قوله: (وملك ومالك عند الشيخين على سواء) قال: ولهذا قرئ بهما، وقال غيرهما: أما من طريق اللغة فملك أبلغ إلى آخره، هذا قول لأبي القاسم وهو القائل بأن مالكاً لايستعمل إلا في الأشياء الموجودة، وقوله في ملك مأخوذ من الملك هو بضم الميم ومالك مأخوذ من الملك يعني بكسرها، وقد ذكر الفقيه حميد ما يقارب هذا القول فإنه قال: قد يمكن ثبوت تفرقة بينهما من جهة اللغة، ويكون قولنا ملك أعم من قولنا مالك لأنه لايقال في كل من يقدر على التصرف المطلق وإنما يوصف بذلك إذا قدر على تصرف مخصوص مما يتضمن الأمر والنهي، ويقال: فلان مالك الدينار والدرهم، ولايقال: ملكهما.
قوله: (ومنها الرب، معناه المالك المدبر).
اعلم أن الخلاف في رب يقرب من الخلاف في مالك فذهب الجمهور إلى أنه بمعنى مالك وقد سبق في مالك أنه بمعنى قادر فيكون معنى رب معنى قادر، وإذا كان كذلك كان صفة ذات فيجوز إطلاقه عليه تعالى في الأزل، وقال أبو القاسم: بل صفة فعل فلا يكون تعالى رباً إلا بعد وجود العالم لأنه يستلزم وجود المربوب فلا يثبت له هذا الوصف في الأزل واحتج بأن الرب صفة مشتقة من التربية نقول من ذلك: ربيت الصبي. إذا تحملت مؤنته وقمت بجميع منافعه فلما كان تعالى يربي عبده وينشئه وصف بذلك وأبطل ذلك بأنه لو كان مأخوذاً من التربية لجاز إطلاقه على غير الله تعالى فيقال فيمن ربى غيره: إنه رب. كما يجوز إطلاقه عليه تعالى، ومعلوم أنه لايجوز إطلاقه عليه تعالى، فأما على غيره فلا يجوز إطلاقه إلا مقيداً كما ذكره المصنف.
ولأبي القاسم أن يقول: وإذا كان بمعنى مالك صح أن يطلق على غيره تعالى كما في مالك.
ويجاب: بأنه بمعنى المالك المدبر وقد ذكر بعضهم أنه ليس بمعنى مالك على الإطلاق بل الربوبية ملك كامل لايشبهه ملك في الشاهد، فلهذا اختص به تعالى وذكر الفقيه حميد في العمدة أن مالكاً وملكاً كرب في عدم جواز إطلاقهما على غيره، واشترط التقييد قالك إلا أن الحال فيه أظهر فعلى هذا لا سؤال.
قوله: (ومنه قول صفوان بن أمية..) إلى آخره.
صفوان بن أمية: من أعيان قريش، قال ذلك يوم حنين والسبب فيه أنه لما انهزم أكثر المسلمين في ذلك اليوم ورأى من كان هناك من حفاة مكة تلك الهزيمة أظهر أناس منهم ما في قلوبهم من الضغن فقال أبو سفيان بن حرب: لاتنتهي هزيمتهم دون البحر، وصاح كلدة بن الحنبل وقال: الا بطل السحر اليوم. وكلدة هذا أخ لصفوان من أمه، وصفوان حينئذ مشرك فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك فوالله لأن يربنّي رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن أي يملكني ويغلب علي.
قوله: (ومنها السيد) أي المالك قال الفقيه حميد: السيد تفيد ملكه لمن يصح أن يتصرف بتصريفه إياه، وعلى هذا نقل استعماله في الجمادات بخلاف الحي ولهذا لايقال فلان سيد الدار، ويقال: سيد العبد.
قوله: (وهو أنه مصمود إليه في الحوائج) أي مقصود لها، قال الشاعر:
ألا بكر الناعي بخيري بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
وعلى هذا المعنى لايوصف تعالى بأنه صمد فيما لم يزل لعدم الطالب في الأزل، وأما بمعنى السيد المعظم فجائز.
قوله: (فيكون من غير هذا الباب) يعني من باب الأوصاف التي تفيد الفعلية.
قوله: (وأما المتكبر فهو مبالغة في الكبير) إلى قوله: (ولهذا لايطلق عليه متحيز) بمعنى جبار الذي ذكره الفقيه حميدان المتكبر والمتجبر والمتعظم تفيد فائدة كبير وجبار وعظيم.
