اعلم أن الذي يدل على كون العالم عالماً هو صحة الفعل المحكم وكذلك وقوعه منه فكما أن الصحة تدل على العالمية فكذلك الوقوع من غير نظر إلى الصحة أو عدمها بخلاف ما تقدم في مسألة قادر من أن الذي بدل الصحة دون الوقوع والفرق بين الموضعين أن وقوع الواقع سواء كان ذاتاً أو صفة أو حكماً لايدل على قادرية المؤثر فيه واختياره لوقوع مثل ذلك ممن ليس بقادر فالمسببات مع كونها ذوات والمعلولات مع كونها صفات وأحكاماً وكذلك المقتضيات تقع لأجل الأسباب والعلل والمقتضيات مع أنها ليست بقادرة ولامختارة فلهذا لم يدل نفس الوقوع على القادرية بخلاف وقوع المقدور محكماً فإنه يدل على عالمية المؤثر فيه كالصحة لأن المؤثرات الموجبات لاتؤثر إلا في وجود الذوات وثبوت الأحكام والصفات ولاتأثير لها في كيفية وجود الفعل وهو إيقاعه على جهة الإحكام والانتظام ولا غيره من الوجوه.
فصل
قوله: (وطريقة التفصيل فيه) أي والطريقة التي توصل إلى إثبات العالمية صفة للجملة في حقنا وللذات في حقه تعالى مؤثرة في صحة الإحكام.
قوله: (أنا وجدنا في الشاهد قادرين) هذه عبارة جيدة وهي أولى من أن يقال: ذاتين أو جملتين أو حيين لأنه قد استغنى بإيراد هذه العبارة عن إبطال أن يكون المؤثر في صحة الإحكام كون المؤثر ذاتاً أو جملة أو حياً أو قادراً من حيث أن من تعذر عليه الفعل المحكم كالأمي بالنظر إلى الكتابة قد شارك من تأتت منه في جميع تلك الأمور ولم يصح منه الكتابة المحكمة فعلم أن التأثير ليس لشيء من ذلك.
قوله: (وتصحيح هذا يجري على نحو ما تقدم في مسألة قادر).
يعني في الاتسدلال على أن ههنا مفارقة وأنه يجب تعليلها وأنها معللة بأمر يرجع إلى الجملة ذلك الأمر كونه عالماً وأنه إذا ثبتت تلك المفارقة في حقه تعالى وجب كونه عالماً فإن تحرير الدلالة هنا يجري على ذلك القياس المتقدم ولافرق إلا في أن يجعل بدل كونه قادراً كونه عالماً.
قوله: (أبو الحسين وابن الملاحمي وغيرهما) يعني أصحابهما وكذلك فبرغوث والنجار قائلان كما قالا في مسألة قادر من أن المرجع بصحة الفعل المحكم إلى أنه ليس بجاهل، وما تقدم هناك يدل على بطلان ما قاله أبو الحسين وأصحابه وبرغوث والنجار، وتحريره ههنا أن يقال:
إن صحة الإحكام حكم صدر عن الجملة فالمؤثر فيه لابد أن يكون راجعاً إليها ولايجوز أن يكون الراجع إليها حكماً لأن صحة الفعل المحكم تعلق فلا يؤثر فيه إلا صفة ولأنا مع علمنا بذلك الأمر الراجع إلى الجملة الذي هو كوننا عالمين لانعلم غير أو لا ما يجري مجراه، وإذا ثبت أن تلك لصفة راجعة إلى الجملة، فصفات الجملة عشر، وشيء منها لايجوز أن يؤثر إلا كونه عالماً لأن الكاتب والأمي يشتركان فيما عداها من الصفات وأكثر ما يشتبه الحال في كونه مؤثراً في الإحكام غير كونه عالماً كونه ظاناً ومعتقداً ومعلوم أن الأمي قد يظن الكتابة ويعتقدها ولايتأتى منه إيجادها محكمة ، فأما في حقه تعالى فالظن والاعتقاد لايصحان عليه.
قوله: (والفرق بين كلامه وكلام الجمهور) إلى آخره.
الفرق من الوجه الذي ذكره ومن وجه ثان وهو كونه جعل الحالة للقلب فقط، والجمهور جعلوها لجملة الحي لا لبعض من أبعاضه.
