قوله: (مثل ما تقدم في نظائره) يقال: إنما يكون الكلام ههنا مثل ما تقدم لو كانت مقتضية لحكم صدر عن الجملة فيقال: ألمؤثر فيه لابد أن يكون راجعاً إليها.
فإن قيل: هو كذلك فإنها تؤثر في صحة الالتذاذ وهو حكم صدر عن الجملة.
قلنا: ألصحيح أن صحة الالتذاذ المؤثر فيه كون المشتهى مشتهياً وأن المدركية شرط في صحته فكان الألى أن يستدل على أنها راجعة إلى الجملة شاهداً بأن المقتضي لها وهو كونه حياً راجع إلى الجملة فلا يجوز أن يؤثر فيما يرجع إلى الآحاد كما أن ما يرجع إلى الآحاد من المقتضيات لايقتضي ما يرجع إلى الجملة فلا يجوز أن يؤثر فيما يرجع إلى الآحاد كما أن ما يرجع إلى الآحاد من المقتضيات لايقتضي ما يرجع إلى الجملة ونحو ذلك يجري في الكلام على أنها ترجع إلى الذات في حق الباري.
فائدة
الذي يصحح هذه الصفة في الشاهد ويقتضيها كونه حياً فقط أما أنه يقتضيها فسيأتي إن شاء الله تعالى، وأما أنها مصححة لها فلأن ما دخل في جملة الحي صح الإدراك به وما خرج عن جملته استحال الإدراك به ولأن المقتضي كما يؤثر في الوجوب يؤثر في الصحة.
تنبيه
اختلف المثبتون لهذه الحالة التي هي كون المدرك مدركاً، فقال القاضي بتجددها وقال أبو رشيد وهو من تلامذته: بل لايتجدد. احتج القاضي بأنه كان يلزم أن يستمر ويبقى مع فوات المدرك فلما لم يستمر مع فواته دل على أنها تتجدد، ولايقال: إن استمرارها مشروط بوجود المدرك وإلا يزول ويعدم لأن شرط البقاء لايكون أمراً منفصلاً واحتج أبو رشيد بأن الحاسة على ما كانت عليه والمدرك على ما كان والإدراك كما كان فلا معنى لقوله أنها تتجدد.
فصل
وهذه الحال تثبت للباري تعالى.
قوله: (من صحة الحاسة وزوال المانع ووجود المدرك فهو شرط).
اعلم أن المتكلمين يطلقون العبارة بأن وجود المدرك شرط وليس بشرط حقيقي وإنما الشرط ظهور صفة المدرك المقتضاة عن صفة ذاته فإن الصفة المقتضاة هي التي تدرك المدركات عليها إذ صحة إدراك الشيء من أحكام صفته المقتضاة عن الصفة الذاتية إلا أن الوجود لما كان شرطاً فيها فلا يحصل إلا عند الوجود جعلوه شرطاً تجوزاً منهم وتساهلاً في العبارة وإلا فلو قدرنا ثبوت الصفة المقتضاة التي عليها يدرك في صحة العدم صح إدراكه في تلك الحال من دون وجود وقد صرح بذلك الشيخ ابن متويه والشيخ الحسن الرصاص.
قوله: (ولأنها أمور كثيرة مختلفة فلا يصح تأثيرها في صفة واحدة).
الوجه في امتناع ذلك أنها لو أثرت لكان تأثيرها على جهة الاقتضاء لأنها صفات وأحكام، وتأثير الصفات والأحكام لايكون إلا كذلك ومع ذلك لايصح كونها جميعاً مقتضية لكونه مدركاً لأن في ذلك أثراً بين مؤثرات وهو محال.
قوله: (ولأن فيها ما يرجع إلى النفي) يعني زوال الموانع.
وقوله: (وما يرجع إلى المحل) يعني به صحة الحاسة لأن المرجع بالصحة إلى تأليف مخصوص، وحكم التأليف مقصور على المحل وليس براجع إلى الجملة لحصوله في الجمادات.
