وتقرير الجواب: أن ذلك إنما يشترط في الصفة المقتضاة مالم تكن هي نفس الوجود، ولايقال هذا احتراز لمجرد دفع الإلزام لأنا أخرجنا الوجود عن هذا الشرط لدليل اقتضى ذلك ومانع منع من اشتراطه فيه وهو أنا لو جعلنا الوجود شرطاً في الوجود في حقه تعالى لأنه صفة مقتضاة أدى ذلك إلى التسلسل إذ الوجود هذا الذي هو شرط لايصح إلا أن يكون مقتضى أيضاً، ولم يحصل مثل هذا المانع في غير الوجود من الصفات المقتضاة فبقيت على ما دلت عليه الدلالة ولم يخرج عن هذا الحكم وفي ذلك كله نظر، ومن هذا الوجه وغيره بالغ بعض أصحابنا المهدي عليه السلام في تضعيف هذا الدليل، وتعجب ممن استدل به على عكس ما استدل به الأصحاب لكان أولى فنقول: صفاته تعالى مقتضاة عن الذاتية فلا يكون الوجود شرطاً فيها كوجود الباري تعالى عندكم، وقد نقل عن بعض المحققين الالتجاء في هذه المسألة إلى دليل السمع وهو أنا نعلم كون الباري تعالى موجوداً بضرورة الدين وبنى على أن هذه المسألة مما يصح الاستدلال بالمسع عليه لعدم توقف دلالة الحكمة عليها، وهو لايستغني عن تأمل.
قوله: (وأما الطرف الثاني وهو أنه تعالى لا أول لوجوده) إلى آخره.
اعلم أولاً أنه لاخلاف بين المسلمين وجميع المثبتين للمؤثر في العالم في أن الله تعالى قديم ولاقائل بخلاف ذلك. قيل: ولكنه يلزم الفلاسفة والباطنية أنه تعالى غير قديم لن الوجه الذي لأجله منعوا من إثبات ما تقدم من الصفات له تعالى قائم في هذه المسألة وفيه نظر فمقالتهم صريحة بأن أصل العالم الذي هو العلة عندهم يوصف بأنه قديم.
قوله: (أو ينتهي إلى محدث قديم وهو المطلوب).
فيه سؤال وهو أن يقال: أكثر ما في هذا الباب أنه لابد من الانتهاء إلى قديم واجب الوجود وإلا أدرى إلى ما لايتناهى من المحدثين ومحدثي المحدثين ولكن ما أنكرتم أن صانع العالم الذي أثبتم له تلك لاصفات بعضها ولا المحدثين المتوسطين أو أول ما ذكر من المحدثين كما هو مقتضى سياق الكلام فلا يثبت أن الإله المستحق للعبادة واجب الوجود.
والجواب: أن هذا المحدث الذي قدرتموه صانعاً للعالم لايخلو إما أن يكون من قبيل الأجسام أو الأعراض أو المحدثات لاينفك عن هذين القسمين وسيأتي تحقيق أن الجسم والعرض لايصح منهما فعل الأجسام ونحوها، وإذا تقرر ذلك فلا بد أن يكون صانع العالم قادراً لذاته عالماً لذاته وفي ذلك نفي أن يكون محدثاً، ووجوب أن يكون قديماً وكلامنا في المحدثين وتسلسلهم إنما هو على جهة الفرض والتقدير وبيان أنه لابد من قديم وهذا الجواب وإن كان فيه استعانة بما يصلح أن يكون دليلاً مستقلاً حسن صحيح.
قوله: (لأنه حينئذ يكون قادراً بقدرة محدثة). يعني لحصوله قادراً بعد أن لم يكن، ومن كانت هذه حاله فهو قادر بقدرة.
قوله: (إن الجسم لايفعل الجسم) يعني مع أنه قد ثبت أنه تعالى فاعل هذه الأجسام وقد استدل في هذه المسألة بأنه قد ثبت أنه تعالى قادر عالم بما قدمنا وأنه تعالى قادر عالم في الأزل لما سنذكره في فصل الكيفية إن شاء الله تعالى، وقد دللنا على أن القادر العالم لايصح أن يكون معدوماً فيجب كونه موجوداً في الأزل وفي ذلك قدمه.
فائدة
لاخلاف بين المسلمين في أنه يجوز أن يوصف تعالى بأنه قديم ولكن وقع الخلاف في هل يصح وصف غيره تعالى بذلك أم لا؟
فقال أبو هاشم: يصح إطلاقه على كل ما تقدم على غيره إذ معنى القديم المتقدم على غيره في الوجود كما يقال بناء قديم ورسم قديم ونحو ذلك. ولهذا قال تعالى: {حتى عاد كالعرجون القديم}.
