ومن كلامه عليه السلام: (( لم تحط به الأوهام بل تجلى لها بها وبها امتنع عنها وإليها حاكمها )) والأوهام ههنا العقول، وقد تقدم تفسير كلامه هذا.
ومن كلام الإمام ترجمان الدين نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم عليه السلام: (( جعل الله في المكلفين شيئين وهما العقل والروح وهما قوام الإنسان لدينه ودنياه وقد حواهما جسمه وهو يعجز عن صفتهما وماهيتهما فكيف يتعدى بجهله إلى عرفان ماهية الخالق الذي ليس كمثله شيء ومن لم يعرف عقله وروحه والملائكة والجن والنجوم وهذه مدركة أو في حكمها فكيف يرمي به نفسه المسكينة إلى معرفة القديم قبل كل موجود والآخر بعد كل شيء الذي لاتدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير )) وهذا تصريح منه عليه السلام بعدم إمكان الوصول إلى معرفة الحقيقة وكنه الذات.
وعن بعض الصالحين أنه قال في الله: (( أوحده ولا أحده أؤمن به ولاأ:يفه وما خطر على قلبي فهو تعالى خلافه )) .
وحكي عن الإمام الشافعي أنه قال: (( من انتهض لطلب مدبره فانتهى إلى موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه وإ، اطمأن إلى العدم الصرف فهو معطل وإن اطمأن إلى موجود واعترف بالعجز عن إدراكه فهو مصدق )) قيل: وهو معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام:
العجز عن درك الإدراك إدراك ... والبحث عن فحص كنه الذات إشراك
فهذه الفائدة تنطوي على كلام سيد البشر وكلام وصيه الصديق الأكبر وإمام التوحيد والعدل وكلام غيرهما من أئمة الإسلام فجدير بكل عاقل الاعتماد عليها والرجوع في هذا الشأن إليها نسأل الله أن يمدنا بمواد التوفيق ويهدينا إلى سواء الطريق.
القول في كيفية استحقاقه تعالى لهذه الصفات
التي هي القادرية والعالمية والحيية والوجود فأما صفة الذات والمدركية فقد مضى ما فيه كفاية في بيان كيفية استحقاقه تعالى لهما، واعلم أن هذا الفصل لايكمل التوحيد ويتم المعرفة إلا به فإنه ينطوي على نفي المعاني القديمة والاستدلال على بطلانها وبيان أنه يستحق هذه الصفات لذاته ولذلك يثبت أنه لايجوز خروجه عنها، وأنه قادر على جميع أجناس المقدورات عالم بجميع أعيان المعلومات، وبذلك يثبت عدله وحكمته وننزهه عن القبائح لعلمه بقبحها واستغنائه عنها فظهر بذلك عظم الحاجة إلى هذا الفصل، وسمي بفصل الكيفية لأنه كلام في كيفية استحقاقه تعالى لهذه الصفات مطابقة بالإسم للمعنى ووجه اتصاله بما تقدم من الصفات ظاهر، وهو كلام في كيفية استحقاقها فهو كالجزء منها وبتمامه يتم العلم بها.
قوله: (أتفق أهل العدل على أنه يستحقها لذاته أو لما هو عليه في ذاته).
يعني فالأول كلام أبي علي ومن قبله من أهل العدل ومن تعبه ممن بعده منهم، والثاني قول أبي هاشم وجمهور المتأخرين وأبو علي وأصحابه يسلمون أنه لو لم يستحقها لما هو عليه في ذاته كما يقوله أبو هاشم دون ما يقوله أ÷ل الجبر وأبو هاشم وأصحابه يسلمون أنه لو لم يستحقها لما هو عليه في ذاته لاستحقها لذاته وهم متفقون جميعاً على أنه تعالى لايحتاج في ثبوتها إلى مؤثر إذ لايجعلونها مستحقة بالفاعل ولا لمعنى ولا لسبب وأبو هاشم وأصحابه وإ، قالوا بأنها مقتضاة فالمقتضي غير مؤثر على التحقيق.
