وقد خرج بعضهم على مذهب أبي القاسم القول بصحة إرادته تعالى لأفعال غير المكلفين في الدنيا والآخرة ولايتضح وجه التخريج وعندي أن خلاف أبي القاسم هنا مرتفع لأنَّه بنى القول بإرادة المباح على قاعدته في أنَّه واجب مأمور به ولو سلمت له لم يخالف في إرادته بخلاف في الحقيقة راجع إلى أصله في المسألة لا إلى هذا الفرع.
قوله: (لا أمراً حقيقياً).
اعلم أن صيغ الأمر الصادرة عن الله تعالى ترد لأمور خمسة: الوجوب كقوله تعالى: {أقيموا الصلاة}، والندب كقوله تعالى: {واذكروا الله عند المشعر الحرام}، والإباحة كقوله تعالى: {وكلوا من طيبات ما رزقناكم}، والإرشاد كقوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم}، والتهديد كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم}. ولاكلام في أن صيغة الأمر مستعملة في اللغة لهذه المعاني ولكن اختلفوا فقيل لفظ الأمر مشترك ومنهم من قال بل هو حقيقة في معنى مفرد منها مجاز ف يغيره ومنهم من توقف وهو محكي عن الغزالي فأما من ذهب إلى أنَّها لفظة مشتركة فمنهم من جعلها مشتركة بين المعاني الخمسة وهو محكي عن متقدمي الشافعية ومنهم من قال مشتركة بين الوجوب والندب لاغير وهو محكي عن المرتضى الإمامي والذاهبون إلى أنَّه حقيقة في معنى مفرد مجاز في سائرها.
اختلفوا فقال أبو هاشم وقاضي القضاة وأحد قولي أبي علي وأحد قولي المنصور بالله: معناه الحقيقي هو الندب ولايحمل على غيره إلاَّ لقرينة.
وقال أبو علي وأبو الحسين وابن الملاحمي والحسن الرصاص وصاحب الجوهرة في أحد قوليه والقاضي شمس الدين في أحد قوليه والرازي والمتأخرون: معناه الحقيقي الوجوب في الشرع واللغة. ومنهم من قال: معناه الحقيقي الإباحة ولايحمل على غير ذلك إلاَّ لدلالة.
إذا عرفت هذا فإنما قال لا أمراً حقيقياً لأن أبا علي حمله على الإباحة، والمعنى الحقيقي عنده الوجوب والندب في أحد قوليه مع أن أبا هاشم لاينازعه في أنَّه ليس بحقيقي وأنه ليس للوجوب ولا للندب إذ لا وجوب في الآخرة ولاندب.
قوله: (وقال أبو هاشم يصح أن يريدها في الاخرة).
اعلم أن أبا هاشم صحح إرادته لها فلم يجعل عنها مانعاً ولم يوجبها بل قال يحسن منه تعالى. قال ابن متويه: ولايمتنع أن يحكم بأنها واجبة للعلة الَّتِي ذكرها وهو أنَّها تكون أكمل لسرورهم .... لحال ثوابهم وهكذا يجب أن تكون حالة المثاب ومع هذا فهم في الآخرة مضطرون إلى قصده تعالى وقد حكى أيضاً عن القاضي وأبي القاسم القول بوجوب إرادته تعالى بتأول المثابين للمنافع.
فإن قيل: يلزم هؤلاء القائلين بأنه تعالى يريد المباحات في الآخرة لكون فيه كمال نعمة المثابين إذا علموا تلك الإرادة وزيادة سرورهم وكونه أهنأ لهم أن يريد أيضاً المباحات في الدنيا كالكل والشرب ونحو ذلك مما أبيح لأهلها ليكون ذلك أهنأ لهم في أكلهم وشربهم ونحو ذلك من ملاذهم وأسر لقلوبهم فإن الله تعالى قد تفضل عليهم بإيجادها وأراد ذلك للتفضل عليهم فإذا حسن منه ذلك حسن منه إرادة تناولهم لها وانتفاعهم بها لأن إرادته لذلك أكمل في تفضله.