قوله: (وإلا لزم أن تكون الكتابة حالة لليد) فيه نظر لأن له أن يقول: إن الكتاب لم يثبت أنها حالة في الأصل فيلزم ما ألزمته بخلاف التبيُّن فإن كونه حالة قد ثبت واتفق فكونه لايعقل من دون القلب يدل على أنه حالة له.
قوله: (وأما أنا نجد التبين في ناحية الصدر فمسلم) إلى آخره.
هو مستقيم ويقال مع ذلك لأبي الحسين الذي نجده من ناحية الصدر وهو المعنى ولا كلام في اختصاصه بالقلب وكلامنا في الحالة ولا نسلم أنها الموجودة من ناحية الصدر فلم نجدها من ناحية القلب ولاعرفنا ذلك ولاسبيل إلى معرفته فلم جعلتها حالة له دون الكبد مثلاً وسائر ما في الصدر من غيره.
قوله ـ حاكياً عن أبي الحسين ـ: (فيقال لهم: أصح منه لأنه ذات مخصوصة بكونها متبينة).
يقال له: بل لأنها ذات مخصوصة بحقيقة تخالف بها سائر الذوات على ما قلته في صحة الفعل المطلق أنه صح منه لذاته المخصوصة لابصفة ولا حكم.
قوله: (بما ذكرته عن أبي الحسين).
يعني من أن التعلق هذا الذي هو صحة إيجاد الفعل محكماً لايخلو إما أن يكون لأنه ذات مطلقة أو لأنه ذات مخصوصة أو لأن ذاته تَبَيُّنٌ للأشياء، فلابد أن تثبت له لأنه اختص بصفة.
قوله: (مع ما تقدم) يعني في أول المسألة.
قوله: (ألا ترى أن المجوز قد تعلق قلبه بالشيء على ما هو به وعلى ما ليس هو به).
يعني حيث اعتقد أن العالم مثلاً يجوز حدوثه، وأنه يجوز قدمه فقد حصل له تعلقان متعاكسان ولم يمتنع ذلك ومن المعلوم استحالة أن يكون عالماً بالشيء وجاهلاً به فدل على أن العلم غير التعلق.
قوله: (وليس له أن يفرق بسكون النفس).
يعني فيقول: أن المجوز لاسكون معه ولا يحصل السكون مع واحد من التعلقين لأن أحدهما جهل وهو اعتقاد جواز القدم في العالم مثلاً والآخر اعتقاد مطابق غير علم وهو اعتقاد حدوثه فصح لذلك اجتماعهما بخلاف العلم بالشيء والجهل به فإنهما لايجتمعان لأن العلم يستلزم السكون والجهل لايجامعه فاستحال اجتماعهما.
قوله: (ولأنه من أحكام العلم) أي هو من موجبات العلم فهو المؤثر فيه كما أنه المؤثر في الصفة فإذا كان كذلك فالخصم لايثبت العلم معنى فلا يمكنه أن يفرق بما هو من أحكامه، وفيه سؤال وهو أن يقال: ولم جعلته من أحكام العلم ولم تجعله من أحكام الصفة التي هي العالمية مع أن الشيخ الحسن قد عده من تعلقاتها فهلا كان مقتضى عنها.
والجواب: أنه لو كان الموجب له العالمية لكان يلزم إذا تعلق بمتعلقها الصفة التي هي كونه مقلداً أو منخباً أن توجبه وتقتضيه لأنها في حكم المماثلة لها لتعلقها بمتعلقها على أخص ما يمكن وبذلك يعلم التماثل بين التعلقات من الذوات والصفات.
لايقال فيلزم في التقليد إذا ماثل العلم حيث يتعلق بمتعلقه على أخص ما يمكن فإنه حينئذ يماثله أن يوجب سكون النفس كما أوجبه العلم على نحو ما ألزمتم في جعل الصفة هي الموجبة له لأنا نقول: إن العلم لم توجبه لاختصاصه بالصفة الذاتية والمقتضاة التي يشاركه التقليد فيهما إذا ماثله بل لوقوعه على وجه لم يقع عليه التقليد بخلاف الصفة فإنها تقتضي ما يقتضيه لمجردها لا لوقوعها على وجه وقد شارك المقلد العالم في حصول مجرد الصفة فكان يلزم أن تقتضي له سكون النفس، ولو سلمنا أنها تقتضي ما تقتضيه لكيفيتها لا لمجردها فكيفية العالمية حصولها مع الجواز وصفة المقلد قد شاركتها في ذلك فكان يلزم أن تشاركها في الإيجاب وأما كون الشيخ الحسن عده من تعلقات العالمية فقد تقدم ما أدلى به في ذلك مع اعترافه بأنه من أحكام العلم.
