يعني وإذا لم يعلمها كلها لم يؤمن أن يرتكب بعضها لعدم علمه بقبحه فكيف يصح الاستدلال بالسمع على مذهب لو صح لبطل السمع ثُمَّ أن من مذهبهم أنَّه تعالى يقول ويفعل ما يشاء ولايقبح منه ولا اعتراض عليه فلا يمتنع أن يكون مخبر هذه الآيات لا على ما تناوله ولكن أكثرهم يقول بامتناع الكذب عليه ولايجيزون أن يقول تعالى ما ليس بصحيح لكن ذلك غير مسلم لهم لاستقامته على قواعدهم على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قوله: (لأن الباني مثل هذا للإلصاق بما هو له في الفعل).
ها كلام ركيك غاية وكان الأولى أن يقول للاستعانة بدل الإلصاق فإن الَّتِي للإلصاق مثل: {وامسحوا برؤوسكم} ولهم أن يقولوا الباء هنا للمصاحبة كما في شرى الفرس بسرجه ولجامه.
قوله: (أي معلومك).
يعني الذي علمته منا من السيئات.
قوله: (لكنا قد أحدنا ببعض علمه القائم بذاته).
يعني إذا شاء تعالى أن يحيط به لأنَّه استثنى من الإحاطة المنفية الإحاطة عند المشيئة وهو محال لأن علمه لايبعض كما قدمه.
قوله: (لن لهم أن يقلبوا علينا فيقولوا عندكم أن العلم هنا بمعنى العالم).
فيه نظر فإنه يكون المعنى: وفوق كل ذي عالم. فلا يتأتى أن يكون العلم هنا بمعنى العالم عندنا، وكان الأولى أن يقول عندكم أن ذا العلم هو العالم وأنه لم يقدصه لعلم المعنى الاصطلاحي، وقد أجيب عن هذا بأن قيل الآية وإن كان ظاهرها يقضي بأن فوق كل عالم عليماً على لغة العرب إلاَّ أنا أخرجنا الباري تعالى عن أن يكون فوقه من هو أعلم منه بضرورة الدين وإجماع المسلمين، هكذا ذكره ابن الملاحمي وإن قالوا: وكذلك نقول.
قلنا: لايصح لكم الاستدلال بالإجماع لأنه سمعي ولايصح لكم الاستدلال بالسمع.
قوله: (فلا يكون بد من التأويل).

يعني على كلامنا وكلامهم فنتأوله بأن المعنى: وفوق كل عالم من المخلوقين ويتأولونه كذلك أو بتقدير صفة أي وفوق كل ذي علم حادث والتحقيق أنَّه من العموم المخصص و أن ذلك هو المرجوع إليه على المذهبين معاً.
قوله: (من حيث أن الشدة والمتانة إنَّما يستعملان في الأجسام).
يعني فإذا لم يكن بد من تأويل الآيات من وجه لم يمكن تبقيتها على ظاهرها تؤولت من جميع الوجوه، وفه نظر فإنا وإن تأولنا الشدة والمتانة لمخالفته لما اتفقنا عليه نحن وهم فلا يلزم من تأويله تأويل لفظ القوة ولكن تناول لمخالفته الأدلة العقلية وقد جرت عادة أصحابنا أن الخصوم إذا احتجوا بآية يحتاج إلى تأويل شيء من معانيها عندنا وعندهم قالوا وكذلك نتأولها من هذا الوجه الذي احتججتم به علينا ولعل ذلك من حث أنَّها إذا احتاج شيء منها إلى التأويل كانت من الآيات المتشابهة غير المحكمة المسلوك بها مسلك المجاز لا الحقيقة ولا كلام في صحة تأويل الآيات المتشابهة الواردة على غير حقيقتها وإنَّما قال أن الشدة والمتانة إنَّما يستعملان في الجسام لأن المتانة الصلابة والمتين الصليب.
قال الجوهري: المتن من الأرض ما صلب واترتفع والجمع متان ومتن الشيء بالضم متانة فهو متين أي صلب انتهى. والشديد مثله وقوله تعالى في هذه الاية المتين أراد به الشديد القوة.
