قوله: (وهو مناقضة) يعني يؤدي إلى المناقضة وهو أن تكون العلة هي المعلول مع أن العلة غير المعلول، وذلك لأن الشيء لايجد حداً حقيقياً بغيره وإنَّما يحد بذتياته فإذا حدوا العالم بالعلم اقتضى أن العلم من ذاتيات العالم وأنه ليس بغير للعالم مع أنَّه علة في كونه عالماص، ومن حقالعلة أن تكون غيراً للمعلول.
قوله: (أن يعلم العلم جملة وتفصيلاً) يعني لأن من حق من علم المحدود أن يعلم الحد فإذا كان العالم من له العلم لزم فيمن علم العالم أن يعلم العلم جملة بأن يعلمه ويعلم قيامه به وتفصيلاً بأن يعلم أنه إنَّما كان عالماً لقيام العلم به وأنه ذات لاصفة وقد ألزم أصحابنا أبا علي قريباً من هذا لما ذهب إلى نفي الأحوال وجعل العلم بأن هذا عالم علماً بالعلم الحاصل له لكن فيما ذكره المصنف نظر لأن العلم بالمحدود جملة لايستلزم العلم بالحداد هو علم بالمحدود تفصيلاً.
قوله: (كقولنا أسود).
يعني فإن الوصف الذي هو قولنا أسود لما كان السواد حقيقة فيه فإنك تقول في حقيقة الأسود هو من حل فيه سواد لزم من اشتراك الجوهرين في كونهما أسودين اشتراكهما في ثبوت السواد لهما وحلوله فيهما، وفيه نظر لأنَّه ليس للأسود بكونه أسود صفة يؤثر فيها السواد وقد ضربه مثلاً للصفة الَّتِي يجب من الاشتراك فيها الاشتراك في المؤثر فيها فكان الأولى أني قتصر في المثال على كونه مدركاً فإن كونه حياً حقيقة فيها فيجب من الاشتراك في المدركية الاشتراك في الحيية والحيية وإن لم تكن مؤثرة في المدركية حقيقة فهي مقتضية لها، ولامقتضي يجري مجرى المؤثر، والمثال الأول ذكره قاضي القضاة على وجه التقريب وذكر الفقيه قاسم هذا المثال الاخر وهو المدركية لما في مثال القاضي من عدم المطابقة ولكن يقال: ومن أين أن كونه حياً حقيقة في كونه مدركاً.
وحاصل ما ذكره قاضي القضاة أن الاشتراك في مجرد الصفة لايقتضي الاشتراك في المؤثر فيها إلاَّ عند أمور ثلاثة:

أحدها: أن يكون المؤثر حقيقة في لاصفة ومثاله ما تقدم.
الثاني: أن تكون تلك الصفة مقتضاة عن المؤثر ومثاله كون المدرك مدركاً مع كونه حياً فالاشتراك في كونه مدركاً يوجب الاشتراك في كونه حياً هذا ما ذكره بعضهم وذكر الفقيه قاسم أن الثاني هو أن يكون مجرد الصفة يقتضي المؤثر فيها، ومثله بالحدوث فإنه بمجرده يدل على المؤثر فيه وهو المحدث، ومراده بقوله يقتضي المؤثر فيها اقتضاء دلالة هذا معنى ما ذكره.
الثالث: أن يكون ما دل على الصفة دل على المؤثر فيها وهذا الثالث عسير المثال ولايمكن تمثيله. قال الفقيه قاسم: إلاَّ أن يجعل مثاله الأسود والسواد وفيه ما تقدم من أنَّه على وجه التقريب فإذا لم يكن أحد هذه الوجوه حاصلاً لم يلزم من الاشتراك في الصفة الاشتراك في المؤثر فيها كالوجود في حقه تعالى وفي حقنا فإنه موجود لذاته ونحن موجودون بالفاعل وكالمنافاة بين الألوان فإنها تثبت لوجوه مختلفة مع اتحاد الحكم، ولو كانت الصفة الثابتة لنا لمؤثر إذا ثبتت له تعالى كان المؤثر فيها ما أثر في صفتنا لزم أن يكون وجوده تعالى بالفاعل كوجودنا.
