الثالثة: أنه تعالى لو رئي لما رئي إلا عليها ولاشيء من الصفات الذاتية يشاركها في ذلك فإنما ترى سائر الذوات المرئية على صفاتها المقتضاة وإنما اوجبنا ذلك في حقه تعالى لأن المرئي يرى على أخص أوصافه وهي أخص اوصافه تعالى فأما غيرها من صفاته تعالى فإنه لايختص بجنسها وقبيلها دون ما خالفه فأما المدركات من المحدثات فإن صفاتها المقتضاة هي مختصة بها لايشاركها في جنسها وقبيلها ما خالفها ولو كانت تدرك على صفاتها الذاتية لزم إدراكها حالة العدم وهو محال.
الرابعة: أن الذي يقتضيه من الصفات يكشف عنها بكيفيته بمجرده بخلاف سائر الصفات الذاتية فإن مقتضياتها تكشف عنها بمجردها.
فصل
قوله: (والذي يجري عليه تعالى من الأسماء في هذا الباب) إلى آخره.
وإنما خص هذا الباب بهذه الأسماء لنه كلام في الصفة التي تصير بها الذات ذاتاً وشيئاً، وهذه الأسماء بهذا الموضع اخص.
قوله: (لأنه قد جرى مجرى العلم) إلى آخره.
يعني فهو على هذا القول من هذا الباب فأما على القول بأنه بمعنى الإله وأنه ليس يعلم فهو من الأسماء التي بمعنى القادرية.
قوله: (وكذلك سبوح وقدوس) في عدهما من هذا الباب نظر لإفادتهما التنزيه فهما من باب آخر.
قوله: (للإيهام الحاصل فيهما) أما العين فإيهامها للخارجة المخصوصة وغير ذلك من المعاني التي لايجوز في حقه على ما سيأتي في مسألة نفي التجسيم وأما النفس فهي في اللغة موضوعة لمعان لايصح شيء مناه في حقه تعالى منها الروح والدم والجسد والعين، فقال: أصابت فلاناً نفس والنافس العاين، والنفس أيضاً قدر دبغه مما يدبغ به الأديم من القرظ، يقال: هب له نفساً من دباغ. ذكره الجوهري، وقد يقول المتكلمون في صفاته تعالى أو في شيء منها يستحقها لنفسه فيقيمونها مقام الذات، ولعل ذلك من معانيها إلا أن الإيهام يمنع من الإطلاق.
قوله: (تأثيراً مخصوصاً من الأعراض).
يعني بأن يكون تأثيره في ثبوت صفة أو حكم للغير ولاشك في أن ذلك لايجوز في حقه تعالى.
قوله: (تمام ووافر وكامل ونحوه). يعني كزائد وواف وما كان بهذا المعنى.
تنبيه
لايكاد الأصحاب يتعرضون في هذه المسألة لما يلزم المكلف معرفته فيها.
قيل: والعلم بها فرض كفاية لأن المتعين من المعارف ما يحصل به اللطفية وهي حاصلة بمعرفة الله وصفاته الأربع وإنام وجبت معرفتها كفاية لئلا يقطع بنفيها وهو نوع جهل بالله ونفي لما يجب له وهو محرم والتحرز عنه واجب فيكون ذلك كالعلم بحل الشبه في كونه تعالى واجباً على الكفاية.
فصل
قوله: (قد زعم ضرار بن عمرو أن لله تعالى مائية لا يعلمها إلا هو).
اعلم أن هذه المسألة من مهمات مسائل الخلاف فحكى بعض أهل المقالات عن الزيدية والمعتزلة وأكثر الخوارج والمرجئة أنهم يذهبون إلى أنه تعالى ليس بذي ماهية لايعلمها إلا هو بل ذاته تعالى وماهيته يصح أن يعلمها غيره كما يعلمها إما بأن يخلق الله له علماً ضرورياً كما في الآخرة أو بأن ينصب له دليلاً كما في الدنيا مع بقاء التكليف حتى أن الشيخ أبا هاشم رحمه الله أقسم أن الله تعالى لايعلم من ذاته إلا ما يعلمه هو والذي ذهب إليه ضرار بن عمرو وحفص والداري من علماء المجبرة أن له تعالى ماهية يعلمها. قالوا: ولايعلم كنه حقيقة ذاته إلا هو فإنما هو في علم نفسه تعالى على تلك الصفة ويراها أيضاً عليها ثم اختلفوا في رؤية المؤمنين له يوم القيامة هل يكون على تلك الصفة التي كان يختص بعلمها ويرى نفسه عليها فيدركونه تعالى عليها ويعلمونه بكنه حقيقته أو لا فمنع بعضهم من ذلك وتوقف آخرون وهو الذي يقضي به كلام ابن الخطيب والذي حكاه افمام يحيى في التمهيد أن أكثر المتكلمين من المعتزلة وغيرهم ذهبوا إلى أن حقيقة ذاته تعالى وجميع صفاته معلومة لنا كعلمه تعالى بحقيقة ذاته، وذهب بعض المتكلمين وبعض الصوفية ومحققوا الأشعرية كالجويني والغزالي والقاضي منهم إلى أن خاصة ذاته تعالى غير معلومة لنا.
