هذه طريقة الشيخ ابن الملاحمي وكل هذه الطرق متقاربة كما ذكره المصنف وقد أهمل رحمه الله ذكر طريقة الشيخ أبي رشيد وهي أن كل ما كان من الأحكام إذا لم يعلل بطل القول به وجه تعليله كما في مسألتنا فإنه لو لم يكن ثم أمر يعلل به صحة الفعل من أحد الحيين دون الآخر لم تكن بصحة الفعل منه أولى من صحته من الحي الآخر وكان عدم الأمر المعلل به عائداً على ثبوت الصحة من أحدهما دون الأخر بالنقض، وكذلك ما أشبه هذه المسألة وما كان من الأحكام إذا علل بطل القول به فإنه لايجوز تعليله كحلول المعنى في المحل المعين ونحوه مما تقدم ذكره وكل ما كان من الأحكام الثابتة لايبطل القول بثبوته علل أو لم يعلل فإنه ينظر فيه فإن كان في تعليله فائدة زائدة على معرفة التعليل جاز تعليله ولايبعد أن يجعل واجباً كتعليل حاجة أفعالنا إلينا بحدوثها فإنا لانفتقر في ثبوت حاجتها إلينا إلى ذلك فذلك مما قد ثبت لكن في تعليلها بالحدوث فائدة وهي أن قياس أفعاله تعالى على أفعالنا في حاجتها إلى محدث لاتتم إلا مع تعليلها وإن لم تكن في التعليل فائدة من كل وجه، فقيل يحسن التعليل للعلم بوجه الحكم وعلته وأقل مراتب العلم حسنه، وقيل: لايحسن إذ لا يقع فيه فائدة زائدة على ثوت الحكم المعلل وهاذ قد ثبت من قبل، ومثال ذلك: تعليل قبح الظلم بكونه ضرراً عادياً إلى آخره، فإن القبح فيه معلوم ولايستفاد بالتعليل إلا معرفة وجه القبح هكذا ذكر المتكلمون.
قيل: والأولى أن هذا مما يجب تعليله لأن به تحصل فائدة زائدة وهي أن ما هذه صفته لو وقع منه تعالى لكان قبيحاً لحصول علة القبح، ولكن المثال وإن لم يطابق فالمسألة في أصلها مفروضة تحقيقاً إن وجد لها مثال وتقديراً إن لم يوجد، وقد مثله الفقيه محمد بن يحيى والفقيه قاسم بمثال آخر فقالا: مثاله ما يقال في قبح الظلم من أن العلم بقبحه فرع على العلم بوجه القبح إما على جملة أو تفصيل بخلاف العلم بالمتحركية فإنه غير فرع على العلم بعلتها وهي الحركة، إما على جملة أو تفصيل مع اتفاق الحركة ووجه القبح في كونهما مؤثرين واتفاق القبح والمتحركية في كونهما مؤثراً فيهما فما العلة في الفرق بينهما.
وقد قيل في تعليل ذلك: إن الطريق إلى العلم بقبح الظلم العلم بوجه قبحه، وليس كذلك كونه متحركاً فهو معلوم ضرورة لايتوقف على العلم بالحركة.
قوله: (فوجدناها مما يقبل المقتضي) يعني فيجب تعليله على طريقة قاضي القضاة والمقتضي هو الصفة التي هي كونه قادراً لأن صحة الفعل مقتضاة عنها.
قوله: (فقد خالف فيه أبو الحسين وأصحابه) يعني فإنهم ذهبوا إلى أن صحة الفعل في الشاهد حاصلة للبنية المخصوصة وفي الغائب للذات المخصوصة.
قوله: (وكثير من غيرهم) أشار إلى أبي القاسم وأتباعه من البغدادية فإنهم ذهبوا إلى أن صحة الفعل منا لصحة البنية واعتدال المزاج، وبرغوث والنجار فإنهما ذهبا إلى أن الفعل صح من القادر لأنه غير عاجز لا لأمر ثابت ، والفلاسفة فإنهم ذهبوا أيضاً إلى أن صحة الفعل تثبت لاعتدالا لحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وللنجار قول آخر وهو أنه صح الفعل للقدرة لا للقادرية.
قوله: (والكلام في تلك الصحة كالكلام في هذه) يعني فإن الذي يؤثر في صحة الفعل منا إذا كان فاعلاً كالباري تعالى فهو لايؤثر في هذه الصحة. لنا: ولا في سائر ما يؤثر فيه إلا على سبيل الصحة، فهل حصلت له تلك الصحة بفاعل آخر لزم التسلسل أو لصفة فلا فرق بين الموضعين.
