يعني في الأزل والذي يصحح كونه حياً في الأزل هو كونه موجوداً في الأزل لأن الوجود شرط في الحيية والشرط مصحح أو لعلة أراد بما يصحح كونه حياً الصفة الذاتية الأخص لأن لاقدم مقتضى عنها ودليله عليها فإثباته للمعاني يستلزم إثباتها لها وهي تصحح الحيية وتوجبها لأنها مقتضية لها.
قوله: (فأولى أن تشاركه فيما يصحح كونه حياً).
يقال: لم جعلته حياً أولى وما وجه الأولوية بل لايجب إذا شاركته فيما يصحح الحيية وهو الوجود مثلاً أن تشاركه في الحيية إذ هو مصحح لاموجب فضلاً عن أن يجب مشاركتها له فيما تصححه الحيية وأن يكون أولى.
والجواب: أنه بناء على أن القدم صفة مقتضاة عن الصفة الأخص والصفة الخص كما تقتضيه فهي تقتضي الحيية وهو شرط فيها، وإذا كان كذلك فقد حصل المقتضي والشرط، وفي ذلك وجوب كونها حية وإذا وجب ذلك وجب أيضاً حصول القادرية والعالمية لها ومشاركتها للقديم تعالى في ذلك لحصول المقتضي وهو الصفة الأخص والشرط وهو الحيية وكان أولى لأن كونه حياً أقوى في التصحيح للقادرية والعالمية من الوجود للحيية وفي هذا تكلف وتعسف ومع ذلك فلا يستقيم لأننا على أن القادرية والعالمية والحيية صفات مقتضاة عن الصفة الأخص وهو نفس المتنازع فيه، وقد عدل المصنف إلى هذا التحرير ولم يحرره على ما ذكره أصحابنا فإنهم يقولون فيلزم أن يشاركه في سائر صفاته الذاتية من القادرية والعالمية والحيية لئلا يرد عليه ذلك لكن لانسلم له أنها إذا شاركته فيما يصحح الحيية شاركته فيها وفيما تصححه هي إلا إذا ثبت كونها وكون الوجود صفات مقتضاة عن الصفة الأخص، فالتحقيق أن الذي يلزم من هذا الدليل كونه تعالى بصفتها فقط فيلزم كونه قدرة وعلماً وحياة.
قوله: (ولاننفيها من حيث كونهما مختلفين) يعني لما تقدم من أن الشيء الواحد لاينفي مختلفين غير ضدين.
تنبيه
اعلم أن الإمام يحيى عليه السلام قد جعل هذه الدلالة التي أوردها البهاشمة على نفي المعاني القديمة من مسالك المتكلمين الفاسدة وضعفها من وجهين:
أحدهما: أن المتمسك بهذه الطريقة إما أن يدعي أن المشتركين في أمر يجب اشتراكهما في كل الوجوه التي يكونا مثلين أو لايدعي ذلك فإن ادعى ذلك ظهر فساده فإن الضدين اشتركا في أن كل واحد منهما مضاد للآخر ولايلزم تماثلهما مطلقاً وكلك فإن المختلفين اشتركا في كون كل واحد منهما مخالفاً للآخر ولم يلزم تماثلهما مطلقاً، وأما أن يسلموا أنه لايلزم من اشتراكهما في بعض الوجوه تماثلهما سقط ما ذكروه بالكلية.
وثانيهما: أن صريح العقل لايستبعد وجود شيئين لا أول لكل واحد منهما مع أن حقيقة كل واحد منهما مخالفة للأخرى.
والجواب عن الأول ظاهر وهو أنا لم نوجب في كل مشتركين اشتركا في أمر ما كما مثل به عليه السلام أن يشتركا في سائر الأمور بل أوجبنا من اشتراكهما في صفة ذاتية أن يشتركا في سائر صفات الذات وأوضحنا ذلك بالأدلة المذكورة.
وعن الثاني بأن الأمر وإن كان كما ذكره عليه السلام إلا أن المرجع في ذلك إلى الأدلة وقد قام الدليل على أن اشتراك الذاتين في صفة ذاتية توجب اشتراكهما في سائر صفات الذات وإلا أدى ذلك إلى المحال المذكور ولاغيره بالاستبعاد مع قيام الأدلة على المنع وقد أورد عليه السلام هذه الطريقة التي عابها على البهشمية على وجه آخر.