تنبيه
اعلم أن شبه المجبرة ههنا وإن اختصت بالعلم والقدرة دون غيرهما مما يثبتونه من المعاني فإنما اقتصروا عليها لأنها لو صحت وثبت لهم أنَّه تعالى قادر بقدرة وعالم بعلم ليثبت لهم ذلك في سائر المعاني الَّتِي يثبتونها لن الطريقة في الجميع واحدة وكذلك متى بطل ثبوت شيء من هذه المعاني في حقه بطل ثبوت سائرها.

فصل في أنَّه تعالى لايجوز أن يستحقها
أي يستحق صفاته المتقدم ذكرها لمعان محدثة كما يقوله هشام بن الحكم في كونه تعالى عالماً فإن عنده أنَّه تعالى يستحق كونه عالماً لمعنى محدث وهو مذهب جهم بن صفوان وإليه ذهب قوم من الروافض ولم يشتهر عن هشام في باقي صفاته تعالى القول بأنه يستحقها لمعان محدثة وإنَّما حكى ذلك عنه حكاية غير شهيرة.
قوله: (إن هذه الصفات ثابتة لم تزل).
يقال: هذا استدلال بمجرد مذهبك وإنَّما يثبت لك أنَّها ثابتة في الزل إذا استحقها لذاته وأنت الآن منازع في ذلك فبين أولاً أنَّه لا يستحقها لمعان محدثة ليتم ما ذكرته.
قوله: (لابد أن يكون هو الله تعالى).
يعني فأما غيره فيستحيل أن يحدثها له لأنَّه إن جعل قديماً فسيأتي أنَّه لاقديم غيره، وإن كان محدثاً فإحداثه لها إنَّما يصح إذا كان قادراً حياً ولايصح أن يكون محدثه غيره تعالى وهو لايحدثه تعالى إلاَّ بعد أن يكون قادراً عالماً حياً فيؤدي إلى الدور.
قوله: (وهو لايحدثها) إلى آخره.
أي لايحدث المعاني الَّتِي هي القدرة والعلم والحياة إلاَّ بعد أن يكون قادراً عالماً حياً فيؤدي إلى الدور أيضاً فلا يكون قادراً إلاَّ بعد حصول القدرة ولا تحصل القدرة إلاَّ بعد أن يحدثها ولايحدثها إلاَّ بعد أن يكون قادراً ولايكون قادراً إلاَّ بعد أن يكون حياً ولايكون حياً إلاَّ بعد أن يحدث الحياة ولايحدثها إلاَّ بعد أن يكون قادراً وكذلك فلا يحدث الحياة إلاَّ بعد أن يكون قادراً ولايكون قادراً إلاَّ بعد أن يكون حياً ولايكون حياً إلاَّ بعد أن يحدث الحياة.
قوله: (والذي يشتبه) إلى آخره.
أي والذي يشتبه الحال فيه فقد يظن أنَّه لايؤدي إلى دور هو العلم فيقال: لايحتاج في إحداثه إلى أن يكون عالماً.
قوله: (وكيفية الإلحاق).
كيفية الإلحاق أن يقول: هذا ظلم وكل ظلم قبيح فهذا قبيح وقد تقرر بما ذكره المصنف أن العلم لايقع إلاَّ من عالم فلزم الخصم فيه مثل ما تقدم في الحياة والقدرة من الدور.

قوله: (لاوحده لا في محل).
يعني لاستحالة أن يوجده تعالى في ذاته إذ ليس بمحل فأما هشام فيقول بأنه تعالى يوجده في ذاته إذ مذهبه التجسيم.
قوله: (وبهذا يفارق القائلين بالعلم المحدث).
أي بأن فعل ذلك المتجدد تعلقاً موجباً عن الذات وإن كان قد صرح بأنه تعالى يعلم حصول الشيء الحادث بعد أن لم يكن عالماً بحصوله لكن المرجع بالعلم عنده إلى تجدد التعلق.
