قال عليه السلام: وهي طريقة ضعيفة لأن قولكم ليس عدد أولى من عدد إما أن تريدوا أنَّه ليس عند المثبت لذلك العدد المعين دليل يعلم به أن بعض تلك الأعداد أولى من بعض فهو حق لانزاع فيه ولكن لايلزم من عدم العلم بالمرجح عدم الترجيح، وإما أن تريدوا أنَّه لايمكن في العقل أن يكون أحد العددين ممتازاً عن الآخر بما لأجله يكون أولى من عدد آخر فهي دعوى لابد من تصحيحها بالدلائل فلم لايجوز أن يكون وجود الثاني حاصلا مع أن وجود الثالث يكون محالا وإن كنا لانعرف ما لأجله صح وجود الثاني وامتنع وجود الثالث، ولايقال الثالث مثل الثاني، فلو صح حصول الثاني وجب حصول الثالث لأنَّه لو كان حقاً لزم من وجوب الأول وجوب الثاني لكون الثاني مثل الأول، فإذا لم يلزم هذا لم يلزم ذلك.
ويوضحه أنَّه إذا جاز وجود علم خاصته التعلق بمعلوم واحد على التعيين جاز أيضاً بمعلومين فقط، وصريح العقل لايستبعد ذلك وأيضاً فإن العالم يصح بعدم واحد أنَّه على الوقت الذي أحدث فيه بوقت أو وقتين وبثلاثة ولايصح بأوقات لانهاية لها.
قوله: (فقد تعلق هذا العلم على التفصيل بأكثر من متعلق واحد).
ذكر مثل هذا الكلام الإمام يحيى في تضعيفه لتلك الطريقة فإنه قال: ألا ترى أن العلم المتعلق بمضادة السواد للبياض متعلق بالسواد والبياض فقد وجدنا علماً متعلقاً بمعلومين مع أنَّه لايجب أن يتعلق بجميع المعلومات.
قوله: (بل هي علوم).
يعني أنَّها علم بالسواد وعلم بالبياض وعلم بالتضاد الواقع بينهما.
قوله: (وأما العلم بالمتضايقين) إلى آخره.
هذا جواب عن سؤال مقدر تقريره: أن العلم بأن هذا أب لهذا قد تعلق بالأب والابن وبأن أحدهما أب للآخر والآخر ابن له فقد تعدى في التعلق عن المعلوم الواحد.

وتقرير الجواب: أن العلم بأن هذا أب لغيره لم يتعلق إلاَّ بمعلوم واحد كما ذكره في كونه خلق من مائه ومعنى كونه ابناً له في اللغة فأما العلم بالأب نفسه والابن وكونه ابناً له فهي علوم أخر على مثل ما تقدم في العلم بالتاضد بين السواد والبياض.
قوله: (لكان لابد أن تكون واحدة).
يعني لاستحالة وجود قدر لانهاية لها تتعلق بالمقدورات الَّتِي لانهاية لها لما تقدم في العلم من أن وجود ما لانهاية له محال.
قوله: (كما تقدم في العلم).
يعني من أنَّها قد تعلقت بما لو تعلقت به قدرتان لكانتا مختلفتين لأجل ذلك التعلق فيلزم أن تكون مخالفة لنفسها وفيه نظر لأن لهم أن يقولوا ألستم قد ذكرتم أن قدرة الواحد منا تتعلق بما لانهاية له من المتعلقات في الوقت الواحد وفي الأوقات ولم يلزم من ذلك أن تكون مخالفة لنفسها لأنَّه لايجوز أن يتعلق غيرها من القدر بمقدوراتها، فكذلك نقوله نحن في قدرته تعالى إذ لايجوز أن يتعلق غيرها من القدر بشيء من مقدوراتها لاستحالة مقدور بين قادرين فلا يلزم أن تكون مخالفة لنفسها فكان الولى أن يقال: لو كان تعالى قادراً بقدرة ومعلوم أنه تعالى يصح منه أن يوجد في الوقت الواحد على الوجه الواحد من الجنس الواحد من المقدورات ما لايتناهى فأما أن يصح منه ذلك لقدر لاتتناهى وهو محال لما تقدم فيا لعلم، وأما أن يصح منه ذلك بقدرة واحدة أو قدر متناهية فيؤدي إلى خروج القدر عن حكمها الخاص لها وهو أنه لايصح بها والوقت والجنس والمحل والوجه واحد، إلاَّ مقدور واحد ولايصح أكثر من ذلك، وهو محال، ولايلزم أن تصح منا بقدرنا مع الشروط المعتبرة ما لايتناهى من المقدورات فيصح منا ممانعة القديم تعالى، أو يلزم ألا يصح من القديم تعالى إلاَّ مقدور واحد مع الشروط المعتبرة، وهو أيضاً محال فإنه لاخلاف في أنَّه تعالى يقدر مع اجتماع الشروط على ما لايتناهى من المقدورات.
