وقال في قوله تعالى: {لعلكم تشركون} أراد أن يشكروا النعمة في العفو عنكم، وأهمل جار الله الكلام في تأويل: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً} والذي يناسب ما ذكره أن المعنى وظهر ضعفكم لأن العلم لما كان تابعاً للمعلوم كان في ظهور المعلوم حصوله وعلى هذا فقس: {حتى نعلم المجاهدين} لنه لم يتعرض له.
فصل في أنَّه يستحق هذه الصفات الأربع
الَّتِي هي القادرية والعالمية والحيية والوجود فيما لم يزل وفيما لايزال.
قوله: (أما على القول بأنها ذاتية فظاهر).
يعني لما تقدم من أن خروج الموصوف عن صفة ذاته لايجوز وذاته تعالى ثابتة فيما لم يزل وفيما لايزال على ما تقدم أيضاً من أنه قديم دائم.
قولهم: (فلأنها).
يعني الصفات الأربع مقتضاة بشرط مستدام قد تقدم ذكر الشروط في اقتضائها ولاكلام في أنَّها غير متجددة ولايصح زوالها.
قوله: (فأما كونه مدركاً) إلى آخره.
يعني فلايقال: يلزمكم أن يكون تعالى مدركاً في الأزل لحصول المقتضي حينئذ وهو كونه حياً لن الشرط في اقتضائها وجود المدرك وهو حينئذ غير حاصل بخلاف الشروط في اقضتاء تلك الصفات الأربع.
تنبيه
الذي يدل على بطلان قول جهم ما قد ثبت من كون المعدومات ذوات وإذا كانت ذوات فهي معلومة إذ لاتكون الذات ذاتاً إلاَّ إذا كانت معلومة وإذا كانت معلومة فلا بد أن يعلمها تعالى لما سيتضح من أنَّه تعالى عالم بجميع أعيان المعلومات، ولعله بنى مذهبه على أن الأشياء المعدومة غير معلومة فإذا تقرر ثبوتها في العدم وثبوت الصفة الذاتية لها الَّتِي عليها نعلم بطلان ما قاله، وكان الأولى تأخير حكاية مذهبه إلى الفصل الذي أتى به عقيب هذا لأنَّه أليق به ولاعلاقة لمذهبه بهذا الفصل.
وقد حكي عن هشام بن عمرو والبردعي وغيرهما مع القول بأنه تعالى عالم فيما لم يزل أنه لايقال: في الأزل أنَّه عالم بالأشياء. قال الحاكم: والأقرب أن خلافهم في عبارة وأنه يعني هشاماً كان لايسمي المعدوم شيئاً.

فصل في أنَّه تعالى عالم بجميع أعيان المعلومات
قوله: (لأنه تعالى حي).
يعني وكونه حياً يصحح كونه عالماً بجميع المعلومات إذ ليس بتصحيح أن يعلم بعضها أولى من تصحيح أن يعلم البعض الآخر.
قوله: (وهو ذاته تعالى).
يعني على رأي أبي علي لنه يجعل هذه الصفة ذاتية لكنه يقال إن من جعلها ذاتية لم يجعل ذاته تعالى موجبة لها لأن الذات لاتوجب صفتها الذاتية لكن يقال أن الصفة الذاتية متى صحت وجبت وإلاَّ فلو توقفت على أمر آخر لم تكن ذاتية.
قوله: (وما هو عليه في ذاته).
يعني الصفة الأخص وهذا على رأي البهاشمة.
قوله: (من جملة وتفصيل).
يعني فيعلم قدوم زيد من جملة العشرة مثلاً وقدومه بعينه ونحو ذلك، وروي عن أبي عبدالله وأبي القاسم الواسطي القول بأنه تعالى يعلمها تفصيلاً لاجملة قالا لأن العالم جملة لايعلم كذلك إلاَّ إذا جهل التفصيل، وحكاه في التذكرة عن الواسطي ولم يحكه عن أبي عبدالله ولا عن أبي هاشم.
قال ابن متويه: مالم يوهم وضعنا له بالعلم بالشيء على سبيل الجملة أنَّه غير عالم به على سبيل التفصيل صح ذلك.
قوله: (وهو بناء على مذهبه في أن الجملي هو التفصيلي).
يقال: ليس مذهبه الذي ذكرت أنَّه بنى عليه يوجب قوله بأنه تعالى لايعلم الأشياء جملة لأنَّه يعترف بأنه تعالى يعلمها تفصيلاً وقد جعل الجملي والتفصيلي واحداً فما موجب التنافي؟
والجواب: أن أبا هاشم يقول لابد أن يعلم الأشياء تفصيلاً إذ لايجوز عليه الجهل، وإذا علمها تفصيلاً فقد تعلقت عالميته بها وإذا كانت عالميته قد تعلقت بها لم يصح وصفه بأنه يعلمها جملة إذ الجمل يهو التفصيلي مالم يتعلق وعالميته تعالى قد تعلقت.
قوله: (ومثل هذا إخباره عليه السلام بأن صلة الرحم تزيد في العمر).

