القصد هو الإرادة المقارنة للمراد إذا كان مبتدأ أو مسبباً غير متراخ بشرط أن يكون فاعلها وفاعل المراد واحداً وكذلك الاختيار أو ما في حكمها إرادته مقارنة أول الجملة المرادة وإن تقدمت على آخرها كإرادة الخبر فإنها تقارن أول حروفه وهي قصد وإن لم تاقرن ما بعده من الحروف ويحتمل أنَّه أراد بما في حكمها مقارنة السبب، ويطابق هذا قول ابن متويه يجب في القصد أن يكون مقارناً للمراد المقصود أو لسببه.
قوله: (ومتى علق بالفاعل نحو: {إن سخط الله عليهم}). إلى آخره.
قال الفقيه حميد في العمدة: إذا علق السخط بالفاعل فقيل سخط الله على فلان فقيل المراد أحد أمرين إما كراهته لفعله وإما إرادة إيصال العقاب إليه.
وقيل: بل إذا علق بالفاعل فهو إرادة العقوبة وافهانة هذا من جهته تعالى وأما السخط من الواحد منا على غيره فهو كراهة النفع وإرادة الضرر وأما المعلق بالفعل فهو كراهته شاهداً وغائباً ولايطلق عليه تعالى أنَّه ساخط فيما لم يزل كما لايقال مريد فيما لم يزل.
وقال سليمان بن جرير: بل يوصف تعالى بأنه ساخط فيما لم يزل على من علم أنَّه سيعصي وبنى ذلك على مذهبه في أنَّه تعالى مريد فيما لم يزل.
قوله: (إلا وقد فعل واجباً أو ترك قبيحاً).
يقال: أما القطع بأنه لايكلف إلاَّ وقد فعل واجباً فغير ممكن، وأما تركه قبيحاً فهو وإن صح فليس يمنع من أن يكون تعالى كارهاً لجميع أفعاله لن ترك القبيح ليس عبارة عن فعل بل عن عدم فعله وانتفاء الإتيان به، والأولى أن يقال: لو كان ذلك معنى قولنا سخط الله على فلان للزم ألا يقال ذلك في الكفار الذين قد علمنا منهم الإتيان بشيء من الواجبات كاليهود ونوهم ومعلوم صحة إطلاقنا ذلك في حقهم.
قوله: (وكذلك المعاداة) إلى آخره.
يعني فإنها تصح أن تكون من باب إرادة المضار وأن تكون من قبيل كراهة المنافع. وقال ابن متويه: هي إرادة الذم والاستخفاف. وقال: لابد أن يكون ذلك مجازاً لن المفاعلة لابد أن تكون بين اثنين إلاَّ في مواضع كقاتله الله. وذكر الفقيه حميد أن المعاداة نقيض الموالاة، وأن المراد بقولنا أنَّه تعالى يوالي المؤمنين أنَّه يريد إعظامهم ، وبقولنا في العبد أنَّه يوالي الله تعالى أنَّه يريد عبادته وتعظيمه وكذلك إذا قيل: أنَّه موال لأولياء الله تعالى فالمراد به أنَّه مريد لتعظيمهم.
قوله: (وفوران النفس).
يعني هيجانها وعليه قوله تعالى: {تكاد تميز من الغيظ) لما يوجد فيها من الاضطراب وبهذا يتبين الفرق بين الغضب والغيظ لن الغضب لايفيد شيئاً من ذلك ووجه آخر وهو أنَّه يصح أن يغتاظ من فعل نفسه ولايجوز أن يغضب من فعل نفسه.
فائدة
لايجوز وصفه تعالى بالنية لما تقدم ولا بالعزم لما تقدم أيضاً.
قيل: ولأن أصل العزم على شيء القطع على الشيء بعد الروية وهذا لايصح في حقه تعالى لأنَّه عالم لذاته وما ورد في الأثر من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: < إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه). فالمراد بالعزائم الأفعال الَّتِي أوجبها بقول القائل عزمت عليك أي أوجبت ذكره الفقيه حميد في العمدة وقريباً منه ذكره ابن متويه.