قوله: (ومنها المستولي) يعني وصفه تعالى بأنه مستول على الأشياء بمعنى مقتدر عليها على وجه لايتأتى منعه مما يريد إيجاده فيها.
قوله: (لإيهامه الاستقرار) أي الوقوف في المكان والجلوس عليه وذلك لايصح إلا في حق الأجسام.
قوله: (ويقر حيث ورد نحو على العرش استوى) يعني فلا يقال: على السماء استوى، أو على الأرض أو نحو ذلك بل حيث ورد به السمع وهو العرش.
قوله: (وجب التقييد) يعني بما يرفع الإيهام كأن يقول المتعالي عن صفات النقص أو عن القبيح أو نحو ذلك.
قوله: (ومثله قولنا الله..) إلى آخره.
اعلم أن العلماء مختلفون في معنى اسم الباري الذي هو الله على أنواع من الاختلاف كثيرة فالذي عليه الجمهور من أصحابنا ما ذكره في المتن وتلخيصه أن أصله الإله ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى اللام قبلها وادغمت إحدى اللامين في الأخرى ثم فُخِّم إذا كان قبله ضم أو فتح ورقق إذا كان قبله كسر وهو مع ذلك باق على معنى الإله، وهو من يحق له العبادة وليس بعلم إذ الأعلام والألقاب لاتجوز عليه تعالى لما تقدم، بل هو اسم موضوع بإزاء صفات ذاتية وهي صفات الكمال التي لأجلها يحق له العبادة فإذا أطلق فهم منه تلك الصفات ولو كان علماً لم يفد معنى فإن الأعلام لاتفيد أكثر من تمييز مسمياتها.
وذهب بعض أهل العربية إلى أن الإله ليس بأصل له، والمشهور عند جميعهم والمنصوص عليه فيما بينهم أن الله والإله مختلفان في المعنى، أما الإله فمعناه: من يحق له العبادة ولهذا سموا الأصنام آلهة لاعتقاد الاستحقاق فيها، وأما الله فإنه لم يطلق في جاهلية ولا إسلام إلا على الله سبحانه فهو علم للقديم.
قال ابن مالك: هو علم دال على الإله الحق دلالة جامعة لمعاني الأسماء الحسنى كلها ما علم منها وما لم يعلم.
قالوا: إذ لو لم يكن علماً لما صح الاستثناء في لا إله إلا الله، إذ لايستثنى الشيء من نفسه ذكر هذا التفصيل والخلاف بعض أصحابنا المتأخرين.
وقد اختلف القائلون بأنه مشتق على أقوال كثيرة في أصله لا حاجة إلى إيرادها ههنا.
قوله: (ومنها المستطيع).
هذا ما اختاره أبو علي، فإنه أجاز وصفه تعالى بأنه مستطيع. قال ابن متويه: وإباه غيره ولعلهم بنوا على أن المستطيع القادر بالاستطاعة.
قوله: (لأن فائدته ترجع إلى الجهد).
يعني والجهد المشقة وهذا يستقيم إذا كان الجهد بفتح الجيم، فإنه المشقة ذكره ابن فارس وغيره، لكن يقال: ليس يرجع إلى الجهد بفتح الجيم الذي هو المشقة بل إلى الجُهد بضم الجيم وهو الطاقة.
قوله: (لأنها تفيد جواز المنع عليه) وذلك لأن معنى المطلق والمخلى: القادر الذي ارتفعت عنه الموانع الجائزة عليه.
قوله: (وقوله تعالى: {ذو القوة المتين} مجاز) قيل: المراد بذلك طريقة المبالغة في كونه قادراً، قال جار الله: المتين الشديد القوة. انتهى. وقد ورد في القرآن وصفه تعالى بأنه أشد قوة، ومعناه أقوى وورد فيه شديد المحال ومعناه قوي.
تنبيه
ومن الأوصاف التي لايجوز إطلاقها عليه تعالى وهي ترجع إلى معنى القادر:
الشجاعة لأنها تفيد الجرأة على المخاوف والإقدام عليها بقوة قلب.
والنجدة فإنها بمعنى الشجاعة وهي مأخوذة من مكان نجد أي مرتفع.
والجلد فإن الجلادة الصبر على الآلام.
والجسارة فإنها تفيد قوة القلب.