فإن قيل: كيف قال المصنف اتفق أ÷ل العدل على أنه يستحقها لذاته أو لما هو عليه في ذاته وأبو الحسين وأصحابه النافون للأحوال غير داخلين في ذلك وهم من أعيان أهل العدل؟
قلنا: بل هم من القائلين أنه يستحقها لذاته وإن جعلوها تعلقات لا صفات فإنهم يضيفون التعلق الحاصل له تعالى بكونه قادراً وعالماً إلى ذاته من غير واسطة فهم يقولون أن القديم تعالى قادر وعالم لذاته وحقيقته المخصوصة توجب هذا التعلق من غير واسطة أمر زائد حكاه الإمام يحيى.
قال: ويمكن أن يكون هذا قول المتقدمين من المعتزلة فإنهم أطلقوا القول بأنه يستحقها لذاته ولم يخوضوا خوض المتأخرين فيجب حمل قولهم على ذلك.
قوله: (فقالت الصفاتية) يعني سليمان بن جرير الإمامي وأصحابه.
قوله: (وقال بان كلاب أزلية).
اعلم أنه لافرق بين قوله وقول الأشعري لأن الأزلي هو القديم إلا أن ابن كلاب لم يتجاسر على إطلاق القول بقدمها للإجماع على أنه لاقديم مع الله تعالى وتجاسر الأشعري على ذلك لوقاحته.
قوله: (وقال الأشعري قديمة) أي المعاني التي يستحق الباري كونه قادراً عالماً حياً لأجلها قديمة. وقد ذكر ابن الملاحمي في معتمده أنهم يقولون كذلك في كونه مريداً كارهاً سميعاً بصيراً مدركاً وأنهم يصرحون بأنه يستحق هذه الصفات جميعها لمعان قديمة.
قال الإمام يحيى: وأما الأشعرية فاتفقوا على إثبات المعاني القديمة ثم اختلفوا فنفاة الأحوال منهم يقولون العلم هو نفس العالمية والقدرة هي نفس القادرية ثم هذه الصفة عندهم معلومة بنفسها موجودة في ذاتها وهو مذهب الأشعري وابن كلاب وهو قول المتأخرين من محققيهم وأما مثبتوا الأحوال منهم فعندهم أن القادرية والعالمية والحيية صفات مضافة إلى المعاني وأنه تعالى كما هو موصوف بهذه الصفات فهو موصوف بالمعاني وهذا مذهب القاضي منهم وهو قول الكرامية.
قوله: (لم يصح المنع من وصفها).
اعلم أولاً أن مرادهم بأنها لاتوصف أنه لايعبر عنها بعبارة يكون وصفها لها وهو لايستقيم مع إثباتهم لها معاني.
قوله: (شبهتهم أنها لاتقوم بنفسها).
أي لاتستقل بمجردها من دون أن تستند إلى ذات وتثبت لها وتكون مترتبة في الثبوت عليها.
قوله: (ونحو ذلك).
يعني من وصفكم لها كقولكم أنها لاتوصف وأنها لاتقوم بنفسها.
قوله: (فإن وصفها لاتقتضي قيام).
معنى بها يعني كوصفنا لها بأنها موجودة أو معدومة أو محدثة أو باقية أو غير باقية أو غير ذلك مما نصفها به.
قوله: (ونحو ذلك) يعني كمبدئ ومعيد وموجد وما جرى هذا المجرى.
قوله: (ولنعد إلى إبطال قول الجميع) يعني جميع أهل الجبر من الكلابية والأشعرية والصفاتية والكرامية.
