم يعلم نفي التشبيه وإذا كان كذلك فقد أمكن العلم بالعل الذي تتوقف صحة السمع على العلم به من دون العلم بنفي التشبيه فصح الاحتجاج بالسمع عليه لكنه يقال مع تحرير الجسمية لايتقرر أنه تعالى عالم لذاته إذ لايصح في الجسم أن تكون عالميته لذاته.
قوله: (لاختلاف الفائدة كما تقدم).

يعني أن فائدة قولنا شيء ما يصح العلم به والخبر عنه، وفائدة قولنا جسم أنه طويل عريض عميق، فإذا قلنا أنه تعالى شيء فالمراد أنه يصح العلم به والخبر عنه، وإذا قلنا لا كالأشياء فمرادنا أنه لايشبه سائر الأشياء والذوات المحدثة، وإذا قلنا جسم فقد أفاد أنه طويل عريض عميق، وإذا قلنا لا كالأجسام نفينا بذلك الطول والعرض والعمق عنه فيكون في ذلك محض المناقضة.
فصل في شبه المجسمة
قوله: (هذا اعتماد على الوجود).
أي على ما وجدتموه من غير علة جامعة فأما مع حصول العلة فلا بأس بالقياس .... عليه أضداد هذه الصفات وزوالها، أراد بالأضداد حيث يكون لها ضد كالجهل وبزوالها انتفاؤها، وهو يشمل ما له ضد وما لا ضد له.
واعلم أن التحقيق في الجواب عن هذه الشبهة أن القادر العالم في الشاهد إنما وجب أن يكون جسماً لأنه قادر بقدرة وعالم بعلم وحي بحياة وهذه المعاني لاتوجد إلا في محل مبني بنية مخصوصة والله تعالى يستحقاه لذاته فلا يقتصر في ثبوتها له إلى أن يكون محلاً لما يؤثر فيها.
قوله: (معنى قولهم لايعقل أنه لم يوجد له نظير).
قد قيل: إن مرادهم بقولهم أنه لايعقل أي لايتوهم فإنا لانتوهم إلا الجسم والعرض فيقال لهم على هذا المعنى الوهم لايعتد به.
قال أبو الحسين: قد يتوهم الجمع بين الضدين، والعقل يحيل ذلك. وحكي عن الغزالي أنه قال: قد يتوهم أن المعاني الحالة في المحل كالمتراكبة فنتوهم الحياة والقدرة في محل فوقها والعلم فوق القدرة وأنها كذلك طباقاً والعقل يحيل ذلك، ثم يقال لهم: هل تريدون أنكم لم تعقلوا سوى ذلك فهو لايمنع من أن يعقله غيركم إذ الذي منعكم عن تعقله وهم أو اعتقاد غير مطابق، وإن أردتم أنه لم يعقله العقلاء كافة فخطأ منكم بل قد عقلوا خلاف ما ذكرتم وأنه تعالى ذات غير ذات الجسم وذات العرض.
قوله: (ولأن الشاهد لايفعل إلا على جهة المباشرة والتوليد).

كان الأولى أن يقول: على جهة المباشرة أو التعدي وهو المطابق لما بنى عليه المتأخرون، والمناسب لهذا المقام، ويقال: ظاهر ما ذكرته يقضي بأن العلة في كون القادر العالم في الشاهد جسماً كونه لايفعل إلا مباشرة أو تعدياً وليس كذلك فإنه إنما وجب أن يفعل على أحد هذين الوجهين لكونه جسماً ويمكن ..... بأن هذا التعليل متفرع على ثبوت القدرة له فلما لم يكن القارد في الشاهد قادراً إلا بقدرة وكان من حقها ألا يفعل بها إلا على أحد الوجهين وليس يتأتى الفعل على أحد الوجهين إلا من جسم وجب لذلك كونه جسماً.
قوله: (ألا يجوز عليه الحسن).
أي الإدراك بالحواس.
قوله: (إن الذي يدل على أنه حي ليس هو الدليل على جواز الحس والحركة).
يعني فدليل كونه حياً صحة أن يقدر ويعلم ودليل جواز الحس والحركة كونه متحيزاً بصفة الأحياء في الشاهد فلا يلزم أن يكون الباري تعالى جسماً وإن كان الطرف الأخير مسلماً وهو أن الدليل على جواز الحسن والحركة يدل على أنه حي مثل ما أن الدليل على كونه شيئاً لايدل /344/ لابد على أنه يحدث فإن كان الدليل على أنه يحدث يدل على أنه شيء.
قوله: (وشبهتهم من جهة السمع).
اعلم أولاً أنه لايصح لهم الاستدلال بالسمع في هذه المسألة لما تقدم وكيف يصح لهم الاستدلال بالسمع علىما لو صح لبطل دلالة السمع ثم أن أكثر المجسمة يذهبون إل الخبر والجبرية سادون على أنفسهم طريقة الاستدلال بالسمع. قال أصحابنا: بل لاطريق لهم إلى إثبات الصانع فضلاً عن ثبوت حكمته وصدق مقالته.
قوله: (معناه استولى).
ذكر أصحابنا أن للاستواء عدة معان:
أحدها: ما ذكره شاهده ما ذكره أيضاً.
وثانيها: الانتصاب ومنه قوله تعالى: {استوى على سوقه}.
وثالثها: المساواة.
ورابعها: الاستقرار وعليه حملت المجسمة هذه الآية الشريفة.
وخامسها: القصد ومنه قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء}.
وسادسها: الكمال ومنه قوله تعالى: {حتى إذا بلغ أشده واستوى} أي كملت له أربعون سنة.

