قوله: (قال تعالى: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحي إليك}).
يعني فدل على أنه تعالى قادر على فعل مالم تعلق به إرادته ومتمكن منه فإنه تعالى لم يرد إذهاب ما أوحى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع إخباره بتمكنه تعالى من ذلك ولو صح كلامهم لم يتأت ذلك.
قوله: (يوضحه أن الشرط لايدخل إلاَّ في المستقبل).
يعني فلا يدخل أداة الشرط على ما كان ماضياً أو حاضراً، والشرط ههنا المشيئة، وهذا منه رجوع إلى الإستدلال على إبطال الإرادة القديمة؛ لأنَّه إذا كان الشرط لا يدخل إلاَّ في المستبل دل على أن المشيئة الَّتِي هي الإرادة غير قديمة إذ لا يجعل ما كان قديماً داخلاً على حرف الشرط، وقد جعل حصولها شرطاً في الإيجاب داخلاً على أن قوله: (ولا بد من أن يعترفوا بأنه أراد هذا الشيء مع جواز ألاَّ يريده) يعني لا بد لهم من الاعتراف بأن الذي أراده تعالى من المرادات أراده مع جواز ألا يريده كما إذا أراد كفر الكافر عندهم فإنهم إنَّما حكموا بإرادته تعالى له لوقوعه ولابد لهم من تجويز أن يخلق الله فيه قدرة الإيمان بدلاً عن قدرة الكفر ينفع منه ولو فعل ذلك لكان مريداً لإيمانه وكذلك إذا فعل الله حركة مثلاً في جسم فإنه لايمكنهم المنع من جواز أن يسكنه تعالى قبل تحريكه إذن لبطل اختياره وأراد به لتحريكه كأن يجوز ألا يكون لجواز تسكينه قبل وإذا كان كذلك دل على أنَّها صفة جائزة غير ذاتية ولا صادرة عن معنى قديم.
فصل
وللمخالف شبه في أنَّه تعالى مريد لذاته أو بإرادة قديمة.

قوله: (وأكثرها قد دخل في أثناء الكلام يقال لم يدخل من شبههم في أثناء كلامك في هذه المسألة شيء اللهم إلاَّ أن يكون أراد شبه الذين يزعمون أنَّه مريد بإرادة قديمة وأراد بذلك شبههم الَّتِي يتعلقون بها في إثبات القدرة والعلم فتلك إنَّما احتجوا بها على إثبات المعاني فقط ونحن نسلم ثبوت المعنى ههنا ولم يحتجوا بها على أنَّها معان قديمة ويمن أنَّه أراد ما يحتج به بعضهم من أنَّه تعالى قادر عالم موجود لذاته فيجب أن يكون مريداً لذاته فيكون الجواب قد دخل في أبناء الكلام لأنا قد بينا أن القول بأنه مريد لذاته يؤدي إلى مجالات لايؤدي إليها كونه قادراً لذاته وما هذا لو صح بأكثر شبههم فكلامه لايخلو عن نظر.
قوله: (وفاعلاً بعد أن لم يكن).
فيه نظر لأنَّه ليس له بكونه فاعلاً حال فلا يقاس عليه كونه مريداً لأن له بكونه مريداً صفة وإنَّما يتأتى المعارضة بما ذكره من كونه مدركاً وإن كان بشر بن المعتمر يرجع بها إلى .......... كما هو مذهب البغدادية ويمكن أن يجاب بأنه إنَّما عارضهم بكونه فاعلاً على تقدير أنَّها لو كانت صفة لم يحصل بثبوتها بعد أن لم يكن تغير ثُمَّ أنَّها وإن لم تكن صفة فقد صار للفاعل بعد فعله مزية لم يكن عليها فإذا لم يتغير بثبوت هذه المزية فكذلك لاتتغير بتجدد الصفة ومما يقال في جواب هذه الشبهة هل علمتم ضرورة أن ذلك يؤدي إلى تغير فيجب أن يشارككم فيه أو دلالة فما هي.