قوله: (لأن جميع هذه قد تحصل مع تعذر الأحكام).
يعني فقد يعتقد الكاتب كيفية الكتابة وترتيبها أو يظنه فلا يتأتى منه وكذلك ينظر فلا يجدي نظره ولاتتأتى منه الأحكام لأجله.
فصل
وإذا ثبتت هذه الحالة في المشاهد فهي تثبت للباري تعالى لأن الطريق واحدة فالذي دل عليها ههنا من صحة الأحكام حاصل في حقه تعالى ومن حق كل مشتركين اشتركا في طريقة صفة أو حكم أن يشتركا في المتطرق إليه صفة كان أو حكماً، فإذا كانت الطريق الموصلة إلى كون الواحد منا عالماً في صحة الفعل المحكم وكانت الأفعال المحكمة قد صحت منه تعالى ووقعت وجب أن يوصل إلى صفة هي كونه علاماً، وههنا أصل وفرع ورطيقة ومتطرق إليه على ما مضى في مسألة قادر، وإن شئت قلت: أصل وفرع وعلة وحكم فقد تقدم أن كل واحدة من الطرق الرابطة تسمى علة الحكم.
قوله: (وليس عدم الإحكام في بعض الأفعال يدل على فقد هذه الصفة). دليله ما نعلمه في الشاهد من أن الواحد منا مع علمه بالكتابة المحكمة الحسنة قد يأتي بها مجرمسة غير مرتبة ولا منتظمة لغرض من الأغراض وكان الوجه في تأتي لافعل الذي ليس بمحكم من العالم بكيفية إحكامه أن تأثير كونه عالماً في الإحكام على وجه التصحيح دون الإيجاب فهو ككون القادر قادراً فإنها تؤثر في صحة الفعل ولاتوجبه بخلاف كون المريد مريداً فإن تأثيرها في وجوه الأفعال على جهة الإيجاب.
بيانه: أن أحدنا إذا أوجد الخبر وأراد كونه خبراً عن زيد وجب كونه خبراً عنه بكل حال ولم يجز ألا يكون خبراً عنه بخلاف العالمية فإنها تقارن الكتابة ولاتوجب كونها محكمة.
تنبيه
قد يدل عدم فعل القادر للفعل المحكم على فقد صفة العالمية وذلك حيث تتوفر دواعيه إلى إيجاد الفعل محكماً وتنتفي صوارفه عنه ثم لا تتفق منه فلا شك في عدم علمه إذ لو كان عالماً لفعله محكماً كما يستدل بمثل ذلك في حق الفعل مجرداً على عدم القادرية.
قوله: (ألا ترى أن كثيراً من أفعال الله تعالى لايكون محكماً وإن كان حكمة).
اعلم أولاً أن الأفعال بحسب الحكمة والإحكام تنقسم إلى أربعة أقسام:
ما فيه حكمة وإحكام كالكتابة المحكمة في الترتيب والانتظام لنفع مسلم.
وما فيه إحكام ولاحكمة كما لو كانت في سعاية بمسلم إلى السلطان أو لم يقصد بها التقرب إلى الله تعالى بل لنفع دنيوي.
وحكمة ولا إحكام كالكتابة المخرمشة غير المنظومة إذا قصد بها التقرب إلى الله تعالى.
وما لاحكمة فيه ولا إحكام كما لو وقعت مع غير قصد التقرب أو قصد بها وجه قبيح.
هذا ما يذكره أصحابنا وفيه نظر من وجه وهو عد الكتابة المخرمشة غير محكمة لأنه لايخلو إما أن يكون مرادهم بها الكتابة الضعيفة البنا التي ليست في قالب الحسن ولا غاية الإحكام فركتها وضعفها لايخرجها عن كونها محكمة بل هي مع ذلك غير عارية عن الإحكام ولا خالية عن الانتظام وإن أرادوا بالمخرمشة التي لايفهم شيء منها ولايتعذر على سائر القادرين ابتداء فهذه ليست بكتابة أصلاً، فما وجه وصفهم لها بذلك، وما معنى كونها سعاية في مسلم فكان الأولى التمثيل بغير ذلك.