قوله: (ولأن هذه الصحة تتجدد) إلى آخره.
يعني فقد يصح الفعل من هذا القادر في وقت دون وقت وذاته بحالها وما أثر فيه الفاعل فهو يتبع حالة الحدوث دليله تأثيره في كون الكلام خبراً ونحوه فإنه يتبع حالة حدوثه وكذلك تأثيره في كون الفعل طاعة أو معصية ونحو ذلك.
قوله: (لأن المعنى يختص المحل والصحة حكم صدر عن الجملة) يعني فلا يجوز فيما يرجع إلى المحل أن يؤثر فيما يرجع إلى الجملة.
وفيه سؤال وهو أن يقال: أليس القدرة مع أنها راجعة إلى المحل فلا توجد إلا في جزء واحد عندكم مؤثرة في القادرية مع أنها صفة تثبت للجملة وكذلك غيرها من الصفات الراجعة إلى الجملة تؤثر فيها المعاني الراجعة إلى المحل؟
والجواب: أن بين الموضعين فرقاً فإ، صحة الفعل حكم صدر عن الجملة فيجب في المؤثر فيه أن يعود إليها بخلاف ما ذكرته فإن كونه قادراً لم يصدر عن الجملة وإنما ثبتت لها وأيضاً فإن الدليل على أن صحة الفعل تدل على أمر راجع إلى الجملة هو بطريق مفارقة هذه الجملة لجملة أخرى، وليس كذلك الدلالة على إثبات القدرة فإنه لايستدل عليها بطريقة المفارقة بل بحصول الصفة مع الجاوز والحال واحدة والشرط واحد باعتبار الجملة في نفسها لا باعتبار جملة أخرى فافترقت الحال.
قوله: (وزوال المانع لايقبله) الوجه في ذلك أنه نفي محص والنفي المحض لايقبل التزايد واحترزنا بقولنا المحض عن النفي الذي ليس بمحض كما يقال: هذا أعني من هذا، مع أن العني يرجع به إلى نفي الحاجة وإنما قيل: التزايد لأنه ليس بنفي محض إذ المرجع به إلى أن صاحبه مستغن بشيء عن شيء فقد صار المرجع بالعني عن شيء إلى وجود ما يستغنى به مع انتفاء الحاجة عنه فلهذا صح دخول التزايد فيه، وأن يقال: فلان أعني من فلان. وكذلك فهو احتراز عن قولك هذا الفعل أقبح من هذا لما اجتمع فيه وجهان من القبح، وليس في الآخر إلا وجه قبح كما لو كان أحدهما كذباً وعبثاً والآخر كذباً فقط مع أن القبيح المرجع به إلى النفي، وهو ما ليس للمتمكن من فعله أن يفعله على بعض الوجوه، ولكن صحح قولك أقبح المفيد للتزايد أنه ثبت فيه وجهان من القبح فليس بنفي محض.
قوله: (يتعذر علينا أيضاً تحريكه).
إن كان المنفي من جهة الله تعالى فلا كلام في لزوم ما ذكره لأن ما أراد وقوعه فهو بالوقوع أحق، وكذلك إذا كان من غيره تعالى وهو أكثر مما في مدقوره ويخص بهذا وجه آخر وهو أنه كان يلزم إذا كان ذلك المنع من غيره أن يحس باعتماد معتمد عليه لن غيره تعالى لايعدي الفعل إلى الغير إلا بالاعتماد ومعلوم أن هذا الحي الذي يتعذر عليه الفعل كالمريض لايحس باعتماد معتمد عليه.
قوله: (لأن البنية تأليف مخصوص) يعني البنية التي ذهبوا إلى أن صحة الفعل في الشاهد لأجلها فإنها تأليف مخصوص يختص بأن محله فيه رطوبة ويبوسة وحرارة وبرودة ولحمية ودمية.
قوله: (يوضحه أنه لابد من استعمال محل القدرة).
اعلم أن مرادهم فإنه لابد من استعمال محل القدرة إذا ورد في كلامهم أنه لايفعل عنا الفعل إلا في محلها أو بواسطة فعل في محلها فهذا هو معنى استعمال محلها ويدل على أنه لابد من ذلك أنه لو صح بها الفعل لا على هذا الوجه لكان ذلك اختراعاً، والمعلوم تعذره من جهتنا.
قوله: (والأمور الكثيرة لاتؤثر في الحكم الواحد) قال الإمام يحيى في التمهيد وهو مذهب أبي الحسين وابن الملاحمي وورد أن البنية أمور كثيرة فلا يجوز أن تؤثر في أمر واحد. وأجاب با، الحق أن يقال: إن بعض هذه الأمور التي يرجع بالبنية إليها مؤثر وبعضها شرط ولايعلم التمييز وعدم علمنا بالتمييز بين المؤثر والشرط لايضرنا في ذلك ولايخفى ما فيه من التعسف والتمحل الذي لايخلص.