فقال: لو كان تعالى يستحق كونه قادراً وعالماً ونحوهما لمعان قديمة لكانت مساوية له تعالى فين فس القدم وهو وصف كاشف عن حقيقة الذات لأنا إذا أردنا أن نميز حقيقة عن غيرها فلا يمكنا إلا بكونه قديماً والاشتراك في الوصف الخاص يقتضي الاشتراك في نفس الحقيقة لأنه لاطريق إلى تعلق تلك الحقيقة إلا بواسطة ذلك الوصف فلو كان يستحق صفاته تعالى لمعان قديمة لزم أن تكون موصوفة بالصفات المعتبرة في الإلاهية فيكون كل واحد منها إلاهاً ولايكون بأن يكون صفة أولى من أن تكون موصوفة وهذا محال فبطل القول بالمعاني القديمة هذا حاصل ما ذكره عليه السلام في تحرير هذه الطريقة، ثم قال عليه السلام بعد أن حكى أدلة أصحابنا التي يتوصلون بها إلى إبطال المعاني فهذه خلاصة أدلتهم على إبطال المعاني.
واعلم أن أقرب ما يعول عليه في إبطال هذه المعاني أن يقال: لو كانت له تعالى قدرة وعلم وحياة لكانت حقائق هذه المعاني مخالفة لحقيقة ذاته لاستقلال كل واحد من هذه المعاني بنفسه في المعلومية والثبوت وأقل مراتب المخالفة الغيرية فحينئذ يكون في الوجود قديم غير الله مخالف له في ذاته وحقيقته وبطلانه معلوم باتفاق المسلمين.
فصل في إبطال كل واحد من هذه المعاني على انفراده
قوله: (وكلامنا في جهة استحقاق الصفة لافيها) وكلامنا في الوجه الذي لأجله استحقت الصفة لا في الصفة فأما هي فلا كلام أنها لاتعلم على انفرادها.
قوله: (فيؤدي إلى التسلسل) يعني لأن هذا العلم الذي صار لأجله عالماً بالعلم الول لابد أن يعلمه أيضاً بعلم آخر وهلم جراً في كل علم لأجله صار عالماً بالعلم الذي قبله.
قوله: (ولاينقلب علينا في الصفة) يعني فيقال: لابد من أن يعلم تعالى كونه عالماً بصفة هي كونه عالماً بأنه عالم ويعلم هذه الصفة أيضاً بصفة أخرى لما ذكر من أن الصفة لاتعلم على انفرادها فلا يجب أن تعلم كل صفة بصفة، وفيه نظر فإنها وإن لم تعلم على انفرادها فالذات تعلم عليها فكان يلزم أن يعلم تعالى ذاته على هذه الصفة التي هي العالمية بصفة أخرى ويعلم كون ذاته على هذه الصفة بصفة أخرى وهلم جراً فلا فرق بين الموضعين.
إذا عرفت هذا فاعلم أن المشائخ مختلفون في تعدد هذه الصفة للباري تعالى واتحادها فذهب الشيخ أبو عبدالله إلى أن له تعالى بكونه عالماً صفات كثيرة متعددة بتعدد المعلومات مختلفة لتغاير متعلقاتها غير متناهية لعدم تناهي المعلومات. فيكون الجواب على مذهبه بتسليم أنه تعالى لابد أن يعلم كونه عالماً بهذا الشيء بصفة أخرى ويعلم هذه الصفة بصفة أخرى إلى ما لايتناهى وذهب جمهور المشائخ إلى أن له تعالى بكونه عالماً بجميع المعلومات صفة واحدة لها تعلقات كثيرة فهي تتعلق بأنه عالم بهذا الشيء وبأنه عالم بأنه عالم بهذا الشيء إلى ما لايتناهى من التعلقات وسيأتي بيان ما احتج به لصحة كل واحد من القولين وما يرد على القول بتعدد التعلقات مع اتحاد الصفة من الأشكال.
قوله: (إذا تعلق بمتعلقها على أخص ما يمكن).
يعني بأن يتحد المتعلق والوجه والطريقة والوقت على ما تقدم ودليل تماثل العلمين اللذين هذه صفتهما قد تقدم أيضاً في صدر الكتاب.
قوله: (ولاينقلب علينا في صفته تعالى).