قلنا: التفضل ليس بواجب عليه تعالى ولايصح الاضطرار في الدنيا إلى إرادته فلا يكون إلى ثبوت تلك الإرادة والعلم بها طريق فلا يجوز إثباتها وإن لم يمتنع تجويزها بخلاف ما قيل في أهل الجنة قالوا ولايمتنع وجوب تلك الإرادة لن الثواب يجب أن يكون على أبلغ الوجوه وفيه نظر.
فصل في ذكر طرف من أحكام الإرادة
قوله: (منها أنَّه يجوز تقدمها).
اعلم أن في القول بتقدمها وعدمه إطلاقين وتفصيلا، الأول للمجبرة على ما حكاه عنهم المصنف وهو أنَّه لايجوز تقدمها بل يجب مقارنتها. الإطلاق الثاني للشيخ أبي القاسم وغيره من علماء المعتزلة وهو أنه لايجوز مقارنتها بل يجب تقدمها لأنها مؤثرة فوجب تقدمها كالقدرة وذهب الشيخان إلى التفصيل وهو أنَّه يجوز تقدمها ويجوز مقارنتها فتقدم حيث يكون لتوطين النفس على الفعل ويسمى عزماً وتقارن حين تكون مؤثرة في وقوع الفعل على وجه لأن المعدوم يستحيل تأثيره ويسمى قصداً، هذا في الإرادة المتعلقة بفعل النفس. وأما الإرادة المتعلقة بفعل الغير فيجوز فيها أيضاً المران لكن لاتسمى قصداً ولاعزماً، فأما قياس أبي القاسم ومن قال بقوله لها على القدرة فغير صحيح لأن القدرة مؤثرة في الإيجاد والإرادة إنَّما تؤثر في الوقوع على واجه فافترقا وقد قيل: إن أبا القاسم أوجب تقدها بناء على أصلين أحدهما أنَّها سبب في الفعل المراد والثاني أن من حق الأسباب أن تتقدم وهذان أصلان فاسدان فلا يصح ما بنى عليهما.
قوله: (والمخالف يبني على أن الإرادة موجبة للمراد).
يعني بنى القول بمقارنتها على القول بإيجابها وإيجابها للمراد فاسد وما بني على الفاسد فهو فاسد وقد اختلف في إيجابها فمذهب الجمهور أنَّها غير موجبة ولهذا فإن القادر متى توفرت دواعيه وانتفت صوارفه وجب وجود الفعل من جهته وإن سلب الإرادة بل وإن وجدت فيه الكراهة لكن هذا الوجه إنَّما يرد على العكس وانعكاس العلل لايجب فالأولى في الاحتجاج على أنَّها لاتوجب المراد أنَّها لو أوجبته لأوجبته وإن وجدت من العاجز وهو محال، واشتراط حصول القدرة والداعي وانتفاء الصارف لادليل عليه يقضي بأن عدم الإيجاب في حق العاجز لأجله لا لكونها غير موجبة وذهب أبو القاسم وإبراهيم النظام ومعمر بن عباد والإسكافي وجعفر بن حرب وغيرهم إلى أن الإرادة توجب المراد بشرطين أحدهام ألا تتعلق بفعل الغير وثانيهما سلامة الحوال بحصول القدرة وانتفاء الصوارف.
فبعضهم قال: توجبه على جهة التوليد. وحكي عن أبي القاسم أنها توجبه لا على جهة التوليد وكلام القائلين بالتوليد أوضح بطلاناً إذ لو صح لافتقرت في التوليد إلى مماسة محلها لمحل ذلك الفعل المولد إذا لم يكن محله محلها كما في سائر الأسباب فإنه لابد من هذه المماسة مالم يتحد محل السبب والمسبب ولاكلام في أن أفعال الجوارح الَّتِي تتعلق بها الإرادة وتولدها عند الخصم لايحصل فيها الإتحاد ولا المماسة فبطل ما ذكروه.