قوله: (لأن عند اجتماع أجزاء رطبة وأجزاء يابسة ونحو ذلك). يعني وأجزاء حارة وأجزاء باردة.
قوله: (ونحن فرضنا الكلام في حيين اشتركا في كونهما جملتين). يعني وصح الفعل من أحدهما ولم يصح من الآخر ولو كان الفعل يصح من الجملة للجملة لم يصح ذلك الفرض فإنه يجب على هذا صحة لافعل من الجملتين معاً.
قوله: (فالكلام فيه كالكلام في البنية) يعني حيث ذكر أنها راجعة إلى الآحاد وما كان راجعاً إلى الآحاد لم يؤثر فيما يرجع إلى الجملة.
قوله: (والصوت يقف على الصلابة وهي بنية مخصوصة) أي تأليف مخصوص بأن اعتدلت رطوبة محلية ويبوستهما ، وقيل: لابد من زيادة اليبوسة في محلي التأليف الذي هو صلابة.
قوله: (ولكنه وقوف المشروط على الشرط). يقال: أما الصوت فمسلم أن وقوفه على الصلابة وقوف المشروط على الشرط لأن المؤثر فيه هو الاعتماد والصلابة شرط في تأثير الاعتماد فيه وإن كانت غير شرط في إيجاده من الله تعالى، إذا أوجده مبتدأ وأما القادر بقدرة فشرط في حقه مطلقاً لأنا لانوجده إلا بالاعتماد وتأثيره فيه مشروط بالصلابة، وقد ذهب أبو علي إلى أنه محتاج إلى صلابة المحل من أي فاعل وجد وهو أحد قولي أبي هاشم، والذي عليه الجمهور أنه يصح منه تعالى أن يفعل في الجزء الواحد أصواتاً هائلة، إذ لامانع من ذلك.
وأما قول المصنف: البنية شرط في صحة كون الأجزاء حية ففيه نظر لأنها إذا كانت شرطاً لامؤثراً فما المؤثر فإن الحياة لاتؤثر في الصحة لأنها علة وإنما تؤثر في الإيجاب ولعله يذهب إلى أن المصحح للحيية التحيز بشرط البنية فيكون التحيز حينئذ هو المؤثر في هذه الصحة والبنية شرطاً كما أشار إليه ولا مانع من ذلك كما أن كونه حياً مؤثر في صحة كونه عالماً وبنية القلب شرط في تلك الصحة فلا يلزم إذا كان أن يكون المؤثر في الصحة أموراً كثيرة.
قوله: (ثم إن سلمنا أن الوجود هو المؤثر في الحقيقة فهو لايختلف بل كل وجود يؤثر في ظهور ذلك).
يقال: إن أبا الحسين يقابل ذلك بمثله وهو التزام أن كل بنية تؤثر في صحة الفعل وتقتضيه كما التزمت أن كل وجود في ذلك الظهور.
والجواب: أن مراد المصنف أني ألتزم أن كل صفة بالفاعل تؤثر في ظهور الصفات والأحكام ولكن لا صفة عندي بالفاعل إلا الوجود فأنا التزم أن كل وجود مؤثر في ذلك، ولو كان بالفاعل صفة غير الوجود لالتزمت تأثيرها في ذلك ولايريد منك إلا التزام أن كل صفة بالافعل تؤثر في صحة الفعل ليلزمك تأثير السواد والبياض فإنه صفة بالفاعل عندك، وفيه نظر، فإنه كما لايلزم إذا أثرت صفة معنوية في أمر تأثير كل صفة معنوية فيه لايلزم إذا أثرت صفة بالفاعل في أمر أن تؤثر كل صفة بالفاعل فيه، ولو أن المصنف ذهب إلى أن ثم صفة بالفاعل غير الوجود لم يمكنه أن يثبت لها من التأثير ما أثبت للوجود.
قوله: (قيل له المرجع بالحصافة عندك إلى كثرة الأجزاء).
يقال: بل المرجع بالحصافة مع كثرة الأجزاء إلى اكتنازها وتلاصقها بحيث لايكون ثم خلل بينها.