وقال أبو علي: لايصح أن يوصف غيره تعالى بذلك لأن القديم هو الموجود في الأزل وليس كذلك غيره تعالى فكيف يوصف غيره بالقدم وجعل قوله تعالى: {حتى عاد كالعرجون القديم} من قبيل التوسع والمجاز.
وقال قاضي القضاة: قول أبي هاشم هو الأصح في اللغة فإن القديم لغة ما تقدم على غيره أو ما تقادم وجوده فيجوز وصف غير الله بذلك الوصف، وقول أبي علي هو الأصح في عرف المتكلمين فإن القديم عندهم هو الموجود فيما لم يزل ولهذا يسبق إلى أفهامهم عند إطلاقه هذا المعنى، ويأتي على كلام القاضي أنه يصح إطلاق هذا الوصف على غيره تعالى مطلقاً إلا بين المتكلمين فمع قرينة ترفع إيهام الخطأ، وهو الوجود في الأزل ويرشد إلى المقصود من ذلك.
فصل في أنه تعالى باق وأنه لاضد له
اعلم أولا أن الباقي ما استمر وجوده وقتين فصاعداً تحقيقاً أو تقديراً، فقولنا ما استمر وجوده وقتين احتراز مما لم يوجد إلا في وقت واحد أو في وقتين تخللهما عدم. وقلنا: أو تقديراً ليدخل القديم تعالى قبل وجود العالم فإنه يحئنذ باق ولاوقت هناك لكن ما يقدر بالأوقات. قالوا: والوقت هو الحادث أو ما يجري مجراه المعلق به حادث أو ما يجري مجراه، وفي الأغلب إنما يستعمل في حركة الفلك، وقد ذهب أبو علي إلى أن الباقي ما كان موجوداً لابطريقة الحدوث فجعله حقيقة فيه تعالى مجازاً في غيره.
واعترض بإطلاق أهل اللغة لفظة الباقي على الجوهر واللون ونحوهما فلو كان حقيقة فيما ذكره لم يصح ذلك ذكره في العمدة، فإن قيل: فما حقيقة الدائم؟ قلنا: يستعمل مطلقاً فيما استمر له في الوجود أكثر من وقتين هكذا قيل. وقال ابن الأثير في نهايته: هو ما طال زمانه دهراً، وأما في حقه تعالى إذا وصفناه بأنه دائم فالمراد أنه لا انتهاء لوجوده.
قوله: (ولاينقلب علينا في التحيز وكونه كائناً) يعني فيقال: أليس من علم ذاتاً متحيزاً علمها كائنة ومن علمها كائنة علمها متحيزة فيلزمكم أن تكون الكائنية والتحيز صفة واحدة؟
وتقرير الجواب: أنه ما من كائنية معينة في جهة معينة حركة كانت أو سكوناً أو اجتماعاً أو افتراقاً إلا ويعقل التحيز من دونها بل يعقل على الجملة من دون أن تخطر الكائنية بالبال فافترقت الحال.
قوله: (لكان جنس الفعل) يعني لأنه ليس مما يقع على وجه دون وجه فيقال: إ،ه يقع على وجه لايصح حصوله عليه إلا في الوقت الثاني.
قوله: (فيكون حادثاً باقياً) فحدوثه لأنه لم يستمر وجوده وقتين فصاعداً وهم لايخالفون في أنه أول وقت حادث وبقاؤه لوجود المعنى الذي يوجب بقاءه.
قوله: (ولاينقلب علينا في السكون) يعني فيقال: هو جنس الفعل فكان يلزم صحة حصوله في أول أحوال حدوث الجوهر ومعلوم أنه لايجوز أن يكون حينئذ ساكناً ولايوصف بذلك إلا في الوقت الثاني، لكن يقال: أليس السكون جنس الفعل فإنه نوع من الأكوان واقع على وجه وهو مصير الجوهرية كائناً في جهة هو كائن فيها الوقت الأول.
قوله: (لأنا نجوز حصول ما هو من جنسه) يعني وهو الكون المطلق لأن لاصحيح أنه من جنس الحركة والسكون فقد يكون سكوناً وقد تقدر حركة وفي ذلك خلاف. فقال أبو علي وأبو القاسم: هو جنس غير الحركة والسكون، ثم قال أبو علي آخراً: هو من جنس السكون فقط، وللكلام في ذلك موضع هو أخص به.