ولايوصف تعالى بأنه بات. قيل: لأنَّه يفيد طرفاً من التردد والحمل على النفس بما يشق.
ولايوصف تعالى بأنه حاسد لن الحسد إرادة ما يزول به النعمة عن الغير على وجه يقبح مع سرور فلهذا لايكون إرادته تعالى لما تزول به النعمة عن أحد من عبيده حسد لأنَّه لايلحق بذلك سرور. وقلنا: على وجه يقبح. احترازاً من إرادتنا لما تزول به نعم الكفار.
ولايوصف تعالى بالغبطة لأنها اسم للإرادة الَّتِي تتعلق بأن تكون على ما عليه غيره من الحال من غير إرادة لزوال ذلك عن الغير وقد يستعمل الحسد في الغبطة تجوزاً.
قال ابن متويه: وتحمد الغبطة يذم الحسد.
تنبيه
فيما يلزم المكلف معرفته في هذا الباب. قيل: لايجب على الأعيان إلاَّ مجرد العلم بأنه تعالى مريد لئلا ينفى عنه ماعلم ضرورة من الدين وهو أنَّه تعالى مريد فقد وصف نفسه تعالى بذلك في صريح القرآن المجيد، وأما العلم بكيفية استحقاقه تعالى لهذه الصفة ونحو ذلك ككون الإرادة لا في محل فمن فروض الكفايات وأما كونه تعالى لايريد القبيح ففرض عين لتوقف معرفة العدل عليه.
وإذ قد فرغنا من الكلام على مسائل الإثبات وأشرفنا على الكلام في مسائل النفي فينبغي البداية بمقدمتين قبل الكلام عليها:
المقدمة الأولى
في تعدادها وتعييناتها، أما تعدادها فهي ثماني وأما تعييناتها فهي أنَّه تعالى ليس بعاجز ولاجاهل ولاميت ولامعدوم ولامحتاج ولامشبه للمحدثات ولا مرئي ولا ثاني له، فأما الأربع الأول فقد تقررت بإثبات القادرية والعالمية والحيية والوجودية له تعالى وأنها واجبة في حقه فإنه يستحيل ثبوت أضدادها مع ثبوتها ووجوبها، وأما الأربع الأخر فهذا موضع الكلام عليها.
المقدمة الثانية
في ترتيب هذه الأربعة الَّتِي تحتاج إلى الكلام عليها ولاخلاف بين المتكلمين في تأخير مسألة نفي الثاني إذ هي كلام في أنَّه لاثاني له يشاركه في صفاته الإثباتية والنفيية، ومالم يعيها ويتكلم عليها لم يحسن منا الكلام الكلام على نفي المشاركة فيها إذ لايعلم نفيا لمشاركة في أمر إلاَّ بعد العلم به، وأما مسألة نفي الرؤية فيحسن تأخيرها عن الوليين لنها كلام في نفي صفة له تعالى مع غيره إذ مضمونها أنَّه تعالى لايرى وأن غيره لايراه بخلافهما فإنهما كلام في نفي صفة يختص نفيها بذاته تعالى ولأنا مالم نعلم أنَّه تعالى ليس بجسم ولاعرض لم يصح لنا دليل المقابلة لأنا نقول فيه أنَّه تعالى ليس بمقابل ولاحال في المقابل ولا في حكم المقابل ومالم يعلم أنَّه تعالى ليس بجسم ولا عرض لم يثبت لنا ذلك، وكذلك دليل الموانع لنا نقول فيه والموانع إنَّما تمنع من رؤية الأجسام والألوان فالله تعالى ليس بجسم ولا لون وذلك يترتب على مسألة نفي التشبيه وكذلك فالاستدلال عليها بالسمع لايصح إلاَّ مع ثبوت أنَّه تعالى ليس بجسم على الصحيح، وأنه لايجوز عليه الحاجة.
