قال: ومعلوم أن الشمس أشد حراً من النار ولو قرب أحدنا إليها لأثرت فيه أكثر من تأثير النار ولو بعد أحدنا عن النار لما أثرت فيه كتأثير الشمس فإذا استحال في الشمس أن تكون حية فأولى في سائرها وأما أبو هاشم فقال: لانعلم أنَّها غير حية إلاَّ بالسمع فإنا نعلم ضرورة من الدين أنَّها مسخرة مدبرة غير حية ولا قادرة وأن حركاتها غير اختيارية.
قوله: (ولاستمرار حركاتها على وتيرة واحدة).
يعني مع أنا قد علمنا أن كل حي تصرفه تختلف بحسب اختلاف أغراضه ولا يوجد تصرفه على وتيرة واحدة في اليوم الواحد والليلة الواحدة وإذا كان كذلك علمنا أن استمرار حركات هذه النجوم على وظيفة واحدة على مر الدهور وتوالي الأعوام والشهور هو لأنها مسخرة مدبرة لامتصرفة متخيرة، فأما اختلاف مطالعها ومغاربها في الصيف والشتاء فلا تقدح فيما ذكره المصنف من استمرار حركاتها على وتيرة واحدة فإن ذلك عادة لها مطردة.
قوله: (ولأنها لاتدرك والفعل لايصح إلاَّ من حي). يعني ولو كانت حية لأدركت فإذا لم تدرك عرفنا أنَّها غير حية والفعل لايصح إلاَّ من حي لكنهم لايسلمون أنَّها لاتدرك وبطلان إدراكها ليس بأوضح من بطلان كونها حية.
قوله: (ولأنها إن كانت قديمة لزم قدم العالم). هذا إنَّما يلزم من قال بأنها موجبة منهم فأما من قال بأنها فاعلة مختارة فلا تلزمه.
الكلام في الصفات والأحكام
قوله: (الصفة في اللغة قول الواصف).
لافرق عند أهل اللغة بين الوصف ولاصفة كما لافرق بين الوعد والعدة هكذا قيل وقته نظر فإن بين الوعد والعدة فرقاً يعرفه أهل العربية من حيث أن الوعد مصدر وعد فهو اسم لفعل الواعد وإذا ذكر مع الفعل نحو وعد وعداً أفاد التأكيد فقط والعدة للنوع نحو عدة حسنة وعدة قبيحة.
قوله: (وفي العرف هو الإلزام). قد قيل: أن هذا حقيقته في الشرع.
قوله: (وندب ونحو ذلك) يعني وإباحة وكراهة وصحة وفساد.
واعلم أن حقيقة الحكم على رأي الأصوليين ما استفيد من جهة الشرع أما بنقله عن أصله في العقل وإما بتقريره على حكم العقل على وجه لو صدر منه نقله بدلاً عن إقراره إياه لقبح. فقولهم: ما استفيد من جهة الشرع يخرج الحكام العقلية كالمخالفة والمماثلة ونحو ذلك. وقولهم من جهة الشرع ولم يقولوا من جهة السمع لتشمل الأحكام الشرعية تثبت بسمع من أدلة الشرع أو لا بسمع كالقياس وقولهم أما تنقله عن أصله يعنون كإباحة ذبح البهائم وقولهم أو تقريره على حكم العقل يعنون كتحريم ذبح ما لايؤكل لحمه فإن الشرع في ذلك طابع العقل، وقولهم على وجه لو نقل لصح احتراز مما ورد به الشرع من تحريم الظلم ونحوه فإن هذه لاتكون أحكاماً شرعية لأن الشرع لا يصح أن يرد بخلاف ذلك وأما تحريم ذبح ما لايؤكل لحمه فإنه لو ورد بخلافه لصح.
قوله: (كالمماثلة والمخالفة ونحو ذلك) يعني كالمضادة الحقيقية وتعلق القدرة بالمقدور.
فصل والصفة
قوله: تعلم بين ذات... وبين صفة القادر) فيه نظر والصحيح أن هذا الحكم مما يعلم بين غيرين ذات الفعل وذات القادر فالأولى التمثيل بصحة أن يقدر ويعلم فإنه معلوم بين الحي وبين كونه قادراً عالماً.
فصل والصفة ضربان
قوله: (يستحيل خلافها عند إمكانها).
