يعني لايتعدى تأثيره إحداث الذات وإخراجها من العدم إلى الوجود وتوابع الحدوث وهي الوجوه الَّتِي يقع عليها الفعل ككون الكلام أمراً أو خبراً أو كون الفعل طاعة أو معصية.
إذا تقرر هذا فالباري تعالى ليس له حالة حدوث تعالى عن ذلك، ثُمَّ أن ذلك الفاعل لايصح أن يكون غيره تعالى لأنَّه إن جعل قديماً فلا قديم معه تعالى، وإن كان محدثاً فالمحدثات قادرة بقدرة فلا يصح تأثيرها في الشهوة، إذ لو صح لأثر أحدنا في شهوة لنفسه أو لغيره وهو محال ثُمَّ كيف يؤثر أثراً فيما لايماسه.
قوله: (لزم ما تقدم في كونه مشتهياً لذاته).
يعني وهو أن يشتهي جميع المشتهيات فيوجد أكثر مما أوجد وقبل الوقت الذي أوجد فيه إذ لا اختصاص للشهوة القديمة والمعدومة في ذلك وبالجملة فما تقدم في إبطال المعاني القديمة حاصل هنا، وأما الشهوة المعدومة فلا اختصاص لها بشمته دون مشته.
قوله: (لزم ذلك أيضاً).
يقال: بل لايلزم إذ كل شهوة محدثة تختص بجنس واحد ولا تتعداه، وما أنكرت أنَّه لم يحدثها قبل الوقت الذي أوجد فيه المشتهيات ولا أوجد شهوة لأكثر ما أوجده من المشتهيات.
قوله: (وهو أن يكون ملجئ إلى غيجاد الشهوات على الحد الذي يكون ملجئ إلى إيجاد المشتهيات).
يعني فيوجد من الشهوات أكثر مما أوجد وقبل الوقت الذي يقدر إيجاده لها فيه وقبل، وفيه سؤال وهو أن يقال: إنَّه لايكون ملجئ إلاَّ حيث يكون محتجاً ولايكون محتاجاً إلاَّ حيث يكون مشتهياً لأن حاجته إلى المشتهيات فرع على التلذذ بها والتلذذ فرع على الشهوة وثبوتها له ولم يثبت تعداد لايثبت إلاَّ بأن يحدثها لنفسه فكيف قلتم يكون ملجئ إلى خلق الشهوات؟
والجواب: أن ذلك لازم من حيث أنَّها لو جازت عليه تعالى فهو يعلم حالته الَّتِي يكون عليها لو فعل الشهوة لنفسه والمشتهيات وما يثبت له بذلك من اللذة والسرور لأنَّه عالم لذاته فيكون ذلك داعياً له إلى إيجاد الشهوة والمشتهى والداعي إذا كان داعي حاجة فهو كاف في الإلجاء.
قوله: (لجازت عليه الشهوة المحدثة).
يعني لما ثبت وتقرر من أن كل ذات صحت عليها صفة ثابتة لمعنى محدث أنَّه يصح عليها ضدها إذا كان لها ضد.
تنبيه
قال أصحابنا: يلزم المكلف في هذه المسألة أن يعلم أن الله تعالى غني لاتجوز عليه الحاجة في شيء أصلاً لا في الدنيا ولا في الآخرة وأنه غني فيما لم يزل وفيما لايزال ولايجوز عليه الحاجة في حال من الأحوال.
القول في أن الله تعالى ليس بجسم ولا عرض ولايجوز عليه ما يجوز عليهما من التحيز والحلول والتنقل في الأمكنة والجهات ونحو ذلك من توابعهما
قوله: (سبيكة ملقاة).
أرادوا أنَّه لاخرق فيه ولاتشريح أعضاء وإنَّما هو جسم مصمت.
قوله: (وحكي عن بعض الحنابلة القول بالتجسيم).
ينسب مثل ذلك إلى الفقيه المحدث إمام الحنابلة أحمد بن محمد بن حنبل ومن أصحابه من أنكر أن يكون ذلك مذهباً له وهو اللائق بحلمه وعبادته وزهده وما كان عليه من محامد الأوصاف.