يعني فيقال: يلزم أن يكون في حكم المماثلة لصفاتنا لمشاركتها لهن في أخص ما ينبي عن تماثل الصفات المتعلقة وهو التعلق على أخص ما يمكن لأنا نقول: إن ذلك لايقضي بتماثل الصفتين إلا إذا كان جنس المتعلق واحداً فإن ذلك من شرط التماثل وجنس المتعلق ههنا غير واحد فإن المتعلق في حقه تعالى ذاته والمتعلق في حقنا العلم وإذا كان كذلك فوجه التعلق غير متحد بل مختلف لأن تعلقه تعالى تعلق العالمين وتعلقنا تعلق العلوم ومعلوم أنه لابد من الاتفاق في وجه التعلق وأنه لايكفي إيجاد المتعلق ولهذا لو تعلقت الإرادة بمتعلق العلم على أخص ما يمكن لم يكن مماثلة له لما اختلف جنس المتعلقين ووجه تعلقهما.
قوله: (لأن دخول مالايتناهى في الوجود محال) الوجه في ذلك إنما حصره الوجود وأتى عليه صح دخول الزيادة والنقصان فيه، ولما دخلته الزيادة والنقصان فهو متناه.
فإن قيل: أليس الشيخ أبو عبدالله قد قال بثبوت صفات لاتتناهى للباري تعالى .... له؟
قلنا: فرق بين الصفة والذات فإنه لايقال في الصفة أنها مما دخل في الوجود وحصره وفيه نظر.
قوله: (لأن العلوم المتناهية إذا وزع عليها معلومات غير متناهية صار كل علم منها متعلقاً بما لانهاية له).
وزع بمعنى قسم وفرق والتوزيع القسمة والتفريق ذكره الجوهري.
لايقال: أن إلحاق المعلومات الغير المتناهية بعلوم كثيرة وإن كانت متناهية لاتقتضي ما ذكرتموه من تعلق كل علم بما لانهاية له لأن المعلومات وإن كانت جميعها على الجملة غير متناهية فلا يلزم أن يكون كل قسم منها ملحق بعلم من العلوم المتناهية غير متناه بل يصير ما ألحق بكل علم متناهياً وإلا لزم أنه لافرق بين جميعها وبين قسم من أقسامها مع كونها أقساماً كثيرة.
لأنا نقول: لو تناهى كل قسم من أقسامها المتناهية الملحقة بعلوم متناهية لزم أن يكون مجموعها أيضاً متناهياً لأن المتناهي إذا ضم إلى المتناهي لم يصر غير متناه فمع تسليم عدم تناهي المعلومات بمجموعها يلزم القول بعدم تناهي كل قسم من الأقسام الملحقة بالعلوم المتناهية إذ لو كان متناهياً لزم تناهيها على الجملة عند ضم بعضها إلى بعض ويرد على هذا الدليل سؤال، وهو أن عدم انحصار معلوماته تعالى مبني على أنه تعالى غير عالم بعلم ولاعلوم متناهية بل عالم لذاته وأنتم فلا الاستدلال على ذلك فكيف تستدلون على مذهب بما يتوقف ثبوته على صحة ذلك المذهب.
والجواب: أن كون معلومات تعالى غير متناهية مما يستلزم مخالفونا في هذه المسألة القائلون بأنه تعالى عالم يعلم فكانت الحجة مبنية على تسليمهم إلاَّ أن هذا يقتضي أن هذا الدليل غير قاطع وإنَّما هو إلزام مبني على تسليم الخصم ومذهبه.
قوله: (لايتعلق على جهة التفصيل إلاَّ بمعلوم واحد) يحترز عن تعلقه على سبيل الجملة فإنه يتعدى في التعلق إلى أكثر من معلوم واحد وإلى ما لايتناهى ولهذا يعلم ثواب أهل الجنة وعقاب أهل النار بعلمين لاغير مع أنهما غير متناهيين وهذا الذي ذكره مذهب الجمهور وقد خالف فيه أبو القاسم وقال: أنَّه يتعدى في التعلق على وجه التفصيل إلى أكثر من معلوم واحد وذهب إلى ذلك في كل معلومين لابد إذا علم أحدهما أن يعلم الآخر.
قوله: (لزم أن يكون مخالفاً لنفسه لحصوله على صفتين مختلفتين).
فيه سؤالات أربعة:
أحدها: ما تقدم في الصفة الأخص من أن الغيرية جزء حقيقة المخالفة فلا يلزم أن يكون مخالفاً لنفسه وإن حصل على صفتي مختلفيتين وهما العلماء اللذان تعلقا أو قدر تعلقهما بهذين المعلومين اللذين تعلق بهما.
