قوله: (والحال واحدة والشرط واحد) الحال ههنا كونه حياً لأنها التي يصححها ويتقضيها لو كان لها نقيض، والشرط أمران أحدهما البنية التي تحتاج الحياة إليها لأنها مصححة للمصحح، والثاني البنية الزائدة التي تحتاج إليها القدرة على ما ذهب إليه الشيخان لأنها شرط في تصحيح المصحح لها.
قوله: (ويختص هذا المكان حصول التزايد) يعني ومما يختص به هذه الصفة مما يدل على أنها لمعنى دون الكائنية حصول التزايد فيها وفيه نظر فإن كل صفة معنوية يحصل فيها التزايد سواء كانت قادرية أو كائنية أو غيرهما، ولعله أراد يختص هذا المكان بأن يورد فيه من الأدلة على ثبوت القدرة مالم يتقدم مثله، وهو حصول التزايد في القادرية ولم يورده في الاستدلال على أن الكائنية ثابتة لمعنى هو الكون، وفيه أيضاً نظر فإنه قد استدل بحصول التزايد في الكائنية على إثبات الكون، وإن كان الاستدلال به ههنا أظهر إذ لايرد عليه من الاعتراض ما ورد هناك.
فصل
وحكم هذه الصفة مطلقاً سواء كانت جائزة معنوية في حقنا او واجبة مقتضاة أو ذاتية في حقه تعالى.
صحة الأحداث فلا يتعلق بغير الحدوث والوجوه التابعة له خلافاً للمجبرة فتتعلق بالكسب عندهم، وتعلقها بالضدين فيصح بها إيجاد كل واحد منهما على البدل لا على الجمع فيستحيل للتضاد الحاصل بينهما.
وصحة الفعل المحكم عند ثبوت كونه عالماً.
وصحة إيقاع الفعل على الوجوه المختلفة عند ثبوت المريدية.
وصحة إيقاع الصيغة نهياً وتهديداً عند ثبوت كونه كارهاً إن صح أن التأثير في هذه الوجوه للقادرية وأن العالمية والمريدية وكونه كارهاً شروط في تأثيرها وهو الذي استقر عليه كلام ابن متويه، والظاهر من كلام غيره من أصحابنا وكذلك تأثيرها في كون الاعتقاد علماً عند كونه ناظراً.
وحكمها: إذا استحقت للذات أو كانت مقتضاة عن صفة الذات في حقه تعالى.
(صحة الاختراع) مطلقاً (والتقديم والتأخير على متعلقها) لا على الإطلاق ولكن إذا كان متعلقها مبتدأ باقياً فأما غير الباقي فلا يصح فيه التقديم والتأخير إذ لو صح ذلك لاستلزم صحة حدوثه في وقتين وذلك يستلزم صحة وجوده فيهما فيخرجه ذلك عن كونه غير باق ويعتبره نافياً، وكذلك فالمسبب لايصح فيه أيضاً التقديم والتأخير لأنه قد ثبت أن للمسبب في كل وقت مسبباً، وصح أن المسبب المعين لايجوز صدوره إلا عن سببه فإذا صح هذان الأصلان لزم إلا يصح التقديم والتأخير في المسبب مطلقاً، وإلا لزم من ذلك أن يكون للسبب في الوقت الواحد مسببان ويلزم منه تعدي السبب إلا ما لانهاية له من المسببات وهو محال.
(واستحالة انحصار متعلقها في الجنس) فلا يقتصر تعلقها على الأجناس العشرة بل يتعلق بكل جنس من أجناس المقدورات فلا مقدور إلا ويصح إيجاده بها.
(واستحالة انحصار متعلقها في العدد) فيصح أن يوجد المختص بها من الجنس الواحد في الوقت الواحد في المحل الواحد ما لايتناهى، ولهذا قلنا: أنه يصح منه تعالى إيجاد ما لايتناهى في الوقت الواحد والمراد بذلك أنه لا قدر يشار إليه إلا ويصح منه تعالى إيجاد أضعافه وأضعاف أضعافه لاأنه يصح وجود ما لايتناهى واشتمال الوجود عليه فإن ذلك يستحيل إذ كل ما دخل في الوجود فقد حصره.