قوله: (أو كانت الصفة تدل على المؤثر كالحدوث).
يعني تدل بمجردها من دون نظر إلى كيفيتها فإن الحدوث يدل على المحدث الذي أثر فيه بمجرده.
قوله: (ونحن نعلل صحة بقاء الباقي بما هو عليه).
يعني من صفته المقتضاة فإن صحة بقائه من أحكامها وفيه نظر لأن الباقلاني ألزم تعليل البقاء لا تعليل صحته فرد الكلام إلى الصحة غير مطابق فالأولى أن يقال للباقلاني في الجواب لانسلم أن الباقي نفي مع جواز ألا يبقى بل مع وجوب أن يبقى فإن الباقيات لايجوز ألا تبقى وإن جاز أن يطرأ عليها ضد فينفيها في الوقت الثاني.
قوله: (وقريب من هذه الشبهة) إلى آخره.

تحرير هذه الشبهة الَّتِي أشار إليها أن يقال: إن علمنا بكونه تعالى عالماً إما أن يكون علماً بذاته فيلزم فيمن لم يعلمه عالماً ألا يعلم ذاته أو علماً بذاته على حال فيلزم فيمن لم يعلمه عالماً ألا يعلم ذاته، ولاالحال أو فيمن علم أنه ليس بعالم تقديراً أن يعلم ألا ذات ولا حال أو علماً بالعلم وهو المطلوب وإنَّما كانت هذه الشبهة قريبة من الولى لأنَّه لافرق بينهما إلاَّ من حيث أن هذه مصورة في العلم بكونه عالماً وتلك في الخبر عنه وهو قول أهل اللغة فلان عالم.
ويجاب عن هذه أيضاً بأنه ليس يلزم إذا كان علمنا بأنه عالم علماً بذاته على حال أن يكون عدم علمنا بكونه عالماً عدم علم بذاته وبالحال بل عدم علم بثبوت الحال للذات.
قوله: (والجواب أما أبو عبدالله) إلى آخره.
اعلم أن أبا عبدالله بنى جوابه على مذهب له لايوافقه فيه سائر الشيوخ فلهذا أجابوا بغير جوابه، وذلك أنهم جميعاً متفقون على أن الأمر لايصح إلاَّ مع إرادة المأمور به فإذا أمرنا زيداً بأن يعلم فلا بد من إرادتنا لما أمرناه به، ومذهب الشيوخ غير أبي عبدالله أن الإرادة لاتتعلق إلاَّ بالإحداث دون ما يتجدد من الصفات فالإرادة لاتتعلق به فلو جعلوا الأمر أمراً بتجديد الصفة كما ذكره الشيخ أبو عبدالله لزمهم أن يكون تجديد الصفة هو المراد والإرادة عندهم لاتتعلق بذلك فلهذا عدلوا عن جواب أبي عبدالله إلى الجواب الآخر، وكان من مذهب أبي عبدالله أن الإرادة تتعلق بما يتجدد من الصفات كما تتعلق بالأحداث، وإذا كان تجديد الصفات مما يتعلق بالإرادة ويصح تعلقها به صح أن يؤمر به ويكون الأمر به أمرا لإرادة المأمور به وهو تجديد الصفة وجواب سائر المشائخ يصلح أن يكون جواباً له وجواب أبي عبدالله لايكون جواباً إلاَّ عنه إذ لايتأتى إلاَّ على مذهبه.
قوله: (كما في سائر الأفعال).

يعني على مذهبهم فإن عندهم أن جميع الأفعال المتعلقة بنا لانقدر على إحداثها ولا هو بمتعلق بنا مع قدرتنا على الاكتساب وتعلقه بنا ولكنهم لايقولون بصحة الاكتساب إلاَّ حال الحدوث ولايحكمون بقدرتنا على اكتساب الذات إلاَّ في تلك الحال فكيف يأتي على مذهبهم أن يصح منا اكتساب لذات على حال حتَّى نؤمر بالعلم بها مع أنَّها في تلك الحال باقية غير حادثة.