وسابعها: الركوب، ومنه قوله تعالى: {فإذا استويت أنت ومن معك} أي ركبت.
وثامنها: الصلاح ومنه قولهم: استوى الأمر، أي صلح.
قوله: (وإنما خص العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات).
يعني وتلك عادة العرب وهي أنهم يخصون الأعظم من الأشياء بالذكر وإن شاركه غيره في ذلك ولهذا قال تعالى حاكياً عن فرعون: {أليس لي ملك مصر} مع كونه مالكاً لغيرها من الأمصار لكن خصها لكونها أعظم ما تحتوي عليه مملكته، وإنما كان العرش أ‘ظم المخلوقات لما ورد في الأثر عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (( ما السموات والأرضون السبع في جنب الكرسي إلا كحلقة في فلاة، وما السموات السبع والأرضون السبع والكرسي في جنب العرش إلا كحلقة ملقاة في فلاة )) .
وفي الأثر عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( إن للعرش ألف ألف رأس وستمائة ألف رأس في كل رأس ألف ألف وجه وستمائة أل فوجه في كل وجه ألف ألف فم وستمائة ألف فم في كل فم ألف ألف لسان وستمائة ألف لسان كل لسان يسبح الله بألف ألف لغة وستمائة ألف لغة وبين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب ومائة ألف حجاب بين كل حجابين كما بين السماء والأرض ليس من ذلك موضع إلا وفيه ملك يسبح الله تعالى )) .
وروي عن مجاهد أنه قال: للعرش ألف قائمة كل قائمة استدارتها استدارة السموات والأرض. وقال في الكشاف: قيل إن الله تعالى خلق العشر من جوهرة خضراء بين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام ونحو ذلك من الأحاديث. روى ذلك بعض أصحابنا والله أعلم بصحته.
قال: وأكثر الأحاديث في العرش تقضي بأنه حيوان، وقد قيل في العرش المذكور في الآية يحتمل أن المراد به جميع العالمين والمخلوقات. قال السيد الإمام: وقد قيل أن العرش بمعنى الملك وذلك ظاهر في اللغة يقال: ثل عرش بني فلان أي زال ملكهم وعليه قول الشاعر:
إذا ما بنو مروان ثلت عروشهم ... وأودت كما أودت إياد وحمير

ومن معانيه: السرير قال تعالى: {نكروا لها عرشها} وأصله البناء، قال تعالى: {فهي خاوية على عروشها} والذي ذكره الجوهري أن العرش سرير الملك وأن عرش البيت سعفه، وقولهم: ثل عرشه أي وها أمره.
قال زهير:
تداركتما عبساً وقد ثل عرشها ... وذبيان إذ زلت بأقدامها النعل
والعرش ذا العريش ما يستظل به.
قوله: (لأنه لو أراد النور بمعنى الضياء لم يكن لإضافته إلى السموات والأرض فائدة).
يقال: بل الفائدة في ذلك على هذا المعنى ظاهرة. قال جار الله: وأضاف النور إلى السموات والأرض لأحد معنيين إما للدلالة على سعة إشارقه وفشو إضاءته حتى تضيء له السموات /345/ والأرض، وإما أن يراد أهل السموات والأرض وأنهم يستضيئون به، وبنى هذا رحمه الله على أن المراد تشبيه الحق بالنور، وأن المراد: الله ذو نور السموات والأرض كما سيأتي.
قوله: (وأيضاً فكثير من الناس يجعل النور عرضاً لاجسماً).
يعني أبا الهذيل ومن قال بقوله فإنه جعل النور اسماً لبياض يحل في أجزاء رقيقة.
وقال الجمهور: بل النور اسم للأجزاء الرقيقة التي يحلها البياض مع اتفاق الجميع على أنه لابد في النور من بياض وأجزاء رقيقة ونحو هذا خلافهم في الظلمة.
قوله: (وأما قوله مثل نوره) إلى آخره.
جواب لما عسى أن يقوله قائل من أن قوله تعالى: {مثل نوره} دليل على الجسمية لأن إضافة النور إليه يقتضي ذلك إذ الإنارة من صفات الأجسام.
قوله: (فقيل شبهه) إلى آخره.