إذا عرفت هذا فالذي يدخل في أفعاله تعالى من هذه الأقسام قسمان، أحدهما ما فيه حكمة وإحكام وهذا القسم أكثر مصنوعاته تعالى وجلها كالسموات والأرضين والحيوانات والنباتات، وثانيهما ما فيه حكمة من غير إحكام وهي الأعراض وأفراد الجواهر التي لم تقتض الحكمة تأليفها وإحكامها، فأما القسمان الآخران فيتعذران في فعله تعالى فإنه يخل عن خلو أفعاله عن الحكمة والحكمة كل فعل حسن لفاعله فيه غرض صحيح.
فصل فيما يجوز إجراؤه عليه تعالى من الأسماء بمعنى كونه عالماً وما لايجوز
قوله: (ومنها العارف إذ لافرق بين العلم والمعرفة).
قد قيل: إن في جعل العلم والمعرفة لفظين مترادفين لافرق بينهما نظراً، فإن بينهما فرقاً ولهذا يقال: عرفت الله، ولايقال: علمته، وقد فرق بعضهم بينهما بأن العلم نقيضه الجهل، والمعرفة نقيضها الإنكار. وقيل: لايجوز وصفه تعالى بأنه عارف لأن المعرفة علم ناقص. وقال بعضهم: بل لايجوز لأن المعرفة هي العلم المسبوق بالجهل والله يتعالى عن ذلك، ولهذا لم ترد لفظة عارف في الأسماء الحسنى ولا وصف بها نفسه.
قوله: (فلا يقال عراف لإيهامه الخطأ).
يعني وهو كونه من جملة العرافين أهل الحرفة المسترذلة حسبما وقع الاصطلاح عليه.
قوله: (قال الشاعر:
لاهُمَّ لا أدري وأنت الداري
أصله: اللهم، فحذف حرف التعريف وقد ورد مثله كثيراً.
قوله: (ويستعمل بمعنى المحكم).
أي فعل الحكمة إذا وصف تعالى بأنه حكيم على ما جرى به التعارف في استعماله في العالم صح إجراء ذلك عليه في الأزل، فيقال: حكيم في الأزل وإن كان بمعنى المحكم أي فاعل الحكمة فهو من الأوصاف الفعلية فلا يجري عليه بهذا المعنى فيما لم يزل.
قوله: (أي العالم بكنه الشيء).
كنه الشيء: نهايته. يقال: أعرفه كنه المعرفة.
قوله: (في حكاية الشعراء: من ريحانة الداعي السميع).
معناه أهذا الداعي السميع من ريحانة المجنونة وموضعها. وعجزه: يؤرقني وأصحابي هجوع.
وحاصله أن داعي ريحانة المسمع لايزال يؤرقه، والبيت لعمرو بن معدي كرب، وقيل: إن ريحانة هذه أخت عمرو بن معدي كرب، وأن العاب بن مرداس السلمي أسرها وهو القائل:
أكر على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها
فكان عمرو يجفوه المنام بسبب أسرها.
قوله: (وإ، كان أصله من الارتقاب لحال غيره) وجه الشبه بين الأصل والعرف أن من يرقب لحال غيره لم يغب عنه شيء منه فكان تعالى لعلمه بتفاصيل كل أمر كالرقيب الذي لايغيب عنه شيء.
قوله: (وإن كان يستعمل بمعنى الحافظ فيكون من صفات الأفعال).
يعني لأن لفظة حافظ تفيد دفع الآفات والمكاره عن الشيء المحفوظ فكانت من صفات الأفعال.
قوله: (مبالغة في الشاهد).
يقال: فهل يوصف بأنه شاهد كما يوصف بما هو مبالغة فيه؟
والجواب: أما الذي ذكره الفقيه حميد فإنه لايوصف بأنه شاهد إلا بطريقة التقييد كقولنا شاهد كل نحوي فلا يجوز ذلك من غير تقييد لأن أصل هذه اللفظة مأخوذ من المشاهدة التي هي نقيض الغيبة ثم هي بالعرف لمن حمل الشهادة المعروفة لغيره وكل ذلك لايجوز عليه تعالى.
