اعلم أولاً أن أصحابنا ذهبوا إلى أن للكلام بكونه أمراً وخبراً ونحو ذلك أحكاماً على ما سبق القول فهي ثُمَّ ذهبوا إلى أن الأمر ثبت له حكم هو كونه أمراً لإرادة الآمر المأمور به والنَّهي ثبت له حكم بكونه نهياً لكراهة الناهي للمنهي عنه، وأما سائر أنواع الكلام فيثبت لها أحكاماً لإرادة تلك الأحكام فيثبت للخبر حكمه بكونه خبراً لأن المخبر أراد كونه خبراً، وكذلك غيره من الأنواع، هذا ما ذكره أصحابنا فأما الأشعرية فلم يفصلوا بين تلك الأحكام بل قالوا بثبوتها جميعها لكون المريد أرادها سواء كانت أمراً أو نهياً أو خبراً أو غير ذلك، وذهب ابن الخطيب الرازي إلى أن صيغ الكلام تثبت لها أحكامها بالوضع اللغوي على معنى أن صيغة الأمر موضوعة في أصل اللغة للأمر من دون اعتبار إرادة، وقد حمل كلام أبي القاسم حيث جعل ثبوت تلك الأحكام لأعيانها على هذا وإن كان المفهوم من حكاية أصحابنا أن أبا القاسم وأصحابه جعلوا هذه الأحكام ثابتة للكلام لذاته كما يثبت للجوهر كونه جوهراً.
قوله: وبعد فكنا نعلم الخبر حتى) إلى آخره.
يعني لو كانت الصيغة خبراً عن هذا المخبر عنه المعين لعينها وأراد بقوله والمخبر مخبراً أي والمخبر عنه مخبراً عنه.
قوله: (وبعد فإنما يصح هذا القول بعد العلم بماهية الخبر).
يعني إنَّما يصح قولكم أن الخبر خبر لعينه عن شخص معين وأنه يفيد ذلك إلاَّ بعد علم المخبر بماهية الخبر لأنكم عللتم كونه خبراً بعينه فيتوقف معرفة الحكم المعلل وهو كونه خبراً على معرفة حقيقة عينه وماهيتها لأن ذلك هو علته ومعرفة الحكم تتوقف على معرفة العلة.
قوله: (ومعه لايصح العلم بها).
أي ومع هذا القول لايصح علم المخبر بالماهية الَّتِي من جملتها كونها خبراً عن شخص معين إذ نفس الصيغة لاتفيد ذلك ولاطريق إلى معرفة الماهية غيرها فيلزم الدور هذا أقرب ما يحمل عليه كلام المصنف، وإن كان فيه بعض غموض.
قوله: (فكان يصح أن يكون خبراً قبل المواضعة).

يعني لأنَّه إذا كان خبراً لعينه فلا تأثير للمواضعة في إفادته لأن عينه ثابتة قبلها وغير متوقفة عليها، والمعلوم أنَّها لو حصلت قبل المواضعة لم تحصل الفائدة.
قوله: (وكان لايصح التجوز في الكلام).
التجوز استعمال للفظ في غير ما وضع له في الأصل، وكان الأولى أن يقول: وكان لايصح التجوز في الخبر بأن يخبر به عن غير ما هو خبر عنه في الصل لأنَّه عندهم خبر عنه لعينه.
قوله: (ولهم أن يقولوا إن التجوز وقع بمثل الخبر).
يعني لن الخبر الذي هو خبر لعينه عن الحقيقة بل يمثله الذي ليس هو خبراً عنها لعينه مثاله، إذا قال: جاء الأسد. فهذا عندهم خبر لعينه عن السبع المخصوص فألزموا ألا يصح أن يقول ذلك في الرجل الشجاع لأن ذلك الخبر خبر لعينه عن السبع، فأجاب عنهم ابن امللاحمي بأن قوله: جاء الأسد، ويريد الرجل الشجاع ليس هو الخبر الذي هو خبر لعينه عن السبع بل هو مثله فيصح أن يكون خبراً لعينه عن الرجل الشجاع. وجواب المصنف عليه قوي صحيح.