(واستحالة خروج الموصوف عنها) لأنها إن كانت ذاتية فلا كلام في ذلك وإن كانت مقتضاة عن الذاتية فكذلك إذ لايجوز انفكاك المقتضى هنا عن المقتضي.
(واستحالة المنع) على المختص بها مع إرادته لئلا يمنع إيجاده بها ما لايصح من غيره معه منعه.
(ونحو ذلك) لصحة قدرته على ما يكون أصلاً من أصول النعم فيستحق به العبادة وقد دخل هذا ضمناً فيما تقدم.
(وبالعكس من هذا إذا استحقت لمعنى) فإنه لايصح بها الاختراع وإلا لزم أن يخترع الواحد منا الفعل بقدرة يمينه في يساره ونحو ذلك وإنما يصح بها إيقاع الفعل على وجهي المباشرة والتوليد، ولايصح بها التقديم والتأخير مطلقاً، أما إذا كان مقدورها متولداً أو غير باق فلما تقدم، وأما إذا كان مبتدأ باقياً كالكون في محلها فلو صح فيه التقديم والتأخير للزم أن يوجد الضعيف في نفسه من السكنات ما يمانع به أشد الناس قوة عن تحريكه بل ما يمانع به الباري تعالى بأن يقدم مقدورات قادريته فإنها على مرور الأوقات لا تتناهى ويلزم من ذلك أن خروج القادرية عن حكم قد تقرر ثبوته لها وهو أنَّه لايصح بها في الوقت الواحد في المحل الواحد على الوجه الواحد أكثر من مقدور واحد ولايستحيل أيضاً انحصار متعلقها في الجنس والعدد بل هو منحصر فيهما فلا يصح أن يفعل بها سوى الأجناس العشرة ولايتأتى بها في الوقت الواحد على الشروط المعتبرة إلاَّ مقدور واحد إذ لو تعدت لتعدت ولا حاصر فكان يلزم أن يمانع الواحد القديم تعالى ولايستحيل خروج الموصوف عنها بل خروجه عنها جائز إذ لو استحال لخرجت عن كيفيتها الثابتة لها وهي كونها جائزة وعن خاصيتها التي هي جواز تجددها للذات حال البقاء، وخروجها عنها ولايستحيل المنع على المختص بها بل إذا فعل الباري تعالى أو من هو أكثر من المختص بها قدراً في المحل من السكون أكثر مما في مقدوره من الحركة منع عن تحريك ذلك المحل لتناهَى مقدوراته بخلاف القادر للذات ولايصح أن يفعل بها ما يكون أصلاً من أصول النعم فتقرر بذلك معاكسة القادرية الجائزة للقادرية الواجبة في جميع تلك الأحكام.
فصل فيما يجري عليه تعالى من الأسماء بمعنى كونه قادراً
اعلم أن هذه الطريقة التي سلكها المصنف من ذكر ما تجري عليه تعالى من الأسماء بمعنى كل صفة من صفاته أغفلها أكثر أصحابنا في كتبهم ولها تعلق حسن بما نحن بصدده من الكلام في صفاته تعالى لنعلم معاني أسمائه وما يفيد من صفاته تعالى وفيه فوائد كثيرة منها: معرفة الأعلى قدراً منها والأبلغ معنى فيها فيضع الداعي أو المقسم بها والذاكر فيه بألفاظها والمتوسل إلى الله بتركها كل شيء منها في موضعه اللائق به، وقد ذكر الأسماء وتفصيل معانيها وتقسيمها بالنظر إلى صفاته تعالى الفقيه حسام الدين حميد بن أحمد في كتابه عمدة المتسرشدين، لكنه لم يلحق ذكر كل صفة بما يكون بمعناها من الأسماء كما فعل المصنف بل أخر الكلام فيها وجمع ذكرها وتعدادها وجعله آخر الكتاب، فأسلوب المصنف في الترتيب أولى وأبلغ، وكذلك فقد ذكر الحاكم الأسماء من غير تفصيل وتقسيم لما يكون منها بمعنى هذه الصفة وما يكون منها بمعنى غيرها في آخر كتاب التوحيد من شرح العيون.