قوله: (إلا بأن ينضم إليه مثله) كان الأولى أن يقول: إلا بأن يستمر وقتين فصاعداً، فإنه لايعتبر في كونه سكوناً أن ينضم إليه مثله.
قوله: (يتبع استحالة المعنى) يعني فإذا كان المعنى لايستحيل وجوده في ذلك الوقت إذ هو جنس الفعل فكذلك الصفة لايستحيل في ذلك الوقت أيضاً.
قوله: (فيلزم قدم الحوادث) يعني لأن هذا المعنى وهو الذي يوجب حدوثها معاً ووجودها في أول أوقات وجودها حاصل في الزل ومع حصوله في الأزل لابد من حصول موجبه.
قوله: (فيتسلسل).
أما معمر فإنه لما قال بمقالة عبادة وقال: بأن الحدوث معنى ثم قال هو محدث ألزم التسلسل فالتزمه فأوجب في كل محدث أن يحدث لمعنى وذلك المعنى يحدث لمعنى إلا ما لانهاية له لكن كلامه واضح البطلان فإنه لاشك في استحالة وجود ما لانهاية له لأن كل ما دخل في الوجود فقد حصره وأتى عليه.
قوله: (فإ، قال أن البقاء يحتاج إلى استمرار الوجود). يعني فلا يلزم وجوده حالة الحدوث.
يقال: هذا غير ملائم لما يتصل به لأن كلامه في إلزام أن يحصل الحدوث حال البقاء لا أن يحصل البقاء حال الحدوث.
وجوابه: أنه راجع إلى أول الكلام وأصل المسألة وهو إ،كار أن يكون البقاء معنى وإلزام أن يصح حصوله حال حدوث الجوهر فيكون حادثاً باقياً كما أن ما قبله من الأسئلة راجع إلى ذلك.
قوله: (وقد التزمه الأشعري) أي التزم ألا شيء من الأعراض بباق وقال بأنها كلاه غير باقية، وهو مذهب الكعبي أيضاً فإنهم لما أثبتوا البقاء معنى مع أن المعنى لايختص بالمعنى لم يجدوا بداً من القول بعدم بقاء الأعراض.
قوله: (به يعلم بقاء اللون).
يعني وهو أنه لاينتفي إلا بضد أو ما يجري مجراه، فإن هذا هو الذي به يعلم بقاء الباقيات في الأغلب إذ لو لم تكن باقية لانتفت في الوقت الثاني حصل ضد أم لا ولاكلام في أن هذا الدليل ثابت في الألوان وكثير من سائر الأعراض كثبوته في حق الجسم.
قوله: (فإن قال يختص محله).
أي يختص البقاء الذي يوجب للمعنى كونه باقياً محل ذلك المعنى الذي أوجب البقاء له.
قوله: (بقاء جميع ما يحل ذلك المحل). يعني فكان يجب في البقاء الذي يوجب بقاء اللون لحلوله في محله أن يوجب بقاء الصوت الذي في ذلك المحل أو الألم أو نحو ذلك.
وفيه سؤال وهو أن يقال: إن المعنى الذي هو البقاء وإ، وجد في محل فيه أعراض كثيرة لم يلزم أن يوجب بقاها كلها لأنه إنما يوجب ذلك لما يصح عليه منها إذ المعنى لايوجب صفة إلا لمن قد صحت عليه تلك الصفة واللون يصح كونه باقياً فيوجب له كونه باقياً دون الصوت مثلاً والألم فإنه لايصح عليهما تلك الصفة.
والجواب: أنه لايمكن الإشارة إلى مصحح حصل في اللون دون الصوت فإتيانه إثبات ما لاطريق إليه فلا يجوز ذلك ويخص إبطال كلام الأشعرية وجهان: أحدهما أن البقاء عندهم باق على ما حكى عنهم فيلزم التسلسل. الثاني: أن صفة الوجود الثابتة له تعالى واجبة في الأزل، والصفة بوجوبها يستغنى عن العلة وكذلك فيبطله سائر ما دل على بطلان كلامهم في سائر المعاني.
قوله: (ولايلزمنا فيمن علم الشيء حادثاْ أن يعلمه باقياً) يعني على قولنا بأن بقاءه وحدوثه صفة واحدة فيقال: يلزم عليه فيمن علم الحدوث أن يعلم البقاء ومن علم البقاء أن يعلم الحدوث.
قوله: (لأن العلم بالشيء على صفة) إلى آخره.