قوله: (ويلزم أن تنحصر مقدوراتها).

يعني في الجنس فلا يصح منه تعالى فعل غير الأجناس العشرة وفي العدد على ما تقدم آنفاً.
قوله: (وألا تتعلق بالأجسام ونحوها).
يعني بنحوها سائر الأجناس الثلاثة عشر وهي ما عدا الأجناس العشرة الَّتِي نقدر عليها.
قوله: (لما سيتضح).
يعني في مسألة نفي التجسيم وستأتي إن شاء الله تعالى.
قوله: (إلا بعد استعمال محلها المراد باشتراط الاستعمال في حقا لقدرة أنَّه لايصح الفعل بها إلاَّ بحيث يوجد أو سببه في محلها بعد حلولها في الحي القادر بها ولايتوهم أن المراد باستعمال محلها حركته لأنا قد نفعل بالقدرة من غير تحريك محلها كالسكون المبتدأ وأفعال القلوب.
قوله: (لأن الحياة لايصح الإدراك بها إلاَّ بعد استعمال محلها).
حاصل مرادهم باستعمال الحياة في الإدراك أنَّه لاشيء يدرك بها من المدركات إلاَّ إذا حل المدرك في محلها كالألم أو جاوز محلها كالمتحيز الملموس أو جاوز محله محلها كالحرارة والبرودة والطعوم والروائح هكذا ذكره بعضهم، وفيه نظر لانه يخرج منه استعمال محلها في لامرئيات والأصوات ومعنى استعمال محلها في المرئيات حصول قاعدة الشعاع المنفصل عن الحاسة الَّتِي هيم حلها مع المرئي بحيث لاسائر ولامايجري مجراه، وأما الأصوات فلا يحتاج في غدراكها إلى أكثر من صحة الحاصة وهي الأذن الَّتِي هيم حلها وانفتاح الصماخ بينه وبين محل الصوت فهذا معنى استعمالها في إدراك الأصوات.

إذا عرفت هذا فتلخيص هذا الوجه أن يقال: لو كان تعالىحياً بحياة وقادراً بقدرة لم يخل إما أن يصح منه الإدراك والفعل بتلك الحياة والقدرة أو لا يصح، إن لم يصح بطل حكمهما الواجب لهما عند وجودهما وهو صحة الإدراك وصحة الفعل وأحكام الذوات الَّتِي يجب لها إلاَّ يصح انفكاكها عنها في حال وجودها، وإن صح افدراك والفعل بهما من غير استعمالم حلهما خرجتا عن حكمهما الذي قامت الدلالة على ثبوتهما به، ولو صح ذلك لم يكن إدراك بعض المدركات بالحياة الَّتِي في العين مثلاً أولى من بعض ولا بأن يصح فعل بالقدرة فعل بعض الأجناس والأفعال دون بعض أولى من العكس لعدم المخصص وهو محال فتقرر أنه لايجوز أن يكون تعالى حياً بحياة ولاقادر بقدرة.
فإن قيل: لم لم تسلك هذه الطريقة في الاستدلال على أنَّه تعالى ليس بعالم بعلم؟
قلنا: لأنَّه لايعتبر في العلم أنه لايصح الأحكام به إلاَّ بعد استعمال محله في الفعل المحكم لأن العلم محله القلب ونحن لانفعل الأفعال المحكمة ولاسببها في القلب فليس محلاً لشيء من الأفعال المحكمة ولا لشيء من أسبابها.