قوله: (وكونه مدركاً أمر ثابت راجع إلى الجملة) يعني فلا يجوز أن يؤثر فيه مع أنه أمر ثابت ما يرجع إلى النفي تأثيراً حقيقياً لما مضى وكذلك فلا يؤثر فيه مع كونه راجعاً إلى الجملة ما يرجع إلى المحل فإنا قد سبرنا المقتضيات وخبرناها فوجدنا ما يرجع إلى الجملة لايقتضي ما يرجع إلى الآحاد، وما يرجع إلى الآحاد لايقتضي ما يرجع إلى الجملة، فإنه لو اقتضاه لخرج عن كونه راجعاً إلى المحل.
قوله: (فلا يؤثر فيما يرجع إلى المدرك) هو بكسر الراء ويعني بما يرجع إلى المدرك صفته بكونه مدركاً، والوجه في امتناع ذلك عدم اختصاص وجود المدرَك بمدرك دون مدرك فلم يكن بأن يوجب الصفة لهذا المدرك أولى من غيره وأولى من ألا يوجب ولو كان لوجود المدرك تأثير لكان من باب الاقتضاء إذ تأثير الصفات والأحكام لايجوز فيه غير طريقة الاقتضاء ولايصح كون وجود المدرك مقتضياً لصفة المدرك من حيث أن من حق المقتضي والمقتضَى أن يختصا بذات واحدة أو جملة واحدة إلا إذا كان المقتضي تعلقاً فإنه يصح ثبوته لذات وثبوت مقتضيه لأخرى كما نقوله في تعلق القادرية فإن مقتضيه وهو القادرية مختصة بالقادر وهو ثابت للمقدور لأنه صحة إيجاده.
قوله: (وقد استدل ابن الملاحمي) إلى آخره.
هذا الاستدلال يقضي بخلاف ما حكاه عنه بعض أصحابنا على ما تقدم من أنه يجعل كونه سميعاً بصيراً مدركاً حياً صفة واحدة.
قوله: (فلأنه حي لا آفة به) فيه السؤال المتقدم وهو أنه تعالى عادم للآلة وعدم الآلة في الشاهد أبلغ في تعذر الإدراك من فسادها، وجوابه ما تقدم من أن ذلك إنما يكون أبلغ في حق من يصح عليه الحاصة.
قوله: (ولامانع له) يعني لأن المانع إنما يكون في حق الواحد منا لما كان في جهة ويرى بآلة فأما في حقه تعالى فلا يتصور.
قوله: (قلنا إ،ما يجب أن يكون شرطاً في حق الحي بحياة).
فيه سؤال وهو أن يقال: إن من حق المقتضي إذا كان متماثلاً أن يتفق شرط اقتضائه والمقتضى ههنا لكونه مدركاً وهو كون الحي حياً صفة متماثلة فلا يجوز اختلاف شرطها فكيف يجعلون الشرط في حق الغائب وجود المدرك فقط وفي الشاهد مع وجود المدرك صحة الحاسة وارتفاع الموانع.
والجواب: أنه إنما يجب في المقتضى المتماثل أن يتحد شرط اقتضائه ويتفق في جميع المواضع إذا كانت كيفية استحقاقه واحدة وليس كذلك ههنا فإن كيفية استحقاقه تعالى لكونه حياً غير كيفية استحقاقنا لكوننا أحياء فهي في حقه تعالى واجبة مقتضاة، وفي حقنا جائزة معنوية، فلذلك اختلف شرط الاقتضاء.
قوله: (فذلك غير لازم دليله الشاهد).
يعني فإن الواحد منا إذا أدرك بعد أن لم يكن مدركاً لم تصر ذاته غير ما كانت.
قوله: (قلنا إنما تكون معنوية إذا ثبتت مع الجواز وهذه تثبت مع الوجوب) تلخيص هذا الجواب أنه إنما يلزم في الصفة إذا تجددت بعد أن لم تكن أن تكون معنوية إذا ثبتت مع الجواز والحال واحدة والشرط واحد كما في المتحركية والقادرية في حقنا، وأما كون المدرك مدركاً فإنها وإن تجددت فهي ثابتة مع الوجوب.