يعني فعلمنا بأنه حادث علم بأنه على صفة الوجود في أول وقت وعلمنا بأنه باق علم بأنه على تلك الصفة في الوقت الثاني وما بعده فاختلف العلمان لذلك.
فائدة
الذي يجري عليه تعالى من الأسماء بمعنى كونه موجوداً وما يتبعه قولنا قديم ولاخلاف في جواز إ"لاقه عليه تعالى وإنما الخلاف في جواز إ"لاقه في حق غيره على ما تقدم، وباقٍ ويفيد المدح لا بنفسه بل لما ينضم إليه كقولنا باق لنفسه أو باق لم يزل. ودائم لأنه يفيد إما استمرار وجوده أكثر من وقتين وإما أنه لايفنى، وكل واحد من المعنيين ثابت في حقه تعالى. وأول ويراد به أنه موجود قبل كل موجود. وآخر ويراد به أنه موجود بعد كل موجود. وقيوم: والمراد به المبالغة في قائم، ومعناه دوام الوجود وقد يفيد أنه قائم بمصالح العباد ولايطلق عليه قائم لإيهامه نقيض القعود، ولكنه يجوز مع التقييد كقائم بالقسط، وقائم على كل نفس بما كسبت أي مجاز بالثواب والعقاب.
ويوصف تعالى بأنه سابق وأسبق ومتقدم وأقدم، والمراد أنه موجود قبل كل موجود.
وقد ذهب أبو علي إلى أنه يجوز وصفه تعالى بأنه أول وسابق وأسبق ومتقدم وأقدم في الأزل.
وقال أبو هاشم: لايجوز وصفه تعالى بشيء من ذلك في الأزل لإيهامه الخطأ وهو أن في الأزل موجوداً سواه مشاركاً له تعالى في الوجود في الأزل لكنه تعالى أول وسابق وأسبق ومتقدم وأقدم وذلك الموجود الآخر ليس كذلك مع حصوله في الأزل، وذلك محال كما إذا قلت: زيد أفضل من عمرو فإنه يفيد اشتراكهما في أصل الفضل ولكن اختص زيد بزيادة فيه.
فإن قيل: فإذا قيد بما يرفع الإيهام ويقضي بأن المشاركة غير مقصودة هل يصح على مذهب أبي هاشم؟
قيل له: إذا لم يرد المشاركة كان اللفظ مجازاً لاستعماله في غير ما وضع له والمجاز لايجوز إطلاقه عليه تعالى إلا بأذن كما تقدم وقد أشار أبو هاشم إلى ذلك.
تنبيه
يلزم المكلف في هذه المسألة أن يعلم أنه تعالى كان موجوداً فيما لم يزل ويكون موجوداً فيما لايزال ولايجوز خروجه عن هذه الصفة بحال من الحوال وأنه تعالى باق دائم لايتخلل وجوده عدم ولاينتهي في وجوده إلى غاية.
فصل
وكما أنه تعالى باق فهو لاضد له.
قوله: (لأن هذه سبيل كل ضدين) أي المعاكسة في الصفات الذاتية، والوجه في ذلك أن المنافاة من أحكام الصفة المقتضاة فإذا تعاكست صفتا الذاتين المقتضاتان وجبت كل واحدة منهما منافاة المختص بها للذات الأخرى المختصة بما ينافيها وبتعاكس الصفتين المقتضاتين يحصل تعاكس الصفتين الذاتييتين فصح ما ذكره من لزوم تعاكس الضدين في الصفتين الذاتيتين على أن كونه تعالى موجوداً قادراً عالماً صفات مقتضاة فالتعاكس فيها أوضح إذ المضادة لاتكون إلا مع تعاكسها.
وبالجملة فما تقدم في الدعوى الثانية من الاستدلال على أن القديم مطلقاً لاضد له كاف ههنا إذ قد تقرر أنه تعالى قديم.
قوله: (وذلك يقدح في كونه تعالى واجب الوجود).
يعني مع جواز أن يوجد الضد بدلاً منه في الأزل إذ لو كان واجب الوجود لم يجز ذلك. ومن وجه آخر وهو أن ذلك الضد إذا كان جائز الوجود لزم ذلك في حقه تعالى لأن ما ثبت لأحد الضدين ثبت للآخر ولايتعاكسان إلا في الصفة التي يتنافيان لأجلها.