فصل في ذكر بعض ما يلزم أهل هذه المقالة
وهم القائلون بالمعاني القديمة من المحالات.
قوله: (يوضحه أن التثليث الحقيقي إنَّما هو في العدد لا في الصفات).
فيه نظر لأنَّه ليس بإيضحا فجعل النصارى بعض الأقانيم الثلاثة صفات بل هو إيضاح لجعلهم إياها ذواتاً مستقلة.
قوله: (ولم يقل ثلاثة آلهة) يعني فدل هذا على أنهم لايقولون بأنه تعالى ثالث ثلاثة آلهة إذ لو قالوا ذلك لذكره تعالى، ولكن يقال ليس في الآية ما يدل على أنهم لايقولون بذلك وإنَّما فيها إغفال ذكر الآلهة فلا يدل على أنهم يجعلون الثلاثة آلهة ولا على أنهم لايجعلونها آلهة ولكن صريح دلالتها أنهم جعلوه تعالى ثالث ثلاثة فقط ويدل أيضاً على أنهم يجعلون الثلاثة ذوات لاصفات إذ لايدخلها العدد كما ذكره.

قوله: (وأما قوله تعالى: {وما من إله إلاَّ اله واحد}) أورد هذا لئلا يقال: إن قوله تعالى في الرد عليهم: {وما من إله إلاَّ إله واحد} يدل على أنهم أثبتوا ثلاثة آلهة فجعله المصنف على جهة الإلزام كما ذكر ليصح له إن كفرهم لأجل إثباتهم القدماء لا لأمر سوى ذلك، وإذا كان كذلك فالمجبرة مشاركون لهم في اثنائها بدليل قول الأشعري فيما حكاه الفقيه أبو القاسم البستي رحمه الله من أصحاب السيد المؤيد بالله عليه السلام عنه أنَّه إنَّما كفرهم لأنهم نقضوا عن الواجب، يعني وهو أن يجعلوها شبه الباري تعالى والقدرة والعلم والحياة والإدراك والإرادة.
قوله: (لأنهم لم يشركوا بين الاثنين إلاَّ في القدم).
فيه نظر فإن المانوية جعلت النور والظلمة قادرين عالمين والديصانية وإن جعلت الظلمة عاجزة جاهلة مواتاً ولم يشركوا بينها وبين النور إلاَّ في القدم فيمكن أن يوجه تكفيرهم بجعلهم للقديم تعالى نوراً وقولهم إنَّه لايقدر على بعض الأفعال بل لايقدر على شيء منها فإنهم وإن جعلوه فاعلاً للخير فهو يطيعه مع التشريك في القدم وبالجملة فهذا الإلزام غيرم تقرر.
قوله: (فإنه لاوجه لكفر جميع هؤلاء إلاَّ التشريك في القدم).
فيه نظر أما الثنوية فوجه كفرهم ما تقدم ذكره مع التشريك في القدم، وأما الفلاسفة فكفروا لإنكارهم الصانع المختار وجعلهم التأثير للعقل العاشر لا للباري تعالى الذي هو العلة عندهم ونحو ذلك من جهالاتهم الموجبة لكفرهم الَّتِي يتنزه عن القول بها المجبرة والتشرك في القدم وإن كان من موجبات كفرهم فليسك ما ذكره من أنه لاوجه لكفرهم إلاَّ هو.
قوله: (إنما يستحيل مقدور بين قادرين إذا صح أن يريده أحدهما دون الآخر).
يعني إنَّما يؤدي مقدور بين قادرين إلى المحال حيث صح أن يريد أحدهما ما يكرهه الآخر وإلاَّ فهو ممنوع بكل وجه.
قوله: (مع القول بالقدرة والإرادات القديمة).

كان الأولى أن يقول: وقد بينا استحالة ذلك وهو أن يريده أحدهما دون الآخر مع القول بالإرادات القديمة ووجوب تعلقها بكل واقع وعدم تعلقها بغير الواقع كما هو مذهبهم وكان الأحسم للشعب أن يقول: كيف تجعلون دليل نفي الثاني استحالة مقدور بين قادرين وأنتم تقولون بصحة ذلك لكنه أراد أن يجعل الإلزام كله متوجهاً إلى مذهبهم في هذه المسألة.