وأما مسألتا نفي الحاجة والتشبيه فقد وقع الخلاف فيهما فالذي ذكره القاضي والسيد الإمام وغيرهما وهو الذي بنى عليه المصنف أن مسألة نفي الحاجة أولى بالتقديم لنها مركبة من إثبات ونفي إذ أحد طرفيها أنَّه تعالى حي وهو إثبات فألحاقها بمسائل الإثبات أولى ولأنا لما نفينا في فصل الكيفية المؤثر في صفاته تعالى ألحقنا ذلك بنفي ما يجري مجرى المؤثر وهو داعي الحاجة والذي اختاره الشيخ أحمد بن الحسن وتلميذه الفقيه حميد تقديم مسألة نفي التشبيه لأن مسألة نفي الحاجة تنبني على مسألة نفي التجسيم حيث يستدل بدليل أبي هاشم إذ يقال فيه: والزيادة والنقصان لايجوزان إلاَّ على الأجسام والله تعالى ليس بجسم ثُمَّ أن مسألة نفي التجسيم أهم لأنها نفي لصفات المحدثات عن ذات الله تعالى وبيان لعدم جوازها عليه فالاهتمام بها أولى من الاهتمام بما هو نفي للدواعي والصوارف الحاجية.
تنبيه
قد يجري في عبارات المتكلمين صفاته تعالى النفيية، وقد يقولون صفاته السلبية فقيل معناهما واحد وعلى هذا يصح الإتيان بأنهما سبب. وقيل: بل السلب لايستعمل إلاَّ في النفي بعد الثبوت إذا كان نفياً لصفة والنفي يشمل النفي الأصلي والفرعي، ويستعمل في نفي صفة عن ذات وفي نفي ذات عن ذات، وعلى هذا الأخير لايصح أن يقال في صفاته تعالى هذه الأربع ولا في غيرها من صفات النفي صفاته تعالى السلبية بل لايصح إلاَّ أن يقال صفاته تعالى النفيية.
القول في أن الله تعالى غني
قوله: (من استغنى بما في يده عما في أيدي الناس).
قد قيل في حده فيه عرف أهل النواحي والأزمنة فهو من ملك ما يسمى مالكه في عرف تلك الناحية وذلك الزمان غنياً ويختلف الحال فيه باعتبار الأمصار والأزمان.
قوله: (من ملك النصاب). هو من الذهب عشرون مثقالاً ومن الفضة مائتا درهم قفلة، ومن الجواهر وأموال التجارة ما قيمته ذلك، ومن الحب خمسة أوسق، ومن الإبل خمس، ومن البقر ثلاثون، ومن الغنم أربعون.
قوله: (قيل أو ما قيمته نصاب).
يعني من العروض إذا كان زائداً على ما يستثنى له فقول م بالله وهو الظاهر من المذهب أنَّه يصير بذلك غنياً فلا يجوز له أخذ الزكاة كما لايجوز لمن ملك النصاب وفيه خلاف.
قوله: (وقيل من ملك الكفاية). هذا قول الناصر وش والمرتضى وأبي طالب فإنهم جعلوا الغني من ملك ما يكفيه ويكفي من يمونه سنة.
قوله: (هو الحي الذي ليس بمحتاج).
اعلم أن هذه الحقيقة لاتثبت إلاَّ في حقه تعالى فأما من عداه من الأحياء فهم محتاجون إليه تعالى بل يحتاج بعضهم إلى بعض ولابد من اعتبار الطرفين في هذه الحقيقة كونه حياً إذ لو لم يكن حياً لم يوصف بالغنى كالجماد والأعراض وكونه غير محتاج إذ لو احتاج إلى شيء لم يكن غنياً.
قوله: (والحاجة ضربان) إلى آخره.