قوله: (لاتقدم إلاَّ لتعجيل المسرة أو توطين النفس).
يعني على تحمل المشقة ليكون فعل الشاق أسهل، والحال فيما ذكره ظاهر فإن من عزم على تناول طعام فسروره أقوى من سرور من لم يعزم وحاصل قبل سرور من ليس بعازم وكذلك فمن عزم على الصلاة صار فعلها أسهل عليه منه لو لم يعزم ولاكلام في أن المسرة والمشقة لايجوزان عليه تعالى فيقال إن تقدم الإرادة لتعجيل المسرة أو لتسهيل المشقة وقد زاد أبو علي وجهاً ثالثاً في تقديم الإرادة فقال وقد تقدمها ليتحفظ عن السهو بتقديمها.
قال ابن متويه: وهو يعيد لأن الإرادة لاتثبت مع السهو فكيف يتحفظ عنه بها وكيف تصير رافعة لأمر لايصح ثبوته إلاَّ مع ارتفاعها. قال: وإذا حققت فالذي يتحفظ به عن السهو هو العلم وما شابهه.
إذا عرفت هذا فقد أجاز ابن الأخشين تقدم إرادة الله تعالى لأفعاله وذهب إلى أن إرادة الإرادية والتعويض يثبت حال التكليف والإيلام واعتقد أن حسن التكليف والإيلام لايتم إلاَّ بها، وكلامه باطل لأن التكليف والإيلام يحسنان للتعريض والمنافع الأخروية ويستقل ذلك وجهاً في كونهما حكمة.
واعلم أن إرادة الباري تعالى إذا كانت متعلقة بالخبر ونحوه لم يجب مقارنتها إلاَّ لأول حرف من حروفه لامقارنتها لكل حرف.
قوله: (ولهذا امتنع العزم عليه تعالى).
يعني لكونه إرادة من حقها أن تكون متقدمة فإن المعزم من أقسام الإرادة ويجب تقدمه ولايكون عزماً إلاَّ بشروط ثلاثة:
أحدها: ما ذكرناه من التقدم ولابد من تقدمه على المراد كله لابعضه فلا يقال: إن الإرادة إذا تقدمت على أحد حروف الخبر مع مقارنتها لأوله كانت عزماً.
وثانيها: أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعزوم عليه واحداً ولهذا لايصح أن تقول: عزمت على قيام زيد. وإن صح أن تقول: أردته.
وثالثها: أن يكون المراد مبتدأ أو مسبباً غير متراخ عن سببه فلا تقول: أنا عازم على الإصابة في الرمي، لاتسمى الإرادة عزماً إلاَّ بمجموع هذه الشروط. قال أصحابنا: فإذا وقعت الإرادة على هذا الوجه سميت عزماً. وقال أبو القاسم: بل العزم جنس برأسه غير الإرادة وكذلك قال أبو علي لما توقف العزم على هذه الشرائط هو جنس غير الإرادة ذكره في شرح العيون.
قوله: (وقيل مقارب المسبب محافظة على الأصل المذكور).
يعني من أنه لايحسن تقديمها إلاَّ لأحد الوجهين المتقدم ذكرهما المستحيلين عليه تعالى وقد رجح ابن متويه رحمه الله أنَّها تقارن المسبب لا السبب بأن لامسبب أمر ينفصل عن سببه ويصح وجوده مرة والمنع عنه أحرى فوجب أن تقارنه الإرادة ولأن فيما يفعله تعالى من الأسباب ما لاينحصر مسببه كجري الماء في الحبة فكان يجب وجود مالايتناهى من الإرادات في حال فعله النقل لأنَّه عالم بها مفصلاً فيجب أن يكون كالمبتدأ.
قال رحمه الله: ومتى كان مسبب السبب أمرين ضدين فعلى مذهب أبي علي وأبي هاشم أولاً لايصح أن يريدهما في حالة واحدة وعلى القول بأن إرادتي الضدين لايتضادان لامانع من ذلك.