قوله: (ولم يكن إطلاقها توهم الخطأ) يعني فإن كان إطلاقها بوهم الخطأ لم يجز إطلاقها في حقه تعالى إلا مع قيد يزيل ذلك الإيهام ويرفعه بالكلية، ومثال ما يوهم الخطأ من الحقائق التي ثبت معناها في حقه تعالى الألفاظ المشتركة بين معان بعضها يصح عليه تعالى وبعضها لايصح كاليد والوجه والقضاء والقدر والضلال، فإن هذه الألفاظ جميعها مشتركة بين معان يصح بعضها عليه تعالى ويستحيل بعضها فلا يجوز إطلاقها عليه إلا مع قرينة تعرف بها أن القصد بها المعنى الصحيح في حقه تعالى دون المعنى الآخر الفاسد في حقه تعالى، وسواء كانت القرينة مقالية أو حالية.
قوله: (وقال أكثر البغاددية لابد من أذن).
هذا مذهب أبي القاسم وأتباعه من البغداديين ذهبوا إلى أنه لاشيء من اللفاظ يجوز إطلاقه عليه تعالى سواء حصل معناه في حقه أو لم يحصل إلا بأذن سمعي وهو مذهب الأشعرية وأكثر فرق المجبرة فأسماؤه تعالى عندهم كلها توقيفية، قالوا: فلا يجوز أن يطلق عليه تعالى إلا ما أطلقه على نفسه حتى لو لم يسم نفسه بقادر وعالم لم يجز أن نطلقهما عليه تعالى، وهذا مع الاتفاق منا على جواز نفي الأسماء التي يستحيل معناها في حقه تعالى، وعدم الحاجة إلى ذلك إلى أذن سمعي، وعدم التوقف عليه كليس بجسم، وليس بعرض، وليس بمحتاج.
قوله: (ولايتم ذلك إلا بأن ندعوه بالأسماء التي ثبت معناها في حقه) يعني ومالم يتم الحسن إلا به كان حسناً كحسنه.
فإن قيل: إنه يتم ذلك بأن ندعوه بالأسماء التي قد سمى نفسه بها.
قلنا: فلو لم يرد سمع بها كيف كانت تكون الحال؟
قوله: (ولهذا قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} هذا يشمل ما أطلقه على نفسه وما لم يطلقه) إذا أفاد معنى في حقه وكان يحصل به تعظيمه تعالى، ولهم أن يقولوا: إنما قصد إلى هذه الأسماء المعينة التي قد سمى نفسه بها.
وقد قيل: لو احتجنا في إطلاق الإسم الذي يكون معناه في حقه تعالى ثابتاً حقيقة إلى أذن لاحتاج المخالف في تركه إطلاق ذلك الإسم إلى إذنٍ وتوقيف فإنه إذا احتيج في الإطلاق مع موافقته الأصل إلى إذن فهو بأن يحتاج إليه في عدم الإطلاق مع مخالفته الأصل أولى وأحرى.
وقد قيل: إن خلاف البغدادية ومن معهم إنما هو في الأسماء، وأما وصفه تعالى صيغة الفعل نحو: يرزق ويخلق فلا يتوقفون في إطلاقه على إذن ولايوجبون ذلك فيه.
قوله: (فإنه لايجوز إجراؤه على الله تعالى إلا بإذن اتفاقاً).