أي شبه النور وفيه نظر لأن النور المشبه به والإيمان هو المشبه ، وقد بنى المصنف على أن المضير في نوره عائد إلى المؤمن كما وقع التصريح به في قراءة أبي ومجاهد وهو خلاف الظاهر من كون الضمير عائد إلى الله كما ذكره الزمخشري قال: ونظير قوله: {الله نور السموات والأرض} مع قوله: {مثل نوره} يعني حيث جعله أولاً نفس النور ثم أضاف النور إليه قولك زيد كرم وجود. ثم تقول: ينعش الناس بكرمه وجوده، والمعنى: ذو نور السموات والأرض والمراد به الحق شبهه بالنور في ظهوره.
قوله: (ونحوها مما فيه ذكر الوجه).
يعني كقوله تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).
قوله: (غير هذين المعنيين).
أراد بهما الوجه بمعنى الجارحة، والوجه بمعنى نفس الشيء.
قوله: (من يسلم وجهه إلى الله) إلى آخره.
الذي ذكره المحققون أن المراد ينقاد له تعالى فإن ذلك يتضمن العلم والعمل وأن قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين} تمثيل لاقباله عليه، وأن المراد لايتلفت عنه يميناً ولاشمالاً، وقيل: بل المراد أطع الله تعالى. وقيل: اتبع من الدين ما تدلك عليه الفطرة.
قوله: (ومثله وجه الثوب).
يعني فإن معناه خياره فهو مثل هذا وجه القوم، وحمله السيد الإمام على أنه بمعنى ذاته، قيل: وأولى من ذلك أن المراد به ظاهره ومن معاني الوجه أيضاً الجهة، ذكره الجوهري.
قوله: ({ومما عملته أيدينا} ونحوه). التلاوة: مما عملت أيدينا.
والمراد بنحوه قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} وسائر الآي التي ذكر فيها لفظ اليد.
قوله: (يمنع الاختراع).
يعني فإنما يفعل بها مباشرة وتعدياً.
قوله: (والأجسام لاتفعل) هو بضم التاء الفوقانية مبني للمجهول.

قوله: (والمعنى) أي في قوله تعالى: {لما خلقت بيدي}، وفي قوله تعالى: {مما عملت أيدينا} فإن المراد به ما عملناه نحن، وقد قيل في قوله تعالى: {ما خلقت بيدي} أن اليد ههنا بمعنى القدرة والمعنى لما خلقته بقدرتي إذ يكون المعنى لما خلقت لنعمتي ويكون الباء ههنا بمعنى اللام والذي ذكره المصنف هو الأقوى والمطابق لما ذكره إمام التفسير جار الله. قال: فإن قلت ما وجه قوله خلقت بيدي؟
قلت: قد سبق لنا أن ذا اليدين يباشر أكثر أعماله بيديه فعلمت العمل باليدين على سائر الأعمال التي تبشار بغيرهما حتى قيل في عمل القلب هو مما عملت يداك، وحتى قيل لمن لا يد له: يداك أوكتا وفوك نفخ، وحتى لم يبق فرق بين قولك هذا مما عملته وهذا مما عملته يداك، ومنه قوله تعالى: {مما عملت أيدينا}، {ولما خلقت بيدي}.
قوله: (وفي المثل) إلى آخره.
معنى هذا المثل وهو وجه الاستشهاد به: أنت الفاعل لذلك والمتولي. قيل: والأظهر أن المراد باليد في هذا المثل الجارحة المخصوصة وهذا مثل يضرب لمن يقع في مكروه بسبب فعل منه، قيل: وأصله أن امرءاً قصد إلى أن يعبر نهراً على سقاء قد نفخه وأوكاه بوكاء وهو خيط /346/ يشد به رأس السقا ولكنه لم يفعل ذلك على وجه الإحكام والاتقان فلما توسط النهر انحل ذلك الوكاء فاستصرخ بمن ينجيه من الغرق فقال له قائل: يداك أوكتا وفوك نفخ. أي أنت المتولي لذلك فأتيت من جهة نفسك.
قوله: (بدليل ما قيل).
هذه اللفظة وما بعدها الذي قبلها قوله تعالى ـ حكاية عن اليهود ـ: {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا}، والذي بعدها: {ينفق كيف يشاء}، فقوله: {بل يداه مبسوطتان} رد عليهم حين نسبوا البخل إليه تعالى فإن ذلك كناية عنه. قال تعالى: {ولاتجعل يدك مغلولة إلى عنقك}، وآخرها أصرح وهو قوله: {ينفق كيف يشاء}، والمراد بالآية أن نعمته مبسوطة متمكن منها كل حي.

