الوجه الثاني: أن هذا الضبط الذي أورده ليس بشامل وأشمل منه أن يقال: لايلزم من شاتراك الذاتين في صفة الاشتراك في صفة أخرى إلا إذا كانت حقيقة فيها كالتحيز فإنه حقيقة في الجوهرية لأنها الصفة التي تقتضي التحيز عند الوجود فيلزم من الاشتراك في التحيز الاشتراك في الجوهرية أو كانت مقتضاة عنها فالاشتراك في كونه مدركاً يوجب الاشتراك في الحيية لما كانت مقتضية لها أو تكون مقتضاة عما تقتضيها فإنه يجب من الاشتراك في القادرية المقتضاة الواجبة لو قدرنا أن ذاتين اشتركتا في وجوبها الاشتراك في العالمية فإنها مقتضاة عما يقتضي القادرية والمقتضي لهما وهي الصفة الأخص لاتقتضي إحداهما من دون الأخرى ولاتتوقف في اقتضائها لإحداهما على شرط لا تقف عليه الأخرى، أو تكون الصفة التي اشتركا فيها دليلاً على أخرى فيجب اشتراكهما فيها كما إذا اشتركا في القادرية فإنه يجب اشتراكهما في الحيية أو يكون ما اشتركا فيه له صفة مصححة على التعيين كالمريدية فإنه يجب من مشاركة أحدنا للآخر فيها مشاركته له فيما يصححها في حقنا على التعيين وهي الحيية أو تكون الصفة التي اشتركا فيها مشروطة بالأخرى فإنه يجب من الاشتراك فيها الاشتراك في شرطها كالتحيز والوجود.
فصل
وإذا ثبت أن للحي بكونه حياً صفة في الشاهد فكذلك في حقه تعالى لاستمرار طريقها في الموضعين وهو صحة أن يقدر ويعلم فإنه تعالى قد ثبت كونه قادراً وعالماً، ولاثبوت فرع على الصحة فإذا ثبتت صحته في حقه تعالى وجب كونه حياً لأن طرق الأدلة لا تختلف شاهداً وغائباً، وههنا أصل وفرع وطريق وهي صحة أن يقدر ويعلم ومتطرق إليه وهي ثبوت صفة هي كونه حياً فإذا شارك الفرع الأصل في الطريق وجب أن يشاركه في المتطرق إليه.

قيل: والأجود أن يقال إن صحة أن يقدر ويعلم تصححهما كونه حياً والاشتراك في المصحح يوجب الاشتراك فيما يصححه وإلا بطل كونه مصححاً له، وفيه نظر لنه إما أن يريد أن كونه حياً يصحح الصفتين اللتين هما صحة أن يقدر وصحة أن يعلم وهو ضعيف لأنها إ،ما تصحح الصفتين ومعنى تصحيحها لهما إيجابها لهاتين الصحتين، فأما أنها مصححة للصحتين فهو غير صحيح لأن ثبوت صحة للصحة يؤدي إلى التسلسل أو يريد بقوله يصححهما كونه حياً أي يصحح الصفتين اللتين هما كونه قادراً وعالماً فصحيح، ولكن كلامه لايقضي بذلك وأي وجه لأولوية ما ذكره.
قوله: (وهي معنوية في الشاهد لمثل ما تقدم في غيرها) أي كونه حياً معنوية لحصولها مع الجواز والحال الذي هو البنية والتخلخل والروح واحدة والشرط الذي هو التحيز واحد.
قوله: (وسيأتي كبقية استحقاقه للجميع). يعني من صفاته تعالى التي هي كونه قادراً وعالماً وحياً وموجوداً.
فصل
والذي يجرى عليه تعالى من الأسماء بهذا المعنى نحو قولنا: حي، ولايقال: إن هذا الإسم في الشاهد مشتق من الحياة لأن الموصوف بأنه حي هو جملة الحي والحياة تختص البعض فكيف يشتق منها لغير محلها بسبب حلولها وحصولها اسم فتقرر أن الذي لأجله سميت الجملة بأنها حية ليس إلا الصفة التي هي كونها حية لأنها أمر يرجع إلى الجملة.