قوله: (وهذا مستمر).
يعني علمه تعالى بأن الشيء سيوجد بعد وجوده والمراد أنَّه بعد وجوده يكون عالماً بأن له حالة عدم في الوقات المتقدمة وأن له حالة وجود بعد تلك الأوقات هذا رأي أبي الحسين وخالفه ابن الملاحمي فقال: بل إذا وجد المعلوم زال علمه تعالى بأنه سيوجد لانتفاء المتعلق وهو أنَّه سيوجد، قال: وهلا قال أبو الحسين بانتفاء التعلق عند انتفاء المتعلق كما يثبت التعلق عند ثبوت المتعلق.
قوله: (لأنه مع مخالفته لأصول الجمهور) إلى آخره.
يعني من كون العلم بأن الشيء سيوجد علماً بوجوده إذا وجد ومن كون اقتضاء صفته تعالى الأخص للعلامية غير واقف على شرط متجدد بل يقتضيها في الأزل ويفارق الحال فيها الحال في كونه مدركاً إلاَّ أنَّه يقال ليس مخالفة أبي علي لأصول الجمهور من حيث كونها مخالفة لهم ولا إثبات أنَّ له تعالى بكونه عالماً صفات كثيرة متعددة بتعدد المتعلقات يصير كلامه غير سديد مالم يقم دليل على بطلانه ولعل الجواب أنَّه إذا أدَّى ذلك الوجه إلى أن يكون له تعالى بكونه عالماً صفات متعددة بتعدد المعلومات ولاشك أن معلوماته لاتتناهى لزم أن يكون له بكونه عالماً صفات لاتتناهى وثبوت ما لايتناهى محال لكن قد تقدم ما أجيب به عنه.
قوله: (وهذا قريب).

يقال: بل بعيد لأنَّه لو تحدد التعلق وتغاير فأما أن يتماثل التعلقان أو يختلفا والأول باطل لأن تماثلهما لايكون إلاَّ لاتحاد المتعلق ومع اتحاده لايحتاج إلى تحدد التعلق وتعدده والثاني باطل أيضاً للزوم تعدد عالميته تعالى الَّتِي هي المتعلق واختلافها؛ لأن اختلاف المقتضي يدل على اختلاف المقتضى إذا كان المقتضيان من قبيل واحد وأيضاً فلو تعددت تعلقات عالميته تعالى لزم كونها غير متناهية إذ المعلومات غير متناهية، وفيه ثبوت أحكام غير متناهية له تعالى مع كونها ثبوتية زائدة على الذات وهو في الاستحالة كوجود ما لايتناهى من الذوات وثبوت ما لايتناهى من الصفات وأيضاً فلو تعددت متعلقات العالمية لزم أن يكون المتعلق والمتعلق أمرا واحدا بيانه أنَّه تعالى عالم بأنه عالم فالمتعلق هو ذاته تعالى مقيدة بالعالمية والمتعلق ذاته تعالى مقيدة بالعالمية وفيه عدم تميز المتعلق من المتعلَق وهو محال.
فإن قيل: هذا كما يلزم من جعل تعلقات عالمية الله تعالى متعددة بحسب تعدد المعلومات يلزم من جعل تعلقها بجميع المعلومات تعلقاً واحداً.
قلنا: بل لايلزم لأنا نجعل المعلومات كلها كالمعلوم الواحد وحينئذ لا إشكال لأن المتعلق هو الذات مقيدة بالعالمية والمتعلق هو جميع المعلومات لا الذات مقيدة بالعالمية فقط ويحنئذ يتميز المتعلِق من المتعلَق.
قوله: (فإنا نجد مزية لم تكن فلا أقل من أن تكون المزية الحاصلة تعلقاً متجدداً).