قوله: (لاطريق إليها) يعني وإذا لم يكن إليها طريق لم يجز إثباتها بل يجب نفيها إذا كان لايمكن أن يكون إليها طريق وهذا حال هذه المعاني، وهذا بناء على ما تقدم، وفيه من الاعتراض ما قد عرفت ومن العلماء من قال لايوجب عدم الطريق إلى الشيء نفيه إلا في ثلاثة مواضع:
أحدها: عدم المعلول فإنه يدل على ألا علة.
الثاني: عدم ظهور المعجز على مدعي النبوة فإنه يدل على بطلان نبوته.
الثالث: إذا كانت الذات لايصح خلوها عن صفتين ضدين على البدل فإن خلو الذات عن إحداهما طريق إلى ثبوت الثانية وهذا المثال الثالث ليس من هذا الباب فإيراده هنا ليس بسديد.
قوله: (لأن وجود المعاني والحال هذه كعدمها).
يعني مع كون الصفات واجبة لأن الصفة الواجبة هي التي يستحيل خلافها عند إمكانها ومع كونها كذلك لاحاجة بها إلى المعنى فثبوتها مع وجوده وعدمه على سواء.
قوله: (بأمر منفصل) يعني الذات من فاعل أو علة واحترز بقوله منفصل عن المقتضي لن لاصفة الواجبة يصح تعليلها به إلا أنه غير منفصل عن الذات بل هو صفة ثابتة لها.
قوله: (وكذلك صفات المعاني) يعني الذاتية والمقتضاة.
قوله: (وسائر صفات الأجناس) أراد به إدخال الجواهر في ذلك فإن صفاتها الذاتية والمقتضاة كصفات المعاني في أنها تستغني عن المعنى.
قوله: (وإذا كانت صفات الباري واجبة) يعني القادرية والعالمية والحيية.
قوله: (استغنت عن المعاني كالوجود وكصفات الأجناس) يعني وجود الباري تعالى وصفات الأجناس الذاتية والمقتضاة.
وقد أورد الشيخ أبو الحسين على هذا الدليل اعتراضين:
أحدهما: ما تريدون بقولكم صفات الباري تعالى واجبة هل تريدون أن مجرد ذاته كاف في ثبوتها وأنها لاتفتقر إلى غيره فهذا محل النزاع، ومسألة الخلاف، فكيف تجعلون نفس مذهبكم دليلاً أو تريدون أنها ثابتة له تعالى فليس ثبوت صفة للذات توجب استغناءها عن علة؟
والجواب: أنا لانعني بالوجوب أي الوجهين اللذين ذكرت ولكن نعني بالوجوب ثبوتها له في الأزل واستحالة انفكاكه عنها والخصم يسلم ذلك.
وثانيهما: أن قياسكم على صفات المعاني والأجناس بناء على ثبوت المعاني وثبوت صفات للأجناس وهو غير مسلم وإ، سلمناه فإن استغناء صفات الأجناس عن العلة لكون الذات كافية في ثبوتها ولم تثبت لكم الآن أن ذاته تعالى كافية في ثبوت صفاته فإن ذلك لايثبت إلا بعد إبطال أن يستحقها لمعنى.
والجواب: أنه قد تقرر ثبوت المعاني وصفات الأجناس بما تقدم، وأما قوله أن صفات الأجناس استغنت عن العلة لكون الذات كافية في ثبوتها فيقال له: ولم كانت الذات كافية في ثبوتها فإن ذلك إنما هو لوجوبها فإذا كانت صفات الباري تعالى واجبة كانت ذاته أيضاً كافية في ثبوتها له. وأام قوله: ولم يثبت لكم أن ذات الباري تعالى كافية في ثبوت صفاته. فيقال فيه: لم نستدل بأنها كافية على أنه لايستحقها لمعاني ولو كان كذلك لزمنا الدور كما ذكره لكن استدللنا باستحالة الانفكاك عنها وحصولها في الأزل على الاستغناء والعلة الجامعة بينها وبين صفات الأجناس ما ذكرناه من استحالة خلافها عند إمكانها والخصم لاينازع في ذلك.