قوله: (وما تعلق منها بفعل الغير) إلى آخره.
اعلم أنَّه تعالى يريد الطاعات من فعل غيره وتتعلق بها إرادته تعالى حال توجه التكليف بها وتوجه التكليف بالشرعيات عند الأمر فيكون إرادتها عند المر بها كما ذكره المصنف ولايحصل إلاَّ مع إكمال شرائط التكليف وأما العقليات فتوجه التكليف بها عند كمال العقل وحصول شرائط التكليف وإن لم يقع أمر بها لأنَّه يمكن المكلف معرفة وجوبها بالعقل.
قال ابن متويه: فأما إرادته تعالى لفعل الغير حال حدوثه بأن تكون مقارنة له فيمكن أن يقال أنَّها تتعرى عن عرض فلا تحسن كما لايحسن الأمر به حال الحدوث وإن كان الكلام في المر أظهر لن موضوعه أن يدعو إلى الفعل ويبعث عليه ولو قدر افتراقه بحال حدوث الفعل لمكان لطف يثبت لبعض المكلفين لم يخرج عن كونه عبثاً لخروجه عن موضوعه، فإن صح أن يتبين وجه من وجوه اللطف عند اقتران الإرادة بالفعل كان ذلك واجباً وإن يعد القول به وكذلك القول في كراهته عند وجوده.
قوله: (كالعلم).
يعني فإنه لما تعدى في التعلق تعدى إلى التعلق بالماضي والباقي والقديم والمحدث فكان يجب مثله في الإرادة وليس تعلقها بوجه الحدوث تعد عن الحدوث إلى غيره لأن وجه الحدوث تابع له فحكمه حكمه.
قوله: (وأما نية الصوم فإنما تتعلق بكراهة الأكل ونحوه).
يعني كالشرب ودخول ما يفطر في الحلق والوطء. واعلم أولاً أن لانية هي الإرادة المقارنة للفعل أولاً وله إذا كانت من فعل فاعل المراد وكان لأجلها يقع الفعل على وجه فما يتعلق بمجرد الحدوث لايكون نية ويشرط في النية أن تكون حالة في القلب، ولهذا الشرط الأخير لم يجز وصفه تعالى بأنته ناو وهذا الذي أورده جواب عن سؤال مقدر تقديره: أن نية الصوم مع أنَّها إرادة تتعلق بالنفي وهو ألا يأكل ولايشرب ونحوه فبطل قولكم أن الإرادة لاتتعلق بالنفي.
فأجاب بأن هذه الإرادة تتعلق بكراهة الأكل ونحوه فلا يلزم تعلقها بالنفي، وهذا الجواب لايتأتى إلاَّ في الصوم الواجب لأن كراهة الأكل فيه حسنة إذ الأكل فيه قبيح وكراهة القبيح حسنة فتعلق الإرادة بها حسن، وأما الصوم النفل فلا يصح أن يتعلق بنية الكراهة الكل فيه لأنَّه مباح أو مكروه أكثر أحواله وكراهة الحسن قبيحة فكيف تتعلق نية الصوم وهي حسنة قطعاً بقبيح مع أنَّه يلزم منه قبحها لأن إرادة القبيح قبيحة فيلزم أن تكون نية الصوم النفل قبيحة ذكر معنى هذا الاعتراض المهدي أحمد بن يحيى عليه السلام وقال: الأولى أن نية الصوم تتعلق برد ما يعرض من المفطرات وهذه إرادة فعل بلا شك.
قال: ولابد مع ذلك من كراهة المفطرات إذا كان الصوم واجباً لأن الإفطار قبيح وكراهة القبيح واجبة.
قوله: (عن الرفث). الرفث هنا: الفاحش من الكلام.
قوله: (والحجر على آلة النكاح). الحجر: ألمنع.
قوله: (وأشباه ذلك). أراد كمنع من قصد إلى أن يفطره ورد ما يعرض من المفطرات والتحفظ عن السهو لئلا يفعل ما يفسد صومه.