بيانه: أنه إذا ثبت كونه حياً لا آفة به ووجد ما يصح أن يدركه وزالت الموانع عن إدراكه صح إدراكه له ووجب ولم يجز تراخي الوجوب عن الصحة ومتى لم يحصل المقتضي أو لم يحصل الشرط أو بعضها لم يصح إدراكه ولا وجب فظهر أنها غير معنوية فإن المتحركية لما كانت معنوية لم تجب عند الصحة، ولم يلزم ذلك فيها فإنها تصح مع حصول التحيز ولا تجب إلا عند حصول الحركة مع أن حصولها قد يتأخر عن التحيز فلم تقترن صحتها بوجوبها ولا استحالتها بعدم وجوبها كما في المدركية.
قوله: (كما في المباشر والمتعدي) يعني فكما أنه تعالى مع كونه فاعلاً لم يجب أن يكون فاعلاً على أحد الوجهين اللذين يفعل عليهما من مباشرة أو تعد بل لايفعل على أحد هذين الوجهين وإنما يفعل على وجه الاختراع كذلك لايجب أن يكون مدركاً على الحد الذي يدرك من لمس أو ذوق ونحوهما، ولايقدح ذلك في كونه مدركاً كما لايقدح عدم فعله على وجهي المباشرة والتوليد في كونه فاعلاً.
قوله: (وهذه موجودة من النفس).
يعني فإن أحدنا إذا أدرك المدرك وجد من نفسه اختصاصه بأمر لم يكن يجده قبل إدراكه له.
فصل
قوله: (إذا ثبت كونه تعالى مدركاً فهو مدرك لجميع المدركات).
قال أبو القاسم بن شهلويه من علماء المعتزلة: يدركها أي المدركات كلها إلا اللذة والألم فعلى هذا يكون تعالى مدركاً للأجناس المدركة إلا جنساً واحداً فإن اللذة والألم جنس واحد متماثل، وإنما يختلف الإسم عليه باختلاف ما يقارنه من شهوة أو نفرة.
قوله: (معارض بالشامّ والذائق واللامس).
يعني فكما لايجب أن يسمى تعالى مع إدراكه للرائحة والطعم والمتحيز لا على سبيل الرؤية شاماً وذائقاً ولامساً فكذلك لايسمى آلماً وملتذاً، وكان الوجه في أنه لايسمى شاماً ولاذئقاً ولا ماساً كون تلك أسماء لمن جمع بين المدرك وآلة الإدراك طلباً له، وكذلك فالوجه في أنه لايسمى بإدراكه للألم واللذة متألماً وملتذاً أنهما اسمان لمن أدرك الألم واللذة بمحل حياته كما ذكره المصنف، وليس كذلك القديم وقد احتج الشيخ أبو القاسم بغير الوجه الذي ذكره المصنف وهو أن الألم واللذة إنما يدركان بمحل الحياة في محلها، فغ، هذا هو حكمها الخاص الذي يتميز به عن غيرها وإدراك القديم تعالى لهما على ذلك الحد مستحيل فيجب ألا يدركهما تعالى.
وقد أجاب عنه الإمام يحيى بوجهين: أحدهما أن الحرارة والبرودة يدركان بمحل الحياة في غير محلها، فإذا كان القديم تعالى يدركهما ولايلزم من إدراكهما في حقه تعالى محال فكذلك الألم واللذة. وفيه نظر لأن الألم واللذة حكمهما الخاص إدراكهام بمحل الحياة فيه فيتميزان بذلك ويفارقان به سائر الأعراض، ويعرف به تماثلهما ومخالفتهما لما خالفهما فيه بخلاف الحرارة والبرودة فليس حكمهما الخاص أن يدركا بمحل الحياة في غير محلها إذ لو كان ذلك خاصيتهما لزم تماثلهما لاشتراكهما فيه فلا تصح هذه المعارضة.