قوله: (ولم تكن متجددة) يحترز به عن المقتضاة من صفات المحدثات كالتحيز فإنها وإن كانت صفة حاصلة مع الوجوب إذ هي مقتضاة فهي محتاجة إلى التعليل لما كانت متجددة بعد أن لم تكن إذ لو لم تثبت لأمر لم يكن بالثبوت أولى من عدمه بل كان يلزم أن تثبت في الزل كالذاتية لعدم التوقف على مؤثر وشرط في تأثيره متجدد وفيما ذكره نظر فإن صفات الباري تعالى المقتضاة ما خلا كونه مدركاً حصلت مع الوجوب من غير تجدد واحتاجت إلى أمر تعلل به على مذهبه. ومذهب سائر البهاشمة.
قوله: (وتوابعها). أراد بتوابعها الصفات والأحكام المقتضاة عنها.
قوله: (في حكاية شبهتهم العلم علة لهذه الصفة). يعنون العالمية وقولهم كما أنَّها لما حصلت يعنون أيضاً العالمية وقولهم دل ذلك على أن الشهوة ليست علة فيها يعنون فلو حصلت في موضع من دون العلم دل ذلك أيضا على أنه ليس بعلمه فيها أصلاً.
قوله: (إنما تعلل الصفة بأمر منفصل إذا حصلت مع الجواز أو تجددت بعد أن لم تكن).
فيه سؤال وهو أن يقال: ما تريد بقولكم بأمر منفصل هل تريد من فاعل أو علة فليس تجدد الصفة بعد أن لم تكن يقتضي تعليلها بفاعل أو علة مالم يكن تجددها مع الجواز أو تريد من فاعل أو علة أو مقتضى فذلك غير مستقيم من وجهين أحدهما أن المقتضي ليس بأمر منفصل عن الذات المستحقة للصفة بل هو أمر ثابت لها.

وثانيهما: أنا نريد ما تعلل بالمقتضي وإن لم يكن متجدداً ولاجائزاً وهو صفات الباري تعالى المقتضاة غير المدركية فكان الولى أن يحذف قوله: بأمر منفصل؛ لأنه يريد نفي أن تعلل كل صفة على الجملة سواء كان بأمر منفصل أو بأمر غير منفصل أو يقتصر على قوله إلاَّ إذا حصلت مع الجواز.
قوله: (لأن العكس لايجب عندنا في العلل).
الذي يقوله أصحابنا في العل الموجبة أنَّه يجب فيها الطرد وهو أنَّه متى حصلت العلة حصل المعلول فإذا حصل العلم مثلاً حصلت العالمية إذ لايجوز وجود العلة غير موجبة ولايوجبون العكس وهو أنَّه متى حصل المعلول على الجملة لا المعلول المعين حصلت العلة إلاَّ إذا حصل المعلول على الوجه الذي لأجله يجب صدوره عن العلة وهو حصوله مع الجواز والحال واحدة والشرط واحد، فإنه يجب فيه العكس فإذا حصلت العالمية مع الجواز والحال واحدة والشرط واحد وجب فيها وفي العلم الطرد والعكس فأما حيث تحصل مجرد الصفة من دون حصولها على هذه الكيفية فالطرد والعكس فيها غير واجبتين، وإذا سبب قلت في جواب الشبهة مسلم حصول الطرد والعكس في العالمية والعلم لكن بشرط حصول العالمية على الكيفية الَّتِي تستدعي إيجاب العلم لها.
واعلم أنَّه لاخلاف في وجوب الطرد والعكس في الحدود وفي أنَّه لايجب العكس في الأدلة فإنه قد يدل على لاشيء الواحد دليلان وأكثر وكذلك العلل الكاشفة لأنها من الأدلة.