قال عليه السلام: إن حقيقة ذاته تعالى وكنهها غير معلوم لنا وأما ضرار فإن قصدنا لمائيته ما يعنيه بخصوصية الذات وحقيقتها وأنه لايعلمها إلا هو فهذا جيد، وإن أراد بالمائية صفة زائدة على حقيقة ذاته كما يزعمه أبو هاشم فهذا غير سديد لأن من قال أن له تعالى صفة قال: إ،ها معلومة لنا فلا معنى لقوله لا يعلمها إلا هو. أنتهى.
وقد علمت بهذا ضعف ما حكاه بعض أصحابنا المتأخرين فإن ظاهر حكايته تقضي بالتسوية بين قول الإمام يحيى وأبي الحسين وقول حفص وضرار في أنهم جميعاً يثبتون صفة لايعلمها إلا هو تعالى، فإن الإمام يحيى ومن معه لايثبتون صفة وبهذا يعرف الفرق بين قولهم وقول ضرار، فإنه يثبت صفة لايعلمها إلا هو وهو معنى قوله بالمائية وقد ذكر بعض المتأخرين أن القول بأن حقيقة ذاته تعالى غير معلومة وأنه لايمكن العلم بكنهها هو قول أمير المؤمنين وسيد الوصيين كما قرره شارح كلامه عليه السلام في قوله كرم الله وجهه: امتنع منها بها وإليها حاكمها. أي امتنع من العقول بمعرفة العقول بعجزها عن إدراكه والإحطة به وإليها حاكمها أي جعلها محكمة في ذلك لأنه نزلها منزلة الخصم المدعي والخصم لايحكم إلا حيث يتضح الحجة ويفتضح جاحدها فلا يرضى لنفسه بدعوى ما يعلم كل عاقل كذبه فيه.
ثم قال: ولايعلم لعلي عليه السلام مخالف في الصدر الأول ولا أنكر عليه كلامه هذا أحد، وذكر ابن أبي الحديد مع اعتزاله أنه قول لم يزل فضلاء العقلاء عليه ولعبد الحميد بن أبي الحديد في التصريح بمذهبه في ذلك وهو عدم إحاطة العلم بكنه ذاته تعالى نظم متكرر فمنه:
فيك يا أغلوطة الفكر ... هام عقلي وانقضى عمري
سافرت فيك العقول فما ... ربحت إلا عنى السفر
رجعت حسرى وما وقفت ... لا على عين ولا أثر
فلجى الله الأولى زعموا ... أنك المعروف بالنظر
كذبوا أن الذي زعموا ... خارج عن قوة البشر
وله أيضاً في ذلك:
والله ما موسى ولاعيـ ... ـسى المسيح ولا محمد
عرفوا ولاجبريل وهو ... إلى محل القدس يصعد
من كنه ذاتك غير أنـ ... ـك واحد في الذات سرمد
عرفوا إضافات ويفنا ... والحقيقة ليس توجد
أشار في هذا البيت الآخر إلى ما يذهب إليه أهل هذه المقالة جميعهم من أن المعلوم منه تعالى ليس إلا الوجود والصفات السلبية نحو كونه ليس بجسيم ولا عرض ولامحتاج، والصفات الإضافية نحو قادر وعالم وحي. قالوا: العلم بهذه الأمور وإن كان مميزاً للذات وفاصلاً لها عن سائر الذوات فليس علماً بكنه تلك الذات وحقيقتها. وله أيضاً:
قد حار في أنفس كل الورى ... والفكر فيك قد غدا ضائعا
من جهل الصنعة عجزاً فما ... أجدره أن يجهل الصانعا
واختلف القائلون بهذه المقالة وهي أنا لانعلم حقيقة ذاته تعالى في الدنيا في هل يطرد المنع من ذلك فلا نعلمها في الآخرة كما لانعلمها في الدنيا أو يختص بدار الدنيا فمنهم من اطلق المنع ومنهم من خصه بالدنيا فقط ومنهم من توقف.