الوجه الثاني: أن الشيء المدرك إنما يتميز عن غيره بحقيقته التي تدرك عليها والألم واللذة مدركان بحقيقتهما ويتميزان بها وكونهما يوجدان في محل أو لا في محل أمر وراء معقول حقيقتهما فكيف يجعل أصلاً في مفهوم حقيقتهما. انتهى.
والأولى في الجواب عليه أن يقال: لانسلم أن حكم الألم واللذة الخاص نفس إدراكهما بمحل الحياة في محلها بل صحة إدراكهما بمحل الحياة في محلها والباري تعالى وإن أدركهما لابمحل الحياة في محلها فذلك لايخرجهما عن حكمهما الخاص لهما فإنه يصح أن يدركهما غيره بمحل الحياة في محلها.
فصل
قد علمت بما سلف أن هذه الصفة مقتضاة عن كونه حياً.
قوله: (والذي يختص هذا المكان مما يؤكد ذلك) أي يؤكد كونها مقتضاة إبطال كون الإدراك معنى إذ لايلتبس الحال إلا في كونها معنوية فإذا بطل ذلك ثبت كوناه مقتضاة ولايشتبه الحال في أنها ليست بذاتية ولا بالفاعل.
قوله: (وصالح قُبَّه) إنما سمي بصالح قبه لأنه ألزم ما ذهب إليه من كون الإدراك معنى فقيل: لعلك في مكة في قبة ولاتدركها لعدم الإدراك فارتكب فلقب صالح قبه. حكاه الحاكم. وفي بعض الحواشي: أنه سمي بذلك لارتكابه أن يدخل الواحد في قبة نار ولايدرك الحرارة بأن لايخلق الله المعنى الذي يدركها به وله مداخل في ارتكاب المحالات فإنه لما ذهب إلى أن المتولدات يفعلها الله ابتداء ولا تحدث لأجل السبب.
قيل له: فلو أحرق الله أحدنا بالنار أو قطعه إرباً إرباً ولم يفعل فيه الألم أليس كان يلزم ألا يتألم فالتزم ذلك والزم أن يحمل أحدنا حملاً ثقيلاً ولايجد مشقة بأن لايخلق الله فيه النقل فالتزم ذلك.
قوله: (وهؤلاء الشيوخ يثبتونه معنى في الشهد فقط) هذا فرق بين مذهب الأشعرية ومذهب المشائخ المذكورين وبينهما أيضاً فرق من وجه آخر وهو أن الأشعرية يقولون أن كل مدرك يدرك بمعنى كان مريئاً أو غيره، وأبو علي ومن معه لايثبتونه معنى إلا في الرؤية لا غيرها حكاه القاضي عبدالله بن حسن الدواري، ويفترق مذهب البغدادية وغيرهم من الشيوخ المثبتين للإدراك معنى من حيث أن البغدادية يجعلونه مقدوراً لنا كما أنه مقدور له تعالى فيقولون أنه يكون مرة من فعلنا عند فتح الجفن ومرة من فعل غيرنا إذا حضر عندنا، ومرة من فعله تعالى إذا فعل صوتاً أو غيره ويجعلون فتح العين ونحوه سبباً في الإدراك. هذا ما ذكره ابن متويه وهو يقضي بخلاف ما حكاه الدواري من أن أصحابنا لايثبتونه معنى إلا في الرؤية فإنه قال حاكياً عن البغدادية: ومن فعله تعالى إذا فعل صوتاً فدل على أنهم يجعلون إدراكنا للصوت لمعنى وكذلك فما سبق في سبب تسمية صالح بصالح قبة يقضي بخلاف ما ذكره أيضاً.
قوله: (لنا: أن هذه الصفة تقترن صحتها بوجوبها) يعني فيصح ويجب في وقت واحد وهو عند حصول الحيية والشروط فمتى حصلت صح الإدراك ووجب بكل حال ومتى لم يحصل لم يجب الإدراك ولم يصح بل يستحيل.
واعلم أن الاستدلال على أنها ليست لمعنى وأن الحيية والشروط كافية في حصولها هو بناء على ما اختراه الجمهور من أنا إنما نعلم أن الحيية والشروط كافية في حصول هذه الصفة بالاستدلال على ما ذكره المصنف، وأما الشيخ أبو الحسين فقد قال: يعلم أنها كافية فيه ضرورة.