قوله: (فما طريقهم إلى نفي الثاني العاجز الجاهل).
يعني فإنه لايصح أن يجعل الدليل على نفيه دلالة التمانع ولادلالة مقدور بين قادرين إذ ليس بقادر فلم يبق ما يدلنا على نفيه إلاَّ أنَّه لاقديم مع الله تعالى ودلالة السمع على ذلك وإذا كانت المجبرة قد أثبتت قدماً مع الله تعالى فكيف يتأتى لهم بهذا الدليل التطرق إلى نفي الثاني.
قوله: (ولابد من بلى).
أي ولابد لهم من الاعتراف بانعقاد الإجماع على ألا قديم مع الله تعالى لظهور الإجماع على ذلك.
قوله: (يقتضي المشاركة في الإلهية) يعني حيث أوضح أن لامعاني لو كانت قديمة لكانت قادرة عالمة حية كالقديم تعالى وذلك معنى للإلهية إذ الإله القادر على أصول النعم الَّتِي لأجلها يحق له العبادة.
فصل في إبطال قولهم لا هي الله ولا هي غيره ولابعضه
قوله: (ليس أحدهما هو الآخر).
يعني كالجوهرين والحركتين والجوهر والسواد ونحو ذلك. فإذا قيل في الله تعالى أنَّه الله والرحمن والرحيم ونحو ذلك فهذه الألفاظ لايكون المسمى بها متغايراً لأن معنى كل واحد منها ومسماه معنى الآخر ومسماه.
قوله: (ولابعضه) يعني كأعضاء افنسان مثلاً فإن يده ليست غيره لما كانت بعضاً منه.
قوله: (ولايصح وجود أحدهما مع عدم الآخر اتفاقاص).
يقال: أما على الجملة فمسلم فإنه لاكلام في استحالة خلو الجوهر عن الأكوان لكن لهم أن يقولوا ما من كون معين إلاَّ ويجوز وجود الجسم من دونه فيكونان غيرين.
قوله: (فلا وجه لتخصيص صفة الوجود بذلك).

يعني فهلا قالوا مثلاً يصح أني كون أحدهما قادراً دون الآخر أو عالماً أو نحو ذلك لكن لهم أن يقولوا إنَّما خصصنا صفة الوجود لأنها تثبت لكل ذات وتصح عليها وهي صفة متماثلة ولو قلنا يصح أن تقدر أحدهما من دون الآخر أو نحو ذلك لم يكن ذلك إلاَّ في حق بعض الذوات وهو الذي يصح عليه القادرية ولايدخل فيه كل ذاتين لايصح أن يقدرا وكذلك غير القادرية من الصفات.
قوله: (فقد عاد الأمر إلى ما قلناه).
يقال لهم: إن تقلبوا ذلك عليكم فيقولوا وما من شيئين ليس أحدهما هو الآخر ولابعضه إلاَّ ويصح وجود أحدهما من دون الآخر وما ذكرته من النقض بمن يعتقد قدم الجسام لامعنى له لأنَّه لم يعتقد أنَّه لايجوز وجود شيء منها دون الآخر لمر يرجع إليها بل لأنها قديمة فلو صح وجود بعضها دون بعض لكان بعضها غير قديم ثُمَّ أنَّه لاغيره باعتقاد ذلك المعتقد، وأما نقضه بالكون والجسم بعد تقدم الإشكال عليه.
إذا عرفت هذا فاعلم أن مراد المجبرة بهذه الحقيقة ألا يلزم كون هذه المعاني أغياراً لله تعالى حتَّى تكون إما مخالفة له أو مماثلة إذ المخالفة والمماثلة يترتبان على الغيرية فإذا أتوا بهذه الحقيقة للغيرين فهي غير حاصلة في حقه تعالى، وفي حقا لمعاني فإنه لايصح عندهم وجوده تعالى من دونها ولاوجودها من دونه فإن كان مرادهم أنَّه لايصح وجوده من دونها ولاوجودها من دونه للاشتراك في القدم لزمهم ما ذكره المصنف من أن من اعتقد قدم الجسام وجب أن يعتقد ارتفاع التغاير بينها إذ لايصح وجود بعضها من دون بعض لذلك، وقد أبطل حدهم هذا بأنهم إنَّما أتوا به لدفع الإلزام وهو أنَّها إذاكانت ذوات كانت أغياراً له وإذا كانت أغياراً له لزم مماثلتها له إذ هي قديمة والقدم صفة ذاتية والاشتراك في الصفة الذاتية توجب التماثل.