وقد احتج الجمهور من أصحابنا على صحة ما يقولونه وفساد ما يذهب إليه من خالفهم في ذلك أما ما احتجوا به لصحة ما ذهبوا إليه فوجوه ثلاثة:
الأول: أنه تعالى قد كلفنا معرفة وحدانيته وذلك يتوقف على معرفة حقيقته لأن من لايعلم العالم ولا الحادث مثلاً لم يمكنه العلم بأن العالم حادث فلو لم يكن لنا طريق إلى معرفة حقيقة ذاته لم تكن ممكنة عقلاً مع وجوبها شرعاً لكان ذلك تكليفاً لما لايطاق واعترض بأنا إنما كلفنا بمعرفة الربوبية والأسماء الحسنى ونفي الثانيونفي التشبيه ونفي الظلم وكل نقص وهذه كلها نعوت عرية عن معرفة الماهية وقد ذكر معنى هذا الجواب الإمام يحيى فإنه قال: والجواب عما أوردوه بحرف واحد وهو: إن العلم الجملي يكفي في العلم بالوحدانية والإلهية والعلم بالحقيقة هو أمر وراء ذلك الأمر الذي ذكروه.
الوجه الثاني: أنا نحكم على ذاته تعالى بهذه الأحكام الثبوتية والسلبية والحكم على الشيء مسبوق بمعرفة المحكوم عليه وربما يقولون للخصوم قد حكمتم على خصوصية ذاته تعالى بأنها غير معلومة والحكم على الشيء بالنفي أو الإثبات متأخر عن تصور حقيقة المحكوم عليه فإذن الحكم على تلك الحقيقة بكونها غير معلومة يتوقف على كونها معلومة وفيه تمام غرضنا.
واعترضه الإمام يحيى بأن التصور الجملي كاف في الحكم على الشيء بالنفي والإثبات والإشكال أنا نعرف حقيقة ذاته جملة وإنما الخلاف في التعيين والتفصيل.
الوجه الثالث: أن حقيقة ذاته التي ذهبوا إلى أنها غير معلومة عبارة عن الذات المقيدة بوجوب الإنصاف بهذه الصفات السلوب والإضافات ومطلق الذات معلوم وهذا القيد أيضاً معلوم فيجب إذاً أن تكون ذاته المخصوصة معلومة لامحالة.
واعترضه الإمام يحيى بأنه إنما يستقيم لو قلنا بأن ذاته تعالى مساوية لسائر الذوات في أصل الذاتية ثم أنه خالفها بهذا القيد وهو وجوب هذه الصفات السلبية والإضافة لكنا قد بينا بطلان ذلك وأن مخالفته تعالى لسائر الذوات بحقيقته المخصوصة وأنه ليس بين ماهيته وسائر الماهيات اشتراك أصلاً.
وأما ما ذكره أصحابنا في بطلان قول المخالفين فقد أبطلوا كلامهم جميعاً بأنه لا معنى لماهيته تعالى إلا أنه ذات غير ذات الجسم والعرض، وهذا قد علمناه فلم يختص تعالى بأن علم من ماهيته غير ما علمناه واستدلوا على بطلان ما قاله ضرار وحفص خاصة بما ذكره المصنف.
قوله: (فهو صحيح) يقال: كيف يتأتى ذلك مع أنك لاتقول بصحة ما يقوله أبو الحسين من أنه ذات مخصوصة تفارق بنفسها سائر الذوات.
قوله: (لأنه لايقال في الله ما هو ولا أي شيء ما هو).
يعني فيقال لأجل ذلك أن له ماهية او مائية وقد اختلف في جواز إطلاق لفظ الماهية على ذاته تعالى فمنهم من منعه وهو ظاهر كلام المصنف ومنهم من أثبته مالم يوهم الخطأ تكييفاً كان أو غيره. قيل: وهو الصحيح.