يعني بذلك أنَّه يستحيل ألا تحصل عند إمكانها وأن صحتها تقترن بوجوبها فلا يجوز تراخي الصحة فيها عن الوجوب فإن الذاتية لما صحت حالة العدم وجبت في تلك الحالة والمقتضاة تنقسم فمنها ما يصح في الأزل فتجب حينئذ كصفاته تعالى المقتضاة عن صفته الذاتية.
ومنها ما لايصح إلاَّ بعد حدوث ما هي صفات له ووجوده وحينئذ تجب كصفات المحدثات المقتضاة عن صفاتها الذاتية فإنها تصح وتجب في حالة واحدة وهي حالة الوجود.
قوله: (أي لاتجب كائنية معينة) يعني لاتجب أن يكون الجوهر في جهة معينة وذلك لأن تحيزه يصحح له كونه في جميع الجهات ولايوجب له كونه في واحدة منها ... إلاَّ الكون ولايستحيل خروجه عن الكائنيات كلها إلاَّ لتضمن التحيز الكون.
تنبيه
نعلم انحصار الصفات في الاوجبة والجائزة بأن نقول: الصفة إما أن يستحيل خلافها عند إمكانها على التعيين أو لا، إن كانت كذلك فهي الواجبة وهي لاتخلو إما أن تجب للذات لاختصاصها بصفة أخرى أو لا إن كانت كذلك فهي المقتضاة وإن لم تكن فهي الذاتية وإن لم يستحل خلافها عند إمكانها على التعيين فهي الجائزة وهي لاتخلو إما أن تثبت لمؤثر علىجهة الإيجاب أو لا، إن كانت كذلك فهي المعنوية وإن لم تكن كذلك فهي الَّتِي بالفاعل.
فصل والأحكام ثلاثة
قوله: (فالمقتضي كأحكام التحيز) أورد رحمه الله للمقتضي من الأحكام مثالين مثالاً للمقتضي عن الصفات المقتضاة وهو أحكام التحيز ومثلها صحة أن يقدر تعالى وصحة أن يعلم وصحة أن يريد فإن هذه أحكام مقتضاة عن صفة له مقتضاة وهي كونه حياً ومثالاً للمقتضي عن الصفات المعنوية وهو صحة أن يريد فإن هذه أحكام مقتضاة عن صفة له مقتضاة وهي كونه حياً.
ومثالاً للمقتضى عن الصفات المعنوية وهو صحة الفعل منا فإنه مقتضى عن كوننا قادرين وأما في حقه تعالى فمقتضى عن صفة مقتضاة.
قوله: (وما شابه هذا من الأحكام) يعني كصحة الأحكام والصحح الصادرة عن كوننا أحياء كصحة كوننا قادرين وصحة كوننا عالمين فهذه أحكام مقتضاة عن صفات معنوية يستدل بها على مقتضاها وللأحكام المقتضاة مثالان آخران لم ينص عليهما فمثال للمقتضاة عن الصفات الذاتية كالمخالفة والمماثلة والصحح الصادرة عن صفته تعالى الذاتية، ومثال للمقتضاة عن الأحكام الَّتِي بالفاعل نحو القبح في الكذب فإنه حكم مقتضى عن حكم بالفاعل وهو كون الكلام كذباً ونحو ذلك.
قوله: (والمعنوي كسكون النفس) هذا حكم معنوي صادر عن معنى يوجب للجملة وهو العلم، فأما الأحكام الصادرة عن المعاني الَّتِي هي تختص المحل فكالمرافعة وصعوبة التفكيك وانغماز المحل ونبوه وإن كان يرد على شيء منها إشكالات ليس هذا موضع ذكرها.