قوله: (وأما قولنا حيوان وروحاني فلا يصح إجراؤه عليه تعالى لأنه يفيد الحياة والجسمية).
أما كون الحيوان مفيدا لذلك فظاهر لأنه الحي بحياة والحي بحياة لايكون إلا جسماً وأما الروحاني فيختص به من بين سائر الحيوانات الملائكة وهم أ>سام كل واحد منهم حي بحياة، فإذا قلت: روحاني دل على جسم مخصوص حي بحياة وكذلك فلا يوصف تعالى بأنه ذو روح فإن الروح هو الهواء المتردد في مخارق الحي فيفيد الجسمية.
تنبيه

قال أصحابنا: يلزم المكلف في هذه المسألة أن يعلم أنه تعالى كان حياً فيما لم يزل، ويكون حياً فيما لايزال، ولايجوز خروجه عن هذه الصفة بحال من الأحوال.
القول في أن الله تعالى سميع بصير
قد جرت عادة أصحابنا بالجمع بين الكلام في أنه تعالى سميع بصير وسامع مبصر وجعل القول في ذلك مسألة واحدة، واختار المصنف إفراد مسألة سميع بصير لأن المرجع بها إلى كونه حياً فتلحق بها وتفرد وحدها ليقع الكلام عليها وعلى ما وقع فيها من الخلاف وذكر ما يفيده قولنا سميع بصير، فأما كونه سامعاً ومبصراً فهي مسألة منفصلة عن هذه لا علاقة بينهما إذ المرجع بكونه سامعاً مبصراً إلى أنه مدرك لكونه موجوداً وقديماً.
واعلم أن حد السميع البصير على ما اختاره الجمهور: المختص بصفة لكونه عليها يصح أن يدرك المرئيات والأصوات إذا وجدت. فقولنا المختص بصفة يعني بها الحيية، وقولنا: يصح أن يدرك المرئيات والأصوات أولى من عبارة المتقدمين فإنهم يقولون: يصح أن يدرك المسموع والمبصر، لأن في ذلك تحديداً بما يتصرف من الألفاظ المحدود ومن أشكل عليه معنى الصميع البصير أشكل عليه معنى المسموع والمبصر.
وقولنا: إذا وجدت لأن الصحة لاتثبت إلا بعد وجودها إذ لو صح إدراكها قبل الوجود لوجب لأن الإدراك صفة مقتضاة فلا تنفك الصحة فيها عن الوجوب وقد قال الفقيه قاسم في الاعتراض على حد السميع البصير أنهم اقتصروا في الاحتراز على قولهم: إذا وجدا وكان من حقهم أن يقولوا وارتفت الموانع لأن وجود المدرك لايكفي في الصحة بل لابد من زوال الموانع، وكلامه واقع إلا أن زوال الموانع شرط في الصحة في حقنا فقط لا في حقه تعالى بخلاف وجود المدرك فإنه شرط فيها مطلقاً.
قوله: (المرجع بذلك عند الجمهور إلى أنه حي لا آفة به).

فهي عندنا صفة زائدة شاهداً وغائباً كما نقوله في كونه حياً، وأبو الحسين يقول فيها كقوله في كونه حياً، والنجار وبرغوث كذلك وكذلك الباطنية وقد اختلفت حكايات المذاهب في هذه المسألة، فالذي حكاه الحاكم في شرح العيون أن أبا علي ذهب إلى أن السميع البصير بكونه سميعاً بصيراً صفة زائدة. قال: واختلف قول أبي هاشم، وقالت الأشعرية: للسميع صفة والسمع معنى وللبصير صفة والبصر معنى. والذي حكاه الإمام يحيى في التمهيد أن الذي ذهب إليه الشيخان أبو علي وأبو هاشم وأصحابهما البصريون أن معنى وصفنا له تعالى بكونه سميعاً بصيراً أنه مختص بصفة لكونه عليها يصح أن يسمع المسموع ويبصر المبصر إذا وجدا وتلك الصفة هي كونه تعالى حياً بشرط أن يكون لا آفة به.