قوله: (وعليه جل أهل الحشو).
إنَّما نسبوا إلى الحشو لأنهم ينقلون الأحاديث المكتذبة في الأخبار النبوية ويروونها ويحتجون بها على ما يذهبون إليه حدث مذهبهم في زمان بني أمية.
قوله: (لاشتراكها في أخص أوصافها وهو التحيز).
يقال: إن التحيز صفة مقتضاة فكيف جعلت تماثل الأجسام لأجلها والتماثل من أحكام الصفة الذاتية. والجواب: أنَّه أراد من حيث أنَّها كاشفة بمجردها عن الصفة الذاتية ويدل الاشتراك فيها على الاشتراك في الصفة الذاتية.
قوله: (ولالتباسها على المدرك).
يعني عند اتفاقها في قدرها ولونها وصورتها فإن الواحد منا إذا رأى جسمين هكذا ثُمَّ غاب عنهما ثُمَّ أدركهما ثانياً فإنه يعرض له اللبس فيما بينهما، وهذا عند أصحابنا من الطرق الدالة على تماثل الذاتين وهو أن تلتبسا على المدرك لأنهما يدركان على صفة الخاصة والتباسهما لايكون إلاَّ لاشتراكهما فيها وباشتراكهما فيها يكون التماثل.
قوله: (مع العلم بتغايرهما).
يحترز عن نحو الكون ومحله مما عرض اللبس فيه لأجل الحلول وعن نحو الخضاب والشعر مما عرض اللبس فيه لجل المجاورة فإنه لم يثبت العلم لمن التبس على ذلك بالتغاير فلا يدل على التماثل.
قوله: (ويستحيل شرط الاقتضاء على الإطلاق).
قد تقدم ذكر المراد من الحتراز به فيما مضى.
قوله: (وأيضاً فلا بد أن يكون ذلك الشرط) إلى آخره.
يعني لعدم تعقل اشتراط سوى تلك الصفات الأربع الَّتِي هي القادرية والعالمية والحيية والوجودية.
قوله: (وكلها قد استحققنا قبيلها).
يعني فقد حصل الشرط فكان يلزم حصول المشروط.
قوله: (فيؤدي إلى التمانع).
يعني بين الأجزاء الَّتِي قد لزم كون كل واحد منها قادراً عالماً بأن يريد أحدها شيئاً ويكرهه الآخر.
قوله: (لتأدية ذلك إلى أن يكون محدثاً).
يعني من حيث أنَّه لايجعل الذات على صفة ألا تحدث تلك الذات على ما تقدم.
قوله: (فهو متناهي المقدار في المساحة).
المساحة الذرعة، نقول: مسح الأرض مساحة. أي ذرعها. قال العصيفري: المساحة هي معرفة الأشكال الممسوحات كالكيل للمكيلات والوزن للموزونات والذرع للمطولات.
قوله: (والعدد).
يعني فيصح حصر أجزائه بالعدد وهذا خلاف ما عليه النظام فإنه يذهب إلى أنَّه لاشيء من الأجسام تنحصر أجزاؤه ولاينتهي عددها.
قوله: (وكل متناه فهو محدث).
يعني من حيث أنَّه يجوز دخول الزيادة والنقص فيه بلا محالة ولو كان قديماً لم يجز تغيره ولازيادته ولانقصانه فإن لواحق الحدوث مما لايصح إلاَّ في المحدثات.
قوله: (دليل كل جسم مركب وكل مركب يجوز عليه التفريق) إلى آخره.
قد يورد هذا الدليل على وجه آخر وهو أن يقال: لو كان تعالى جسماً لكان مركباً لأن المعقول من الجسم هو الطويل العريض العميق، وذلك مركب بلا محالة ولو كان مركباً لكان وجوده متوقفاً على وجود كل واحد من مفرداته لأن حقيقة المركب هو الذي يلتئم من مجموع أجزاء فحصول مركب من دون مفرداته محال، وما كان كذلك كان ممكناً لذاته لأنا لانعني بالممكن إلاَّ ما كان محتاجاً إلى غيره ولولا ذلك الغير لم يكن موجوداً وهذا حاصل في المركب مع مفرداته فإنه لايمكن وجود المركب من دونها.