قوله: (وليس لها حكم) إلى آخره.
يقال: إنما يتأى ذلك لو عنى ضرار بتلك الصفة ما عنيتم بالصفة الأخص وأثبت من اقتضائها وأحكامها ما تثبتونه ولكن بعيد عن هذا فلا يلحظ إليه.
تنبيه
الذي احتج به المخالفون جميعاً لصحة مذهبهم وجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أنا إذا أخبرنا أنفسنا ورجعنا إليها وجدناها لاتعلم حقيقة شيء من الأشياء مفصلاً إلا من وجهين: أحدهما الحس بحر العلم بمدركات الحواس الخمس. وثانيهما: الوجدان من النفس مثل علمنا بحقيقة الألم واللذة والجوع والعطش، فأما سائر الأشياء فلا طريق لنا إلى معرفتها إلا على الوجه الجملي، والإدراك يستحيل في حقه تعالى ويستحيل أن يجد من أنفسنا معرفة حقيقية فوجب القطع بأنا لانعلمها وهو المقصود.
الوجه الثاني: أن المعلوم لنا منه تعالى ليس إلا الصفات السلبية والإضافية وشيء منها ليس نفس حقيقته. بيان ذلك أن الذي عرفناه من الصفات الإضافية هو أنه يمكنه أن يوجد الأشياء وألا يوجدها وهو معنى القادرية وأنه يمكنه أن يوجدها محكمة وهو معنى العالمية والذي عرفناه من الصفات السلبية أنه غير متحيز ولا حال في جهة ولامحل لشيء ولا حال في شيء والموصوف بصفات الأجسام من الشهوة والنفرة والألم واللذة وكلها إضافات وسلوب فإذا تصفحنا ما علمنا منه تعالى فليس إلا هذه الأمور ونحن نعلم ضرورة أن الإضافات والسلوب لابد لها من ذات مستقلة بنفسها متقومة بحقيقتها تكون موصوفة بهذه السلوب والإضافات فإذا كنا لانعلم حقيقة الذات الموصوفة بهذه السلوب والإضافات ثبت أنا لانعرف حقيقة ذاته تعالى ذكر هذين الوجهين الإمام يحيى.
الوجه الثالث: أنه لاكلام في صحة قولنا: الله أعلم بنفسه ولايصح ذلك إلا وهو يعلم من نفسه ما لانعلمه.
وأجيب عن هذا الوجه بأن معنى ذلك أنه يعلم من تعلق ذاته وتفاصيل مقدوراته ومعلوماته ما لانعلمه وذلك خارج عما نحن فيه أو يكون المراد أن عالميته تعالى واجبة ذاتية وعالميتنا جائزة معنوية وإن كان المعلوم واحداً واحتجوا أيضاً بقوله تعالى: {ولايحيطون به علماً} وبأن موسى عليه السلام أجاب فرعون عن قوله: وما رب العالمين؟ بالنعت فقط حيث قال: {رب السموات والأرض} لتعذر الجواب بالماهية وقد قيل:
حقيقة المرء قطعاً ليس يعلمها ... فكيف ماهية الجبار في القدم
وأما الذي ذكره ضرار خاصة في الاحتجاج لمذهبه فقد استوفاه المصنف وأجاب عنه.
قوله: (أما أن يكون الطريق إليه الإساس أو تأثيره أو حكمه).
أراد بالتأثير ههنا الفعل وبالحكم الموجب سواء كان صفة أو حكماً.
قوله: (ألا ترى أنا نعلم القدرة والحياة) إلى آخره.
قد تقدم ذكر كلام الإمام يحيى وفيه تصريح بألا نعلم إلا حقيقة المدرك والموجود من النفس.
قوله: (فهو وإن علمها من نفسه ضرورة على الجملة).
يعني فأما التفصيل فلا يعلمه إلا دلالة وهو أن له مثلاً بكونه مشتهياً حالاً موجبه عن معنى ليس الإرادة ولا غيرها فإن أحدنا وإن وجد نفسه مشتهية فهو لايجد أن الشهوة ذات ليست بصفة ونحو ذلك من التفصيل.
قوله: (فغيره يعلمها بالدلالة).