يعني وإن حصل معناها في حقه تعالى كأسد فغنه يتجوز بمعناه في الرجل الشجاع ومعناه كونه لايهاب وهذا المعنى الذي وقع التجوز لأجله ثابت في حقه تعالى ولايوصف بذلك والكبحر فإنه يتجوز به في الجواد ولايجوز إجراؤه عليه تعالى مع حصول الجود في حقه بأوفاه وأكمله.
واعلم أن الحاكم قد قيد المنع من .... المجاز وإجرائه عليه تعالى بأنها من الخطأ فظاهر كلامه أن ما لا يوهم الخطأ فحكمه حكم الحقيقة ولكن الظاهر من كلام أصحابنا الإطلاق وعدم التقييد ، ومن ذهب من العلماء إلى أن المجاز عند اتصال القرينة به يصير حقيقة يجوز على قود قوله إطلاقه عليه تعالى إذا اتصلت به قرينة مانعة من إيهام الخطأ. وقد نص بعضهم على أنه يجوز إ"لاق المجاز إذا قيد بما يرفع الإيهام.
قوله: (وتقر إذن حيث ورد بها الإذن) يعني فلا تطلق إلا حيث أطلقها تعالى على نفسه.
وقال أبو القاسم: بل تطلق عليه في الموضع الذي أطلقها فيه على نفسه وفي غيره ولا خلاف أن الشرع إذا أذن بالإطلاق في كل موضع أنه يجوز مطلقاً.
قوله: (فلا تقاس عليها) يعني فإذا ورد مثلاً: {وهو خادعهم} لم نقس عليه فيقال: هو تعالى مخادع أو يخادع أو يخدع ونحو ذلك، وكذلك لايقاس على موضع ورود تلك اللفظة غيرها في استعمالها نفسها ولا يقال مثلاً الله خادع الناس ونحو ذلك.
قوله: (نحو لفظ الخداع والمكر والاستهزاء والنسيان) يعني فإن هذه ألفاظ وردت مطلقة عليه تعالى ولم يقصد بها حقيقتها فإن معناها الحقيقي غير ثابت في حقه تعالى وإنما أوردت تجوزاً واستعمالاً في غير ما وضعت له.
بيانه: أن الخداع على الحقيقة إظهار غير ما في النفس، وبه فسر قوله تعالى: {يخادعون الله} فقيل فيه يظهرون غير ما في نفوسهم. وقيل فيه: يظهرون الإيمان به وبرسوله ويبطنون خلاف ذلك، فالخداع منهم على حقيقته وهو الاحتيال والمكر، فلما كان تعالى يظهر لهم الإحسان في الدنيا ويعجل لهم النعم ويسترعيهم العذاب المعد لهم في الآخرة سمى نفسه خادعاً تجوزاً. وقد قيل: إن الخادع بمعنى الفساد فخداعهم فساد ما أظهروه من الإيمان بما أبطنوه من الكفر وهو في حقه تعالى إفساد نعيمهم في الدنيا بما يصيرون إليه من عذاب الآخرة، وأما المكر فهو أيضاً الاحتيال والخديعة فسمى تعالى جزاءه لهم على مكرهم مكراً تجوزاً من باب تسمية الشيء باسم ما يقابله، وكذلك تسميته تعالى للجزاء على استهزائهم استهزاء.
وأما النسيان فهو على الحقيقة زوال العلم، وورد في حقه تعالى مجازاً حيث قال تعالى: {نسوا الله فنسيهم} أي تركوه فتركهم.
وأما الفراغ في قوله تعالى: {سنفرغ لكم} قد قيل: إن معناه سنقصد إليكم بعد أن كنا تاركين لكم. قيل: وأصل الفراغ إخلاء الشيء عن الذي يشغله كأن يفرغ الإناء عما فيه من ماء أو غيره. وقال جار الله في قوله تعالى: {سنفرغ لكم} هو مستعار من قول الرجل لمن يتهدده: سأفرغ لك، يريد سأتجرد للإيقاع بك عن كل ما يشغلني.