وهو تعالى يستحيل أن يكون ممكناً لذاته لما تقدم من أنَّه واجب الوجود، وما كان واجب الوجود استحال أن يكون ممكن الوجود لأن فيه الجمع بين النقيضين. ذكره الإمام يحيى في التمهيد.
قوله: (لكان كائناً فيما لم يزل).
يعني إذ لايصح تعليلها بالكون فتكون معنوية لما تقدم من أن الأكوان محدثة والفاعل لايصح تأثيره في صفة لذات إلاَّ إذا كان قادراً عليها، وإذا لم تكن معنوية ولا بالفاعل كانت واجبة إما ذاتية أو مقتضاة إذ الصفة إما جائزة فتكون معنوية أو بالفاعل أو واجبة فتكون ذاتية أو مقتضاة.
قوله: (فيشاركه فيها جميع الأجسام).
أي في وجوبها وكيفية استحقاقها وقد ثبت أنَّها في حق الأجسام معنوية جائزة.
قوله: (ألا ترى أنَّه يجب له).
أي لجنس الجسم لما كانت الأجسام متماثلة.
قوله: (ويجوز عليه التنقل في كل حال).
إنَّما كان هذا الجواز راجعاً إلى الذات لأنَّه من أحكام الصفة المقتضاة الَّتِي هي التحيز عن الصفة الذاتية الَّتِي هي الجوهرية.
قوله: (ويستحيل عليه الكون في جهتين في وقت واحد).
فيه نظر لن هذه الاستحالة ليست براجعة إلى الذات وإنَّما هي راجعة إلى تضاد الكونين وتنافيهما.
قوله: (وصحة الموت عند حصول الحياة).
فيه نظر لأن الموت ليس بمعنى على الصَّحيح الذي اختاره اللهم إلاَّ أن يكون قصد به زوال الحياة وفيه أيضاً نظر لن الصحة لاتضاف إلى أمر نفيي، فكان الأولى أن يقول: وصحة القدرة عند حصول الحياة.
قوله: (إنما يفعل الفعل مباشراً أو متعدياً).
ينبغي الكلام في حقيقة المباشرة والتعدي والاختراع أيضاً فإن هذه هي الوجوه الَّتِي يحدث الفعل عليها أما المباشرة فهي عند المتقدمين إيجاد الفعل بالقدرة في محلها ابتداء والمباشر ما وجد بالقدرة في محلها ابتداء وعند المتأخرين أنَّها إيجاد الفعل بالقدرة في محلها مطلقاً سواء كان ابتداء أو توليداً والمباشر ما وجد بالقدرة في محلها كذلك فعلى كلام المتأخرين يكون العلم المتولد عن النظر مباشراً وإيجاده كذلك مباشرة. وعلى كلام المتقدمين ليس كذلك.
واصطلاح المتأخرين هو المطابق للغة، وأما التعدي فهم متفقون على أنَّه إيجاد الفعل بالقدرة في غير محلها بواسطة فعل في محلها، وأن المتعدي هو الفعل الموجود بالقدرة في غير محلها بواسطة فعل في محلها فعلى كلام المتقدمين يكون في أفعالنا ما ليس بمباشر ولامتعد وهي المتولدات الحاصلة في محل القدرة وعلى كلام المتأخرين لاتخلو أفعالنا عن أحد هذين القسمين وعلى التفسيرين جميعاً لاشيء من أفعاله تعالى بمباشر ولامتعد.
وأما الاختراع فهو إيجاد الفعل لا في محل القدرة ولا بواسطة فعل فيه والمخترع الفعل الموجود إلى آخره، هكذا أطلق المتأخرون وأما المتقدمون فيشرطون في الفعل المخترع أن يكون مبتدأ فعلى كلامهم يكون في أفعاله تعالى ما ليس بمخترع.
قوله: (لتأديته إلى تداخل المتحيزات أو حلول المتحيز).