واعلم أن حصر الأحكام هو بأن نقول الأحكام لاتخلو إما أن تكون واجبة أو لا إن كانت واجبة فهي لاتخلو إما أن يكون وجوبها عقيب استحالة أو لا، إن كان وجوبها عقيب استحالة فهي لاتخلو إما أن تكون واقفة على شرط متجدد أو لا إن كانت واقفة على شرط متجدد فهي الأحكام المقتضاة عن صفات المحدثات الذاتية بشرط الوجود كصحة التحيز مثلاً ووجوبه وإن لم تكن كذلك فهي الأحكام الواقفة على مقتض متجدد وهي لاتخلو إما أن يكون مقتضيها واجباً أو لا إن كان مقتضيها واجباً فهي الأحكام المقتضاة عن صفات المحدثات المقتضاة كأحكام التحيز والأحكام الصادرة عن صفات المعاني المقتضاة كالتعليقات والإيجابات وإن لم يكن مقتضيها واجباً فهي لاتخلو إما أن تكون مقتضاة عن مقتض حاصل على سبيل الجواز والحال واحدة والشرط واحد، أو لا، إن كان الول فهي الأحكام المقتضاة عن الصفات المعنوية كصحة الفعل منا وصحة الأحكام وإن لم تكن كذلك فهي الأحكام الصادرة عن الأحكام الَّتِي بالفاعل وإن لم تكن وجوب الحكام عقيب الاستحالة فهي لاتخلو إما أن تكون مقتضاة عن صفة ذاتية من غير شرط أو لا إن كان الول فهي المماثلة والمخالفة وصحة كون الشيء معلوماً وإن لم تكن كذلك فهي الأحكام المقتضاة عن صفته تعالى، المقتضاة نحو صحة الفعل وصحة الأحكام وإن لم تكن الأحكام واجبة فهي جائزة وهي لاتخلو إما أن يكون المؤثر فيها مؤثراً على سبيل الصحة والاختيار أو لا، إن كان الول فهي الأحكام الَّتِي بالفاعل ككون الكلام أمراً وخبراً، وإن لم تكن كذلك فهي الأحكام المعنوية كسكون النفس وانغماز المحل ونحوهما.
قوله: (أما أن يصح العلم بأحدهما دون الآخر وهذا يبطل كون المصحح لكونه معلوماً). إنَّما كان ذلك مبطلاً لما ذكره لأن الذات لاتعلم إلاَّ على المزية الَّتِي أوجبت صحة كونها معلومة فإذا علم أحد الغيرين اللذين اقتضى الحكم كون كل واحد منهما معلوماً دون الاخر فالعلم بذاته تستلزم العلم به على ذلك الحكم ألا ترى أنا إذا علمنا الجوهر علمنا كونه جوهراً وإذا علمنا السواد علمنا كونه سواداً لكون الجوهرية والسوادية هما الموجبتين لصحة كون الجوهر والسواد معلومين فإذا علم إحدى الذاتين اللتين يعلم الحكم الذاتي بينهما دون الخرى تضمن ذلك العلم بالحكم فيكون الحكم قد علم من دون غير ولاما يجري مجراه وذلك يبطل كونه حكماً كما ذكره المصنف.
قوله: (وما عدا ذلك من الذاتيات تابع له) يعني بالحكم هو الأصل في إيجاب صحة كون الذاتين معلومتين وإذا كان للذاتين صفات ذاتية غير الحكم الذاتي فهي تبع للحكم في إيجاب صحة كونهما معلومتين فلا يقال أن الذاتين وإن تلازم العلم بهما لأن المصحح لكونهما معلومين حكم واحد فإن ذلك لايقتضي أن يكونا معلوماً واحداً ولايبطل غيريهما لأن لكل واحدة منهما صفة ذاتية هي الأصل في تصحيح كونها معلومة وفي المخلافة والمماثلة كما ذكره المصنف من بعد في الاعتراض.
قوله: (ولقائل أن يقول أن الحكم إنَّما يكون ذاتيا لذات واحدة لا للذاتين) فيه نظر لأن الحكم إذا لم يعلم إلاَّ بين ذاتين لم يصح جعله ذاتياً لأحدهما دون الأخرى فليس بأن يجعل ذاتياًلهذه أولى من هذه وإنَّما يتأتى هذا إذا كان معلوماً بين غير وما يجري مجراه فإنه بأن يكون ذاتياً للذات أولى.
قوله: (وبالجملة فبينهما تلازم يرجع إلى ماهية الحكم أو دلالته) أي بين العلمين بالذاتين اللتين يثبت الحكم لهما تلازم لأمر يرجع إلى أن من حق الحكم ألا يعلم إلاَّ بين غيرين أو لأمر يرجع إلى أن الحكم إذا علم دل عليهما.
قوله: (يوضحه أن العلم بالمتحيز يلازم العلم بالكون على الجملة).