فائدة
قال الفقيه حميد: ومن الأوصاف التي تجري عليه بمعنى كونه قادراً: مجيد، قال: ويستعمل استعمال كريم. وعزيز: وهو مبالغة في قولنا ماجد. والمراد بذلك كثرة خيره وسعة جوده، وجعله من الأوصاف التي تفيد زيادة حاله تعالى في كونه قادراً.
تنبيه
أهمل المصنف ما اعتاده أصحابنا في كتبهم المستعملة من الإتيان في آخر الكلام على كل مسألة بما يلزم المكلف معرفته فيها ولعله لم يتمخض له صحة ذلك ولزومه على ما بنى عليه أصحابنا بل قد صرح في أول الكتاب حيث تكلم على وجوب المعرفة بأن معرفة الجمل كافية للعوام ونحن نورده ليعرف ما ذكره علماؤنا رحمهم الله قالوا: يلزم المكلف في هذه المسألة أن يعلم أن الله تعالى كان قادراً فيما لم يزل، ويكون قادراً فيما لا يزال، ولايجوز خروجه عن هذه الصفة بحال من الأحوال، وأنه قادر على جميع أجناس المقدورات ومن كل جنس في كل وقت على ما لايتناهى فلا تنحصر مقدوراته جنساً ولا عدداً كما سيأتي الاستدلال عليه في فصل الكيفية.
القول في أن الله تعالى عالم
ووجه تقديم هذه المسألة على غيرها واتصالها بمسألة كونه تعالى قادراً ومشاركتها إيها في كون الفعل يدل عليها بغير واسطة.
قوله: (المختص بصفة). أراد بالصفة كونه عالماً، وحقيقة كونه عالماً الصفة التي متى اختص بها الحي صح منه الإحكام تحقيقاً أو تقديراً.
قوله: (لمكانها) أي لأجل اختصاصه بها وثبوتها له.
قوله: (عقيب فعل) وذلك نحو كتابة الحرف عقيب الحرف.
قوله: (أو مع فعل) يعني كما إذا أوجد الله الفعل المحكم دفعة واحدة فالأحكام فيه إيجاد فعل مع فعل.
قوله: (ابتداء) قال أصحابنا: هو احتراز من الاحتذاء كالنقش بالطابع، والاقتداء كما إذا رأى كتابة ففعل مثلها مقتدياً بها وكذلك فهو احتراز عن إيجاد الحرف الواحد فإنه وإن كان فيه إحكام فإنه لايتعذر على كل قادر الابتداء به فالاحتذاء والقتداء وإيجاد الحرف فيها إحكام وتدخل لولا ذلك الاحتراز لأن الإحكام مطلقاً يستعمل في الائتلاف.
واعلم أن الإحكام أكثر ما يتبين في التأليف وإن كان قد يقع في غيره كالكلام وما يصنع الصانع من نجر الأعواد ونحت الأحجار فإن ذلك إحكام وليس بتأليف.
قوله: (كفعل الغير) يعني فإنا مع علمنا به لايصح منا تحقيقاً إيجاده محكماً ولا غير محكم لما لم نكن قادرين عليه.
قوله: (كالفعل الواحد) يعني كالتأليف الواحد والنطق بحرف واحد ونحو ذلك فإنه لايتأتى فيه إحكام وكما أن قوله: تقديراً. احتراز عما ذكره فهو احتراز عن الصفات والأحكام والأمور السلبية فإنا مع العلم بها لاتصح منا أحكامها فإنها لاتقبل الأحكام إذ لاتتأتى إلا بين ذاتين متحيزتين فصاعداً أو بين الحروف لكنها لو كانت مما يصح إحكامه لأحكمناه.
وقد قيل: تتمة لحد العالم: ولم يكن هناك مانع ولامايجري مجراه؛ لأن مع المانع كتسكين اليد عن الكتابة والبناء والجاري مجراه من عدم الآلة كالقلم والقرطاس أو ما يكتب منه لايتأتى منه أحكام معلومة مع كونه مقدوراً له تقبل الأحكام فأما عدم الآلة فقد صرح ابن متويه بأنها تؤثر في صحة الفعل فلا يصح الفعل مع عدمها وأما المانع فإنما يمنع عن الوقوع لا عن الصحة فلا يحتاج إلى الاحتراز عنه.