قوله: (وإن لم تكن عللاً حقيقية). أما ما قيل به من فساد الصلاة فالأمر في أن الحدث غير علة فيه واضح إذ لم يحصل فيه حقيقة العلة ولكن شابه العلة من حيث أن فساد الصلاة يقع عنده بكل حال كما أن المعلول يقع عند العلة بكل حال، وكذلك انتفاء السواد بالبياض لأنَّه لا ذات هاهنا توجب صفة وقد جعل أصحابنا طرو البياض شرطاً في انتفاء السواد لا علة لأنَّه لو كان علة للزم ألا يوجد إلاَّ موجباً لانتفاء السواد ومعلوم أنَّه إذا لم يصادف في محله سواداً فلا نفي فجعلوه شرطاً وفرقوا بينه وبين سائر الشروط من وجه وهو أن الشروط لاتوجب ما هو مشروط بها ووجود البياض موجب لانتفاء السواد.
إذا عرفت هذا فيقال له إذا لم تكن عللاً حقيقية فالقياس عليها لايتأتى ولايكون حجة على الخصم.
قوله: (وكان الدليل على ثبوت الحركة شاملاً لكل متحيز).
يعني فإن كل متحيز حصل متحركاً مع جواز ألا يحصل بخلاف العالمية فإنها لم تحصل في كل عالم على الوجه الذي لجله يدل على العلم.
قوله: (ومنع الدليل) إلى آخره. يعني ولم يمنع من صحة أن يكون العالم عالماً لذاته أو لغير العلم.
قوله: (وبعد ففي المقدور علوم كثيرة) إلى آخره.
يعني فيم قدور الواحد منا علوم كثيرة بالمعلوم الواحد ثُمَّ قد يوجد بعضها فيوجب كونه عالماً بذلك المعلوم ولايقف كونه عالماً به على العلوم الَّتِي لم يوجدها ولو أوجدها لأوجبت كونه عالماً به ولم يقتضي علمه بذلك المعلوم من دونها أنَّها إذا وجدت لم تكن علة في علاميته به وأنها لاتوجب كونه عالماً به، هذا أقر بما يحمل عليه كلامه.
قوله: (لم يرد بقولنا لذاته طريقة التعليل).

اعلم أن مراد أصحابنا بقولهم في صفاته تعالى أنَّه يستحقها لذاته أن ذاته كافية في ثبوت هذه الصفات له وأنه لايحتاج في حصولها له إلى فاعل أو علة ولهذا فإن بعض علمائنا تجنب هذه العبارة لئلا يوهم التعليل فكان يقول: هو تعالى قادر الذات عالم الذات حي الذات. إن من جعل هذه الصفات مقتضاة عن صفة ذاتية له تعالى لابد له أن يجعل ذاته تعالى المؤثرة في ثبوتها لأن من أصول أصحابنا أن المؤثر في المقتضى هو الذات الَّتِي ثبت لها المقتضي ويجعلون الصفة الَّتِي هي المقتضي تجري مجرى المؤثر.
قوله: (فإنما يقتضي الإيجاب التماثل).
اعلم أن الإيجاب حكم وهو لايقتضيه التماثل وإنَّما تقتضيه الصفة الذاتية الَّتِي هو مقتضى عما هو مقتضى عنها ولكن إراداته إنَّما تكشف عن التماثل إذا كان أخص أحكام الذاتين المتماثلتين فإذا كان كذلك كشف عن صفتين لهما مقتضاتين متماثلتين وهما يكشفان عن صفتين ذاتيتين متماثلتين فيعرف بذلك تماثلهما.
قوله: (والباري تعالى يخالف مخالفه بأمر أخص من الإيجاب).
يعني فلا يلزم من مشاركته تعالى للعلم في الإيجاب أن يماثله لأنَّه يخالف العلم وغيره من الذوات بأمر لم يشاركه العلم وسائر الذوات فيه ذلك الأمر أخص من الإيجاب وهو الصفة الأخص.
قوله: (بل هذا ألزم لهم لإيجاد الإيجاب).
يعني إيجابا لعلمين فإن علمه تعالى يوجب لغيره كما أن علمنا كذلك يوجب لغيره.