كان الأولى أن لاأتي بأو للتخيير فإنه يلزم الأمران جميعاً وذلك لأن المباشرة هي إيجاد الفعل بالقدرة في محلها فإذا وجد الجسم كذلك لزم أن يكون حالاً في محلها لأن ذلك معنى المباشرة وفي ذلك لزوم تداخلها بأن يوجد الجزءان في وجهة واحدة لايتسع إلاَّ لأحدهما ومعلوم بالضرورة استحالته.
قوله: (لايتعدى إلى الغير إلاَّ بالاعتماد) .
الوجه في ذلك ما علمناه بالاستقراء والتتبع من وقوف الفعل المتعدي على الاعتماد ثبوتاً وانتفاء، بحيث لايمكن خلاف ذلك.
قوله: (وإلا وجب مثله في الاعتماد الذي يفعله).
يعني لما تقرر من أن السبب يولد في كل موضع ومن كل فاعل إذ توليده لما هو عليه في ذاته وذلك ثابت أينما ثبت.
قوله: (إلا أن يقال الجهات مشعر له).
يعني فلو ثبت ذلك على ما ادعاه أبو القاسم لكان مانعاً وإن كان أبو القاسم يقول بانقباض الهوى وانبساطه لئلا يلزمه تعذر التصرف إلاَّ أن هذا لايتأتى له مع قوله بأنه ممتلئ جواهر.
قوله: (ولما تقدم) يعني في الدليل المتقدم حيث قال كل عاقل يعلم ضرورة أن الجسم لايفعل إلاَّ في محل قدرته أو بواسطة فعل في محلها.
قوله: (إذ لو كان قادراً لذاته).
أي الباري مع كونه جسماً تعالى عن ذلك، وقد هب النظام إلى أن الواحد منا قادر لذاته وهو باطل لما ذكره، ولأنها لو كانت ذاتية لما تفاضل القادرون في المقدورات ولصح أن يمانع الضعيف أبلغ الأقوياء، ولما تماثلت الأجسام القادرة وغير القادرة لافتراقها في صفة ذاتية وكان يلزم رجوعها إلى الأجزاء والأفراد، فيكون الواحد منا بمنزلة قادرين ضم بعضهم إلى بعض، فلا يصدر الفعل منه بداع واحد، وبمثل هذا يبطل أن يكون كونه قادراً صفة مقتضاة، وما أبطل أن يكون الجسم /340/ كائناً بالفاعل أبطل أن يكون قادراً بالفاعل أيضاً.
واعلم أن كلام المصنف في هذا الدليل الذي هو قوله: (دليل لو كان جسماً لكان قادراً بقدرة) إلى آخره. منضرب جداً لأنه قال في أوله بقدرة ثم احتج على لزوم ذلك بأن مقدورات القدر منحصرة متجانسة، ومعنى كونها منحصرة أنها مقصورة على الأجناس العشرة كما ذكره من بعد فكأنه قال: لو صح منه فعل الأجسام لصح منا لأنا مثله في كوننا قادرين بقدرة ومن لازم ذلك عدم صحة فعل الأجسام وفي هذا غاية الانضراب، ثم قال: فلو كان تعالى قادراً بقدرة لوجب انحصار مقدورها وتجانسه فأول الدليل حاصله لزوم أن نكون قادرين على فعل الأجسام ثم خرج إلى دليل آخر وهو لزوم ألا يقدر الباري تعالى على الأجسام ولا على غير المقدورات العشرة.
وساق كلامه على هذا إلى آخر الدليل ثم قوله في قدرة الباري تعالى لوجب انحصار مقدورها وتجانسه غير مستقيم لأنه لامعنى لقوله: وتجانسه. ولا طائل تحته لأن التجانس إنما يذكر في مقدور القدر على الجملة لا في قدرة واحدة.
ثم قوله: (فهذه ثلاثة أصول) فذكر الأصلين الأولين وهو أن مقدورات القدر منحصرة متجانسة وأن علة الانحصار والتجانس كونها قدراً وأهمل الأصل الثالث فلم يذكره وهو أنه تعالى إذا كان قادراً بقدرة وجب انحصار مقدوره وتجانسه.