وقالوا: إن قولنا سميع بصير موضوع لهذه الصحة ولهذا يوصف النائم بأنه سميع بصير وإن كان غير سامع ولامبصر في هذا الحال لما كان يصح منه أن يسمع ويبصر على حال، وقد حكي عن أبي هاشم في بعض كتبه أن للسميع البصير حالة زائدة على كونه حياً والصحيح ما ذكره في سائر كتبه من أنه لاحالة زائدة على كونه حياً لا آفة به.
وذهب الكعبي وسائر البغداديين إلى أن معنى وصفه تعالى بكونه سميعاً بصيراً أنه عالم بكل ما يعلم غيره من جهة السمع والبصر على جهة المبالغة والمبالغة من وجهين، أما أولاً فلأن ما يدرك بهاتين الحاستين أكثر مما يدركه بسائر الحواس، وأما ثانياً فلأن بهاتين الحاستين نعلم تفاصيل الأشياء التي نقتبس منها الأدلة فلما كان المستفاد من هاتين الاستين أكبر وأغلب مما يستفاد من غيرهما من الحواس صار الوصف بالسمع والبصر مبالغة في كونه تعالى عالماً، فمتى دللنا على كونه تعالى عالماً لذاته بجميع المعلومات ثبت أنه تعالى عالم بالمسموعات والمبصرات التي يعلمها غيره من جهة السمع والبصر فكان سميعاً بصيراً بهذا المعنى.

قال عليه السلام: واعلم أن الخلاف ههنا فرع على الخلاف في كونه مدركاً فمن ذهب إلى أن كونه مدركاً أمر زائد على كونه حياً وعالماً. قال السميع البصير هو الذي يصح أن يختص بهذه الصفة عند وجود المدرك ومن ذهب إلى أن كونه مدركاً ليس أمراً زائداً على كونه عالماً قال: إن كونه تعالى سميعاً بصيراً مدركاً ليس إلا أوصافاً للمبالغة في كونه تعالى عالماً من غير أمر زائد كقولنا: عالم وعليم انتهى كلامه عليه السلام مستوفى لما فيه من تلخيص النزاع وتحقيق الخلاف.
هذا ولاخلاف بين أهل القبلة في أنه تعالى سميع بصير على سبيل الجملة وقد نطق القرآن الكريم بذلك وإنما الخلاف في التفصيل كما عرفت، والذي حكاه بعض أصحابنا أن من علمائنا من ذهب إلى أن المرجع بكونه سامعاً مبصراً سميعاً بصيراً إلى صفة واحدة وإنما اختلف التعبير عنها كما أن العلم بأن الشيء سيوجد علم بوجوده إذا وجد وإنما اختلف التعبير عنه ثم اختلف القائلون بهذا القول في هذه الصفة ما هي؟
فقالت البغدادية: هي كونه عالماً ولاصفة له بكونه مدركاً ولاسميعاً بصيراً سواها. وقيل: هي كونه مدركاً وهي ثابتة له تعالى في الأزل إلا أنها كانت غير متعلقة ثم تعلقت وهو قول أبي القاسم الواسطي وحكى قريب منه عن الشيخ أبي علي لكن قد صح رجوعه عن ذلك. وقال محمود بن الملاحمي: هي كونه حياً ويرجع بكونه حياً عنده إلى ما تقدم.
قوله: (لصح انفصال إحداهما عن الأخرى) يعني انفصال العلم بإحداهما عن العلم بالأخرى وإلا فأكثر صفاته تعالى بعضها ينفصل عن البعض الآخر.
قوله: (في نقض الأبواب) هو كتاب لأبي هاشم في علم الكلام معتمد وكثير من أدلته ومذاهبه تنقل عنه.
قوله: (وإ، لم نعلم هل هذه الصفة تقتضي صحة الإدراك أم لا؟).