قوله: (إن العلم إنَّما يبين عما ليس بعلم بإيجابه الصفة غير مسلم).
يعني لأن التقليد إذا تعلق بمتعلقه على أخص ما يمكن كان موجباً لمثل الصفة الَّتِي يوجبها العلم وكان يجب أن يكون علماً فعلمنا أنه إنَّما تبين باقتضائه لسكون النفس لكنهم يقولون فعندكم أنه تعالى يحصل على مثل حكم الواحد منا بكونه ساكن النفس لذاته.
قوله: (والجواب ما قدمنا ذكره في الشهوة).

يعني وهو أن نقول أن القدرة إنَّما لم توجب العالمية في الشاهد لأنَّه لايوجبها فيه إلاَّ ما كان بصفة العلم والقدرة ليست كذلك لامن حيث أنَّها مخالفة للعلم.
قوله: (ومن أن المراد ليس طريقة التعليل).
يعني وإذا كان المراد ليس طريقة التعليل فنحن نسلم لكم أن ذاته لاتوجب العالمية كما أن القدرة لاتوجبها، فإنا وإن قلنا هو عالم لذاته فليس المراد إلاَّ أنه لايحتاج في ثبوت الصفة له إلى غيرها.
قوله: (ومن المعارضة بالوجود).
اعلم أن المعارضة بالوجود تأتي على وجهين أحدهما على ما بنوا عليه شبههم من قياس الغائب على الشاهد فنقول أليس الواحد منا موجوداً بالفاعل ولم يلزم ذلك في حقه تعالى فهلا كان الواحد منا عالماً بعلم ولايصح أن يؤثر في عالميته غير العلم ولايلزم ذلك في حقه تعالى. وثانيهما: على صفة شبهتهم هذه وهو أن يقال أن مخالفة ذاتنا للفاعل ليس بأكثر من مخالفة ذاته للفاعل فكما لاتوجب ذواتنا وجودنا كذلك لاتوجب ذاته وجوده ولاخلاف في أنَّه تعالى مستغن في وجوده عن الفاعل.
واعلم أن جميع معارضينا لهم في هذا الباب بالوجود إنَّما يتأتى مع جعل الوجود صفة زائدة على لاذات والأشاعرة لايقولون بذلك في حقه تعالى بل يقولون أن وجوده نفس ذاته.
قوله: (بأكثر من مخالفة علمه تعالى لعلومنا).
يعني على مذهبهم فإنهم يجعلون علمه تعالى مخالفاً لعلومنا من كل وجه إذ لو ماثلوا بين علمه تعالى وعلومنا لزمهم أن تكون علومنا قديمة مثله أو يكون محدثاً مثلها ولزمهم ألا يتعلق علمه تعالى على التفصيل إلاَّ بمعلوم واحد، فأما أصحابنا فلو أنهم أثبتوا عالماً بعلم وجعلوا له علوماً كثيرة بحسب المعلومات لم يكن لهم بد من جعل بعض علومه تعالى مثلاً لعلومنا إذا تعلقت بمتعلقاتها على أخص ما يمكن لأنهم يجعلون ذلك هو الوجه فيت ماثل المتعلقين لأن صحة الأحكام حكم صدر عن الجملة يعني في الشاهد.

ثُمَّ يقال: إذا كانت دلالة صحة الأحكام في الشاهد على الصفة فكذلك في الغائب، وأما العلم فالذي دلنا عليه في الشاهد حصول الصفة مع الجواز ولم يحصل هذا الدليل على الوجه الذي يدل عليه على العلم في حقه تعالى.
قوله: (أن يكون حكمهما واحداً). يعني فليس يجب أن يكون حكم كونه قادراً وحكم كونه عالماً وهما التعلقان واحداً، ومعنى وحدتهما أن يثبتا تعلقين على سواء في حق كل متعلق فلا تتعلق هذه الصفة إلاَّ بما تتعلق به الأخرى بل يجوز افتراقهما في ذلك، وإن كان المقتضي لهما صفة واحدة كأحكام التحيز من شغله للجهة واحتماله للأعراض وصحة إدراكه بحاستين فإن شغله للجهة تعلق بالجوهر الاخر واحتماله للأعراض تعلق بها فإذا جاز أن يقتضي الصفة الواحدة أحكاماً وتعلقات مختلفة فبالأولى أن يجوز اقتضاء صفتين لتعلقين مختلفين غير متحدي المتعلق وإن كان مقتضيهما واحداً.