إذا عرفت هذا تبين لك أن هذا الدليل راجع إلى دليلين أحدهما وهو الذي بنى عليه الكلام في أول الأمر أن يقال لو كان تعالى جسماً لكان قادراً بقدرة لما تقرر من أن الجسم لايكون قادراً إلا بقدرة، وإذا كان قادراً بقدرة مع أنه قد تقرر صدور الأجسام منه وفعله لها وجب أن نكون قادرين عليها لما تقرر من أن مقدورات القدر متجانسة فلا قدرة يصح أن يفعل بها جنس إلا ويصح بسائر القدر، وإذا كنا قد علمنا عدم قدرتنا على الأجسام عرفنا أنه تعالى غير قادر بقدرة وفي ذلك كونه غير جسم.
وثانيهما: وهو الذي بنى عليه آخر الأمر أن يقال لو كان تعالى جسماً لكان قادراً بقدرة لما تقرر من أن الجسم لايكون قادراً إلا بقدرة ولو كان قادراً بقدرة وجب انحصار مقدوراته في الجنس والعدد كما وجب ذلك في قدرنا إذ مقدورات القدر منحصرة متجانسة وإنما انحصرت مقدوراتها وتجانست لكونها قدراً، فإذا شاركت قدرته تعالى قدرنا في كونها قدرة وجب أن يشاركها في انحصار المقدور وتجانسه لأن الاشتراك في العلة يوجب الاشتراك في الحكم، وههنا أصل وهي قدرنا وفرع وهو قدرة الباري تعالى وعلة وهي كونها قدراً وحكم وهو انحصار المقدور وتجانسه، فتقرر أنه تعالى لو كان قادراً بقدرة لوجب انحصار مقدوراته ومجانستها لمقدوراتنا. ثم يأتي بالاحتجاج على الأصول الثلاثة ثم يقول: (وإذا قد تقرر عدم انحصار مقدوراته تعالى وعدم مجانستها لمقدوراتنا) ...... غير قادر بقدرة وإذا لم يكن قادراً بقدرة لم يكن جسماً إذ الجسم لايكون إلا قادراً بقدرة.
قوله: (وذلك معلوم من حالها).
يعني تعذر أن يفعل بها غير الأجناس العشرة بالأدلة المقررة في مواضعها من اللطيف وإن كان البغداديون قد جعلوا من مقدوراتها اللون والشهوة والحرارة فكلامهم ظاهر البطلان.
قوله: (وذلك ظاهر).
بيانه أنه يستحيل في بعض القادرين منا أن يصح منه فعل الكون دون الاعتماد أو فعل الكون يمنة دون يسرة وكذلك يستحيل أن يصح منه فعل الإرادة دون الاعتقاد أو الظن فلو لم تكن القدرة قدرة على سائر الأجناس التي يصح فعلها بالقدر وكان لكل جنس من هذه الأجناس قدرة تخصها لجاز حصول قدرة بعض الأجناس دون بعض فيتأتى من أحدنا فعل الاعتماد دون الكون ونحو ذلك، ومعلوم خلافه.
قوله: (وإنما يشتبه الحال) إلى آخره.
اعلم أن الجمهور لما ذهبوا إلى تجانس مقدورات المقدر لم يجدوا بداً من القول بأن قدر الجوارح قدر على أفعال القلوب /341/ الخمسة ومتعلقة بها وإن لم يصح وجود تلك الأفعال في محال تلك القدر إلا على بعض الوجوه وذلك بأن يبني بنية مخصوصة ومن القول بأن قدر القلوب قدر على أفعال الجوارح، ويصح فعلها بها، وقد خالف في ذلك الشيخ أبو علي قال: لأن القدرة إنما تكون قدرة على ما يصح وجوده في محلها، وأفعال القلوب لايصح وجودها في محال قدر الجوارح، فكيف تكون قدراً عليها وهذا يوجب عليه ألا يمنع من كون قدر القلوب قدراً على أفعال الجوارح لصحة وجود الأكوان والاعتمادات وسائرها في محالها فيقال كذلك فالجارحة التي هي اليد ونحوها لو بناها الله تعالى القلب لصح وجود أفعال القلب فيها لما فيها من القدر فإن منع من ذلك قيل له: فقد أبطلت كلامك من أن القدرة قدرة على ما يصح وجوده في محلها.