يعني فلو علمنا صادق مثلاً بوجود متحيز فإنا نعلم وجود كون فيه ونعلم حصوله لذلك المتحيز على سبيل الجملة لا أنا نعلم حصول كون له معين في جهة معينة إلاَّ أن للشيخ الحسن أن يقول: قد يصح العلم بالمتحيز من دون العلم بالكون ولهذا فإن نفاة المعاني إذا علموا متحيزاً لم يحصل لهم علم بالكون فلم يلزم من تلازم العلم بهما في موضع كونهما ليسا بغيرين بخلاف الذاتين اللتين أوجب صحة كونهما معلومتين حكم واحد فإنهما لايعلمان إلاَّ معاً ولايحصل العلم بأحدهما من دون العلم بالخرى إذ الحكم لايعلم إلاَّ بينهما وذلك يخرجهما عن كونهما معلومتين وغيرين كما تقدم ونحو هذا الفرق صح في المتضايفين بل هو أوضح فيهما فإنه يصح العلم بالأب وجده والعلم بالابن وجده وكذلك المالك والمملوك والوديعة والمودع.
قوله: (فلم يدل تلازم العلم بالذات والعلم بصفتها على أنهما معلوم واجب).
يقال: إن ههنا وجهاً في تلازم هذين العلمين غير كونهما معلوماً واحداً وهو أن الذات لاتعلم إلاَّ على الصفة الَّتِي صححت معلوميتها والصفة لاتعلم إلاَّ على الذات بخلاف الذاتين إذا لم يعلما إلاَّ معاً فإن ذلك يقتضي كونهما معلوماً واحداً إذ لاموجب غير ذلك لتلازم العلم بهما.
قوله: (بل لكل واحد من الغيرين ذاتية في حكم المغايرة لذات أخرى) أي صفة ذاتية في حكم المغايرة لصفة الآخر الذاتية وإنَّما جعلها في حكم المغايرة لن المغايرة الحقيقية لاتثبت إلاَّ بين الذوات والمعنى أن الصفتين لو كانتا ذاتين لكانتا متغيرتين.
قوله: (ولهذا لو لم يخلق الله إلاَّ ذاتاً واحدة لصح العلم بها وإن لم يوجد هذا الحكم المذكور) يعني فدل هذا على أن الصفة هي الأصل من حيث أنَّه تعالى إذا خلق ذاتاً واحدة فقط فالحكم لايثبت لها إذ لو ثبت لها لكان قد علم لا بين غيرين ومع ذلك فقد صح كون تلك الذات معلومة وأيضاً فإنه لايصح أن يحصل لها الحكم من دون صفة فتعلم عليه ولايحتاج في العلم بها إلى الصفة فكانت الصفة أقوى في إيجاب هذا الحكم الذي هو صحة كون الذات معلومة من الحكم الذاتي ويكون الحكم تابعاً للصفة لا أنَّها تابعة له كما أشار إليه الشيخ الحسن.
قوله: (كما أن التحيز أخص من صحة كون للجوهر معلوماً قاس الصفة والحكم الذاتيتين على الصفة والحكم المقتضيتين والمعنى أنا لو قدرنا ثبوت حكم ذاتي لكانت الصفة الذاتية أخص منه ومعنى أخص بها أناه الأصل في تصحيح معلومية الذات فإنها مقصورة على الذات والحكم معلوم بينها وبين غيرها من الذوات فهي أخص من الحكم كما أن التحيز الذي هو صفة مقتضاة للجوهر عن الجوهرية أخص بالجوهر من صحة كونه معلوماً مع أنَّه ثابت له ومقتضى عن الجوهرية ودليل أن التحيز أخص أنَّه لايثبت إلاَّ للجوهر وصحة المعلومية تشاركه فيها كل ذات.
قوله: (في الوجه الثاني لأن من حق الاختلاف ألا يختص أحدهما بما اختص به الاخر ولابما يماثله). يعني وههنا قد اختص أحدهما بما اختص به الآخر وهو هذا الحكم الذاتي الثابت لهما فلم يكونا مختلفين.
قوله: (خرجا عن كونهما مثلين أو مختلفين وهو محال) إنَّما كان خروج الذاتين عن كونهما مثلين ومختلفين محالاً لأن كل ذات لابد أن تختص بصفة ذاتية فالذات إذا اختصت بصفة ذاتية فإما أن تكون مشاركة للأخرى في ذاتيتها فهما متماثلتان أو غير مشاركة لها فهما مختلفتان ولاقسم ثالث.
قوله: (فلا يقتضي هذا الحكم تماثلاً ولا اختلافاً). فيه نظر لأنه لم يقتض تماثلاً أو اختلافاً فليس بذاتي إذ اقتضاء التماثل والاختلاف خاصة ما يثبت للذات فأي صفة أو حكم يقتضهما فليس بذاتي.