قوله: (وهذا خطل من القول).
الخطل: المنطق الفاسد المضطرب.
قوله: (كما هي كذلك في الشاهد).

يعني فيبطل ما يقولونه من أنه ليس بعضها غير البعض فإنها في الشاهد متغايرة وإنَّما أنكروا تغايرها فيما بينها لأنَّه يلزمهم عليه مغايرتها للقديم ولأنه تناقض حدهم للغيرين إذ لايجوز وجود بعضها من دون بعض عندهم.
فإن قيل: ألستم تقولون في صفاته تعالى لاهي الله ولاهي غيره ولم يكن ذلك مناقضة منكم فهلا صح لهم أن يقولوا ذلك في المعاني ولاتكون تلك مناقضة منهم؟
قلنا: إن الصفات الَّتِي نثبتها له تعالى ليست بذوات ولا أشياء ولامعلومة والغيرية متفرعة على ذلك فلهذا لم تكن الصفات هي الله تعالى لأنها مزايا لذاته ثابتة له تعلم ذاته تعالى عليها ولا هي غيره إذ ليست بذوات ولا أشياء ولامعلومة ولابد في الأغيار من أن تكون ذواتاً ألا ترى أن حقيقة الغيرين كل معلومين إلى آخرها بخلاف المعاني فإنها ذوات وأشياء ومعلومة كما هي كذلك في الشاهد وهم معترفون بذلك فلا بد من اتصافها بوصفا لمعلومات وهي الغيرية.
فصل في إبطال قولهم: بأنها قائمة بذات الله تعالى
قوله: (إلى ما هو المعقول من القيام وهو الحلول).
يعني المعقول في هذا الموضع فإن القيام وإن كانت له معان كثيرة معقولة فإنه لايعقل منها ههنا إلاَّ الحلول وإنَّما ذهبت الكرامية إلى ذلك بناء منهم على مذهبهم الفاسد وهو القول بأنه تعالى جسم ولو ثبت لهم ذلك لكان ما ذكروه صحيحاً لكن سيتضح بطلانه إن شاء الله تعالى.
قوله: (كالإرادة والكلام عندهم).
يقال: ألست قد ذكرت أن الكرامية يذهبون إلى أن كلامه تعالى الذي هو القرآن قديم ويجاب بأنه قد روي عنهم بعض أصحابنا القول بأن جميع ما يحدث في العالم من حركة وسكون وألم وصوت وسائر المحدثات تحدث أمثالها أولا في ذات القديم تعالى وتسمى حينئذ حوادث ثُمَّ تحدث منها هذه الأشياء في العالم وتسمى محدثات فجعلوا القديم محلاً لكل حادث فلعل مراد المصنف الإرادة والكلام على سبيل الإطلاق لاكلامه تعالى وإرادته.
قوله: (وهذا لازم للكلابية والأشعرية).

فيه نظر لنه لايلزمهم مع نفي التجسيم ولهم أن يفرقوا بين القديم والمحدث بأن المحدث متحيز فيصح حلول المعاني فيه وقيامها به فهذا المعنى، والقديم غير متحيز فلا يصح قيام المعاني به بمعنى الحلول لكنه يلزمهم من حيث أنه لايتعقل ههنا من القيام إلاَّ الحلول.
قوله: (قيام بمعنى الحلول).
منه قولهم: الكون قائم بالجسم أي حال فيه.
قوله: (وقيام بمعنى الانتصاب) منه قولهم: زيد قائم والجدار قائم أي منتصب.
قوله: (ولايعقل من القيام غير ذلك).
قد قيل: إن من معاني القيام قيام بمعنى الظهور ومنه قولهم قام الحق أي ظهر وقيام بمعنى الإدامة ومنه قوله تعالى: {الذين يقيمون الصلاة} أي يديمونها. وقوله بعضهم:
أقمنا لأهل العراق الضراب فحاموا ... قليلاً وولوا جميعاً
وقيام بمعنى الأداء كقولهم: قام فلان بوفاء ما يجب عليه من الدين أي أداه، وفي عد الإدامة من معاني القيام نظر، فإنها بمعنى الإقامة لا القيام.