قوله: (بأن يدخل الله تعالى أجزاء الجوارح في تضاعيف أجزاء القلب أو العكس).
فيه سؤال وهو أن يقال: إن الله تعالى حال تفريقه لأجزاء الجارحة وأفراد كل جزء وحده تعدم القدرة التي فيها، وأنت في بيان أن ذلك الجزء إذا أدخله الله تعالى بين أجزاء القلب صح فعل الاعتقاد ونحوه بتلك القدرة التي فيه، وفي تصحيح ما ذكرته صعوبة.
والجواب: أنها وإن زالت في حال التفريق فإن الله إذا أوصل ذلك الجزء إلى مستقره من القلب صح منه إعادة تلك القدرة بعينها فيه إذ هي باقية مبتدأة فيصح إعادتها وحينئذ لابد من القول بصحة إيجاد العلم وغيره من أفعال القلب بها وإلا أدى إلى أن يصح فعله ببعض قدر القلب دون بعض إذ قد صارت من قدر القلب فإنا لانعني بقدر القلب إلا ما كان موجوداً فيه.
فإن قيل: إذا كانت قدر القلب قدراً على أفعال الجوارح والعكس فهلا صح منا إيجاد حركة مبتدأ في القلب بما فيه من القدر إذ هي مما يصح وجوده فيه؟
قلنا: المانع من ذلك اتصاله بما لايصح بحركة من دونه فلو انفصل لصح ذلك.
واعلم أن أبا هاشم قد نقل عنه مثل قول أبي علي والظاهر عنه مذهب الجمهور في أن قدر القلب قدر على أفعال الجوارح والعكس ولكنه يخالفهم في التسمية فمنع أن يسمى بذلك، قال: فلا يقال قدر على أفعال الجوارح في قدر القلب، ولا قدر على أفعال القلوب في قدر الجوارح، وجعلها كالقدر المعدومة فإنها وإن كانت قدراً على أشياء عند وجودها فلا يقال في حال عدمها أنها قدر عليها لما كان لايصح وجوداه بها في تلك الحال فكذلك ههنا.
وقال سائر الشيوخ: بل تسمى بذلك وتكون كقدرة الممنوع فإنها توصف بأنها قدرة على الفعل الذي منع منه وإن لم يصح منه فعله بها في تلك الحال لما كانت متعلقة به فكذلك ههنا فإن قدر الجوارح متعلقة بأفعال القلوب، وإنما لم يصح فعلها بها لمانع وهو فقد ما يحتاج إليه ذلك الفعل من التنبه، وأما القدرة المعدومة فهي غير متعلقة فلا يقاس عليها ما هو متعلق.
قوله: (فلأن هذا الحكم يدور مع كونها قدراً) إلى آخره.
أما أنه يثبت بثبات كونها قدراً فلما تقدم، وأما أنه يزول بزوال كونها قدراً فذلك ظاهر فإن الشهوات لما فقد فيها ذلك لم يصح تجانس متعلقاتها بل ما يتعلق بالحلاوة لايصح تعلقه بالحموضة وكذلك النفرات، وأما فقد ما هو أولى بتعليق الحكم فلأنه لو كان ثم أمر غير كونها قدراً لصح ألا يقع انحصار ولاتجانس فيها لزوال ذلك الأمر وعدم حصوله ارتفقع ذلك في غيرها من المتعلقات لحصوله فيها ومعلوم خلافه /342/.
قوله: (على أصلكم في اختلاف القدر).
يعني فإذا كانت مختلفة كان الحكم الصادر عن إحداها مخالفاً لما يصدر عن الأخرى ولاتتماثل الأحكام التي هي الصحح إلا بالنسبة إلى مقدور واحد وأنتم لاتجيزون ذلك.
قوله: (فلا يتوجه إليه هذا).
يعني لأنه يجعل صحة الفعل الصادرة عن قدر كثيرة أحكاماً متماثلة لاتحاد ما هي تتعلق به.
قوله: (إلا أن نسبته إلى الذوات نسبة واحدة).