قوله: (وأشباه ذلك) يعني كالظاهر والباطن ونور السموات وغير ذلك.
قوله: (وهكذا ما طريقه الألقاب المحضة) اللقب هنا: الاسم الموضوع لتعيين مسمى من غير أن تثبت فيه دلالة على معنى في ذلك المسمى ويسمونه النحاة العلم وهو كزيد وعمرو وبكر ويجعلون اللقت نوعاً خاصاً من الأعلام كزين العابدين ونحوه.
وقوله: (المحضة) لعله احترز به عن لفظة شيء، ولاوجه لذلك إذ ليس من الألقاب في شيء على ما سيأتي.
قوله: (لخروجه عن حد الإفادة) وذلك لأنه لامعنى له سوى تعيين الأشخاص وتمييز بعضها من بعض ولايطلق عليه إلا ما أفاد معنى كقادر وعالم.
وقوله: (ولقيامه مقام الإشارة) هذا وجه آخر في المنع من إجراء اللقب عليه تعالى وتلخيصه: أن اللقب إنما وضع ليفيد تمييز الغائب عن غيره كما أن الإشارة الحسية تفيد تمييز الحاضر ويكون عوضاً عنها وقد تقرر أن الإشارة مستحيلة على الله تعالى فيجب أن يستحيل ما قام مقامها ووضع عوضاً عنها وهو اللقب.
فاستدل أيضاً على منع اللقب في حقه تعالى بأنه تعالى لامشارك يشاركه في أوصافه التي يتميز بها عن سائر المحدثات من الأجسام والأعراض وإذا كان كذلك فاللقب إنما وضع للتمييز فلا حاجة إليه ف يحقه تعالى فلا يجوز إطلاقه عليه.
قوله: (وأما قولنا شيء فليس من هذا القبيل) أي من قبيل الألقاب، وهذا مذهب أبي هاشم فإنه ذهب إلى أنه يجوز تسميته تعالى شيئاً بطريق العقل على قواعد أهل اللغة وأن العقل بمجرده كاف في جواز ذلك كما في غيره من الحقائق وورود السمع به وهو الإجماع والآية الشريفة واستعماله في السنة أهل الشرع مؤكد لما حكم به العقل من الجواز، وإن كان لايفتقر في الإطلاق إليه، ولايتوقف صحته عليه.
وذهب الشيخان أبو علي وأبو عبدالله إلى أنه إنما يسمى شيئاً لورود السمع بذلك حتى لو لم يرد السمع بتسميته تعالى شيئاً لم يطلق عليه هذا اللفظ فإنه كاللقب إذ لايفيد صفة ولامعنى من المعاني، وإذا كان كذلك لم يجز إطلاقه عقلاً كما لم يجز إطلاق اللقب ولولا ورود السمع به.
ورُدَّ ما ذكراه بما نعلمه من إفادته لحكم وهو صحة العلم به تعالى على انفراده فإذا كان الشيء في اللغة ما يصح العلم به على انفراده وهو تعالى بهذا الوصف صح إطلاقه عليه تعالى إذ لامانع يمنع من ذلك، وبالجملة فهم متفقون على جواز التسمية وإن اختلفوا في جهة الجاوز هل العقل والسمع أو السمع فقط.
قوله: (بل له شبه بالمفيد).
اعلم أنه يشبه المفيد ويفارق اللقب من وجه ويفارق المفيد من وجه أما الأول فمن حيث أنه لايجوز تغييره مع بقاء اللغة بحالها الأول بحيث أنه لايقع به إبانة نوع من نوع.
وقد ذهب جهم والباطنية إلى أنه تعالى لايسمى شيئاً لأنه تعالى خالق كل شيء فلو كان شيئاً لكان خالقاً لنفسه. قال جهم: وإنما يسمى مشيئياً بمعنى أنه جعل غيره شيئاً.