قوله: (ولايشتبه الحال في شيء منها) الوجه في ذلك أنَّه تعالى ليس بمحل إذ ليس بمتحيز ولايصح في المعاني الانتصاب لأنَّه من توابع الجسمية وهي قديمة عندهم ولايحتاج في وجودها إلى غيرها إذا كانت قديمة ولايتصور في قيامها معنى الحفظ والتكفل والتحمل والحياطة والتعهد والأداء فيبطل ما قالوه من أنَّها قديمة بذاته تعالى على كل معنى من معاني القيام.
فصل في شبههم في إثبات المعاني
قوله: (قلنا أولى ما في هذا أنه يوصل بالعبارات إلى المعاني).
فيه سؤال وهو أني قال: إن الحدود عبارات موسومة للكشف عن معنى المحدود فكيف منعت من التوصل بالعبارات إلى المعاني؟
والجواب: أنَّه وإن كان كذلك فإنا لانثبت بلفظ الحد معنى المحدود ولانستدل به عليه لكن إذا عرفنا معناه وضعنا له عبارة تكشف عن ذلك المعنى لمن جهله بخلاف ما ذكروه فإنهم قصدوا بالعبارة وتوصلوا بها إلى إثبات المعنى الذي يذهب إليه المتكلمون ولايفعله الواضعون للعبارة.

قوله: (يوضحه أنَّه لابد أن يمكن الاستدلال على هذا المعنى قيل مواضعة أهل اللغة وقيل اشتقاقاتهم).
يعني وإلاَّ كان في تلك الحال لا فرق بين وجوده وعده وانتفائه ولايجوز في ذات أن تكون هذه سبيلها وإذا كان لابد من إمكان معرفته قبل مواضعتهم فبأي شيء كما نعرفه إذا لم يكن الطريق عندم إلاَّ اشتقاق أهل اللغة إلاَّ أنَّه يقال: هذا عكس الدلالة والدلة لايجب فيها العكس فليس يجب إذا كان هذا دليلاً على ثبوت العلم إلاَّ يدل إلاَّ هو لكنه يقال فما ذلك الدليل الذي كان يدلكم قبل اشتقاقهم.
قوله: (فلا نسلم كون العالم مشتقاً من العلم الذي يريدونه).
يعني بل الشتقاق من مجرد اللفظ الذي وضعه أهل اللغة وهو المصدر.
قوله: (فلم قلتم أنه إذا صدق المشتق صدق المشتق منه) يعني فإنه لايلزم صدق المشتق منه أي ثبوته معنى وذاتاً لها وجود وحصول في الخارج.
قوله: (والرزق إن ثبت معنى) يعني على قود قولكم في العلم.
قوله: (يزيده وضوحاً أنا اتفقنا) إلى آخره. في نظر فإنهم لايوافقون فيما ذكره بل قد نص علماؤهم على أنه لايشتق اسم الفاعل لشيء والفعل قائم بغيره ويقولون إذا وصفناه تعالى بأنه متكلم فإنما اشتققنا له ذلك من المعنى القائم به لامن الكلام الموجود في الحصى ونحوه.
قوله: (وكذلك الموجود في الشاهد من له الوجود) هذه معارضة لهم تتضمن الزام كون الموجود معنى وفيه نظر لنهم يقولون مسلم أن الموجود في الشاهد من له الوجود فكذلك في الغائب لكن الوجود صفة في الشاهد والغائب وليس يلزم إذا كان العلم معنى أن يكون الوجود معنى وبالجملة فالموجود في الشاهد من له الوجود وهو صفة وكذلك في الغائب والعالم في الشاهد من له العلم، وهو معنى فكذلك في الغائب.
قوله: (وهذا محض الإحالة) يعني حيث حدوا العلم بما قام بالعالم والعالم بمن له العلم فأحالوا بكل واحد من المجهولين وهما العلم والعالم إلى الآخر.

57 / 158
ع
En
A+
A-