قوله: (لأنهما يضادان العلم) يعني السهو والغفلة وهما بمعنى واحد والقول بمضادة السهو للعلم هو مذهب الشيخين وبه قال أبو القاسم وأبو عبدالله فإنهم أثبتوه معنى يضاد العلم وأما أبو إسحاق والقاضي وتلامذته وأكثر المتكلمين فلم يثبتوه معنى فضلاً عن أن يجعلوه مضاداً للعلم وإنَّما المرجع به عندهم إلى زوال العلم بالأمور الَّتِي جرت العادة بالعلم بها والذي يختاره المصنف ما ذهب إليه الجمهور على ما مضى له في أول الكتاب لكن حذا ههنا حذو السيد الإمام وكلامهما على جهة التقدير بمعنى أنا لو سلمنا أن السهو والغفلة معنى فمضادته للعلم لا للإرادة على ما ذهب إليه من أثبته معنى وإن كان الشيخ أبو القاسم قد ذهب أيضاً إلى أنَّه يضاد الإرادة كما يضاد العلم ويلزم منه مضادته لسببين مختلفين وقد تقرر عدم صحة ذلك.
قوله: (إلا إذا لم يجز خلو الذات عن الصفة وضدها).
يعني فلو كان كذلك لم يخل الباري عن إحدى الصفتين اللتين هما المريدية وكونه ساهياً، وكان زوال أحدهما دليلاً على ثبوت الأخرى لكن ذلك غير لازم على ما تقدم تقديره فلا يلزم من كونه تعالى غير ساه مع تسليم مضادة السهة للإرادة كونه مريداً على ما ذكروه.
فصل
قوله: (وإذا ثبت أنَّه تعالى مريد بإرادة محدثة فهذه الإرادة المحدثة إنَّما توجد في محل).
وإنَّما يثبت ما ذكره لما تقدم من إبطال ما يشتبه من الأقسام غير هذا مع بطلان أن يستحقها تعالى بالفاعل لما مضى من أنَّه لايجعل الذات على صفة إلاَّ من قدر على تلك الذات وغير ذلك من الوجوه وبطلان أن يستحقها تعالى لإرادة معدومة لأنَّه لا اختصاص لها بمراد دون مراد ولامبريد دون مريد، لأن العدم مقطعة الاختصاص والعلة لاتوجب إلاَّ بشرط الاختصاص.
قوله: (لنه تعالى يستحيل أن يكون محلاً للأعراض فيه) إذ الحلول فرع على التحيز والتحيز فرع على الجسمية.

قوله: (أما الجماد فيستحيل وجود الإرادة فيه رأساً). يعني لأن الذي يصحح وجودها الحياة ولاحياة في الجماد ولو صح وجودها فيه للزم صحة أن يكون الجماد مريداً فيتأتى منه إيقاع الفعل على الوجوه المختلفة ونحن نعلم استحالة ذلك منه ثُمَّ كان يلزم مع وجودها في الجماد إذا قدرنا أنَّه لايلزم إيجابها له ألا تكون بإيجاب الصفة له تعالى أولى منا إدخالها معه تعالى ومعنا على سواء لم يختص به أبلغ من اختصاصها بنا كانت بأن توجب له أولى من القديم تعالى، يعني لاختصاصها به غاية ما يمكن من الاختصاص بأن حلت فيه وعدم اختصاصها به تعالى إذ لم تحله ولاوجدت على حد وجوده.
قوله: (ولولا قيام الدلالة على أن ما عدا إرادة الباري وكراهته والفناء لايوجد إلاَّ في محل لجوزنا وجوده لا في محل).
اعلم أن الذي قامت الدلالة عليه أن الأعراض على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول: يصح وجوده في محل وفي غير محل وهو نوع الإرادة والكراهة.
الضرب الثاني: لايصح وجوده في محل ويجب وجوده في غير محل وهو الفناء.
الضرب الثالث: يستحيل وجوده لا في محل ويجب وجوده في محل وهو سائر الأعراض وبالجملة فما كان وجوده في المحل وغيره لايؤدي إلى انقلاب ذاته ولا انقلاب ذات غيره صح فيه مجموع الأمرين وما كان لو وجد في محل أدَّى إلى انقلاب ذاته لم يصح فيه ذلك وكذلك ما كان لو وجد لا في محل أدَّى إلى انقلاب ذاته أو انقلاب ذات غيره لم يجز ذلك فيه وشرح ذلك وبسطه في مواضعه من اللطيف ومثال ماي ؤدي عدم حلوله إلى انقلاب جنسه الأكوان لن الحركة والسكون يتضادان على المحل فوجودهما لا في محل يرفع التضاد بينهما وفي ذلك انقلاب حديهما وكذلك التأليف لأن حكمه أن يحل في محلين وذلك لما هو عليه في ذاته فوجوده لا في محل يؤدي إلى انقلاب جنسه وكذلك الاعتماد لأن حكمه أن يختص بجهة.