قوله: (وقيل يقر حيث ورد لإيهامه المشاهدة) إلى آخره.
قال الفقيه حميد: وهذا المعنى يستحيل على الله تعالى فكانت هذه اللفظة مجازاً في حقه سبحانه ثم لما كثر استعمالها صارت بمنزلة الحقيقة في حقه تعالى.
قوله: (وقيل يقر حيث ورد لإيهامه الخطأ).
يعني وهو نقيض الضيّق.
قوله: (نحو واسع الرحمة والعطاء ونحو ذلك) يعني كواسع المغفرة على ما ورد في بعض الأدعية وما شابه ذلك.
قوله: (فنحو قولنا طبيب لأنه قد تعورف به فينم تعاطى صنعة مخصوصة).
يعني صياغة الأدوية ومعالجة الجراحات والعلل ومداواة الأسقام، وفي قوله: يتعاطى. نظر لأن المتعاطي للطب يسمى متطبباً لاطبيباً نص عليه الجوهري، ومعنى المتعاطي للشيء في الأصل الخائض فيه، وأما الطبيب فهو العالم بالطب، والطبيب أيضاً الحاذق عند العرب. وقوله: قد تعورف به. أراد والأصل أن الطبيب هو العالم بقول أهل اللغة فلان طَبّ بكذا وطبيب أي عالم وقد ذكره الجوهري، قال: ورجل طَبٌّ بالقتح أي عالم.
قوله: (فلا يستعمل إلا فيما علم بعد جهل) أي الشعور بالشيء، فإذا قلت: شعرت بشيء فمعناه علمته بعد أن كنت جاهلاً له.
قوله: (وكذلك الفطن) إلى آخره.
تحقيق المانع من إ>رائه عليه تعالى أن لفظة الفطن تفيد العلم مما يلتبس الحال فيه بعد التباسه ولهذا لايقول أحدنا: فطنت أن السماء فوقي ويقول: فطنت كلام فلان وغرضه. قال الفقيه حميد: ولايوصف تعالى بأنه فاهم لمثل ذلك.
قوله: (وكذلك لايوصف تعالى بأنه يحسن الأشياء).
يحسن بإثبات النون من الإحسان وهو الذي أراد المصنف وقد صرح بذلك في استدلاله في مسألة الأفعال بقوله تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه} وقال: يوصف بأنه أحسن ولايوصف بأنه يحسن لما تقدم، يعني هنا وصُلِّح في كثير من النسخ فجعل يُحسّ من الإحساس والذي دعا إلى تصليحه هذا تعليل أبي هاشم للمنع من ذلك، وكذلك تعليل أبي علي، والأقرب أن المصنف وهم فأتى بلفظة يحسن من الإحسان ثم نقل كلامهم في يحس من الإحساس ولامدخل لما هو من الإحسان ههنا إنما الكلام في يحس من الإحساس لأنه قد ورد بمعنى العلم. قال تعالى: {فلما أحس عيسى} الآية، أي علم.
قال ابن متويه: ولكنه لايستعمل في كل علم بالمدركات، فلا يقال: أحس بالسماء وما شاكله.
قوله: (قال أبو علي) إلى آخره.
قد احتج لما ذكره بقولهم أحس بالحمأ ولايقولون في النائم أحس بقرص البراغيث لما عدم العلم، وقد بنى أبو هاشم كلامه على أن الحس والحاسة بمعنى واحد فيقال: حس البصر، وحس الذوق ونحو ذلك. وأبو علي لاينازعه في ذلك لكنه جعل من فائدة يحس ما ذكره المصنف عنه والكلام في المحسن كالكلام في يحسن.
قوله: (وكذلك الحاذق) لأنه يفيد نوع معالجة. قيل: بل المانع أنه يفيد من علم الشيء ثم يجاوزه إلى مالم يكن عالماً به، ويقال: حذلق الرجل ويحذلق إذا أظهر الحذق وادعى أكثر مما عنده.
قوله: (ولأنه في الأصل اسم للقاطع) يقال: سكين حاذق وخل حاذق شاهده قول أبي ذؤيب:
يرى ناصحاً فيما بدى فإذا خلا ... فذلك سكين على الحلق حاذق
أي قاطع.