فيه سؤال: وهو أن يقال: إن هذه المزية والاختلاف الحاصل إنَّما هو لاختلاف حال المتعلق لا لأمر يرجع إلى التعلق أو المتعلق. بيانه: أن الشيء الذي سيوجد له ثلاث حالات حالة قبل الوجود أنَّه سيوجد وحالة وقت الوجود أنَّه قد وجد، وحالة بعد وجوده أنَّه قد تقضّى وجوده، والعالمية والعلم يتناولانه ويتعلقان به على هذه الحالات تعلقاً واحداً يتناول المتعلق به على أحواله المختلفة.

ولعل الجواب: أن أحدنا يجد المزية والاختلاف راجعين إلى أمر يختص به ويرجع إليه.
قوله: (فإن قال هذا يؤدي إلى أن العلم بأنه سيوجد غير العلم بأنه وجد يعني من حيث أثبتم تعلقين مختلفين فكل تعلق لابد أن يستند إلى صفة غير ما ستند إليه التعلق الاخر.
قوله: (فلا يسلمه).
يعني من حيث أن الصفة الواحدة قد يثبت لها تعلقات مختلفة فليس ثبوت هذين التعلقين يوجب استنادهما إلى صفتين إلاَّ أن ذلك حيث لاتكون تعلقاتها المختلفة من قبيل واحد كتعلقات التحيز فأما إذا كان من قبيل واحد فإنه يلزم ذلك.
قوله: (وخالفهم أبو الحسين فقال هما علمان).
هذا قول أبي الحسين وابن الملاحمي قال الفقيه قاسم: وحكاه أيضاً ابن الملاحيم عن الشيخ أبي علي والشيخ أبي القاسم، أي القول بأنهما علمان متغايران. وقيل: بل حكاه ابن الملاحمي عن أبي الحسين أنهما ذكرا ما يدل على القول بذلك.
قوله: (لن في خلاف ذلك).
يعني وهو عدم تعلقه انقلاب جنسه وذلك لأن تعلق ما يتعلق من المعاني لصفته المقتضاة إذ التعلق من أحكام الصفة المقتضاة ومالم يتعلق من المعاني فذلك لاختصاصه بصفة مقتضاة لايوجب التعلق فلولم يتعلق ما كان متعلقاً لخرج عن صفته المقتضاة الَّتِي توجب التعلق إلى صفة ذات أخرى لاتوجب التعلق، وإنَّما تنقلب الصفة المقتضاة بانقلاب ما يقتضيها من الصفات الذاتية وفي انقلاب الصفة الذاتية انقلاب الذوات وذلك ما أراده بانقلاب جنسه.
قوله: (وهذا الدليل لايستقيم في علم الشاهد).

يعني فلا يدل على أن علم الواحد منا بأن الشيء سيوجد علم بوجوده إذا وجد بل هما علمان وإنَّما يكون علماً واحداً لو كان العلم باقياً فحينئذ كان يستقيم الدليل في حق الشاهد وأما التوصل بذلك إلى أن علمه تعالى بأن الشيء سيود علم بوجوده إذا وجد فمستقيم لأن صفته تعالى مستمرة والكلام متوجه إليها وإنَّما أوضح وجه الدلالة بتصويرها في حق الشاهد وتقدير أنه لو ثبت لنا ما ثبت له تعالى بأن تدوم صفتنا كما دامت صفته تعالى لصح ما قلناه ولايثبت تقدير ذواتها إلاَّ مع تقدير دوام العلم.
قوله: (لكانا متولدين عن نظر واحد).
يعني من حيث أنا إذا نظرنا تقديراً في أن الشمس ستطلع غداً فعلمنا أنَّها ستطلع فإنا نعلم طلوعها في ذلك الوقت من غير نظر آخر وكذلك إذا أخبرنا صادق بأن زيداً سيموت غداً فإنا إذا نظرنا في خبر ذلك النبي حصل لنا العلم بأنه سيموت فالعلم بموته غداً حاصل عن ذلك النظر فلو كانا علمين مختلفين لزم أن يكونا متولدين عن نظر واحد وتعدِّي النظر في الإيجاب محال وإلاَّ لزم تعديه إلى ما لانهاية له.
فإن قيل: هذا لازم لكم في حق الواحد منا فلا شك في أن علمه بطلوعها غير علمه بأنها ستطلع.