قوله: (فالله أحق بأن لايحتاج إلى معنى).
يعني لأن ذلك يقدح فيما قد تقرر من استغنائه تعالى عن غيره ولأنه يؤدي إلى النقصان وعدم الكمال إذ الحاجة من صفات النقص وهي مستحيلة عليه تعالى فكان أحق بالاستغناء من غيره.
قوله: (بل قد وافق فيه أكثر الملحدة).
يريد بالملحدة نفاة الصانع المختار الملحدين بإ،كاره وعنى بأكثرهم من أثبت مؤثراً موجباً كالفلاسفة والباطنية فإنهم يدينون بأن المؤثر في العالم لايحتاج في وجوده إلى معنى.
قوله: (فأما بالتفسير الذي يريدونه في هذه المسألة) إلى آخره.
يعني من إيجاب الصفة لا الحلول وبالجملة فيقال لهم: إن أردتم بالقيام الحلول فهو كما يستحيل في حق المعنى يستحيل في حقه تعالى وإن أردتم به إيجاب الصفة فقط فهو كما لايستحيل عليه تعالى عندكم لايستحيل في حق المعنى فإذا أجزتم قيام المعنى ف يحقه تعالى مع أنه غير متحيز ولامحل فجوزوه في حق المعاني وإ، كانت غير محال ولا متحيزه فإن حالها في استحالة الحلول لايزيد على حاله تعالى.
قوله: (وهذا هو أصل دليل المخالف) .
يعني كما تقدم في ذكر ما استدل به الرازي على حدوث العالم فإذا كان دليلاً على حدوثه كان دليلاً على حدوث المعاني لقيامه في حقها.
قوله: (وذلك الغير ليس بمؤثر فيها عندهم).
يعني الله تعالى فإنهم لايثبتون له تأثيراً فيها لاتأثير وجوب ولاتأثير اختيار وكذلك لايثبت لغيره من المحدثين فيها تأثير.
قوله: (وأيضاً فهي ليست بأغيار لله تعالى عندهم).
يعني فكيف يكون مؤثراً فيما ليس بمغاير له فإن هذا مما لايتصور وكيف يكون ما هو واجب الوجود من غيره ممكن الوجود من ذاته ليس بغير لما هو واجب الوجود من ذاته فقط.
قوله: (لاسيما وفي ذلك مشابهة القائلين بالأفلاك والعقول).
يعني من حيث أنه جعلها واجبة الوجود من جهته تعالى كما أن أهل العقول جعلوا العقل الأول واجب الوجود من جهته تعالى حيث أثبت ذواتاً قديمة معه تعالى كإثباتهم للعقول القديمة عندهم معه تعالى فهذا وجه الشبه بين قوله وقولهم.
قوله: (طريقة أخرى قد وقع الإجماع وقامت الدلالة على أن الله تعالى ليس بمحتاج).
فيه سؤال وهو أن يقال: ألاستدلال بالسمع على أنه ليس بمحتاج لايصح لترتب صحته على عدم الحاجة ثم أن الذي قامت الدلالة عليه أنه ليس بمحتاج بمعنى الانتفاع والتضرر فأما بهذا المعنى الذي ذكرته المجبرة فلا.
والجواب: أما الاستدلال بالإجماع ههنا فهو صحيح لأنه مما يتوقف صحة السمع على نفي الحاجة بمعنى الانتفاع والاستضرار، ولو قدرنا عدم صحة الاستدلال به فالاحتجاج به ههنا من باب الاستظهار على الخصم بما لاينكر كونه دليلا. وأما قوله: أن الذي قامت عليه الدلالة.. إلى آخره. فيقال: كما قامت على نفي الحاجة بذلك المعنى فقد قامت على نفيها بهذا المعنى فإن الدليل قد دل على أنه لايحتاج في وجوده إلى غيره وإلا أدرى إلى التسلسل.