قوله: (وبعد فكان لايمكن أحدنا الإخبار) إلى آخره.
هذا وجه أورده ابن متويه في تذكرته فقال: لو كان الخبر عن زيد لايصح أن يكون خبراً إلاَّ عنه دون غيره لوجب اختصاص كل خبر بمخبر معين فكان إنَّما يصح أن يخبر على قدر قوي لسانه إلى آخر كلامه، وتلخيصه أن يقال: لو كان خبراً لعينه وقدرنا أنه لايقدر إلاَّ بعشر قدر على عشر صيغ عن عشرة من الزيدين مثلاً لوجب ألا يقدر على الإخبار بغيرها عن غير من هي خبر عنه حتَّى لو قدرنا أنَّه ترك أحدها ولا المخبر عنهم لما قدرنا على أن نبدله بغيره لأن القدرة الواحدة لاتتعدى على الشروط المذكورة المقدور الواحد وهذه الحروف متماثلة الزايات والياءات والدالات في الزيود العشرة.
قوله: (على ما لايتناهى على البدل).
يعني فالقدرة الواحدة على الصيغة الواحدة يصح أن تفعل بها صيغ لاتتناهى على البدل واحدة بعد واحدة، أو مكان واحدة.

قوله: (كما يقولونه في إرادته الأخبار عنهم).
هذه إشارة إلى معارضة وردت وتحقيقها أن يقال: إذا كان الخبر لايصير خبراً عن زيد إلاَّ بالإرادة وكان في هذا المخبر عشر قدر يقدر بها على عشر إرادات لزمكم ألا يصح منه الإخبار إلاَّ عن عشرة أشخاص وهم الذين فيم قدوره عشر إرادات للإخبار عنهم لاعن غيرهم.
فأجاب أصحابنا بأن الإرادات مختلفة لتغاير متعلقاتها، وإذا كانت مختلفة فالقدرة الواحدة تتعلق في الوقت الواحد من المختلفات بما لانهاية له فلا يلزم ما ذكرتم من عدم صحة الإخبار عن غير عشرة بخلاف الزايات ونحوها فإنها متماثلة فلا يصح منه الإخبار إلاَّ عن عشرة من الزيدين ويحتمل أن يكون المراد بقوله كما يقولون في إرادته الإخبار عنهم بأن الإرادة الواحدة كافية في ذلك وفيه خلاف بين الشيوخ لكن الصَّحيح أنَّها كافية بدليل صحة الإخبار عما لايتناهى كما يصح من القديم الإخبار عن نعيم الجنة مع عدم تناهيه فلولا أن الإرادة الواحدة كافية لاحتيج إلى ما لايتناهى من الإرادات.
قوله: (أو كونه قادراً). أي كونه قادراً على افخبار عن ذلك المخبر عنه.
قوله: (وإلا احتاج إلى المواضعة).
يعني لن ذاته وصفة ذاته وكونه قادراً حاصلة مع عدم المواضعة.
قوله: (ونحو ذلك) يعني من الوجوه المبطلة لكون ذلك الأمر ذاته وصفة ذاته وكونه قادراً كأن يقال: إن ذاته وصفة ذاته وكونه قادراً مع الزيدين على سواء فلا بد من مخصص ووجه يختص كونه قادراً وهو أن تأثيره في الأحداث فقط فلا يصح التخصيص به.
قوله: (وأما كونه عالماً). يعني بالمخبر عنه.
قوله: (وهو باطل بما تقدم من أن الإرادة غير الداعي).

فيه نظر لنهي قال أنَّه وإن صح أن الإرادة غير الداعي فهو لايبطل قول ابن الملاحمي من أنه يكون خبراً عن أحدهما لأنَّه دعاه الداعي إلى الإخبار عنه دون الآخر لنه لم يدعه الداعي إلى الإخبار عنه فالمعتمد في إبطال قوله ما ذكره بقوله يزيده وضوحاً إلى آخره، ومعناه: يزيد ما قلناه من أن ذلك الأمر هو الإرادة دون الداعي ولعل المصنف أراد أن ابن الملاحمي إنَّما ذهب إلى أن ذلك المر هو الداعي بناء منه على أن الإرادة المرجع بها إلى الداعي فأما لو سلم أنَّها زائدة عليه فإنه يعترف بأنها هي الَّتِي صيرت الخبر خبراً عن هذا دون هذا وقد مضى تقرير أنَّها زائدة على الداعي فبطل ما بناه على أن المرجع بها إليه.