ومثال ما يؤدي ذلك فيه إلى انقلاب ذاته أو انقلاب ذات غيره العلم لأنَّه لو وجد لا في محل فإما أن يوجب االصفة للباري تعالى ويقتضي ذلك جواز وجود جهل كذلك فيخرج القديم عن صفته الذاتية وهي العالمية وإما ألا يوجب صفة رأساً فتنقلب ذاته وعلى هذا فقس.
قوله: (وإلا خرجت عما هي عليه في ذاتها) يعني بذلك صفتها الذاتية وذلك أنَّها إذا خرجت عن إيجابا لصفة مع أن الإيجاب حكم مقتضى عن صفتها المقتضاة فذلك لايكون إلاَّ مع خروجها عن صفتها المقتضاة وخروجها عن صفتها المقتضاة لايكون إلاَّ بخروجها عن مقتضيها وهي الصفة الذاتية وخروجها عن الصفة الذاتية محال.
تنبيه
اعلم أن هذه الإرادة الَّتِي أثبتت للباري تعالى لاتكون إلاَّ من فعله لن غيره إما جماد أو عرض وهما غير حيين ولا قادرين والفعل لايصح إلاَّ من حي قادر أو حيوان ولايصح أن يكون من فعله لأن هذا الحيوان إن أوجدها في محل لم يختص بالباري تعالى فلا توجب له لعدم الاختصاص وإن أوجدها لا في محل كما أوجبناه في إرادته تعالى لم يصح لأنَّه لايعدي الفعل عن محل قدرته إلاَّ بالاعتماد ولاتأثير له في توليد الإرادة فلم يبق إلاَّ أن يكون محدثها هو الباري تعالى.
لايقال: إن ذلك يؤدي إلى التسلسل لأنَّه تعالى لايحدثها إلاَّ بعد أن يريد إحداثها ولايريد ذلك إلاَّ بإرادة يفعلها ثُمَّ كذلك.

لأنا نقول: الإرادة جنس الفعل لنها لاتقع بكل حال إلاَّ على وجه وهو حدوثها وصفة جنسها وهي صفتها المقتضاة وهي وإن وقعت تارة على وجه يقتضي القبح وتارة على وجه يقتضي الحسن أو الوجوب فذلك لازم لوجودها ولايحتاج إلى الإرادة وهي أيضاً تقع تبعاً للداعي لا أنَّها مقصودة بنفسها على أن هذا السؤال لايرد على البغداديين لما رواه السيد الإمام عنهم من القول بأن إرادة الإرادة مستحيلة كما يستحيل إرادة النافي والماضي وقد كان الشيخ أبو علي يقول لايصح إرادة الإرادة، وتوقف أبو هاشم ثُمَّ رجعا إلى القول بصحة إرادتها.
فصل فيما يصح أن يراد ويستحيل ويجب ويحسن ويقبح
قوله: (والباقي).
إنَّما يستحيل إرادة النافي في حق من يعتقد بقاءه فأما من لايعتقده كمن يعتقد تجدد الجسم حالاً فحالاً فإنه يصح أن يريده.
قوله: (استحال أن يراد).
يقال: أما إرادة اجتماع الضدين في حق من يعتقد تضادهما فهو غير مستحيل إلاَّ من حيث أن الداعي لايدعو إلى ذلك للعلم بتعذره ومالم يدع إليه الداعي لم يقع إذا لم يكن مما يصح على الساهي والنائم ولامما يقع تبعاً لغيره لا أن ذلك متعذر إذ لو استحال وتعذر لصح ما قاله أبو علي من تضاد إرادتي الضدين.
قوله: (لعرض يخصه).
يعني لا على جهة التبع لغيره من غير أن يكون هو نفسه مقصوداً.
قوله: (ولايكون في حكم الساهي عنه).
أراد ألا يكون ساهياً ولا في حكمه كمن زال عقله لنوم أو غيره لكنه يقال قد أغنى عن هذا الشرط قوله بفعله الفاعل لغرض يخصه لأن الساهي ومن في حكمه لايفعل لعرض إذ لايصح منه الإرادة.
قوله: (ولاممنوعاً من إرادته).