يعني فلما صح العلم بكونه حياً مع عدم العلم بكونها تقتضي صحة الإدراك مع أن صحة الإدراك موضوع كونه سميعاً بصيراً فلا نعلم السميع البصير سميعاً بصيراً إلا إذا علم صحة إدراكه للمسموع والمبصر علمنا أن العلم بكون هذا حياً غير العلم بكونه سميعاً بصيراً، وإلا كان يلزم فيمن علم كونه حياً أن يعلم أنه سميع بصير بمعنى أنه يصح أن يدرك.
تنبيه
إن قيل: لم لم يستدل المصنف على كونه تعالى سميعاً بصيرا بأنه حي لا آفة به كما استدل سائر أصحابكم أو بأنه حي ليس بذي آلة على ما ذكره الإمام يحيى لئلا يرد أن عدم الآلة أعظم آفة وإن كان قد أ>ابوا بأنه إنما يكون أبلغ في حق من يصح عليه الحاسة فأما في حق من لاتصح عليه فعدمها أبلغ في إثبات الوصف له بالسمع والبصر.
قلنا: إنه رحمه الله لما بين أن معنى كونه سميعاً بصيراً أنه حي لا آفة به لأن العلم باحدهما يدور مع العلم بالآخر كفى ذلك عن الاستدلال إذ قد تقرر أنه تعالى حي والآفات مستحيلة عليه بل في استدلال أصحابنا نظر، لأنهم استدلوا بالشيء على نفسه فقالوا: الدليل على أنه سميع بصير أنه حي لا آفة به، مع أن معنى كونه حياً لا آفة به أنه سميع بصير، وكذلك العكس فكأنهم قالوا: ألدليل على أنه سميع بصير أنه سميع بصير، أو الدليل على أنه حي لا آفة به أنه حي لا آفة به، وإن كان منهم من اعتذر عن ذلك بأنا إنما استدللنا بذلك على صحة إطلاق العبارة بأنه سميع بصير عليه فدللنا بثبوت معنى الوصف على جواز إطلاق الوصف.
فائدة
اتفق علماؤنا رحمهم الله تعالى على أنه تعالى يوصف بأنه سميع بصير في الأزل، وأنه يصح أن يسمى بذلك في الأزل، أما على قول الجمهور فهي بمعنى كونه حياً لا آفة به، وهو كذلك في الأزل وأما على قول أبي القاسم الواسطي فلأنها بمعنى مدرك وهو عنده تعالى كذلك في الأزل، وأما على قول البغداديين فلأنها بمعنى عالم وهو كذلك في الأزل.
تنبيه

قال أصحابنا: يلزم المكلف في هذه المسألة أن يعلم أن الله تعالى سميع بصير فيما لم يزل وفيما لايزال وأنه لايجوز خروجه عن هذه الصفة بحال من الأحوال والكلام فيها كالكلام في كونه حياً وإنما اختلفت العبارة.
القول في أن الله تعالى مدرك
ووجه اتصالها بما قبلها ظاهر، فإن المدركية مقتضاة عن الحيية ويستدل بالحيية عليها واختار المصنف هذه العبارة وهي قوله: (القول في أن الله تعالى مدرك) على أن يقول كغيره: (القول في أن الله سامع مبصر) لأن لفظة مدرك تتناول كل المدركات والسامع المبصر لاتقع إلا على من أدرك المرئيات والأصوات، فلو ضم إلى قوله: (سامع مبصر) قوله (مدرك للمدركات) طالت العبارة والاقتصار على لفظة مدرك أولى.
قوله: (وقد اتفق المسلمون على أنه تعالى سامع مبصر) إنما لم يقل على أنه مدرك لما تقدم من شمول هذه اللفظة مع خلاف أبي القاسم بن شهلويه في إدراكه تعالى للألم واللذة ولكنه وجميع من خالف في تفاصيل هذه المسألة من المسلمين يطلقون القول بأنه تعالى مدرك إطلاقاً فلا وجه للاحتراز عن خلافه وغيره.
قوله: (لنا: أنه تعالى حي لا آفة به) قد تقدم ما ورد على قولهم لا آفة به وما أجيب به عنه.