الذي يعتبر من نفي الحاجة في الغنى الاصطلاحي هي حاجة الدواعي والصوارف، ذهب أبو علي إلى أن الغنا والحاجة معنيان، فقال له أصحابنا: لاطريق إلى ذلك، وإنَّما المرجع بالحاجة إلى الداعي الذي يدعو إلى جبل منفعة أو دفع مضرة أو أحدهما بدليل أنَّه لايجوز أن يقول قائل: أنا محتاج إلى هذا الشيء ويلس لي فيه نفع ولادفع ضرر ولست بمحتاج إليه كما لايصح أن يقول ذلك في داعي الحاجة والمرجع بالغنى إلى نفيها.
إذا عرفت هذا فاعلم أنَّه لاخلاف بين أهل الإسلام ومن أقر بالصانع في أنَّه تعالى غني إلاَّ فرقة من اليهود حكى الله تعالى عنهم نسبة الحاجة إليه حيث قال: {لقد كفر الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء}.
وقيل: إن القائلين بذلك لم يقولوه عن اعتقاد وإنَّما أوردوه على جهة الإلزام للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والتهكم بما جاء به من قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} فلا خلاف في الحقيقة.
قوله: (احترازاً من إثابة أهل النار).
يعني فإن علمه تعالى بأن لهم في الإثابة نفعاً ودفع ضرر ليس بداعي حكمة إلى إثابتهم لأن الإثابة لهم قبيحة إذ فيها تعظيم من لايستحق التعظيم وهو قبيح وداعي الحكمة لايتعلق بما هو قبيح.
قوله: (إلا في اعتبار الحسن).
يعني فإنه علم الحي أو ظنه أو اعتقاده أن له في الفعل جلب منفعة أو دفع مضرة سواء كان ذلك الفعل حسناً أو قبيحاً وقد يقال فيه علم الحي بحياة إلى آخره، وكذلك في الصارف إذ لايجوزان على الحي لذاته.
قوله: (بالنفع ودفع الضرر).
واعلم أنَّه لابد من اشتراط الاستقبال في متعلق الداعيين والصارفين.
قوله: (هو اللذة والسرور).
أما اللذة فهي تنقسم إلى قسمين حادثة وباقية فالحادثة المعنى المذكور بمحل الحياة في محلها مع الشهوة كالحادثة عند حك الجرب وما يوجد عند الجماع، والباقية إدراك الشيء مع الشهوة له كإدراك المشمومات والمطعومات المستطابة.
قيل: ومعنى كونها لذة باقية أنَّها ذات تدرك في غير محل الحياة مع الشهوة، وفيه نظر. والأولى أن يقال: إنَّما سميت باقية لأنها عبارة عن الإدراك لذات تدرك في غير محل الحياة، والإدراك من الصفات المستمرة الباقية الَّتِي لايخرج عنها المتصف بها إلاَّ لخروجه عن مقتضيها أو شرط اقتضائه لها واللذة الحادثة عبارة عن المعنى المدرك في محل الحياة الذي هو من جنس الألم وهو غير باق، وقد ذهب أبو علي إلى أنَّها معنى زائد على إدراك الشيء مع الشهوة كقولنا في اللذة الحادثة وأما السرور فقد تقدم حده وهو علم الحي أو ظنه أو اعتقاده أن له في الفعل جلب منفعة أو دفع مضرة أو لمن يحب ويفترق هو وداعي الحاجة من وجهين:
أحدهما: أن السرور يتعلق بالماضي والمستقبل دون الداعي فلا يكون إلاَّ في المستقبل.
وثانيهما: أنَّه قد يكون لأمر يخصه ولأمر يتعلق بغيره ممَّن يحب وداعي الحاجة لايكون إلاَّ لأمر يختص بصاحبه. والغم عكس السرور في ذلك. هذا مذهب الجمهور.