وثانيها: أن يقال ما أنكرتم أن العلوم تنقسم فمنها ما لايتعلق على التفصيل إلاَّ بمتعلق واحد، ومنها ما يتعلق لذاته على التفصيل بأكثر من متعلق واحد، وإذا كان لذاته يتعلق بأكثر من معلومين لم يلزم حصوله على صفتي مختلفين.
وأجيب عن هذا أنَّه لو صح تعلق بعض العلوم بمعلومين لزم من ذلك ألا يصح العلم بأحدهما إلاَّ مع العلم بالآخر ومعلوم أنَّه مامن معلوم إلاَّ ويصح أن يعلم من دون غيره أن ما تقدم من لزوم مخالفته لنفسه باق.
وثالثها: المعارضة بالقدرة فإنها تتعلق بمقدورات متعددة ولايلزم أن تكون مخالفة لنفسها فهلا جاز مثل ذلك في العلم.
وأجيب بالفرق بين المسألتين لأن مقدورات كل قدرة مقصورة عليها ولايصح أن يتعلق بشيء منها قدرة أخرى تصير مخالفة لها لأجل تعلقها بهذا المقدور فلم تتعلق القدرة وإن كثرت متعلقاتها على التفصيل بمتعلقين يصح أن تتعلق بهما قدرتان مختلفتان ويكون قد حصلت بصفتهما لتعلقها بمجموع المقدورين فلذلك لم تكن مخالفة لنفسها وليس كذلك المعلومات فإنه مامن معلومين إلاَّ ويصح أن يتعلق بهما علمان كل واحد منهما بواحد من المعلومين ويختلفان لأجل تعلقهما بهما فإذا تعلق علم واحد بمجموع المعلومين لزم أن يكون مخالفاً لنفسه لأنَّه قد تعلق بما إذا تعلق به علمان اختلفا لأجل تعلقهما به فيكون بصفتهما. وهذا الجواب إنَّما يتأتى على قول المحيلين لمقدور بين قادرين، فأما من أجازه من الشيوخ فالمعارضة تأتيه في حقه إن كان يقول بتعلق القدرة الواحدة بمقدورات كثيرة.
وراعبها: ما أشار إليه المصنف بقوله ولاتنقلب علينا في تعلق ذات الباري، وتقريره أن يقال: أليس ذات الباري تعالى متعلقة بجميع المعلومات الغير المتناهية فيلزمكم من ذلك مخالفتها لنفسها ومصيرها بصفات مختلفين كما ألزمتمونا ذلك في علم الباري تعالى فما أجبتم به فهو جوابنا.
والجواب: بما ذكره من أن هذا التعلق ليس بأخص أحكامه فيكشف عما هو عليه في ذاته والحكم إنَّما يكشف عما عليه الذات إذا كان أخص أحكامها وههنا ما هو أخص من التعلق فيكشف عما عليه القديم في ذاته وهو اختصاصه بالصفات الواجبة الكاشفة عن الصفة الذاتية.
فإن قيل: إذا لزم ما ذكرتموه من أن يكون له تعالى علوم لاتتناهى بعدد معلوماته وكون علمه تعالى بصفات أشياء مختلفات فذلك لازم لكم في الصفة فيلزم أن يكون له تعالى بكونه عالماً بصفات لاتتناهى وإلاَّ لزم كون صفته بمنزلة صفات في حكم المختلفة.
قلنا: أام على مذهب الشيخ أبي عبدالله فلا يرد عليه هذا السؤال والإلزام لأنَّه يلتزم ذلك ويذهب إلى أن له تعالى بكونه علاماً صفات متعددة كتعدد معلوماته مختلفة لتغاير متعلقاتها ولايقال: ألستم قد قلتم لايصح التزام الخصم أن له تعالى علوماً غير متناهية متعددة بتعدد معلوماته لأن دخول ما لايتناهى في الوجود محال لحصول الفرق بين الذوات والصفات فإنه لايقال في الصفات إنها مما دخل في الوجود وأنه قد حصرها وفيه نظر لأنَّه لافرق بين الثابت والموجود في ذلك فيتأمل.