قوله: (فلأن المدركات ثمانية أجناس وكلها موجودة) أي وكل جنس قد وجد منه الآن أجزاء كثيرة العدد والأجناس الثمانية هي الجواهر والألوان والطعوم والروائح والحرارة والبرودة والصوات والآلام وقصر المدركات على هذه الثمانية بناء على الصحيح وإن كان من العلماء من يذهب إلى أن ثم مدركات غيرها على ما تقدم.

قوله: (فدليله الشاهد وذلك ضروري) يعني فإن الواحد منا متى كان حياً والموانع مرتفعة والحاوس سليمة والمدرك موجود يصير مدركاً فإذا كان تعالى ليس بذي حاسة فيشترط في حقه سلامتها ولاتجوز عليه الموانع ولم يبق من الشروط ف يحقه تعالى إلا وجود المدرك وهو موجود وجب أن يكون مدركاً، فإن أحدنا إنما وجب كونه مدركاً لاجتماع هذه الأمور في حقه بدليل ثبوت كونه مدركاً وحصوله عندها واستحالته عند فقدها أو فقد شيء منها وليس ثم أمر يعلق به وجوب الإدراك سواها وثبوت كون أحدنا مدركاً عند حصول هذه الأمور وعدم ثبوتها عند فقدها أو فقد شيء منها معلوم ضرورة فلا يحتاج إلى دلالة وأما عدم الأمر الذي يعلق به ثبوت الإدراك عند اجتماع تلك الأمور غيرها فدليله أنه لو اكن ثم أمر غيرها لصح اجتماع هذه الأوصاف ولايدرك بأن لايحصل ما عنده نفع الإدراك أو يحصل فيدرك مع فقد تلك الأمور أو فقد بعضها والمعلوم خلافه، وسيأتي تحقيقه.
قوله: (ونحو ذلك من الآيات) يعني كقوله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} وقوله تعالى: {والله يسمع تحاوركما}.
فصل
اختلف الناس في تفصيل كونه مدركاً.
قوله: (زائدة على الذات وعلى صفاتها) أي صفاتها المشهورة كالعالمية والقادرية والحيية.
قوله: (ولم يجبهم عنه ولاصرح بكونه مذهباً له).
الذي حكاه الإمام يحيى عن أبي الحسين أنه يقول: إن صورة المرئي تحدث في الهواء على جهة التأثير ثم يتصل الهوى بنقطة الناظر فتحدث صورة المرئي في النقطة. قال عليه السلام: واعلم أن مذهب أبي الحسين ليس شبهاً لمذهب القائلين بالانطباع لنه يشرط تأثير المدرك في الهوى ثم يحصل الهوى في نقطة الناظر لا لانطباع كما ذهبوا إليه، ويجب أن يطالب هو تحقيقه هذا التأثير.
قوله: (لو كان ذاتاً لعُلم على انفراده) ونحن لانعلم كون المدرك مدركاً إلا بعد العلم بذاته أولاً.

قوله: (لما علم إلا باعتبار غير أو ما يجري مجراه) يعني لأن هذه خاصة الحكم كما تقدم مع أنا نعلم كوننا مدركين من دون أن نعلم غيراً أو ما يجري مجراه زائداً على ما تناوله كونه مدركاً وهو المدرك.
قوله: (لأنها تتعلق دون كونه حياً) قد تقدم بيان تعلقها وعدم تعلق الحيية فلا وجه لإعادته إلا أن ذاهباً لو ذهب إلى جعلها الحيية لم يسلم كونهما صفتين فضلاً عن أن نسلم أن أحدهما متعلقة والأخرى غير متعلقة.
قوله: (ولأنها واجبة دون كونه حياً) إنما كانت واجبة لأنه يستحيل خلافها عند إمكانها ولا يتراخى وجوبها عن صحتها فإنها إنما تصح مع حصول الحيية والشرائط وحينئذ تكون واجبة ووجوبها في حقه تعالى وفي حقنا على سواء، وكون الحي حياً صفة جائزة في حقنا وإن لم تكن جائزة في حقه تعالى فكيف يرجع بما تكون واجبة مطلقاً إلى ما تكون جائزة في بعض المواضع، وإنما أطلق الكلام في أن كونه حياً صفة جائزة لأن كلامه في الشاهد ولا كلام في أنها جائزة في الشاهد لايستحيل خلافها عند إمكانها مطلقاًف إن مع حصول الأمور التي يصح معها كون الحي حياً لايجب كونه حياً بل يتوقف على حصول الحياة.