قوله: (وكذلك الذكي) إلى آخره. قال الجوهري: الذكاء ممدوداً : حدة الفؤاد.
قوله: (وكذلك الحافظ أي العالم) يعني لايجوز إجراؤه لما تقدم فأما بمعنى دفع الآفات والمكاره فجائز عليه تعالى كقولهم حفظ الله ونحوه، وقوله تعالى له: {إنا لحافظون} أي عن الزيادة والنقصان.
قوله: (إنما سميت عقلاً لمنعها صاحبها عما تنزع إليه نفسه) أي ما تدعو إليه النفس من القبائح، وقد قيل: بل سميت بذلك لأنها تمنع العلوم الاستدلالية عن الزوال وكل واحد من المعنيين غير جائز في حقه تعالى وكما لايوصف تعالى بأنه عاقل فكذلك لايوصف بأنه غير عاقل لأنه يفيد الجنون أو فقد العلم، وذلك محال في حقه، وإنما يقال هو تعالى يعلم ما يعلمه العاقل بزيادة ذكره الفقيه حميد.
قوله: (لإيهامه الجسمية) يعني من حيث أن الإحاطة هي الاحتواء على الشيء ومنه سمي الجدار حائطاً لإحاطته بالغرس أو بالنبت فأما مع التقييد نحو {أحاط بكل شيء علماً} {وأحاط بما لديهم} فلا إيهام فيه فهو جائز وله شبه بالحقيقة من حيث أنه تعالى أحاط بأحوالهم على طريق التفصيل، ولهذا لايقال في أحدنا أنه أحاط بالله علماً لأنه وإن علمه فلم يعلم جميع معلوماته ومقدوراته على التفصيل.
قوله: (لإيهامه السكون المعاقب للحركة ولأنه مجاز). يقال: ما الفرق بين الوجهيم؟
والجواب: أن بينهما فرقاً فالأول منع من حيث إيهام الخطأ وهو السكون المقابل للحركة وسواء كان حقيقة في التفرقة التي يجدها أحدنا أو مجازاً فيها، والثاني بالنظر إلى أنه مجاز وسواء كان موهماً معنى لايصح عليه تعالى أو لا من حيث أن المجاز لايجوز إطلاقه إلا بأذن ويقر حيث ورد هذا بالنظر إلى إجراء اللفظ، وأما بالنظر إلى المعنى فيجري في كلام المشائخ أنه حاصل على مثل حكم الواحد منا بكونه ساكن النفس.
قوله: (وفيه غرابة) أي وفي الأمر الذي لم يكن عالماً به ثم علمه، وقيل: التعجب العلم بمالم يعلم سببه وأبطل بأنا وإن عرفنا السبب لم يزل التعجب، وما ورد من ألفاظ التعجب في القرآن كقوله تعالى: {فما أصبرهم على النار} فهي لاتفيد أنه تعالى متعجب بل أنهم أحِقاء بأن يتعجب منهم.
قوله: (والحسرة ونحو ذلك) يعني كالسرور والطمع واليأس والأفن والفزع لأنه الخوف.
قوله: (لنها تفيد اعتقاداً مخصوصاً) أما الغم فهو علم الحي أو ظنه أو اعتقاده بأنه علة في المستقبل فوت نفع أو حصول ضرر أو لمن يجب، وأما الندم فهو اعتقاد أن عليه ضرراً أو فوت يقع في فعل له متقدم ومثله الأسف والحسرة وقد تقدم بيان معنى السرور وهو نقيض الغم، وكذلك معنى الطمع واليأس والأمن والخوف وكذلك فمما يمتنع في حقه تعالى التخيل والتوهم لأن معناهما أن يظن أو يعتقد في الشيء أنه بصفة ما شاهده وعرفه ذكره الشيخ ابن متويه.
قوله: (يا حسرة على العباد..) إلى آخره.
قال جار الله: هو بدء للحسرة عليهم والمعنى أنهم أحقاء بأن يتحصر عليهم المتحصرون، ويجوز أن يكون على جهة الاستعارة في معنى لفظهم ما جنوه على أنفسهم وفرط الإنكار فله التعجيب منه.
قوله: (وقيل تقديره: فلما آسفوا أولياءنا).