وأما على مذهب سائر المشائخ القائلين بأنه ليس للباري تعالى بكونه علماً بجميع المعلومات إلاَّ صفة واحدة فهو بأن يقال: إن تعلق العلم تعلق العلوم وتعلق صفة الباري تعالى تعلق العالمين ومعلوم أن العالم قد يكون عالماً بمعلومات كثيرة وتثبت له تعلقات كثيرة بها ولايقتضي ذلك تعدده ولا قصره بصفة أشياء مختلفات، فإذا ثبت اختلاف التعلق في حق صفته تعالى والعلم لم يقس تعلق الصفة على تعلق العلم، ولهذا فإن الشهوة تتعلق بالجنس أو لاضرب من الجنس وذواته متعددة ولم يلزم كون الشهوة مخالفة لنفسها وكذلك النفرة خلاف العلوم فإنها لاتتعلق بمتعلقات هذه الشهوة أو النفرة المعينة إلاَّ وكانت مختلفة ولايجوز في علم واحد أن يتعلق بمتعلق شهوة أو نفرة واحدة وكذلك القدرة وقد احتج الجمهور لصحة مذهبهم بأن الصفة في الشاهد إنَّما لزم ألا يتعدى المتعلق الواحد على التفصيل لما كان تعلقها تابعاً لتعلق ما يوجبها وهو العلم وتعلقه لايتعدى الواحد إلى ما زاد عليه، وأما صفته تعالى فتعلقها تابع لتعلقه وتعلقه تعلق العالمين إذ هو تعالى يستحقها لذاته لا لمعنى وتعلق العالمين لاينحصر ولايجب قصره على معلوم واحد ومعلومات متناهية بالاتفاق فإن الباري تعالى تعلقه بالمعلومات لاينحصر على كلي المذهبين وإذا كان تعلق الصفة تابعاً لتعلقه وجب أن يكون تعلقها على حسب تعلقه فيتعلق بما لايتناهى وأيضاً فلا تثبت له تعالى من الصفات إلاَّ ما دل عليه الفعل بنفسه أو بواسطة ولم تدل أفعاله تعالى على أزيد من صفة له بكونه عالماً وأيضاً فالاتفاق واقع على أنَّه ليس له تعالى بكونه قادراً إلاَّ صفة واحدة ومع ذلك تعلقت في الوقت الواحد من الجنس الواحد على الوجه الواحد بما لايتناهى مع أن ذلك غير ثابت في صفاتنا بكوننا قادرين فلو قسنا صفاته تعالى على صفاتنا للزم ألا يقدرت عالى في الوقت الواحد من الجنس الواحد على الوجه الواحد إلاَّ على مقدور واحد، أو نثبت له تعالى
في الوقت الواحد بكونه قادراً صفات لاتتناهى.
والذي يعول عليه في الاحتجاج لصحة مذهب الشيخ أبي عبدالله أنَّه لو كانت صفته القديم تعالى بكونه عالماً صفة واحدة لزم أن تكون مخالفة لنفسها لأنها قد حصلت على ما لو حصل عليه غيرها من الصفات لخالفها واعتذار من اعتذر عن ذلك وفرقه بين الشاهد والغائب بأن تعلق كوننا عالمين تعلق العلوم وتعلق صفته تعالى تعلق العالمين لا طائل تحته ولافائدة فيه لأن المرجع بتعلق العالمية إلى أنَّها شرط في صحة إيقاع معلومها محكماً تحقيقاً أو تقديراً وتعلق النسبة كون وسكون النفس تابعاً لها ولافرق في ذلك بين تعلق العالمية الَّتِي تؤثر فيها الذات والعالمية الَّتِي يؤثر فيها المعنى لأن هذا التعلق يثبت لكل واحد منهما.
وإذا صح ذلك كان قول من قال أن تعلق صفة القديم تعلق العالمين وتعلق صفاتنا تعلق العلوم غير مفيد.
قوله: (لتعدى إلى ما لانهاية له لعقد الحاضر).
اعلم أن الإمام يحيى عليه السلام قد جعل نحو هذا الاستدلال على عدم التعدي في التعلق من مسالك المتكلمين الفاسدة وأورد له مثالين:
أحدهما: احتجاجهم على أن العلم الحادث الواحد لايتعلق بأكثر من معلوم واحد بأنه لو تعلق بمعلومين لم يكن تعلقه بذلك أولى من تعلقه بثلاثة وأربعة فيلزم تعلقه بما لانهاية له إذ ليس عدد أولى من عدد وهو محال.
وثانيهما: أنهم ذكروا أن القدرة الواحدة في الجنس والوقت والمحل والوجه لاتتعلق إلاَّ بمقدور واحد إذ لو تعلقت بمقدورين للزم تعلقها بما لانهاية له من المقدورات إذ ليس عدد أولى من عدد.