قال الإمام يحيى: ثم تارة يقول بأن العلم بوجوب حصول كونه مدركاً عند هذه الأمور ضروري والعلم بكونه ضرورياً ضروري وتارة يقول: العلم بكونه ضرورياً نظري. واستدل على كونه ضرورياً بأن كل عاقل خبر الأمور ويكرر إدراكه للمرئيات فإنه لايشك أنه إذا شخص يبصر إلى السماء من غير مانع فإنه يستحيل ألا يرى قرص الشمس وأن يصب الحديد المحمى على صدره فلا يدرك حرارته وأن تقطع أوصاله فلا يدرك الألم، وإن يطبق عليه في تنور مسجر فلا يدرك حرارتها ونحو ذلك.
قوله: (فكان يجوز أن يكون بين أيدينا فِيَلة ونحوها ولاندركها) إلى آخره.
أما أبو علي فقد تخلص عن هذا الإلزام بأن المحل حال حصول المدرك محتمل للمعنى الذي هو الإدراك فلا يجوز ألا يخلقه الله تعالى لاستحالة خلو المحل عما يحتمله وعن ضده إذا كان له ضد فإن لم يكن له ضد لم يخل عنه فأثبت في كل محل يدركه معنى يخصه لكن هذا التخلص مبني على مذهب قد تقرر بطلانه ولو صح ذلك لخلص عن الإلزام وأما أبو الهذيل فقد التزم أن تحصل الحيية والشروط جميعها ولايدرك لعدم المعنى وكذلك الصالحي وصالح فيه على ما تقدم.
قوله: (وهذا العلم يستند إلى أنه لو كان لرأيناه).
اعلم أنهم مختلفون في هذين العلمين وهما العلم بأنه لا فيل بحضرتنا، والعلم بأنه لو كان لرأيناه هل الأول يستند إلى الثاني أو لا، فذهب جمهور العدلية إلى أنه يستند العلم بأنه لافيل بحضرتنا ونحوه إلى العلم بأنه لو كان لرأيناه، وذهبت الأشعرية والسيد م بالله وابن الملاحمي على ما حكاه بعض المعلقين إلى أنه لا يستند إليه ثم اختلف الأولون فقال أبو الحسين المعلم: بالاستناد ضروري، ولهذا فإن أحدنا لو كان في يده شيء وصبي ينظر ثم حوله إلى غير يده ومد بيده إلى الصبي وقال له: خذه فإنه في اليد، فإن الصبي يدافعه عن ذلك، ويقول: ليس فيها ولو كان فيها لرأيته.
قال رحمه الله: والأشعرية تعلم ذلك إلا أنهم جحدوا الاضطرار.
وذهب الباقون إلى أن الاستناد معلوم بالاستدلال واستدلوا عليه بأن الأعمى لما فقد العلم المستند إليه وهو أنه لو كان عنده شيء لرآه لم يحصل له العلم المستند وهو أنه لاشيء عنده، قالوا: وإنما نوجب هذا الاستناد متى كانت الطريق إلى العلم بأنه لاشيء بحضرتنا هو الإدراك، وأما متى كانت الطريق غير الإدراك لم يجب الاستناد كأن تكون الطريق خبر صادق أو خبر متواتر، ولهذا فإن الأعمى مع تجويزه أن يكون بحضرته فيل لايراه يعلم أنه لا شيء بحضرته إذا أخبره بذلك نبي أو حصل له التواتر بذلك فلا يجب الاستناد إلا متى كانت الطريق الإدراك، وقد ورد على هذه الجملة أسئلة مشروحة في مواضعها.
منها: قولهم إن العلم بأن لاشيء بحضرتنا اجلى من العلم بأنه لو كان لرأيناه ومن حق المستند إليه أن يكون أجلى من المستند.
وأجاب أصحابنا بعدم التسليم والتزام صحة كون المستند إليه أخفى إذا تقدم العلم به.