قوله: (وأما أن يكون ذلك الأمر هو كونه مريداً وهو المطلوب).
اعلم أنَّه كثيراً ما يجري في كتب أصحابنا غير المصنف أن ذلك المر المؤثر في كون الخبر خبراً والأمر أمراً هو الإرادة، وأن المؤثر في كون الكلام نهياً الكراهة وهو مبهم على سبيل التساهل وإنَّما المؤثر الصفة الَّتِي هي كونه مريداً على ما ذكره المصنف والإرادة والكراهة مؤثرتان في الصفتين لا في هذه الأحكام على ما هو مبين في موضعه من اللطيف.
قوله: (فإنها لاتنفصل عن التهديد والتحدي والإباحة إلاَّ بالإرادة).
التهديد كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} والتحدي كقوله تعالى: {فأتوا بعشر سور} والإباحة كقوله تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} ولاكلام في أن هذه الصيغ كصيغة الأمر فلولا إرادة المأمور به وعدم إرادة ما وقع التهديد عليه والمباح وفعل المتحدى به لم يكن فرق بينها وبين المر لتماثل الصيغ وهو ظاهر.
قوله: (وكذلك كون الصيغ نهياً في دلالتها على كونه كارهاً).

يعني فلولا كونه كارهاً لم ينفصل النَّهي عن التهديد لتماثل صيغتيهما فإن التهديد كما يكون بصيغة الأمر قد يكون بصيغة النهي، فالنهي لاينفصل عنه إذا كان بصغيته ألا يكون الناهي كارهاً للمنهي عنه غير كاره للمتهدد على تركه.
فائدة
اعلم أن كل نوع من أنواع الكلام ما خلا الأمر والنَّهي يفتقر في ثبوت الحكم له إلى صفة واحدة لفاعله بكونه مريداً ولايفتقر إلى أزيد منها فالخبر يفتقر إلى كون فاعله مريداً لكونه مخبراً بما أخبر به، ويكفي في كونه خبراً هذه الصفة الواحدة الصادرة عن إرادة واحدة وإن كان لابد أيضاً من كونه مريداً لإحداثه نفسه بإرادة أخرى، فأما الأمر فقال أبو هاشم: يكفي في كونه أمراً إرادة حدوث الصيغة وإرادة المأمور به، وإلى هذا ذهب من يثبت للأمر والنَّهي حكماً، وأثبته لغيرهما من أنواع الكلام وقال أبو علي: يحتاج إلى ثلاث صفات صادرة عن ثلاث إرادات ما ذكره أبو هاشم وإرادة كون الصيغة أمراً، وأما النَّهي والتهديد فقال أبو علي: يفتقران إلى إرادتين وكراهة إرادة حدوث الصيغة وإرادة كونها نهياً أو تهديداً وكراهة المنهي عنه والمتهدد على فعله، وحذف أبو هاشم إرادة كونه نهياً أو تهديداً فلم يوجبها، وحذفت المجبرة كراهة المنهي عنه والمتهدد على فعله فلم يشترطوها في كونه نهياً وتهديداً ولا اشترطوا أيضاً في المر أيضاً إرادة المأمور به تأسيساً منهم لما سيأتي من مذاهبهم الفاسدة.

فصل في الدلالة على إثبات هذه الصفات الَّتِي هي المريدية للباري تعالى
اعلم أولاً أنَّه لا خلاف بين أهل الإسلام في أنه تعالى مريد وكاره وأنه يوصف بذلك.
قيل: ومن دفعه فهو كافر، وإنَّما الخلاف في معنى كونه مريداً وهو على ما حكاه المصنف، والخلاف في تفصيل كونه كارهاً كالخلاف في كونه مريداً إلاَّ أن املجبرة مع موافقتهم في إثبات صفة له تعالى بكونه مريداً قالوا: في كونه كارهاً: المرجع به إلى أنه غير مريد ولم يثبتوا له بكونه كارهاً صفة وكلامهم واضح البطلان، فإن الذي دل على أنَّ له بكونه مريداً صفة هو بعينه الدال على أن له بكونه كارهاً صفة فليس ما قالوه بأولى من العكس.