فإن قيل: الصفة التي يتنافيان لأجلاه هي صفة الوجود لأنها مقتضاة في حقه تعالى والتعاكس بين الضدين إنما يكون في الصفة المقتضاة وقد حصل التعاكس فيها فإن الباري تعالى واجب الوجود وهذا الضد جائز الوجود؟
قلنا: التعاكس في الوجود إنما يكون مع ثبوته لأحدهما وانتفائه عن الآخر فأما الوجوب والجواز فهما كيفيتان له لايقتضيان تعاكسه ويلحق بما تقدم.
فائدة
تتعلق بالصفات المتقدم ذكرها وهي: أن العلم بالله تعالى على صفاته المختلفة التي هي كونه قادراً وعالماً وحياً وموجوداً ومدركاً علوم مختلفة بالاتفاق بين الشيوخ وإن كانت صفاته تعالى هذه ثابتة لذاته تعالى المخصوصة لأنها وإن كانت ثابتة لذاته تعالى فهي في حكم المختلفة لذلك اختلفت العلوم المتعلقة بذاته تعالى عليها كما تختلف العلوم المتعلقة بالذوات المتغايرة وهذا هو وجه اختلافها عند الجمهور من المشائخ رحمهم الله.
وذهب الشيخ أبو علي إلى أن وجه اختلافها أنها تعلقت بمتعلقات الصفات الثابتة له تعالى فالعلم بأنه قادر علم عقد ورائه تعالى والعلم بأنه عالم علم بمعلوماته فلذلك اختلفت وذهب الشيخ أبو القاسم إلى أن اختلافها لاختلاف طريق ثبوتها فطريق العلم بالقادرية صحة الفعل وبالعالمية صحة الأحكام.
وقد اعترض تعليل أبي هاشم والجمهور بأنه يلزم في العلوم بصفاته تعالى اليقينية ألا تختلف إذ لاصفات يتعلق العلم بالذات عليها تكون في حكم المختلفة فتختلف العلوم لأجل ذلك.
وأجيب بأن صفات النفي صفات بالمعنى الأعم فهي كالمزايا الثابتة.
وأورد على تعليل أبي علي أنه يلزم في العلم بكونه حياً والعلم بكونه موجوداً والعلم بالصفات اليقينية ألا تختلف إذ لامتعلقات لها متغايرة فتختلف العلوم لتعلقها بتلك المتعلقات.
وأبطل تعليل ابي القاسم بأن اختلاف طرق العلوم لاتكون علة لاختلافها فإن العلم بكون زيد في الدار عن خبر نبي صادق والعلم بأنه فيها عن مشاهدة مثلاً ومع اختلاف طريقي العلمين فالأولى على هذا تعليل أبي هاشم والجمهور.
القول في الصفة الأخص
وإنما أخر ذكرها إلى ههنا وإن كانت متقدمة في الصفات طريق إليها فهي متأخرة باعتبار الترتيب العلمي وحقيقتها ما ذكره المصنف وإن شئت قلت في حدها: الصفة الواجبة فيه تعالى التي لايستحق جنسها ولانوعها إلا هو. وإن شئت قلت: الصفة الواجبة التي لايستحق جنسها وقبيلها إلا ذات واحدة. والخلاف في ثبوتها له تعالى على ما ذكره وتلخيصه:
أن أبا علي وأبا الهذيل وأبا الحسين الخياط وتلميذه أبا القاسم البلخي نفوها عنه تعالى، وكذلك أبو الحسين وابن الملاحمي ومتبعوهما كالإمام يحيى لكن بناء على طريقهم في نفي الصفات، وأبو هاشم وقاضي القضاة وتلامذته وغيرهم من المعتزلة والقاسم والهادي والناصر والمنصور والسيد الإمام والسيد الحقيني وغيرهم من أئمة الزيدية وشيعتهم أثبتوها له تعالى والظاهر من كلام مثبتيها أنه لايجب العلم بها على كل مكلف وإ، معرفتها ليست من فروض الأعيان، وإنما العلم بها من فروض الكفاية خلاف ما يقولونه في سائر الصفات وإن كانوا لايوجبون العلم بشيء من الصفات على التفصيل وهو أنها مزايا زائدة ليس مجرد الذات ولامعاني ثابتة لها ولا أحكاماً، فليس ذلك عندهم من فروض الأعيان وإنما هو من فروض الكفاية أيضاً، وإنما الواجب المعين هو العلم بها على الجملة وبأحكامها الدالة عليها كصحة الفعل وصحة الأحكام منه تعالى، وكذلك غيرهما من الأحكام الدالة على الصفات ليقع التوصل بها إليها.