قوله: (ويدرك ما لايعلم كقرض البق والبراغيث).
البق: كبار البعوض، والبراغيث: القُمَّل. والأمر في ذلك كما ذكر فإن أحدنا يدرك ذلك القرض حال نومه ولهذا فقد يكون ذلك سبباً في انتباهه وإ، لم يعلمه وكلك فقد يدرك النائم الأصوات بحضرته حتى يكون سبباً في انتباهه مع أنه لايعلمها.
قوله: (ولأن أحدنا قد يعلم الشيء فإذا أدركه وجد مزية).
مثاله: أن يخبرنا نبي صادق بأن الله تعالى أوجد جسماً فإنا نعلمه ونعلم وجوده بذلك الخبر ثم إذا أدركناه وجدنا مزية ظاهرة لانجدها حال علمنا به قبل إدراكه.
قوله: (وكونه عالماً قد يكون جائزاً) احترز بعد من عالميته فإنها غير جائزة وإ،ما تكون العالمية جائزة في حقنا فأما كونه مدركاً فإنها واجبة في حقه تعالى وحقنا.

قوله: (مع استمرار كونه عالماً) الاستمرار في حقه تعالى على ظاهره، وفي حقنا معناه: التجدد من دون انقطاع، ومثاله: أن يشاهد أحدنا جسماً ثم يغيب عنه فإن إدراكه عند مغيبه يزول مع عدم زوال علمه به.
قوله: (والانطباع صادر من جهة المرئي).
يقال: كيف حكمت بأنه غير معقول ثم قلت: هو أمر صادر من جهة المرئي، فهذا يقضي بأنه متعقل؟
وجوابه: أنه وإن لم يكن معقولاً فقد صرحوا بنسبة الانطباع وإسناده إليه فأخذ يجيبهم على مقتضى ما حكموا به عليه، وإن لم تكن ماهية الطبع معقولة.
قوله: (ولأنا ندرك ما يعلم بالضرورة أنه لم ينتقل إلى حواسنا) من المعلوم بيننا أن الفلاسفة لم يقصدوا بالانطباع ما حكم به الأصحاب عليهم نم انتقال المرئيات فإن ذلك لايقول به من له طرف من التمييز فأولى ما يقال في إبطال مقالتهم ما بدأ به من أن الانطباع غير معقول، وكفى بالمذهب فساداً ألا يعقل، وسائر ما أورده ليس بواضح.
قوله: (هو تأثيره في حاسته) أي تأثير الصوت إلا أنه يقال: ومن أين لك أن هذا ما قصدوه بالانطباع.
قوله: (هو لأمر يرجع إلى الشعاع وافتراقه فيتخيل عند الانصراف أنه يرى الشيء).
يحتمل أنه أراد عند انصراف الشعاع إلى العين عقيب افتراقه وليس بواضح فإن ما انفصل عن العين من العشاع لم يرجع إليها على ظاهرما يقضي به كلام أصحابنا بل يستمد العين غير ذلك المنفصل إما من الأجسام المضيئة أو من الدماغ فمعلوم أنه إذا جف بطلت حاسة البصر أو بأن يجدده الله تعالى حالاً فحالاً، ذكره ابن متويه ويحتمل أن يكون مراده عند انصراف الرائي من المرئي بحيث أنه يراه لأجل الشعاع وافتراقه وهو لافرق فلا يرد عليه ذلك السؤال، وإن كان التخلص بذلك عما أوردوه ليس بواضح وبالجملة فإن فهم الوجه فيما ذكروه وإلا فهو لايقتضي صحة مذهبهم الذي لايعقل.

49 / 158
ع
En
A+
A-