أما كونه مريداً فمن أصول أصحابنا أنا لانعلم أن الغير مريد في الشاهد إلا بالضرورة أو غالب الظن، فأما بالدلالة فلا كما سيأتي، ولعل الأمر في كونه مشتهياً كذلك فإنا نعلم بالضرورة شهوة الجائع الجوع الشديد للطعام الطيب فأما بالدلالة فلا يمكن إلا أن يكون بخبر صادق والله أعلم.
قوله: (قال أليس أحدنا يجد مزية للعلم الضروري على العلم الاستدلالي).
يعني فإذا كنا نعلمه في الآخرة ضرورة كان تميز علمنا الضروري به عن علمنا الاستدلالي بأن يتعلق بماهيته أو يكون مراده فهلا كان لعلم الله تعالى الذي هو في حكم الضروري بل أعلى درجة منه مزية على علمنا به الذي هو استدلالي وجواب المصنف يقضي بأن هذا مراده.
قوله: (لأمر يرجع إلى طريقهما).
يعني فلما كانت طرق الضروري من الإدراك والأخبار المتواترة ونحو ذلك أوضح من طرق الإستدلالي من النظر وخبر الصادق كان للضروري مزية على الاستدلالي إلا أن هذا الفرق إنما يتأتى فيما كان إليه طريق.
ويلحق بما تقدم فائدة عظيمة النفع في التوحيد
وهي أنه يليق بكل ذي عقل وافر وحلم راسخ من أهل الدين المستبين والمعرفة الحقيقية واليقين عند أن يلقى إليه الشيطان نعوذ بالله منه الوسوسة ويبعثه على التفكر في ذات الباري تعالى جل وعلا ويقول له كيف هذه الذات التي أراك تعبدها وما حقيقتها وصورتها ألاّ تصغي إلى ذلك أذناً ولاتصرف إليه قلباً ولا يشتغل بما يلقى إليه من ذلك فإن هذا الوسواس أعظم ما يتوصل به الشيطان إلى ضلال المكلف وكفره وإلحاده وقد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم على ما روى كثير التكرار للإقرار بالله ووحدانيته وصفاته والنظر في ملكوت الله تعالى الدالة على ذلك، وكان صلى اللّه عليه وآله وسلم كثيراً ما يأمر بالنظر فيها وينهى عن النظر في ذاته تعالى، فقد روي عنه أنه قال: (( تفكروا في الخلق ولاتفكروا في الخالق فإنكم لن تقدروا قدره )) .
وقد سلك أمير المؤمنين كرم الله وجهه هذه المحجة في أقواله فإن من كلامه عليه السلام في ذلك: (( من تفكر في خلق الله وحد ومن تفكر في الله ألحد )) . وقال عليه السلام في خطبة الأشباح وهي ما ذكره في نهج البلاغة مخاطباً لرجل أتاه فقال: يا أمير المؤمنين صف لنا ربنا لنزداد له حباً وبه معرفة فغضب عليه السلام ونادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس حتى غص المسجد بأهله فصعد المنبر وهو مغضب فحمد الله وصلى على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم واسترسل في الخطبة إلى أن قال: (( فانظر أيها السائل فما دلك القرآن عليه من صفته فأتم به واستضيء بنور هدايته وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه ولافي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله تعالى فإن ذلك منتهى حق الله عليك واعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أعياهم الإقرار بحكمة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب فمدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول مالم يحيطوا به علماً وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفوا البحث عن كنهه رسوخاً، فاقتصر على ذلك ولاتقدر عظمة الله تعالى على قدر عقلك فتكون من الهالكين هو القادر الذي إذا ارتمت الأوهام لتدرك كنه منقطع قدرته فحاول الفكر المبرأ من خطر الوسواس أن يقع عليه في عميقات ملكوته فتولهت القلوب إليه لتجري في كيفية صفاته وغمضت مداخل العقول في حيث لاتبلغه الصفات لتناول عظيم ذاته ردعها عن اقتحام السدد المضروبة دون العيوب فرجعت إذ جبهت معترفة بأنه لاينال تجوز الاعتصاف كنه معرفته ولايخطر ببال أولى الرويات خاطرة من تقدير جلال عزته )) إلى أن قال: (( فصار كلما خلق حجة له ودليلاً عليه وإن كان خلقاً صامتاً فحجته بالتدبير ناطقة ودلالته على المبدي قائمة )) .
ومن كلامه عليه السلام: (( إن الله تعالى لا من شيء ولا في شيء ولا على شيء )) .