ورد في الأثر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين فيزده الله إلى ثلاث وثلاثين سنة. فالشرط ههنا صلة الرحم والمشروط زيادة العمر فلا بد من أن يعترفوا بأن الله تعالى عالم أن هذا إن لم يصل رحمه لم يزد هذه الزيادة في عمره أو إن وصل رحمه زيادة أتاها في عمره.
فإن قيل: القول بأنه تعالى يعلم الشيء مشروطاً يقتضي في حقه تعالى عدم القطع بذلك الأمر الذي علمه تعالى مشروطاً فيكون قد حصل فيه تعالى معنى الشك وهو يتعالى عن ذلك.
قلنا: إن الشرط يدخل في المعلوم لا في كونه تعالى عالماً وقد قال تعالى: {ولو أن أهل الكتاب آمنوا} فهذا إخبار بشرط والخبر لايصدر منه تعالى إلاَّ مطابقاً لعالميته وأيضاً فهو عالم لذاته فلا يختص بمعلوم دون معلوم ولا بوجه دون وجه.
تنبيه
روي عن معمر أنَّه تعالى يعلم غيره ولايعلم ذاته وأنكر ذلك عنه أصحابنا وروي عن هشام بن الحكم أنَّه تعالى يعلم الأمور المستقبلة كما لايدركها وروي أيضاً عكس هذا عن معمر وهو أنَّه تعالى لايعلم الأشياء الموجودة كما لايقدر عليها وكذب أصحابنا هذه الرواية عنه.
فإن قيل: قد قال تعالى: {وأحصى ل شيء عدداً} وهذا يقضي بأن معلوماته منحصرة.
قلنا: قد تأولت الآية على أن المراد الموجودات من معلوماته ولامانع من تخصيص عموم الآية بالأدلة القاطعة ذكره في المحيط. وقال جار الله: أراد من القطر والرمل وورق الأشجار وزبد البحار.
فصل في أن الله تعالى قادر على جميع أجناس المقدورات
قوله: (لصحة معلوم بين عالمين).
اعلم أنَّه لاخلاف فيه وإنَّما صح معلوم واحد بين عالمين وأكثر لأنَّه يعلم على ما هو عليه في ذاته من صفته الذاتية الَّتِي تصحح كونه معلوماً وحالها مع العالمين على سواء.
فإن قيل: أليس العلم يصحح أحكامه ويثبت للعالم به تأثيراً فيه فيلزم من ذلك أثر بين مؤثرين؟

قلنا: إن التأثير في الأحكام لكونه قادراً وكونه عالماً إنَّما هو شرط فيمن كان قادراً على الأحكام من العالمين فعالميته شرط في تأثير قادريته في ذلك.
قوله: (ولكنه يقدر على أجناسها).
يعني فإذا صح من أحدنا فعل كون معين مثلاً ففعله لايصح منه تعالى ولكن فعل مثله وهكذا في سائر مقدوراتنا.
قوله: (وهذا مذهب الجمهور من الشيوخ).
أي القول باستحالة مقدور بين قادرين، إلاَّ أبا الحسين واختار عليه السلام جوازه.
قولهك (وأكثر أهل الخبر).
اعلم أن بين كلام أصحابنا المجوزين لمقدور بين قادرين وكلام من أجازه من المجبرة فرقاً وهو أن أصحابنا جعلوه جائزاً من جهة واحدة وهي الحدوث والمجبرة جوزت ذلك من وجهين الحدوث والكسب فجعلوه تعالى قادراً عليه من جهة الحدوث ونحن نقدر عليه بعينه من جهة الكسب.
قوله: (ومقدور عمرو ألا يوجد).
فيه نظر لأن القدرة لاتتعلق إلاَّ بالحداث فكيف يتعلق بألا يوجد ولهذا عدل عنه إلى التمثيل بالحركة والسكون.
قوله: (من حيث أن مقدور عمرو متعلق به).
عائد إلى زيد.
قوله: (وكذلك العكس في عمرو).
يعني فيكون ساكناً من جهته من حيث أراد تسكينه ومتحركاً أيضاً من جهته من حيث أن مقدور زيد متعلق به.
قوله: (لأنه إنَّما كان مقدوراً له قبل وجود الحركة).