قوله: (والعلم لايوجبها شاهداً وغائبا).
يقال: هذا جواب احتجاج بنفس المذهب والخصم لايسلمه فإنه يجعل حال الحيية والعلم في الإيجاب والتصحيح في الغائب على حد ما يجعلهما كذلك في الشاهد فكيف يصح الفرق بنفس المذهب.
قوله: (لأن المصحح يوجب صحة الحكم ويلزمه صحة الحكم) يعني المصحح للحكم بالمعنى الأعم سواء كان صفة بالمعنى الأخص أو حكماً بالمعنى الأخص مثل الحيية فإنها توجب صحة القادرية ويلزمها صحة القادرية وتوجب صحة سكون النفس ويلزمها صحته.
قوله: (وإن سلمنا أن الموجب أقوى).
اعلم أنَّه لابد من التسليم فإن المصحح كالحيية لايوجب صحة الحكم ويلزمه صحته إلاَّ مع حصول ما يقف في تصحيحه عليه فإن الحيية لاتصحح القادرية والعالمية والمريدية ونحو ذلك إلاَّ مع حصول بنى زائدة والموجب للأحكام والصفات إذا كان علة كالعلم لم يقف في إيجابه للحكم على شرط وإن كان في الموجبات

ما يقف في إيجابه على شرط كالمقتضيات.
قوله: (وهو ذاته تعالى).
إنَّما جعلها موجبة وصرح بذلك هاهنا لما تقدم من أن من جعل الصفات مقتضاة يجعل التأثير فيها لذاته تعالى المختصة بالمقتضي فالصفة الَّتِي هي المقتضى إنَّما تجري مجرى المؤثر لنها لاتستقل بالمعلومية ولا يصح إيجابها مع عدم الذات.
قوله: (كما أن المصحح قد يختلف اتفاقاً) قد أورد مثال الختلافه على مذهبهم وأما مثال اختلافه على مذهبنا فكما نقوله في مصحح القادرية والعالمية فإن هاتين الصفتين لا يصححهما في الشاهد إلاَّ الحيية ولايصحان إلاَّ على من كان حياً وفي حقه تعالى يصححهما مقتضيهما وهو الصفة الأخص، فإن المقتضي كما يؤثر في الوجوب يؤثر في الصحة فلو قدرنا انفراد الحيية في حقه تعالى عن القادرية والعالمية لصحتا من دونها ووجبتا لكن الحيية لما كانت مقتضاة عن مقتضيها لم يجز الانفكاك وقد صرح الشيخ الحسن بهذا في الكيفية ولهذا جعل الشرط في القادرية والعالمية ما مر ولم يجعل الحيية شرطاً لهما لهذا الوجه. وفيه نظر فإنه يقتضي بطلان دلالة صحة أن يقدر تعالى ويعلم على كونه حياً.
قوله: (فالجواب أنهما إنَّما اختلفا) إلى آخره.
يعني علمنا بكونه قادراً وعلمنا بكونه عالماً وقد تقدم اختلاف الشيوخ في وجه اختلاف هذين العلمين فلا وجه لإعادته.
قوله: (لأن المخالفة أبلغ من المغايرة).
إنَّما كانت أبلغ لأن المغايرة تثبت بين المثلين والمخالفة لاتثبت بينهما ولأنها فرع على المغايرة والمغايرة لاتتفرع عليها فلا تثبت المخالفة إلاَّ مع المغايرة بشرط زائد وهو ألا تسد إحدى الذاتين مسد الأخرى فيما يكشف عن الصفة الذاتية على التفصيل.
قوله: (فلا يكون عالماً بكل القبائح).

58 / 158
ع
En
A+
A-