قوله: (لو انتفت عن الله تعالى ولم توجد أضدادها لكان في ذلك عدمه).
يقال: كيف اتفاقهم على هذا وإنما يتصور على قول من يجعله تعالى موجوداً لمعنى هو الوجود فأما من جعله تعالى موجوداً لذاته أو جعل وجوده نفس ذاته منهم فلا يتصور أن يكون من مذهبه أن عدم العلم والقدرة والحياة لو قدر مؤثر في عدمه تعالى.
والجواب لعل من مذهبهم أنه تعالى يستحيل انفكاكه عنها وانفكاكها عنه وحصوله موجوداً من دونها أو أضدادها وحصولها موجودة من دونه تعالى وقد فهم ذلك من قولهم لا هي الله تعالى ولا هي غيره ثم فسروا الغيرين بأنهما كل موجودين يصح وجود أحدهما مع عدم الآخر فلولا أنهم يقولون أنه لايصح وجوده تعالى مع عدمها للزمهم أن يكون غيراً لها ويكون مذهبهم في ذلك كمذهب أبي علي في الأجسام، وهو أنه لايجوز انفكاكها عما يحتمله أو ضده ولا وجودها من دون ذلك، فعلى هذا يكون من قولهم أنها لو عدمت لدل عدمها على عدمه جل وتعالى عن ذلك وإلا بطل القول باستحالة الانفكاك.
نعم الاستدلال بالإجماع إنما يستقيم على بطلان قولهم بالحاجة إليها لابنفس المعاني.
قوله: (بأن يصير ميتاً عاجزاً جاهلاً).
يعني لحصول الموت والعجز والجهل التي هي أضداد للحياة والقدرة والعلم عندهم. وقوله: ونحو ذلك. لاوجه لزيادته لأن لاذي يثبت بثبوت ضده النقض في حقه تعال هي هذه المعاني الثلاثة فأما ضد الإرادة القديمة فلا يحصل بحصوله نقص وليس هذا موضع الكلام فيه اللهم إلا أن يريد أضداد السمع والبصر والإدراك على قول من يجعله سميعاً بصيراً المعنيين إذا كانوا يقولون بأن لهذه المعاني أضداداً كأحد قولي أبي علي في إدراك الرؤية فإنه يجعل له ضدا هو العمى.
قوله: (الامتناع من إ"لاق العبارة).
يعني بأن يقولوا أنا لانقول بأنه تعالى محتاج إلى هذه المعاني بل نقول ليس بمحتاج إليها لأنهم قد أثبتوا المعاني وأثبتوا معنى الحاجة إليها فلا تعويل على العبارات كما قلنا لهم حيث ألزمناهم على نسبة أفعال العباد إليه أن يكون ظالماً تعالى عن ذلك.
قوله: (طريقة أخرى).
تلخيص هذه الطريقة أنه لابد لهذه المعاني من صفات لأجلها تخالف مخالفها وتوجب موجبها وتتعلق بمتعلقها وتضاد ضدها لما قد تقرر من أن المخالفة والإيجاب والتعلق والتضاد أحكام لاتثبت إلا لصفات وإلا لزم في كل ذات أن تكون مخالفة لغيرها على الإطلاق موجبة لحكم من الأحكام متعلقة بشيء من المتعلقات مضادة لشيء من الذوات، فأما أن يستحقها أي إما أن يستحق المعاني صفاتها التي لأجلها خالفت وأوجبت وتعلقت وصارت لمعان أخرى فيلزم التسلسل لأن هذه المعاني التي اوجبت صفات تلك المعاني لها أيضاً صفات تحتاج في ثبوتها لها إلى معان إذ لافرق أو تستحق المعاني الموجبة لصفات الله تعالى على زعمهم هذه الصفات لذاتها لا لمعنى فالله أحق أن يستحق صفاته لذاته إذ نفي الحاجة عنه تعالى واجب ولا يجب نفيها عن المعاني وهو تعالى المختص بالكمال في ذاته وصفاته ومن الكمال ألا يحتاج إلى غيره وإذا ثبت استحقاقه تعالى لصفاته لذاته فلا حاجة عند ثبوتها له ذاته إلى معان إذ معنى ثبوتها للذات أن يستغني بمجردها في حصولها له ولايحتاج فيها إلى غيرها من معنى وغيره.