يقال: إنا فرضنا الكلام في لزوم وجود السكون معها فأما بعده فما ذكرته مسلم لأنها إذا وجدت فقد منعت من وجوده في وقته وهو مما يختص بوقت في وجوده إذا كان مقدوراً لنا والمنع المقارن يخرج القادر عن كونه قادراً على الممنوع منه وتحقيق الاعتراض أن ما قاله المتأخرون من لزوم أن يوجد السكون من جهة زيد والحركة من جهة عمرو غير واضح لن زيداً إنَّما دعاه الداعي إلى الحركة دون السكون فيوجد منه ما دعاه الداعي إليه وهو الحركة دون مالم يدعه الداعي إليه وهو السكون فلا يلزم وجوده منه من جهته وإن كان متعلقاً به بأن يكون قادراً عليه فإنه لايلزم وجود ما تعلق بنا إلاَّ إذا دعانا إليه داع وقصدنا إلى فعله وهكذا الكلام في عمرو فإذا أراد أحدهما تحريكه والاخر تسكينه فمن كان أكثر قدراً وجد ما دعاه الداعي إليه دون ما دعا الآخر الداعي إليه.
قوله: (وهذا حكم كل ضدين يتعلقان بالقادر).
يعني أنَّه لايقدر على إحداثهما إلاَّ على البدل فيكون قبل وجودهما قادراً على إيجاد أيهما شاء فأما بعد وجود أحدهما مع كون الآخر يختص بالوقت الذي وجد فيه أو وجودهما فقد خرج عن كونه قادراً عليهما.
قوله: (وفيه نظر إلاَّ أن يبنى على تزايد الوجود).
يعني لأنَّه إذا كان الواقع من جهة القادرين وجوداً واحداً وقد حصل من القادر الاخر وجود أيضاً فما الوجه في كون الصادر منهما أولى بالوقوع إلاَّ أن يبنى على تزايد الوجود فيقال هو أولى من جهتها لأنهما يكسبان الفعل وجودين من كل واحد منهما وجوداً والقادر الآخر لايكسبه إلاَّ وجوداً واحداً فكان ما فعلاه هو المانع لما فعله من حيث اختص بوجود زائد، وقد ذكر الإمام يحيى عليه المسلام مضمون اعتراض ابن الملاحمي ونظر عليه أيضاً وجعل الاعتراض أنَّه وإن لم يظهر الفرق تحقيقاً فإنه يظهر تقديراً فإنا لو قدرنا عدم أحدهما لأثر فيه الآخر.
قوله: (وكلام الجمهور معارض) إلى آخره.

يمكن الجواب بأن يقال بل طرو جزأين من البياض ينفصل عن طرو جزء لا من حيث النفي فحكمهما في ذلك وهو نفي السواد كحكم الجزء الواحد لكنهما ينفصلان عنه بأنه يحصل لحصولهما في المحل الواحد من شدة البياض مالم يكن يحصل بجزء واحد فقد حصل الانفصال ههنا فلا تثبت المعارضة.
قوله: (ولايقدر أحدنا عليه إلاَّ مسبباً).
مثاله: أن يكون ههنا صوت مقدور له تعالى ولنا فالصوت لايصح منا إلاَّ مسبباً عن الاعتماد وهو يصح منه تعالى ابتداء إذ لافعل من الأفعال إلاَّ ويصح منه تعالى إيجاد جنسه مبتدأ.
قوله: 0وبهذا اعترض قولهم) إلى آخره.
يعني فقال بل يصح من أحدهما إيجاده في محل قدرته من غير سبب ويصح من الآخر إيجاده في ذلك المحل بعينه مسبباً عن الاعتماد إذ لايجوز أن يعدى أحدنا الفعل إلى غيره إلاَّ بالعتماد فيكون محتاجاً إلى السبب حيث يكون الفاعل له من ليس محل قدرته له بمحل غير محتاج إليه حيث يكون الفاعل من محل قدرته محل له.
قوله: (وإلا كان مثلاً للتأليف).
يعني لن الحلول في محلين هو حكم التأليف الخاص فما شاركه فيه وجب أن يماثله ونحن فرضنا الكلام في مقدور ليس بتأليف ككون مثلاً.
تنبيه
قد استدل على استحالة مقدور بين قادرين بأدلة غير الأدلة الَّتِي ذكرها المصنف، فمنها أنه كما استحال معلول بين علتين يجب أيضاً أن يستحيل مقدور بين قادرين. واعترضه الإمام يحيى بأن الدليل قد دل على استحالة تعليل المعلول الواحد بعلتين فإن حصل المانع هذا في مسألتنا بطل القياس يعني ومنعنا من صحة مقدور بين قادرين لذلك المانع لا للقياس وإن لم يحصل منعنا الحكم وهو استحالة مقدور بين قادرين هذا معنى ما ذكره.
ومنها: أنَّه يلزم على القول بمقدور بين قادرين كون الفعل حسناً قبيحاً بأن يريد أحدهما إيجاد المقدور على جهة القربة ويريد أدهما إيجاده على جهة المعصية وفي ذلك ثبوت كونه حسناً قبيحاً.