وذهب أبو علي إلى أن الغم والسرور معنيان غير ما ذكروه من الاعتقادات والظنون. وقال ابن الملاحمي: السرورو ما يجده الإنسان من انبساط القلب والدم على وجه مخصوص. والغم: ما يجده من انحصار القلب وانقباض الدم الذي فيه. قال: وذلك يوجد من النف سحتى أنَّه يظهر انبساط الدم فيو جهه وسائر بدنه. ويقال: انشرح صدره. ويقال: الغم يميت النفس ويقصر القلب.
قوله: (أو ما يؤدي إليهما أو إلى أحدهما).
الذي يؤدي إليهما كأن يسلم إلى الغير دنانير أو غيرها مما يمكنه أن يحصل به شيئاً من الملاذ فإن ذلك يؤدي إلى سروره ولذته والذي يؤدي إلى أحدهما أن يدل الغير على كنز فإن نفس الدلالة يحصل له بها السرور في الحال، وأما اللذة فلا يؤدي إليها إلاَّ أخذه للكنز.
قوله: (من حيث أن النعمة منفعة مخصوصة).
يعني لنه يشترط فيها قصد صاحبها للإحسان وكونها حسنة وليس كذلك المنفعة فإنها منفعة سواء قصد بها الإحسان أم لا وسواء كانت حسنة أو قبيحة فكل نعمة منفعة وليس كل منفعة نعمة.
قوله: (في تعريف المضرة أو ما أدَّى إليهما أو إلى أحدهما).
الذي يؤدي إليهما كأن يشج الغير شجة يتولد منها الألم ويظن لأجلها ذهاب حياته والذي يؤدي إلى أحدهما كأن يخبر أحدنا الغير بموت صديقه أو ذهاب ماله.
قوله: (ويفارق النقمة والظلم مفارقة الأعم للأخص).
يعني فكل نقمة مضرة وكل ظلم مضرة وليس كل مضرة نقمة ولا كل مضرة ظلماً، وذلك لأن النقمة مضرة حسنة مستحقة والظلم مضرة قبيحة غير مستحقة ولاتكون النقمة إلاَّ كذلك ولا الظلم إلاَّ كذلك والمضرة من حيث كونها مضرة لايشترط فيها الاستحقاق ولاعدمه ولا الحسن ولا عدمه.
قوله: (ولكن إن قارنه شهوة سمي لذة وإن قارنه نفار سمي ألماً).
هذا مذهب الجمهور فجعل الألم واللذة جنساً واحداً من المعاني ولم يجعلوا أحدهما مضادا للآخر، قالوا: ولهذا فإن الجرب يلتذ بإدراك المعنى الحادث عند الحك ولو لم يكن به جرب لتألم به بعينه فجعلوا التألم به تارة لمقارنة النفرة والتلذذ به أخرى لمقارنة الشهوة.
قال ابن متويه: وقد حكي عن أبي القاسم خلافه فأما اللذة الباقية والألم الباقي كالألم الحاصل عند إدراك الصبر فالمرجع بذلك إلى الإدراك مع الشهوة أو النفرة دون معنى حادث.
قوله: (فبهذا التدريج صارت الحاجة ملازمة للشهوة والنفار).
الموجود في النسخة الَّتِي بخط المصنف: فبهذا التدريج صارت الحياة ملازمة للشهوة والنفار. ولكن الأقرب أن ذلك من سهو القلم فالمعنى لايستقيم إلاَّ على حذف لفظ الحياة وأن يجعل مكانه لفظ الحاجة.
قوله: (من حيث يزداد جسم أحدنا بتناول ما يشتهيه وينقص بتناول ما ينفر عنه).