المنع من الإرادة هو بفعل الكراهة ولايكون ذلك إلاَّ من جهته تعالى لأن أحدنا لايفعل لنفسه كراهة لما دعاه الداعي إليه وإلى إرادته ولايجوز أن تكون تلك الكراهة الَّتِي هي منع من الإرادة من فعل غيره تعالى من القادرين بقدرة، إذ القادر بقدرة لايعدي الفعل إلى الغير إلاَّ بالاعتماد ولاتأثير له في توليد الكراهة.
قوله: (وأما ما يحسن فهو إرادة الحسن) إلى آخره.
اعلم أنه ليس الوجه في حسنها مجرد كونها إرادة للحسن فقط وإلاَّ لزم حسن إرادة كل حسن ومعلوم خلافه بل وجه حسنها كونها إرادة لحسن صفته ما ذكره.
قوله: (فإن هذه الإرادة وإن تعلقت بالجنس فتجب).
هذا هو اختيار الشيخ أبي علي وصححه ابن متويه وعلل قبحها بأن العقاب ضرر محض فكما لايحسن منه أن يفعله بنفسه فكذلك لايحسن منه أن يريد نزوله به، والذي ذكره أبو هاشم أنَّه ملجئ إلى ألا يريد عقاب نفسه فيه فلو فعل إرادة لعقابه ففي حسنها نظر فيحتمل أن تكون حسنة لأن متعلقها حسن والإرادة تابعة للمراد ويحتمل أن تكون قبيحة لأنها إرادة للإضرار بالنفس ولم يختلف الشيخان في قبح كراهة العقاب لأنَّه حسن وكراهة الحسن قبيحه ولا اختلفا في قبح إرادة أن يعاقب الله تعالى من لايستحق العقاب واختلفا في إرادة أهل النار للخروج منها فقال أبو علي هي قبيحة لعلمهم بخلافه كما يقبح أن يريد عود موتانا وتأول قوله تعالى : {يريدون أن يخرجوا من النار} على غير ظاهره بناء على أن أهل الاخرة لايصدر منهم قبيح، وقال أبو هاشم: بل الآية على ظاهرها ولاوجه يقضي بقبح هذه الإرادة فإن خروجهم حسن وفيه عرض ووجوه القبح منتفية عنه ونحو هذا اختلافهم في إرادة العاصي للغفران فإن أبا علي حكم بقبحها وأبا هاشم حكم بحسنها.
قال: ولهذا ورد في التشهد السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. والسلام السلامة من العقاب.
قوله: (احترازاً من إرادتنا للمكروهات ومن إرادة الباري تعالى لها).

يقال: أما إرادة الباري تعالى لها فمسلم ما ذكرت فيها من كونها عيناً لأنَّه تعالى إنَّما يريد فعل غيره للبعث عليه والحث على فعله ولايتأتى هذا إلاَّ في الواجب والمندوب فتكون إذاً قبيحة وأما إرادتنا للمكروهات فنقول: إن كان هذا المكروه فيه غرض فلا يسلم قبح إرادته بل يكون حسنه فإن حسن الإرادة تثبت إذا تعلقت بحسن مع غرض حاصل فيه وإن كان ذلك المكروه لاغرض فيه فهو عيب ويكون قبح إرادته لأنها إرادة لقبيح وإرادة القبيح قبيحة وذلك هو وجه قبحها.
قوله: (عند من لايجوز إرادتها).
هم الجمهور وأشار إلى خلاف أبي القاسم فإنه جعلها مرادة لله وخلاف أبي هاشم في تصحيح إرادته إياها في الآخرة.
قوله: (وأما ما يقبح فكل إرادة تعلقت بقبيح).
اعلم أن وجه قبح إرادة القبيح كونها إرادة لقبيح إذ لايمكن الإشارة إلى وجه يؤثر في قبحها غير ذلك ولهذا فإن من علم كونها إرادة للقبيح علم قبحها وإن لم يعلم وجهاً آخر ومن لم يعلم ذلك لم يعلم قبحها.
فصل فيما يريده الله تعالى وفيما لايريده
قوله: (وهي إنَّما تكون كذلك بالإرادة الَّتِي يخصصها بوجه دون وجه).
يعني بكونها حكمة دون كونها عبثاً وبكونها نعمة وبكونها نقمة فإن أفعاله تعالى إنَّما تكون حكمة لحصول غرض فيها صحيح ولهذا قالوا في حد الحكمة: هي كل فعل حسن لفاعله فيه غرض صحيح.
قوله: (وهي كالحرمية).
إنَّما جعلها كالحرمية لأن الذي يدعو إليه يدعو إليها فلا تحتاج إلى داع يخصها وإذا لم تحتج إلى إفراد داع لم تحتج إلى إفراد إرادة لأن الإرادة في كل أمر تابعة للداعي.
قوله: (ولاتخرج عن كونها حكمة).