واعترضه ابن الملاحمي بأنه لايمتنع ثبوت الوصفين لفعل واحد مع استناد كل واحد منهما إلى غير من يستند إليه الآخر فلا تدافع في ذلك بالنظر إلى القادرين.
ومنها: ما ينبني على مذهب الشيخ الحسن في أن الحلول بالفاعل وهو أن يقال لو صح مقدور بين قادرين لجاز أن يريد أحدهما إيجاد ذلك المقدور في محل ويريد الآخر إيجاده في غيره من المحال وحينئذ إما أن يوجد مرادهما معاً أو لايوجد أو يوجد مراد أحدهما دون الاخر والأول باطلن لأنَّه يلزم منه حلول الذات الواحدة في محلين وهو محال، والثاني باطل لأنَّه يلزم منه خروجهما عن كونهما قادرين، والثالث يقتضي كونه مقدوراً لأحدهما وهو الذي وجد مراده ويبطل كونه مقدوراً للآخر الذي لم يوجد مراده وبهذا يبطل صحة مقدور بين قادرين فإن يصح ما قاله الشيخ الحسن وذهب إليه وهو الأقرب فلا كلام في قوة هذا الدليل فأما على مذهب الجمهور في الحلول فلا يتأتى إذ هم يقولون بأنه يختص في الحلول بمحل معين ولايصح حلوله في غيره فالذي يوجد مراده هو من أراد حلوله في ذلك المحل ولايخرج ذلك المقدور عن كونه مقدوراً لمن لم يوجد مراده لأن السبب في عدم إيجاده له محاولته لوجوده في محل لايصح وجوده فيه، وإن أراد كلاهما وجوده في محلين غير محله المعين لم يصح أيضاً، ولم يوجد أي مراديهما.

ومنها: أنَّه لو صح مقدور بين قادرين لصح أن يريدا معاً إيجاده في وقت واحد وإذا أرادا ذلك وحاولاه فإما أن يوجداه معاً أو أحدهما أو لايوجده واحد منهما إن أثرا فيه معاً فأما أن يكون تأثيرهما في وجودين له أو في وجود واحد، الأول باطل لأن الخصم لايحصل الوجود زائداً على الذات فلقيام الدليل على أن الوجود لايتزايد، والثاني باطل لأن اشتراكهما في وجود واحد هو بأن يؤثر أحدهما في نصفه أو ثلثه أو ربعة والآخر في البقية وهذا يؤدي إلى تجزئ صفة الوجود وأن لها نصفاً وثلثاً وربعاً ونحو ذلك وهو باطل بالضرورة ثُمَّ أنَّه لو صح ذلك لم يحصل منه مرادهم من مقدور بين قادرين لأن لكل واحد منهما أثراً غير أثر الآخر فحصل ما أردناه من أنَّه لامقدور بينهما وإن أوجده أحدهما قضى ذلك بأنه مقدور له فقط دون الآخر وإن لم يوجده واحد منهما خرج عن كونه مقدوراً لهما.
قوله: (وأما الطريق الثانية).
يعني في الكلام على مقدور بين قادرين من جهتين بأن يكون له وجودان أو أكثر يتعلق كل واحد من تلك الوجودات بقادر.
واعلم أن الكلام في هذه الطريق هو على جهة التقدير بمعنى أنا لو قدرنا صحة تزايد الوجود وصحة ثبوت وجودين أو أكثر لذات واحدة هل كان يصح ذلك وإلاَّ فقد تقدم في فصل الصفات الدلالة على أن صفة الوجود لاتتزايد وكذلك فمجاراة أبي الحسين وابن الملاحمي في هذه الطريق مجاراة على مذهب خصومهم في الوجود وأنه زائد على ذات الموجود وأما على مذهبهما من كونه ليس بزائد على الذات فكيف يتصور أن يجعلا للمقدور الواحد وجودين والوجود نفس الذات ثُمَّ كيف يتصور ذلك في مقدوراتنا وعندهم أنَّها صفات والصفة لايثبت لها وجود واحد فضلاً عن وجودين.
قوله: (لم تكن بأن يظهر عندها الصفة المقتضاة أولى من ألا تظهر).