وذهب الشيخ أبو محمد الناشي من المعتزلة إلى عكس ذلك وهو أنه تعالى يسمى شيئاً ولايسمى غيره شيئاً وإنما يسمى مشيَّئاً أي مجعولاً لاشيئاً. فإذا كان الشيء ما يصح العلم به والخبر عنه صح المختار من تلك المذاهب وبطل كلام المخالفين.
قوله: (وعلى هذا قال تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله}) وجه دلالتها: أنه تعالى جعل اسمه جواباً عن السؤال بأي والجواب باسمه بعد السؤال عن الشيء بأي يقتضي أنه من الأشياء كما أن قائلاً لو قال: أي الرجال عندك؟ فأجيب بزيد اقتضى كلام المجيب أنه من الرجال.
قوله: (واستعماله في الشديد مجاز) يعني نحو قولهم في الجبل الشديد الذي تكثر فيه الصلابة أنه قوي بدليل عدم اطراده مستد صليب، وإنما سمي الجبل وما شابهه بذلك لما كان يصعب على القادر تفريقه لمكان صلابته فجرى مجرى القادر الذي يصعب على غيره منع مما يحاوله من الفعل.
قوله: (ومنها المقيت) أي المقتدر، يدل عليه قوله تعالى: {وكان الله على كل شيء مقيتا}، وقال جار الله: هو بمعنى حفيظ.
قوله: (وكأنه راعى صحة القهر لاوقوعه) وذلك لإجازته إجراءه في الأزل فإنه لم يحصل في الأزل إلا صحة القهر فأما وقوعه فلا يتصور إلا بعد وجود العالم لأن وقوع القهر لغيره يترتب على وجود ذلك الغير ومنهم من منع وصفه تعالى بذلك في الأزل. وقال: لايصح إلا بعد وجود العالم. قال: ولايقال أنه حاصل في الأزل على الصفة التل مكانها يصح أن يقهر غيره فلذلك سمي قاهراً في الأزل؛ لأن هذه اللفظة تنبي عن وجود القهر لا عن صحته وكما يوصف بأنه تعالى قاهر فكذلك يوصف بأنه قهار إلا أنه يفيد المبالغة ويتأتى فيه من المخالفة نحو ما ذكر في قاهر وإن كان منع أجزائه في الأزل أظهر والكلام في الغالب في المعنى، وفي الخلاف يجري على هذا القياس.
قوله: (كله يفيد القدرة على الكمال) أي يفيد القدرة الكاملة لأن المالك في اللغة هو من يملك التصرف الكامل من غير منع ولاعجز ولاكلام في أن هذا معنى القادر على جميع أجناس المقدورات وأنواعها الذي ليس بعاجز عنها ولاممنوع وإذا كانت هذه الألفاظ بمعنى قادر كانت من صفات الذات فيجوز إطلاقها عليه تعالى في الأزل.
وإذا قيل أنه تعالى مالك للموجودات مع أنها قد خرجت عن كونها مقدورة فالمراد أنه قادر على إفنائها وإعادتها بعد ذلك والتصرف فيها بما يريده تعالى، وقد ذهب أبو القاسم إلى أن مالكاً ليس بصفة ذات على ما يقوله الجمهور من أصحابنا بل هو صفة فعل بدليل أن الملك لايكون إلا في الأشياء الموجودة وإذا صح ذلك لم يوصف تعالى بأنه مالك في الأزل إذ لاموجود معه حينئذ يكون مملوكاً ورد بقوله تعالى: {مالك يوم الدين} فجعل يوم الدين مملوكاً مع كونه معدوماً فدل على أنه بمعنى قادر.
قوله: (لما لم يملك التصرف التام) وذلك لأن تصرفه معرض للزوال بأن يعزله الموكل وقبل عزله ليس حكمه حكم المالك من كل وجه ولهذا لاينفذ بيعه ولاشراؤه لما عين فيه فاحشاً وغير ذلك من الأحكام.