ويرد على هذه الطريقة سؤال وتقريره أنه إنما وجب كون صفات المعاني التي لأجلها تخالف وتوجب وتتعلق وتضاد ذاتية لأن إيجاب تلك الأحكام المذكورة لاتكون إلا لصفات ذاتية على ما قد تقرر لا لما ذكرتموه من أن في خلاف ذلك لزوم التسلسل بخلاف صفات الباري تعالى المذكورة فإنه لم يحصل فيها من الدلالة ما حصل في صفات المعاني، ونحن نسلم أن الذي لأجله تخالف مخالفة من الصفات هو ذاتي، فأما القادرية والعالمية ونحوهما فلا وقولكم الله تعالى أحق أن يستحق صفاته لذاته غير مسلم إلا لو كانت صفاته تعالى من جنس صفاتها، فأما وهي من جنس آخر فلا.
فصل في أنه لايجوز أن يستحقها لمعان قديمة
قوله: (كما يقوله جمهور المجبرة). أراد الأشعرية والكلابية والكرامية.
قوله: (وهذا وإن كان قد دخل فيما تقدم) يعني أن إبطال أن يستحقها لمعان قديمة قد دخل فيما تقدم إذ ما تقدم من الطرق إبطال لأن يستحقها لمعان مطلقاً سواء قيل بأنها قديمة أو غير قديمة وحالة أو غير حالة فقد شمل ذلك إبطال جميع مذاهب المخالفين.
قوله: (كما سيخص غيره) يعني وهو إبطال أن يستحقها لمعان محدثة.
قوله: (فنقول لو استحقها لمعان قديمة لوجب أن تكون أمثالا لله تعالى لمشاركتها له في القدم).
اعلم أن هذا الدليل مما يعتمده أصحابنا في إبطال المعاني القديمة ولهم فيه تحريرات وتفريعات وجملة ما ينبني عليه من الأصول أربعة:
أحدها: أنه تعالى مخالف لغيره من لاذوات وهذا الأصل ظاهر لانزاع فيه.
وثانيها: أنه خالفها بكونه قديماً ودليله أن المخالفة إنما تكون بالافتراق في الصفة الذاتية والقدم صفة ذاتية على مذهب أبي علي، وأما على مذهب أبي هاشم فهو كاشف عن الصفة الذاتية وليست المخالفة بأكثر من ألا تسيد إحدى الذاتين مسد الأخرى فيما يرجع إلى الصفة الذاتية على التفصيل وصفة القدم وإن لم تكن هي المؤثرة في المخالفة على رأي أبي هاشم فيها يقع الإستدلال على الصفة الأخص وهي كاشفة عنها وهي التي وقع بها الخلاف فلما كان بها يقع الاستدلال على ما يؤثر في الخلاف أقاموا الأثر مقام المؤثر لتلازمهما.
وثالثها: أن الصفة التي يقع بها الخلاف عند الافتراق فيها هي الصفة التي يقع بها التماثل عند الاتفاق فيها. ودليله السواد فإنه لما خالف مخالفة وهو البياض للافتراق في السوادية التي لم تثبت للبياض ماثل السواد والآخر بها حيث واقفه فيها.
ورابعها: أن الاشتراك في صفة من صفات الذات يوجب الاشتراك في سائر صفات الذات ودليله ما ذكره المصنف.
فإذا تقرر هذا الدليل لزم ما ذكر من أن تكون المعاني بصفته تعالى وأن يكون بصفتها.
قوله: (لأنها قد شاركته فيما يصحح كونه حياً).