يعني صفة تلك الذات الَّتِي تزايدت صفة الوجود في حقها والوجه فيما قاله أنَّه قد تقرر أن وجود الذات شرط في ظهور صفتها المقتضاة عن الصفة الذاتية وظهور الأحكام المقتضاة عن تلك الصفة المقتضاة فإذا كان لتلك الذات وجودات كثيرة لم يكن بعضها بأن يختص بكونه شرطاً أولى من بعض فتكون شروطاً كلها فإذا قدرنا حصول بعضها فليس بأن تظهر الصفة المقتضاة حينئذ لظهور بعضها أولى من ألا تظهر لعدم حصول جميعها وعلى هذا يتوجه قول المصنف في الاعتراض عليه فإنه يبطل السؤال من أصله يعني فإنها إذا جعلت شروطاً كلها كانت الصفة المقتضاة بأن لاتظهر لعدم اجتماع الشروط أولى من أن تظهر، وإن حصل بعضها كما أن المدركية لما كانت مشروطة بوجود المدرك وصحة الحاسة وانتفاء الموانع لم يصح أن يقال عند حصول بعض هذه الشروط ليست بأن تظهر أولى من ألا تظهر بل تكون أولى بأن لاتظهر.
قوله: (وإن كان ضعيفاً).
يعني من حيث أن وجوداً واحداً يكفي في ذلك الظهور إذ لادلالة على اشتراط وجود غيره.
قوله: (وإن أردتم بقادر واحد فكيف يصح وعندكم أن القدرة لاتتعدى على التفصيل).
الوجود الواحد يجاب عنه بوجهين أحدهما أنا إنَّما قلنا ذلك بناء منا على أن المقدور الواحد لايكون له إلاَّ وجود واحد وكان من مذهبنا أن القدرة لاتتعدى المقدور الواحد فلهذا قلنا أن القدرة لاتتعدى الوجود الواحد فأما إا جعلنا للمقدور الواحد وجودين أو وجودات فنحن نحيز تعلق القدرة على جميع وجوداته.

الوجه الثاني: أنا وإن سلمنا أنَّها لاتتعلق إلاَّ بوجود واحد فما أنكرت أن تكون في هذا القادر الواحد عشر قدر تتعلق كل واحدة منها بوجود لهذا المقدور فعلى هذا يصح منه ممانعة العشر الحركات بالحركة الواحدة الَّتِي لها عشر وجودات ويصح الجواب، وفي قوله: إن القدرة لاتتعدى على التفصيل الوجود الواحد نظر لأن القدرة لاتتعلق على سبيل الجملة ولاتتعدى في التعلق على سبيل الجملة. وقوله: على التفصيل؛ يوهم ذلك، وإنَّما يقال ذلك في العلم فكان الألى أن يقول لاتتعدى على الوجوه المعتبرة.
قوله: (وهي لا تتزايد اتفاقاً).
يقال: أما الخصم فيلزمه القول بتزايدها لأنا إنَّما منعنا تزايدها واقتضاء الصفة الذاتية لأكثر من صفة مقتضاة مما يكشف عنها بمجرده عند اتحاد الشرط فقلنا لو تعدت في الاقتضاء عن المقتضي الواحد إلى ما زاد عليه مع اتحاد شرط الاقتضاء لتعدت ولا حاصر، فيلزم تعديها في الاقتضاء إلى ما لانهاية له فأما إذا تزايدت الشروط فغير مانع أن تتزايد المقتضيات ويكون انحصار اقتضاء الذاتية لها بانحصار شروطها.
واعلم أن هذا الدليل والذي قبله إنَّما يدلان على عدم صحة تزايد الوجود لكنه إذا ثبت ذلك صح ما نحن بصدده من تعذر مقدور بين قادرين من جهتين.
قوله: (بأن ما يتعلق بالقادرين يتبع حالة الحدوث).
يقال: إنَّه إذا فعل له وجوداً فتلك حالة حدوثه وإن كان قد استمر في الوجود من قبل ونحن إنَّما جعلنا تأثير القادرين تابعاً لحالة الحدوث في الوجوه التابعة له فأما الوجود فلم يتكلم عليه ولا ثُمَّ أصل يرد إليه.
تنبيه

60 / 158
ع
En
A+
A-