وذهبت المطرفية إلى أن المرجع بكونه مريداً وإرادته إلى الفعل الذي أراده وذلك باطل فإن إرادة الواحد منا ليست مراده إذ قد يكون من فعله والمراد من فعل غيره والإرادة لاتبقى وكثير من المرادات تبقى كالتأليف ونحوه، وإذا كان المراد في حقنا غير الإرادة فكذلك في حقه تعالى.
قوله: (وسبيلنا أن ندل على صحة هذه الصفة في حقه تعالى ثُمَّ على ثبوتها).
يقال: ما الملجئ إلى إفراد الدلالة على صحتها وعدم الاكتفاء بإيراد الدلالة على ثبوتها كما في سائر صفاته تعالى.
والجواب: أن الملجئ إلى ذلك كونها صفة معنوية فالمؤثر في صحتها غير المؤثر في وجوبها بخلاف صفاته تعالى المقتضاة فإن المؤثر في صحتها هو المؤثر في وجوبها ولن كثيراً من المعتزلة مخالفون في صحة هذه الصفة عليه تعالى وإذا كان المصحح لها في الشاهد الحيية وقد حصلت ف يحقه تعالى وجب أن تصح عليه لحصول المصحح في حقه.
فإن قيل: ومن أين أن المصحح لهذه الصفة في الشاهد هي الحيية؟
قلنا: لأن صحتها تحصل بحصول الحيية وتنتفي بانتفائها وليس ههنا ما يعلق تصحيح كونه مريداً به أولى من كونه حياً وإلاَّ لزم حصول الحيية مع عدم حصول الصحة بأن لايقع ذلك الأمر المصحح أو حصولها مع عدم حصول الحيية بأن يقع ذلك المر ومعلوم خلافه.

فإن قيل: إنَّما صح في كل حي في الشاهد أن يكون مريداً لحصول شرط تصحيح كونه حياً لهذه الصفة وهو بنية القلب وهذا الشرط لم يحصل في حقه تعالى فلا تصح هذه الصفة عليه لأن المشروط لايحصل بدون الشرط.
قلنا: إن المصحح إذا اختلفت كيفية استحقاقه جاز اختلاف شرط تصحيحه والحيية كيفية استحقاقها مختلفة في حقه تعالى وفي حقنا فجاز اختلاف الشرط ولايقدح اختلافه في تصحيح المصحح فأما ثبوت هذه الصفة في حقه تعالى فالدليل عليه ما ذكره رحمه الله ومن الأدلة على ذلك أشار إليه آخراً بقوله: يزيده وضوحاً، والضمير في يزيده عائد إلى ثبوت الصفة له تعالى، وهو دليل ذكره المتقدمون من المتكلمين وهذبه الشيخ الحسن وتحقيقه: أنَّه تعالى علمنا بوجوب الواجبات وخلق فينا النفار عنها وأعلمنا بقبح المقبحات وخلق فينا الشهوات لها مع التمكين من ذلك وزوال الإلجاء إلى فعل الواجب وترك القبيح ولم يعيننا تعالى عن القبيح ولاعن الإخلال بالواجب فلا بد من أن يريد منا فعل الواجب ويكره منا فعل القبيح وإلاَّ كان تعالى مغرياً بفعل القبيح وترك الواجب وهو خلاف العرض بالتكليف وذلك قبيح منه تعالى وهو تعالى لايفعل القبيح على ما قد تقرر بالدلة في موضعه.