يعني لتعلقها بحسن فيه غرض فكانت حسنة مع كونها كالجزء من الفعل وهو حكمة فكانت حكمة أيضاً ومما يدل على أنَّه تعالى لايريد إرادته وكراهته المتعلقتين بفعل نفسه أن إرادتهما تكون قبيحة إذ هي عبث لا فائدة فيها فإن الشيء إنَّما يراد لوقوعه على وجه مخصوص ولاوجه لهما مخصوص يقعان عليه فإرادتهما حينئذ تكون عبثاً ذكره بعض أصحابنا.
قوله: (فأما إرادته المتعلقة لفعل غيره فيجب أن يريدها تعالى).
اعلم أن المتقدمين من المتكلمين أ"لقوا أن الله تعالى لايريد إرادته ولا كراهته من غير فصل بين أن يتعلقا بفعله تعالى أو بفعل غيره ورجح المتأخرون أنَّه تعالى يريد الإرادة والكراهة المتعلقتين بعفل غيره لما ذكره من أنه أوجد الإرادة لغرض يخصها وهو كونها مرغبة في فعل الواجب والمندوب وناه عنه عليهما وأوجد الكراهة أيضاً لغرض يخصها وهو كونها زاجرة عن فعل القبيح وصارفة عنه وكلما فعل لغرض يخصه وكان الفاعل له عالماً به وجبت إرادته على ما تقدم، وقد نص قاضي القضاة على أنَّه تعالى يريد كراهية لفعل القبيح من المكلف.
قوله: (وإنما لم يجز أن يكره القبائح من أفعال نفسه تعالى) إلى آخره.
اعلم أنَّه تعالى كما لايجوز أن يكره القبيح منه تعالى عن فعله فلا يصح أن يكره تعالى شيئاً من أفعال نفسه كلها لنها حسنة وكراهة الحسن قبيحة.
قوله: (وإن كان المعلوم أن ذلك الفعل لايقع).
يعني الفعل القبيح فإن العلم بأنه لايقع لايمنع كراهته فإنه تعالى كاره للكفر من المؤمن الذي قد علم أنه لايكفر ليكون ذلك زاجراً له وصارفاً عن فعل القبيح.
قوله: (كالجوهر ونحوه).
يعني من اللون والطعم الواحد وما شاكلهما وبالجملة كل ما ثبت فيه غرض يخصه وإرادة الجوهر ونحوه هي إرادة على سبيل التفصيل فأما إرادة الأمر والخبر ونحوهما فهي إرادة على طريقة الجملة.
قوله: (أو صادراً من غير مكلف).

هذا على كل حال سواء كان ذلك الصادر من فعل غير المكلف قبيحاً كالقبائح الصادرة من الساهي والنائم والبهائم فإنها وإن لم تقبح منهم فهي قبيحة في نفسها على الصَّحيح أو غير قبيحة فإنه تعالى لايريدها ولايكرهها والدليل على أنَّه تعالى لايريد المركوه والفعل اليسير والصادر من غير مكلف ولايكرهها أما أنَّه لايريدها فلأنه لاغرض له تعالى في إرادتها إذ الغرض في إرادته تعالى لفعل غيره ترجيح وجوده على عدمه، والبعث عليه، وهذا مبني على التكليف بفعله وليس شيء من هذه الأمور قد كلف تعالى بفعله وأما أنه لايكرهها فلن ما كان منها حسناً فكراهية قبيحة ومالم يكن حسناً فالكراهة لايوجدها تعالى إلاَّ للزجر عن الفعل ولامدخل لذلك ههنا وهذه الدلالة بعينها تدل على أنَّه تعالى لايكره المباح في الدنيا والاخرة ولايريده في الدنيا.
فإن قيل: إذا كان تعالى لايكره المكروه فما السبب في تسميته مكروهاً؟
قلنا: إنَّما سمي المكروه كراهة تنزيه مكروها على سبيل التجوز وإلاَّ فالنهي الوارد عنه ليس بحقيقي إذ لم يقترن به الوعيد ولاغيره مما يقتضي القبح فكان السبب في تسميته مكروهاً أنَّه أشبه المكروه الحقيقي وهو القبيح من وجه وهو كونه يستحق بتركه الثواب كما أن القبيح كذلك.
قوله: (واتفقوا على أنَّه لايريد المباح في الدنيا).
المحكي عن أبي القاسم أنه تعالى يريد المباحات الدنيوية لما كان عنده أن إرادته تعالى لفعل غيره هو أمره به وقد أمر تعالى بالمباح وكلف به لأنَّه ترك للقبيح وقد أمرنا تعالى بترك القبيح فنكون مأمورين بالمباح وهذا بناء منه على أنَّه لايجوز خلو القادر بقدرة عن الأخذ والترك، وقد تقرر بطلانه وهو تعالى لايريد إلاَّ ما لفعله تنزيه على تركه لتكون إرادته داعية إلى فعله وأما ما لامزية لفعله على تركه فلا وجه لإرادته وليس بأن يريده أولى من أن يكرهه ثُمَّ أن المباح قد يكون تركاً لواجب فكان يلزمه أن يكون منهياً عنه ومكلفاً بتركه.

63 / 158
ع
En
A+
A-