تنبيه
ما يدل على أن الإرادة لاتتعلق بالنفي ما علمناه من أنفسنا من أن أحدنا متى اعتقد في شيء أنه يصح حدوثه صح أن يريده ومتى لم يعتقد صحة حدوثه لم يصح أن يريده.
قوله: (ليست كراهة لضده خلافاً لهم).
أي للجبرية وإنَّما بعثهم على القول بأن إرادة الشيء كراهة لضده إثباتهم له تعالى مريداً لذاته أو بإرادة قديمة أو ا.لية فلم يمكنهم القول بإثبات كراهة له لأن الصفة الذاتية لايصح زوالها والقديم والولى لاضد له مع ما روي من إجماع المسلمين على أنَّه تعالى كاره، وكذلك فقد صرح به في القرآن الكريم فجعلوا إرادته تعالى للشيء كراهة لضده وطردوا ذلك لتعذر الفرق بين الشاهد والغائب في مثل هذا.
قوله: (لأنه ليس هذا أولى من عكسه).
يعني أولى من أن تكون كراهة الشيء إرادة لضده وإنَّما لم تكن أولى لأنَّه لادليل عليه وما لادليل عليه ليس بأولى مما لادليل عليه.
قوله: (إرادة الضدين على البدل).
يعني بأن يريدهما في وقت واحد على أن يوجد أحدهما بدلاً من الاخر والبدل هنا في الضدين لا في الإرادتين.
قوله: (لأن إرادة الضدين ثابتة).
أي واقعة كما إذا أراد أحدنا الخروج من بابين أو الوقوف في مكانين على البدل وكإرادة الصلاة في بقاع المسجد ونحو ذلك.
قوله: (في الوقوع). أي في وقوع الضدين المرادين.
قوله: (لكانت قد تعدت المتعلق الواحد على التفصيل). يعني لأن متعلقها على هذا القول الضدان معاً واحترز بقوله على التفصيل من التعلق على طريقة الجملة فإنها تتعدى فيه المتعلق الواحد كما إذا أراد أحدنا الإخبار عن زيد فإن إرادته تتعلق بالخبر على سبيل الجملة وهو أفعال كثيرة وإنَّما استحال تعديهما في التعلق على سبيل التفصيل لأن المتعلقين يصح أن يتعلق بهما إرادتان وإذا تعلقتا بهما كانتا مختلفتين لتغاير متعلقهما فلو تعلقت بهما إرادة واحدة لزم أن تكون بصفتين مختلفتين فتكون مخالفة لنفسها وهو محال.
قوله: (ولكان لها ضربان من التعلق متنافيان).
يعني تعلق الإرادة وتعلق الكراهة وتنافيهما معلوم ولهذا لايصح اجتماعهما في حق متعلق واحد.
قوله: (فيكشف ذلك عن اختصاصها بذاتيتين مختلفتين).
من أصول أصحابنا أن ما كان من الأحكام كاشفاً بمجرده عن مقتضيه وكان طريقاً إليه فإن تماثله يكشف عن تماثله واختلافه عن اختلافه وتزايده عن تزايده والتعلق من هذا الباب فإنه طريق إلى مقتضيه ومجرده كاشف عن مقتضيه وهي الصفة المقتضاة عن الذاتية فإذا كان التعلق متعدداً مختلفاً كشف عن تزايد مقتضيه واختلافه ولاكلام في أن تعلقي الإرادة والكراهة مختلفان فيلزم أن يكشفا عن مقتضيين مختلفين إذ لو صدر التعلقان مع اختلافهما عن صفة واحدة وتعدت الصفة في إيجابها من تعلق إلى ما زاد عليه للزم أن تتعدى ولاحاضر فكان يصح صدور جميع التعلقات عن صفة واحدة ثابتة لذات واحدة فكان يلزم تعلق ذات العلم أو القدرة أو الإرادة بصحة الفعل وصحة الإحكام وصحة إيقاع الفعل على الوجوه المختلفة وهو محال إذا ثبت كشف التعلقين عن صفتين مقتضاتين مختلفتين وجب كشف هاتين الصفتين عن صفتين ذاتيتين أيضاً مختلفتين إذ لو جاز صدور الصفتين المقتضاتين عن صفة ذاتية واحدة للزم تعديها ولاحاصر وهو محال.