لهذه الدلالة تتمة وهي أن يقال وإذا كانت الشهوة والنفار تلازمهما الزيادة والنقصان ولايجوزان إلاَّ على الأجسام إذ المرجع بالزيادة إلى انضمام بعض الأجزاء المتحيزة إلى بعض، والمرجع بالنقصان إلى افتراق بعض الأجزاء المتحيزة من بعض وقد ثبت أنَّه تعالى ليس بجسم ثبت أنَّه لايجوز أن يشتهي وينفر.
قوله: (واعترض) إلى آخره.
هذا الاعتراض أورده الشيخ أبو إسحاق وتحقيقه أنَّه لايصح كون الشهوة مؤثرة في زيادة الجسم إذ ليست من الأسباب المولدة ولا المتحيزات مما يتولد عن غيرها فلا يصح أن يولد الشهوة تلك الأجزاء ولا أن تولد اجتماعاً ولا تأليفاً، وكذلك فالنفرة لايصح أن تولد افتراق الجواهر ولا أن توجب عدمها فحينئذ علمنا أن تلك الزيادة والنقصان من جهة الله تعالى أجرى العادة بذلك فلو قدرنا أن الله تعالى مشته ونافر لم يمتنع ألا يثبت ما مجراه العادة في حقه فلا تزداد ذاته ولاتنقص بإدراك ما يشتهيه أو ينفر عنه لاسيما وذلك لايصح عليه بل هو مستحيل في حقه تعالى.
قوله: (وأيضاً فقد يكون الأمر بالعكس مما ذكره).
هذا اعتراض آخر ورد على طريقة أبي هاشم في جعله الشهوة ملازمة للزيادة والنفرة ملازمة للنقصان.
وتحقيقه: أن أحدنا قد يدرك ما يشتهيه فينقص جسمه كالطعين والجبن والجماع وقد يدرك ما ينفر عنه فيزداد جسمه كازدياد شرب الأدوية الكريهة شديدة المرارة.
وأجيب عنه: بأن الشهوة لهذه الأمور المذكورة تتعلق بالبعض من الطين أو الجبن مثلاً وهو المتلذذ به ولو أدركه منفرداً لحصلت الزيادة لكن اختلط به غيره مما انفرد لنفر عنه فوقع النقصان بإدراكه وهذا معنى قولهم أن شهوة الطين والجبن شهوة كاذبة إلاَّ أن في هذا الجواب تحكماً لم يدل عليه دليل، وأما الأدوية فإنما تقع الزيادة بانتوال الأطعمة عقيب شربها ولهذا لو استمر عليها لأهلكته.
واعلم أن هذا السؤال الخير إنَّما يرد على عبارة الشيخ أبي هاشم وتحريره لأنَّه خص الشهوة بالزيادة والنفرة بالنقصان فأما على غير ذلك التحرير فهو غير وارد كأن يقال: الشهوة والنفرة تلازمهما الزيادة والنقصان وسواء كانت الزيادة لأجل الشهوة أو لأجل النفار وسواء كان النقصان لأجل النفرة أو الشهوة.
قوله: (لذاته أو لما هو عليه في ذاته).
يعني إما أن يكون كونه مشتهياً صفة ذاتية يستحقها لذاته أو صفة مقتضاة عن صفته الذاتية فيستحقها لما هو عليه في ذاته.
قوله: (والأول باطل). يعني وهو أن يستحقها لذاته أو لما هو عليه في ذاته وجعل ما يدل على بطلانهما واحداً لأنَّه لافرق بين الصفة الذاتية ههنا وبين ما هو مقتضى عنها في عدم الاختصاص ببعض المتعلقات دون بعض كما في عالميته تعالى.
قوله: (وإلى أن يوجد أكثر مما أوجد وأكثر).
تجنب المصنف رحمه الله عبارة السيد الإمام فإنه عليه السلام قال: وإن يريد في ذلك إلى ما لايتناهى لأنَّه يرد عليها أن إيجاد ما لانهاية له محال، وإيجاد المحال لايصح وإن توفرت الدواعي إليه.
قوله: (لايتعدى الحدوث وتوابعه).