قلنا: إنَّه وإن كان كذلك فهو مماثل له عندنا وإذا كان مماثلاً له فهو إنَّما فعله ليذكر النظر والاستدلال ولايتأتى هذا إذا قيل بمخالفته له.
قوله: (لجاز أن يجهل وجوده). يعني بعد وجوده.
قوله: (نشك في هل مات زيد أم لا مع أنا لانشك في أنَّه سيموت) إلى آخره.
فيه إيضاح لما ذكره من الاعتراض على الطرف الثاني من الدليل وهو قولهم ولجاز أن يجهل وجوده مع العلم بأنه سيوجد بالتزام ذلك وإيضاح للاعتراض على الطرف الأول من الدليل وهو أنهما علمان حاصلان عن نظرين.
تنبيه

قد استدل الجمهور أيضاً بالقياس على الخبر قالوا: فإن الخبر بأن زيداً سيموت عند طلوع الشمس خبر بموته عند ذلك الوقت ولايحتاج إلى خبر آخر فإا كان الخبر بأنه سيموت خبراً بموته إذا مات كان العلم بأنه سيموت علماً بموته إذا مات إذ الخبر فرع على العلم.
قوله: (صار العلم جهلاً).
يقال: كيف يجوز ذلك والحسن لاينقلب قبيحاً والعكس فكيف ينقلب العلم وهو حسن جهلاً وهو قبيح.
والجواب: أنَّه لامانع من كون الشيء حسناً ثُمَّ يصيره قبيحاً لأنَّه ليس بحسن ولاقبيح لذاته فيلزم استمرار حسنه أو قبحه بل يحسن ويقبح لوجه يقع عليه فوجه حسن العلم كونه علماً متعلقاً بالشيء على ما هو به فلما زال هذا الوجه وحصل وجه القبح وهو مصيره اعتقاداً متعلقا الشيء لا على ما هو به صار قبيحاً على أن ذلك إنَّما يلزم على القول ببقاء العلوم كما هو مذهب أبي هاشم ولايلزم على القول بأن العلم غير باق.
قوله: (وهذا الذي يريده الشيوخ بقولهم إن العلم من جنس الجهل).
هذه العبارة جرت في كلام أبي هاشم ويقال: إما أنهم يريدون أن العلم قد ينقلب جهلاً فلا، بل مرادهم بأن العلم من جنس الجهل أن اعتقاد كون زيد في الدار على أحد الوجوه وهو فيها لو وجد وليس فيها كان جهلاً لا أنهم يريدون أن العلم قد ينقلب جهلاً فإن ذلك تجويز أن يصير الحسن قبيحاً، ولعلهم لايجيزونه وإن وجه بما تقدم ثُمَّ أن ذلك لايتصور مع القول بعدم البقاء.
وقد أجاب المشائخ عن حجة أبي الحسين بأن قالوا إن العلم بأنه سيعدم علم بقدومه ذلك الوقت بشرط علمه بالوقت والذي في بيت مظلم لم يعلم الوقت واعترض بأن تعلق المعاني والصفات فلا يقف على شرط ولاينفصل عن موجبه.
قوله: (فأما وهو علم واحد..) إلى آخره، فيه مخالفة لأصول الجمهور فإن من أصولهم أن العلم لايتعدى في التعلق على التفصيل من المتعلق الواحد إلى ما زاد عليه ولامن الوجه الواحد إلى ما زاد عليه.
تنبيه

قد أجيب عن أصل شبهة ابن الحكم ومن تابعه بالمعارضة لهم بكونه تعالى قادراً فإن المقدور إذا وجد صار غير قادر عليه ثُمَّ إذا عدم وهو مما يصح إعادته صار قادراً عليه ولم يلزم من ذلك كونه قادراً بقدرة ذكره بعضهم وإنَّما يتأتى هذا على مذهب أبي عبدالله من أن قادريته تعالى لاتتعلق بالموجود فأما مذهب القاضي والذي صححه ابن متويه والحاكم فإنها تتعلق بالموجود إذا كان مما يصح إعادته حجتهم أنَّه يصح منه تعالى أن يفنيه ويعيده فهو مقدور له وهو تعالى قادر عليه على هذا الوجه وتعذر إيجاده له في الحال لايخرجه عن كونه مقدوراً له إذ يصح منه إيجاده من بعد كما أن القادر يقدر على أشياء لا يصح أن يوجدها في الحال لكن لما صح منه إيجادها من بعد صح وصفه بذلك.