قوله: (فيقال يلزم صحة أن يشاهده ولايخلق الله العلم).
يعني كما ألزمتم أن يكون بحضرته ولا يخلق الله الإدراك أو لايفعله يجيء على كلام البغدادية، وتلخيص الجواب عن هذا السؤال أنا إنما ألزمناكم أن يكون ولايخلق له إدراكه لأن الفاعل يص أن يفعل وألا يفعل مع سلامة الحال، ولم يحصل ما يوجب وقوع الإدراك من سبب ولا علة ولاطريقة موجبة ولامقتض بخلاف العلم فعند حصول المشاهدة قد حصلت طريق موجبة للعلم فلا يجوز مع حصول الطريق ألا يحصل المتطرق إليه على أنا نلتزم صحة ألا يخلق الله تعالى العلم ولكن مع عدم خلقه له يخرج المدرك عن كونه عاقلاً لأن من لازم العقل العلم بالمدرك.
قوله: (كل هذه علوم مبتدأه) يعني العلم بأن الله تعالى لم يخلق مكلفين يشتهبان من كل وجه وأنه لم يمت العالم الآن، ويعني بالعالم ما هو موضوع له في الأصل وهو الخلق الكثير من الأحياء وأنه لم يقم القيامة الآن ونحو ذلك كالعلم أنه لم يخلق لزيد رؤوساً كثيرة.
واعلم أن الذي هو علم مبتدأ بديهي هو أنه لم يوجد شخصان متفقان من كل وجه وأنها لم تمت الأحياء من الخلق وأنها لم تقم القيامة فأما أنا نعلم أن الله تعالى لم يفعل ذلك ضرورة فلا لأن العلم بذلك ضرورة يتفرع على العلم بذاته تعالى ضرورة، ونحن لانعلمها إلا استدلالاً.
قوله: (لكان لايتعلق على التفصيل إلا بمتعلق واحد).
يعني فإنه لو صح تعلقه بمتعلقين للزم صحة أن يكون مخالفاً لنفسه إذ لو تعلق إدراك آخر بهذا المدرك الآخر لخالفه لتغاير المتعلق وهو دليل الاختلاف بين المتعلقات فإذا تعلق هذا الإدراك بمدرك لو تعلق غيره به لصار مخالفاً له لزم أن يكون مخالفاً لنفسه لحصوله على ما لو حصل عليه غيره لخالفه كما يقوله في العلم لو تعدى المتعلق الواحد على التفصيل.
فإن قيل: أليس القدرة تجوز أن تتعدى المتعلق الواحد على التفصيل ولايلزم أن تكون مخالفة لنفسها بما أنهيتم إليه الكلام فهلا جاز مثل ذلك في الإدراك والعلم؟
قلنا: بين الموضعين فرق فإنه لايصح تعلق شيء من القدر بشيء من متعلقات هذه القدرة لاستحالة مقدور بين قادرين بخلاف الإدراك والعلم.
قوله: (لوجب أن يدرك الرقيق والمحجوب) هذا الدليل حاصله أنه لو كان الإدراك معنى لبطل القول بأن الموانع موانع، والقول بوقوف المدركية على زوالها فإن العلل لاتقف في باب الإيجاب على شرط منفصل، إذ لو وقفت عليه لجوزنا أن يكون في الجسم علل كثيرة لاطريق إليها لوقوف إيجابها على شرط منفصل وهو محال.
فإن قيل: ذلك ملتزم فقد ورد أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يرى ما وراء ظهره ومن الموانع أن يكون المرئي في خلاف جهة الرائي.
قلنا: قد أجاب أصحابنا بأن ذلك يحتمل وجوهاً إما أن يكون المراد بإدراكه صلى اللّه عليه وآله وسلم العلم أو أنه تعالى جعل له حاسة للرؤية في قفاه يدرك بها أو أنه تعالى يقلب بعض شعاع عينيه صلى اللّه عليه وآله وسلم عند إدراكه لذلك إلى خلفه ويدرك بالبعض ما هو أمامه.
فصل