فصل
والباري تعالى يستحق هذه الصفة لمعنى محدث كالشاهد، والخلاف فيه على ما حكاه المصنف رحمه الله إلاَّ أن الكلابية تقول أنَّه مريد بإرادة أزلية ولافرق بين قولهم وقول الأشعرية وقد اتفقوا جميعاً على أن هذه افرادة لاهي الله ولاهي غيره، وذهبوا إلى نفي الصفة الَّتِي هي كونه كارهاً على ما تقدم وقد ذهبت المطرفية إلى أن المرجع بإرادته تعالى إلى الفعل الذي أراده كما تقدم وتعلقوا بكلام روي عن الإمام الهادي إلى الحق قدس الله روحه أن إرادة الله مرادة ويؤل بحذف كاف التشبيه ويكون تقديره: كمراده ولهذا قال فيما روي من كلامه بعد ذلك وكلاهما فعله وإيجاده.
قوله: (والحال واحدة والشرط واحد).

أما الحال فهي كونه حياً لنها الَّتِي تصحح المريدية وضدها على ما تقدم، وأما الشرط فقيل وجوده تعالى ويمكن اعتراضه بأنه كان يلزم صحة هذه الصفة عليه تعالى في الأزل لحصول حالها وشرطها ولو صح ذلك للزم أن يكون صفة ذاتية أو مقتضاة وهو محال.
ويمكن الجواب بأن ذلك يؤدي إلى ما ذكر لنا سنقرر أنَّه لايستحقها تعالى إلاَّ لمعنى من فعله ولايجوز صدور الأفعال عنه تعالى فيما لم يزل فلهذا لم يجز حصولها له في الأزل لاستحالة حصول الموجب لها حينئذ لا لستحالتها فهي صحيحة في تلك الحال فلا يلزم من ذلك كونها ذاتية أو مقتضاة. وقيل: بل الشرط صحة وجود المراد في الحال لأنَّه قد ثبت أنَّه لايصح إرادة الشيء إلاَّ إذا علم المريد أو اعتقد أو ظن صحة حدوثه أو شك في ذلك والباري تعالى لايجوز عليه من ذلك غير العلم وهو لايعلم صحة حدوث المراد إلاَّ إذا صح حدوثه.
قوله: (لنه الذي يشتبه الحال فيه).
يعني لكون من العلماء من ذهب إليه وتعلق في ذلك بحجج أوردها فأما أنَّه يستحقها لمعنى معدوم أو بالفاعل أو لغير ذلك من الأقسام الَّتِي يذكرها أصحابنا فذلك وإن كان إيراده وإبطاله حسناً للاحتمال فالحاجة إليه قليلة لعدم اشتباه الحال فيه.
قوله: (ككونه عالماً لا ككونه قادراً).
يعني فلا يقال أليس كونه قادراً يستحقها تعالى لذاته ومع ذلك فلم يلزم أن يكون قادراً على جميع المقدورات ولا على كل ما يصح أن يقدر عليه لما بين من الفرق وهو أن كونه مريداً يشبه كونه عالماً لأنَّه كما يصح معلوم بين عالمين يصح مراد بين مرادين كما إذا أراد زيد وعمرو قيام بكر بخلاف كونه قادراً فإنه لايصح مقدور بين قادرين فإذا كانت المريدية أشبه بالعالمية فلا كلام في أنَّه تعالى يعلم جميع ما يصح أن يعلم فكذلك يلزم في المريدية إذا اتحدت جهة استحقاقها.

قوله: (لاسيما على مذهب الخصم) يعني الأشعرية والنجارية فإنه يلزمهم وقوعه مطلقاً سراً كان من مقدوراته تعالى أو من مقدوراتنا لما يذهبون إليه من أن ما يريده تعالى فهو واقع لامحالة مطلقاً فأما نشوب المعتمر فالذي يلزمه وقوع جميع ما يصححدوثه من مقدوراته تعالى لأنَّه إذا كان مريداً لذاته فلا بد من أن يريد جميع ما يصح أن يراد وهو ما يصح حدوثه من مقدوراته تعالى ومقدوراتنا، وإذا أراد جميع ما يصح أن يراد من مقدوراته أو هو مما يصح حدوثه مع أنَّه لايصح المنع عليه تعالى وجب أن يوقعه لأن من حق القادر إذا أراد مقدوراً له ولامانع له من إيجاده أن يوجده.
قوله: (لأن عنده) إلى آخره.