قوله: (بأن يريد أحد ضديه ويكره الآخر).
هذا إلزام مبني على إلزام وذلك أنَّه قد ألزمهم من كون إرادة الشيء كراهة لضده أن تكون كراهة الشيء إرادة لضده ثُمَّ رتب هذا الإلزام عليه ويصح أن يرتب عليه أن يكون مريداً لكل واحد منهما كارهاً له وإن لم يكن ثُمَّ ضد ثالث، وأما على أصل مذهبهم فما ذكره غير لازم.
قوله: (لأنه لاتكره أضدادها).
يعني لأنَّه قد يكون ضد النافلة واجباً أو مباحاً أو مكروهاً فلو أراد النوافل مع أن إرادتها كراهة لضدها للزم أن يكره تعالى ما هو حسن ومعلوم أن كراهة الحسن قبيحة وهو تعالى لايفعل القبيح وكان يلزم من كراهته لضدها أن تكون واجبة إذ قد اشتركت هي والواجب في أن تركهما مكروه لله.
قوله: (فأحدنا يجد الفرق بين كونه مريداً وكونه كارهاً).
يعني فلا يصح أن توجب الإرادة كونه مريداً كارهاً مع أنهما صفتان يجد الواحد منا الفرق بينهما من نفسه.
تنبيه
من أحكام الإرادة الَّتِي لم يذكرها المصنف أنَّها لاتؤثر في وقوع الفعل على وجه إلاَّ إذا قارنت وكانت من فعل فاعل المراد.
فصل والذي يجري عليه تعالى من الأسماء في هذا الباب
قوله: (وليس طريقه الفعلية).
أي وليس الذي يفيده قولنا مريد طريقه الفعلية وهو أن يفيد فعل الإرادة كمعيد ونحوه.
قوله: (لأنه لافرق بين الإرادة والمحبة).
اعلم أن هذه مسألة خلاف فمنهم من ذهب إلى أن المحبة هي الشهوة وليست الإرادة وقال أصحابنا إنَّما تستعمل في الشهوة تجوزاً وإلاَّ فهي من أسماء الإرادة ولهذا لايصح أن تثبت بأحد اللفظين وتنفى بالآخر.
قيل: والمعنى أن المحبة هي اسم للإرادة الَّتِي تطابق الداعي فلو قدرنا أن الله تعالى خلق فينا إرادة لاتطابق الداعي لم تكن محبة.
قوله: (ومنها قولنا راض).
اعلم أن مذهب الجمهور من أصحابنا أن الرضا هو الإرادة المتقدمة المتعلقة بفعل الغير بشرط وقوع ذلك الفعل والسخط الكراهة على هذا القياس فلهذا عده من هذا الباب. وقال أبو علي: الرضا والسخط معنيان زائدان على الإرادة والكراهة.
قوله: (فقيل معناه أنَّه أراد كل أفعاله ورضيها).
هذا قول الشيخ أبي علي وهو ظاهر قول الفقيه حميد. قال: ومنه قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين} ويقول أحدنا: رضيت عن زيد. أي رضيت أفعاله، وكذلك القول في السخط والذي ذهب إليه أبو هاشم أن المراد بذلك التعظيم للمرضي عنه والذم والاستحقاق بالمسخوط عليه.
قوله: (حتى الأنبياء).
يعني لأنَّه قد يقع في أفعالهم الصغائر وهو تعالى يكرهها فضلاً عن أن يريدها أو المباحات والمكروهات والأفعال اليسيرة وهو لايريدها.
قوله: (قاصد ومختار).