تنبيه
ما دل على بطلان ما ذهب إليه أبو الحسين وأصحابه فهو الذي يدل على بطلان مذهب البغداديين والفلاسفة فغ، مذاهبم جمعاً متقاربة، وأما بطلان مذهب برغوث والنجار فبما تقدم من أن الحكم إلا يتأتى لايعلل بالنفي تعليل تأثير وكذلك القول بأن صحة الفعل المؤثر فيه القدرة قد تقدم بطلانه حيث أبطل أن يتكون صحة الفعل لوجود معنى من دون إيجابه صفة للجملة.
فصل
إذا ثبت أن للقادر بكونه قادراً حالاً فهي لاشك غير كونه حياً، وكونه مشتهياً.
قوله: (ونحو ذلك من صفات الجمل) يعني ككونه نافراً ومريداً وكارهاً وظاناً وناظراً ومدركاً.
قوله: (أعني ما عدا كونه حياً) يعني فلا تثبت القادرية من دونها، ولكن ليس ذلك لأمر يرجع إلى أنها المؤثرة في صحة الفعل وأن المرجع بكونه قادراً إليها ولكن من حيث أنها مصححة لها وأصل في صحتها ولايصح ثبوت صفة من دون مصححها إذا كان مصححاً على التعيين وهذا حال القادرية في حقنا فإنه لايصححها سوى الحيية.
قوله: (ولأن هذه الصفات قد تتماثل) يعني كل جنس منها قد يتماثل أفارده فكونه مشتهياً قد يتماثل هو حيث تعلقت الصفتان منه بجنس واحد كالحلاوة أو الحموضة أو غيرهما وكذلك كونه نافراً وأما الحيية فأفرادها متماثلة كلها فلا توجد صفتان بكون الحي حياً مختلفتان وكذلك فكون المعتقد معتقداً يتماثل أفرادها، إذا اتحد المتعلق والوقت والوجه والطريقة مالم يكن التعلق متعاكساً كتعلق العلم والجهل وكذلك كونه مريداً وكارهاً وظاناً وناظراً.
فأما نوع القادرية فعند أصحابنا أنه لاتماثل فيه لأن التماثل لايكون إلا مع اتحاد المتعلق وتعلق قادريتين بمقدور واحد محال، لأنه يؤدي إلى مقدور بين قادرين وما أدى إلى المحال فهو محال.
قوله: (ولأنها لاتختص فعله دون فعل غيره بخلاف القادرية).
أي ولأن سائر صفات الجملة لاتختص بفعل المختص بها دون غيره فكونه حياً لاتأثير لها ولا اختصاص فيما يرجع إلى الفعل، ويصح ا، يشتهى فعل غيره، وأن ينفر عنه، وأن يريده، ويكرهه ويظنه وينظر فيه ويدركه ولايقدر عليه فلا يرجع بما يختص بفعله إلا ما لايختص به.
فصل
قوله: (والطريق إلى هذها لحال في الشاهد وهو صحة الفعل كما علمت فيجب ثبوتها للباري تعالى لحصول طريقها في حقه).
قد تقدم أن من الطرق الرابطة بين الشاهد والغائب طريقة الحكم وهذا من أمثلتها فإن صحة الفعل طريق إلى كونه قادراً.
قال أصحابنا: وههنا أصل وقوع وطريق ومتطرق إليه، فإذا كان الباري تعالى قد شارك الأصل وهو الواحد منا في الطريقة وهي صحة الفعل وجب أن يشاركه في المتطرق إليه وهو كونه قادراً، إذ من حق الطريق أن توصل إلى المتطرق إليه.
قيل: والأولى أن يقال صحة الفعل حكم مقتضى عن كون القادر قادراً، فإذا حصل في حقه تعالى الحكم المقتضى وجب حصول ما اقتضاه في حقه لأن الأثر يدل على المؤثر فيقال: أصل وفرع ومقتضى، وهو صحة الفعل، ومقتضٍ وهو كونه قادراً، فإذا كان الفرع قد شارك الأصل في المقتضى وجب أن يشاركه في المقتضي.
قال: وكانت هذه العبارة أولى من حيث أن المقتضِي يوجب المقتضَى ويؤثر فيه، ويدل حصول الأثر على حصول المؤثر ولاكذلك الطريق فإنها ليست بأثر ولا المتطرق إليه بمؤثر ف يجميع المواضع وإنما لاطريق دالة ومعرفة والمتطرق إليه مدلول ومتوصل إلى معرفته.
ولقائل أن يقول: إن الغرض ههنا معرفة كونه تعالى قادراً وذلك يحصل وإن كان الكلام مبنياً على أن صحة الفعل طريق لا حكم مقتضَى.