حجة أبي عبدالله أنَّه يستحيل منه إيجاده في الحال إذ هو موجود فإذا أفناه عاد قادراً من بعد.
وأجاب الحاكم بأنه يستحيل أن يتجدد له صفته بكونه قادراً لأنَّه قادر لنفسه فعلم أن كونه قادراً عليه صفة مستمرة غير أنه كان لايصح إيجاده في أول أوقات وجوده لمعنى يرجع إليه وفي الثالث يصح إذا أفناه في الثاني.
قال الحاكم: وذهب شيخانا إلى أنه بوجوده يخرج عن أن يكون مقدوراً وإن صح أن يعيده. والجواب ما ذكرناه.
قوله: (أما مع القول بتجدد التعلق فلا كلام).
يعني ويكون معنى قوله تعالى: {حتى يعلم} حتَّى يقع التعلق، ومعنى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً} الآن ومع التخفيف وتعلق علم الله بضعفكم لكنه يقال: إن التعلق ليس هو العلم ولايسمى علماً، والتعلق وإن تجدد فلم تتجدد العالمية ولا العلم.
قوله: (لأنه كيف يكون عرض الحكيم وقوع النفاق).
يعني لأن اللازم في قوله تعالى: {ليعلم} لام العرض فإذا حملنا العلم على المعلوم كان تقديره ليقع المعلوم وهو نفاق من نافق.
قوله: (من نحو {عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون})

يعني فإنه لايتأتى إلاَّ على كلام أبي علي الفارسي وقطرب من أنَّها لام كي، وأما على المعنى الاخر فلا يتأتى إذ لايتصور أن يعلق الرجاء بغيره تعالى.
تنبيه
قد عرفت ما ذكره المصنف من شبه الخصم السمعية وما ذكروه في تأويلها. والجواب عنها: {ولايكلف الله نفساً إلاَّ ما آتاها} ونحن نذكر ما أورده الإمام جار الله في كشافه فإنه الغاية القصوى والدرجة العليا قال في قوله تعالى: {وليعلم الذين نافقوا} ليتميز المؤمنون والمنافقون وليظهر إيمان هؤلاء ونفاق هؤلاء. وقال في قوله تعالى: {لعله يتذكر أو يخشى}: الترجي لهما أي اذهبا على رجائكمها وطمعكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولايخيب سعيه.
وقال في قوله تعالى: {لعلكم تتقون} لعل للترجي نحو لعل زيداً يكرمني، والاشفاق نحو لعله يهينني، وقد جاءت على سبيل الأطماع في مواضع من القرآن، ولكن لأنَّه إطماع من كريم رحيم إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لامحالة لجري إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به ولهذا قال من قال أن لعل بمعنى كي، ولعل لا يكون بمعنى كي، ولكن الحقيقة ما ألقيت إليك. ثُمَّ ذكر أن ذلك جري على ما هو ديدن الملوك في مواعيدهم الَّتِي لابد لهم من إنجازها وقولهم عسى ولعل وبسط في ذلك وأوضحه.
ثُمَّ قال: ولايجوز أن يحمل على رجاء الله تقواهم لأن الرجاء لايجوز على عالم الغيب والشهادة وحمله على أن يخلفهم راجين للتقوى ليس بسديد، ولكن لعل واقعة موقع المجاز لنه تعالى خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف وركب العقول والشهوات وأزاح العلة ومكنهم ووضع في أيديهم زمام الاختيار فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا ومنه: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا}.

59 / 158
ع
En
A+
A-