قوله: (ولأن المتبين أخفى من العالم) مثل هذا الاعتراض يورده أيضاً أبو الحسين وابن الملاحمي على حدود أصحابنا أو أكثرها فيقولون العالم والقادر والحي أظهر مما يذكرونه في تحديدكم ومن حق الحد أن يكون أظهر من المحدود.
ويجيب أصحابنا بأنكم إن أردتم أن العالم على سبيل الجملة أوضح من الحد فمسلم لكن لم نقصد تحديده جملة وإن أردتم العالم على سبيل التفصيل فلا نسلم بل الحد الذي أوردناه أجلى منه ونحو ذلك، ولهم أن يجيبوا بمثل هذا الجواب.
فصل
ذهل أهل الإسلام وأهل الكتاب وغيرهم كالبراهمة وبعض عباد الأصنام وسائر من أثبت الصانع المختار إلى أن الله تعالى عالم، وألزمت المطرفية ألا يكون تعالى عالماً إذ لم يدل على أنه عالم إلا تركيب العالم وما فيه من الإحكام في التأليف وعندهم أن كل ما فيه من تأليف وغيره بالفطرة لا باختياره تعالى فلا يبقى لهم طريق إلى معرفة كونه تعالى عالماً وإن كانوا يعترفون بذلك ويقرون به.
قوله: (فقال أوائلهم..) إلى آخره. حكى عن بعض أصحابنا القول بأنه تعالى لايعلم شيئاً أصلاً لا كلياً ولاجزئياً وإن وجد الفعل المحكم من جهته فذلك لأجل قوة لذاته وخصوصية كما أن المغناطيس يجذب الحديد لقوته وخصوصيته وإن لم يعلم الجذب وحكاية المصنف جارية على قواعدهم فأما هذه الرواية ففيها نظر لأن الفعل المحكم لم يوجد عندهم إلا من العقل العاشر إلا أن يكون هو المراد بذلك.
قوله: (وسيتضح بطلانه في آخر فصل الكيفية).
يعني عند الكلام في أنه تعالى عالم بجميع أعيان المعلومات.
قوله: (فإن ذلك من عجائب الصنعة وغرائب الحكمة ما يقصر عنه الأوصاف وتحار فيه الأفكار).
قال بعض أصحابنا: انظر إلى رفع السماء وكونها كالسقف للأرض وانظر إلى تسطيح الله تعالى للأرض وما أعد فيها من الأمواه الجارية والمستخرجة والنباتات العجيبة المستغربة والجبال الراسية والآكام والصخور العظيمة ليقصد كل حيوان إلى ما يرغب إليه من ذلك، وانظر إلى تزيين السماء بالقمرين والنجوم الثوابت وغير الثوابت والمضيئة والخفية وتعليقها في السموات كالمصابيح فالأرض كالبيت المسقوف والقمران والنجوم كالسرج والشموع المشعلة بالنار المهتدى بها إلى رؤية ما في الدار وغير ذلك، والإنسان كالمالك الذي يتصرف في بيته مع شموع مشعلة ومصابيح مسرجة فتبارك الله أحسن الخالقين.
قوله: (وأصناف الحيوانات).
اعلم أن الحيوانات أبلغ الأشياء إحكاماً لما فيها من العجائب التي لم توجد في غيرها من تركيب حواسها وأعضائها وألوانها وصورها ولاسيما الإنسان فإنه اختص بمزية على سائر الحيوانات والمخلوقات فإن كيفية تركيبه ومجاري أغذيته ونحو ذلك من خصائصه قد اشتملت على بديع الخلقة وعجيب الصنعة الباهرة.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: عجباً لابن آدم ينظر بشحم ويتكلم بلحم ويتنفس من خرم ويسمع بعظم. وإذا تفكر في كيفية خلقه بدا له من ذلك العجب وعلم أنه قد رقى من بديع الصنعة إلى أعلى الرتب ألا يرى إلى كون وجهه الذي هو أعظم أعضائه هيئة وجمالا في أعلاه والعينان في رأسه صيانة لهما عن أن ينالهما ما ينال رجليه ونحوهما من أسافله، والجفنان لهما كالغطا، فإن أحب تغطيتهما لصيانتهما أو غير ذلك تمكن منه وإذا أحب فتحهما للإحساس أو غيره تمكن منه بسهولة وإلى القلب الذي عليه المدار في جميع الأمور لكونه محلاً للأعراض التي هي الشهوة والإرادة والعلم ونحوها، ويمكنه من الإحاطة بكثير من المعلومات المعدومة والموجودة والماضية والمستقبلة الدنيوية والأخروية.