وقوله: (إنما الطريق دالة ومعرفة) يقال: وهل القصد إلا الاستدلال بها والتوصل إلى معرفة كونه قادراً، وهو قولك الذي نحن بصدده لامعرفة أن صحة الفعل حكم مقتضى عن القادرية ثم أنه إذا حرر الكلام على ما ذكره لم يحتج إلى ذكر أصل وفرع إذ ليس ذلك معدوداً من طرق القياس الرابطة بين الشاهد والغائب التي يحتاج فيها إلى ذكر أركان القياس بل يقال: قد ثبت أن صحة الفعل حكم مقتضى عن القادرية وقد حصل المقتضى في حقه تعالى فيجب أن يحصل المقتضي، وذلك بعد تقديم الاستدلال على أن صحة الفعل مقتضى عن القادرية فإن هذا هو الأصل الذي ينبني عليه استدلاله.
قوله: (إن كان الأول لزم مثله في كل ذات) هذا بناء على ما ذهب إليه مثبتوا الأحوال من أصحابنا، وهو أن ذاته تعالى وسائر الذوات متساوية في أصل الذاتية وإنما تختلف باختلاف الصفات المخصوصة.
فأما أبو الحسين فإنه قد ذهب إلى أن كل موجود مخالف لغيره بحقيقة ذاته وأنه لاش اتراك بين الحقائق إلا في الأسماء اولأحكام ولايريد بقوله: أن ذاته تعالى ذات مخصوصة. أنها مخصوصة بأمر زائد عليها بل مخصوصة بمجرد ذاتيتها بناء على مذهبه.
قوله: (فما معنى كونها مخصوصة).
يقال: معناه عند أبي الحسين أنها مخصوصة بأنها ذات لها حقيقة لاتشاركها غيرها فيها لا غير ذلك مما ذكرته.
قوله: (إ، رجوع لاحالة إلى الجملة ليس هو مجرد الحالة وجنسها).
يعني فلم يلزم كون المختص بها جملة بمجردها فلو قدر حصول هذه الصفة بعينها لغير هذه الجملة لم يستلزم كونها جملة وكذلك حصول ما هو من جنس تلك القادرية ونوعها.
قوله: (لأن الحكم صادر عن للجملة) أراد بالحكم صحة الفعل.
قوله: (وهذا مفقود في حق الباري تعالى) يعني فلا تلزم دلالة صحة الفعل منه على صفة راجعة إلى الجملة لأن صحة الفعل منه لم تصدر عن جملة.
تنبيه
قد علمت دلالة صحة الفعل على القادرية وأنا لانعرفها إلا بوقوع الفعل فإذا تقرر ذلك فالوقوع إنما يدل على أنه كان يصح منه الفعل، وأنه كان قادراً ولايدل على صحة الفعل بعد وقوعه ولاحال وقوعه، وإنما يعلم أن الباري تعالى يصح منه الفعل الآن وأنه قادر في الحال مع أن الفعل الواقع منه لم يدلنا إلا على أنه كان يصح منه الفعل بدلالة أخرى وهي أن كونه قادراً إذا كانت صفة ذاتية أو مقتضاة لم يجز خروجه عنها بحال من الأحوال وثبت أنه قادر الآن وفيما لايزال.
وقد قال أبو هاشم: إذا علمنا بدلالة الأفعال أنه تعالى كان قادراً ثم علمنا استحالة التغير عليه علمنا بالعلم الول أنه تعالى قادر الآن ولانعلم ذلك بعلم ثان.
قال ابن متويه: وهذا بناء على ما نقول في علم الجملة والتفصيل. وهو باطل.
تنبيه آخر
إذا عدّت القادرية من المدلولات المتقدةم لأدلتها وعدت صحة الفعل من الأدلة المتأخرة عن المدلولات فالمراد أن الدال على الدليل الذي هو الصحة وهو الوقوع متأخر لا أنها بنفسها متأخرة فهي مقارنة للقادرية.
فصل
قوله: (وهذه الحالة التي هي القادرية معنوية في الشاهد) أي ثابتة لمعنى.
قوله: (لثبوتها مع الجواز) وذلك لأنها لو ثبتت مع الوجوب لزم استحالة الخروج عنها ومشاركة جميع الجمادات فيها لأن وجوبها إما للذات أو لأمر يرجع إليها ولو كانت للذات أو لما يرجع إليها للزم أن يقدر الواحد منا علىما لانهاية له من المتماثلات ولاوقت والوجه والمحل واحد فيصح ممانعة القديم، ولزم أن يرجع الأجزاء والأفراد فيكون الواحد منا بمنزلة قادرين كثيرين ضم بعضهم إلى بعض.
وقد ذهب النظام إلى أن الإنسان قادر لذاته إلا أن له في الإنسان ما هو تخبيط سياتي ذكره.