هذا يختص الأشاعرة والنجارية فأما بشر فإذا اعتذر بأن الإرادة تتبع الداعي قلنا له: لانسلم ذلك ولايتأتى لك مع ما تذهب إليه لأن الصفة الذاتية لاتقف على أمر فلا يقف كونه مريداً للشيء مع كونه يستحقها لذاته على عالميته بحصول نفع لغير أو دفع ضرر عنه مع الحسن وإنَّما يتأتى ذلك مع جعلها معنوية واقعة على فعله تعالى للإرادة فيقال أنه تعالى لايفعل الإرادة لشيء إلاَّ إذا دعاه الداعي إليه.
قوله: (وبهذا يبطل كون إرادتي الضدين ضدين).
اعلم أولاً أن هذه مسألة خلاف بين المشائخ فالذي ذهب إليه أبو هاشم أخيراً والجمهور من أصحابنا أن إرادتي الضدين لاتتضادان وذهب الشيخ أبو علي وهو قول أبي هاشم أولاً إلى تضادها بين الإرادتين فمن الأدلة على صحة كلام الجمهور ما ذكره المصنف من أنه يصح من مريد واحد أن يريد حدوث الضدين إذا اعتقد صحة حدوثهما وعدم تنافيهما لن الإرادة تتبع اعتقاد صحة الحدوث فلو كانت الإرادتان متضادتين لما صح ذلك وفي هذه املسألة أدلة كثيرة وخبط كثير وهو بموضعه أليق.
قوله: (وهو محال عندهم).

إنَّما قال عندهم لأنهم يطلقون القول باستحالة تخلف مراده تعالى سواء كان من فعله تعالى ومقدوراته أو مما يختص بالقدرة عليه غيره وإن كنا نحن وهم متفقون على أن ما أراده تعالى من فعله نفسه وجب استمرار وقوعه لكونه تعالى قادراً عليه غير ممنوع منه إذ لايصح المنع عليه وكذلك لو أراد وقوع فعل غيره على وجه الإلجاء استحال تخلفه أيضاً.
قوله: (لاسيما على مذهب الخصم).
يعني الأشاعرة والنجارية لكنه يقال لافرق في القول بصحة خروجه تعالى عن تلك الصفة بين مذهبنا ومذهبهم فإنا وإن كنا نقول بأن إرادة الباري لإيمان زيد تستمر بعد كفره نقول بمثل ما قالوه من وجه آخر وهو أنَّه تعالى إنَّما يريد الشيء إذا أراده قبل وجودته فإذا وجد أو استحال وجوده ينقضي وقته مثلاً خرج تعالى عن كونه مريداً له.
قوله: (وليس لهم أن يقيسوه على صورة العلم).
صورة القياس أن يقولوا أليس عندكم أنَّه تعالى عالم لذاته، وقد تعلقت عالميته بأنه لايقيم القيامة إلاَّ في وقتها المخصوص ولايخلق لزيد إلاَّ رأساً وذهبتم مع هذا إلى أنه لايجوز أن يقع خلاف ما علمه تعالى لأنَّه يؤدي إلى انقلاب علمه جهلاً ولم يؤد ذلك إلى نفي التخير فهلا جاز لنا أن نقول بأن إرادته تعالى متعلقة بذلك ولايقع خلاف ما أراده ولايلزم نفي التخير.
وتقرير الجواب الذي ذكره أنا وإن قلنا بما ذكرتموه من تعلق العالمية وعدم وقوع خلاف ما تعلقت به فإنا نذهب إلى أن قادريته تعالى متعلقة بخلاف ما علمه وأنه يصح منه تعالى فعله فلا يؤدي إلى نفي التحيز بخلاف ما تذهبون إليه فإنكم تقولون لايجوز تعلق الإرادة بخلاف المعلوم وإذا لم يجز تعلقها به لم تتعلق به القادرية لن تعلقها تابع لتعلق الإرادة عندكم فيصح ما ألزمناكم من نفي التخير وهذا تلخيص ما أشار إليه من الجواب وكان الأولى أن يقول بدلاً عن قوله ولاتجيزون تعلق القدرة بخلاف ما تعلقت به الإرادة إن صح أنهم يقولون بذلك.

62 / 158
ع
En
A+
A-