وانظر إلى اللسان ويمكنه به من البيان بأنواع الكلام، وما يحصل به من الحكم العربية وما يحصل به من الكشف عن جميع المرادات مع كونه لحمة يحصل ذلك بتقلبها وغيره من اللحم لايحصل به شيء من ذلك.
وانظر إلى الحكمة في ترتيب الأسنان فجعل تعالى مقادمها حداداً مصطفة لتكون أجمل في الخلقة وأنفع في تناول الأطعمة وأقطع في الأمور التي تحتاج إلى القطع وجعل دواخلها عراضاً مسطحة من أسفل الفم وأعلاه كالرحى المعدة لطحن ما يلقى فيها فما طحنته دفعته إلى الحلق فتصيره إلى البطن بسهولة وانظر إلى ترتيب أعضاء الإنسان وتشريخها ونفع كل عضو النفع الذي لايقوم غيره فيه مقامه والمفاصل التي لو لم تكن لتعذر الانتفاع بكثير من الأعضاء مع كون تركيبها ملائماً للطبع والنفس فلو كان الشعر في بطن الراحة مثلاً لكان فيه شناعة وتنغيص ونحو ذلك من الأمور الباهرة.
ذكر بعض العلماء أن ابن آدم يحتوي على عجائب الفلك فشخصه كُريّ كما أن الفلك كُريٌّ وفيه ما لايحصى عدده كالشعر الذي فيه كما أن نجوم الفلك لاتحصى عدداص، وفيه سبعة أنور تشبه السبعة الأملاك وهي العينان والأنفان والأذنان والفم، فالعينان كالشمس والقمر وذلك لأن العينين تصيب ببصرها وشعاعها ما وقعت عليه كما أن الشمس تشرق على ما طلعت عليه وتصيبه بشعاعها، وكذلك القمر، والأنفان كالمشتري والزهرة، والأذنان كعطارد والمريخ، واللسان كزحل لأنه محل السعد والنحس، وهكذا اللسان فإنه إن قارن أهل السعادة سعد، وإن قارن أهل النحس انتحس، وفيه عدد المنازل التي ينزل فيها القمر الثمان والعشرين وهي مفاصل يديه وعقد ظهره، وفيه عدد أيام السنة وهي ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وهي عروقه فإنها ثلاثمائة وخمسة وستون عرقاً، فتبارك الله أحسن الخالقين.
قوله: (وتفاصيل ذلك بحسب مصالح المكلفين من غير زيادة ولانقص).
أي ومفاصل أجناس المخلوقات وذلك كتسخير الرياح وتقدير الشتاء والصيف وإنزال الأمطار في أوقاتها المعلومة وهذه وإن لم تكن دلالتها بطريقة الإحكام فهو من حيث أن وقوعها بحسب المصالح من غير زيادة ولانقص يدل على أنه تعالى عالم بمواقع المصالح وما به يكون الصلاح والفساد، ومما يدل على عالميته تعالى خلقه للعلوم الضرورية فإنه أوجدها وهو عالم بمعتقداتها قبل فعلها وهذا هو الوجه الذي لأجله كانت علوماً فالعلم يدل على عالمية فاعلة وإن لم يكن ذا تأليف وانتظام فإن وقوعه على أحد الوجوه يدل على ذلك كالمحكم من حيث أنه لايتأتى وقوعه من سائر القادرين.
قوله: (وذلك كاف في حصول الغرض).
يعني لحصول الدلالة فيه، وكون فاعله عالماً ولكنا نعلم أنه المحكم لجميع الأشياء من السموات والأرضين والأفلاك والأحياء ونحو ذلك بضرورة الدين وإن كان التأليف من جنس مقدورنا فتأليف هذه الأشياء وقع على وجه لايتأتى منا إيقاعه عليه.
قوله: (وهو ضروري على الجملة).
يعني العلم بأن من صح منه الفعل المحكم عالم على سبيل الجملة من غير نظر إلى أن كونه عالماً صفة أو حكم أو غير ذلك، فأما العلم بالتفصيل وهو أن له بكونه عالماً صفة أو حكماً أو نحو ذلك فلا يعلمه إلا الخواص بالاستدلال.
فائدة