قوله: (فلا يستقيم قوله أن الذي ثبت لإحدى الذاتين هو الذي ثبت للأخرى) يعني فإنه لم يثبت إلا لذات واحدة فأما الأخرى فإنما اعتبرت في العلم به لا أنه ثابت لها على حد ثبوته للأخرى.
قوله: (فالإشكال أظهر) يعني لأن الصفة لاتعلم على انفرادها ولاتثبت فيها مخالفة ولامماثلة فلا يحال حينئذ عدم اقتضاء الحكم للتماثل والاختلاف وقد اعترض الوجه الثاني بوجه آخر غير ما أورده المصنف وهو أن قيل إنك قد اشترطت في المخالفة ألا تثبت لإحدى الذاتين ما يثبت للأخرى ولا ما تماثله فهلا اعتبرت في المماثلة أن تثبت لإحدى الذاتين ما تثبت للأخرى أو ما يماثله لأن المماثلة نقيض المخالفة وإذا كان كذلك لم يلزم ما ذكرته من ألا يكونا مثلين ولامختلفيت بل يكونان مثلين لأنه قد ثبت لأحدهما ماثبت للآخر إلا أن للشيخ الحسن أن يقول إني اعتبرت في المخالفة ألا تثبت لإحدى الذاتين ما ثبت للأخرى لامن حيث أن ثبوته للأخرى نقيض المماثلة أو أن ذلك شرط في المخالفة بين الغيرين فيشترط في المماثلة عكسه بل لأنه إذا ثبت لأحدهما ما ثبت للأخرى اقتضى كونهما معلوماً واحداً وأخرجهما عن كونهما معلومين ومع كونهما معلوماً واحداً لا مخالفة وفيه رجوع إلى الوجه الأول.
تنبيه
اعلم أن إبطال الشيخ الحسن للحكم الذاتي ليس مصروفاً إلى حكم معين وإنما هو كلام على أنه لايصح أن يكون في الأحكام ذاتي ومنع من صحة ذلك وإن كان لانزاع في حكم معين ولا قائل بأن شيئاً من الأحكام ذاتي والمصنف لم يقصد باعتراضه لاستدلال الشيخ بصحيح كون حكم معين ذاتياً فإنه لاشيء من الأحكام يشتبه الحال في كونه ذاتياً إلا أن يقال صحة الصفة الذاتية أو وجوبها، وقد قال الشيخ الحسن ما معناه: إن صحة الصفة الذاتية وجوبها كالكيفيتين لها إذ لايعقلان ولايثبتان من دونها بل يثبتان معاً لها ولايكون لها ثبوت ولا حكم بانفرادهما فهما كالصفة مع الذات فكما أن الصفة لايحكم لها بما يحكم به للذات من الوجود وكيفيته فكذلك حكم الصفة معها لاحكم له بما يحكم به لها ولايلزم من ثبوت كيفية لها ثبوت كيفية له فلا يكون حكم الصفة ذاتياً إذا كانت ذاتية.
فصل
قوله: (قد عرفت بما سلف أن الصفات أربع). يعني في الفصل الذي قسم فيه الصفات إلى واجبة وجائزة والواجبة إلى ذاتية ومقتضاة والجائزة إلى معنوية وبالفاعل فإنه يعرف منه أن الصفات أربع ذاتية ومقتضاة ومعنوية وبالفاعل.
قوله: (وأن الذوات ثلاثة) هذا عرف مما سلف متقداً من تقسيم الذوات.
قوله: (كالهيئة مثلاً) هذا مثل للصفة المقتضاة عن الذات الثابتة للأعراض على سبيل الجملة والهيئة صفة اللون المقتضاة التي بها يتضاد الألوان فيما بينها ولأجلها يصح إدراكها ولم يقصد بها اللتي يثبت لأجلها التعلق والإيجاب فإن الألوان لا توجب ولاتتعلق وإنما توجب لمن اختصت به التعلق والإيجاب والتضاد من صفات الأعراض صفة العلم المقتضاة ونحوه ولا صفة مقتضاة من صفات أجناس الأعراض تقتضي صحة الإدراك والتضاد والتعلق مقابل ما اقتضى مناه التعلق والإيجاب لم يقتض صحة الإدراك، وما اقتضى صحة الإدراك لم يقتض التعلق والإيجاب.
تنبيه