قال جار الله: غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ولايقصد من تكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط ولا فرق عنده بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه كأنهما كلامان معتقبان على حقيقة واحدة ولو أعطى الأقطع عطاء جزلا لقالوا: ما أبسط يده بالنوال، لأن بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا معاقبين للبخل والجود وقد استعملوها حيث لايصح اليد كقوله:
جاد الحمى بسط اليدين بوابل ... شكرت يداه تلاعه ووهاده
قوله: (ولايقال فما معنى التنبيه).
يعني في قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} وقد ذكر الفقيه شرف الدين محمد بن يحيى بن حنش أن المراد نعمتاه نعمة الدنيا والدين، وأقوى من ذلك وأرجح ما ذكره جار الله في كشافه وهو أن التثنية ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفي البخل عنه وذلك أن غاية ما يبذله السخي بماله من نفسه أن يعطيه بيديه جميعاً فبنى المجاز على ذلك.
قوله: (يستعملها مثناة بهذا المعنى). أي بمعنى النعمة.
قوله: (في البيت: يديان).
هو تثنية يداً على إحدى لغاتها لأن بعض العرب يقول في يد يدا ويجعلها اسماً مقصوراً مثل رحى، فأما يد وهي اللغة الشائعة على أنه اسم منقوص فتثنيتها يدان، وقوله في البيت عند محلم هو بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر اللام الشديدة اسم رجل والذي رواه في الصحاح يديان بيضاوان عند محرق. إلى آخره.
قوله: (وقد يثنى بهذا المعنى).
أي يثنى بمعنى القدرة ويقصد بالتثنية القدرة الواحدة.
قوله: (في البيت: لما حملت منك الضلوع يدان).
قد قيل في هذا البيت: أن التثنية فيه على ظاهرها لأنه خبر عن اثنين وإن كل واحد منهما لاقوة له على ما حل به لكن قد ذكر الجوهري أن في اللغة: مالي بفلان يدان. أي طاقة.
قوله: (كما قال عليه السلام: (( وهم يد على من سواهم ))). وقوله: (كما قال عليه السلام في الربا : (( يداً بيد ))).

إشارة إلى الحديثين فالأول المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويجبر عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم.. ألخبر، والثاني: لاتبيعوا الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح إلا مثلاً بمثل يداً بيد.
قوله: (وقال تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد}).
قد قيل: إن المراد عن ذلة واستسلام، وقيل: بل ما ذكره المصنف فالمراد نقداً لانسية من يده. وقال في بعض التفاسير: المراد يعطيها بالنقد إلى يد من يبيعها إليه. وقيل: المراد عن عزة للمؤمنين وتكون العزة من معاني اليد.
قوله: (وقام فلان بين يدي الأمير ونحوه).
يعني كقوله تعالى: {فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} أي أمامها.
قوله: ({ واصبغ الفلك بأعيننا} ونحوه).
يعني كقوله تعالى: {تجري بأعيننا}، ونحو قوله تعالى: {ولتصنع على عيني}.
قوله: (ونوح في /347/ عينيه).
يعني لأن الباء في هذا الموضع طرفية كما يقول النجار مثلاً: صنعت باباً بموضع فلان.
قوله: (وأن تكون عينه آلة في صناعة الفلك).
الضمير في عينه راجع إلى الباري تعالى وكان الأولى أن يأتي بأو للتخيير فيقول: أو أن تكون عينه تعالى آلة في صناعة الفلك كما يقال: كتبت بالقلب ونجرت الباب بالقدوم ونحو ذلك. والمعنى: ولتصنع بعليم، وكذلك سائرها، وقد قيل: إنما خص الله موسى بذلك وإن كان كل شيء مصنوعاً بعلمه تفخيماً وتعظيماً، وأما قوله تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا} فمعناه وعلومنا محيطة بذلك، وأتى بلفظ الجمع وكذلك في قوله تعالى: {تجري بأعيننا} والذي يذكره المحققون من المفسرين أن المراد بقوله تعالى: {ولتصنع على عيني} أي تجري أمرك على ما أريد، وهذا من أفصح الكلام، وأن المراد بقوله تعالى: {واصنع الفلك بأعيننا} اعمل السفينة بمرأى منا.

67 / 158
ع
En
A+
A-