قال الشيخ ابن متويه: يمكن الفرق بين كونه مريداً وكونه عالماً فيجعل التأثير في وقوع الإعال على الوجوه المختلفة لكونه مريداً أو القادرية شرط وأما العالمية فشرط في تأثير القادرية في الأحكام وقد يقال أن التأثير للعالمية في الأحكام كالمريدية ولعل وجه فصل ابن متويه بينهما أن تأثير كونه مريداً على سبيل الإيجاب وكونه عالماً على سبيل التصحيح ومع إيجاب المريدية لايصح كونها شرطاً إذ الشرط غير موجب وإن كان مصححاً.
قوله: (تحقيقاً أو تقديراص) التحقيق في فعل العالم المميز لفعله فإنه لايصدر منه الفعل مع علمه به وسلامة الأحوال إلاَّ بقصده وداعيه وكذلك لاينتفي إلاَّ بحسب صارفة وكراهته والمراد بالانتفاء ههنا عدم الإيجاد لها وإن كان لايكاد يستعمل إلاَّ في عدم الباقي بعد وجوده والتقدير في فعل الساهي والنائم فإنا لو قدرنا أن لهما ضداً وداعياً لما وجد فعلهما إلاَّ بحسب قصدهما وداعيهما وإن كان مذهب أبي الحسين ومتبعيه أن لهما داعياً محققاً بناء على أن الفعل لايوجد من دون داع وأن الداعي شرط في وجوده.
قوله: (مع سلامة الحال) يعني سلامة الداعي من صارف يقابله أو يزيد عليه ومن حصول مانع أو ما يجريم جراه وسلامة الصارف من حصول داع يقابله أو يزيد عليه ومن إلجاء ملج.
قوله: (حدوثها أو حدوثها على وجه). يعني فحدوثها يقف على كوننا قادرين وحدوثها على وجوه مختلفة أو على وجه الإحكام يقف على كوننا مريدين عالمين.
قوله: (ولأنه كان يلزم إذا مات الكاتب والباني أن تزول الكتابة والبناء).
فيه سؤال وهو أن يقال: إن موتهما لايقتضي عدمهما بل هما باقيان فلا يلزم عدم ما يحتاج إليهما في وجوده إذ لم يزل وجودهما.
والجواب: أن حاجة الباقي لو تثبت وكذلك الحاجة في الحدوث على ما نقوله إنَّما تثبت لكون المحتاج إليه على تلك الأحوال إذ لو كان جماداً لما احتاج شيء من الأفعال إليه وحال موت المحتاج إليه قد خرج عما يحتاج الباقي إليه لأجله لو كان محتاجاً وهو كونه قادراً وغيره من صفاته فلزم عدمه.
قوله: (أو لأجل حدوثها وهو المطلوب).
يقال: ليس إبطال أن يحتاج إلينا لعدمها ولبقائها مع ثبوت احتياجها إلينا في حدوثها يكفي في الدلالة على أن العلة في الحاجة هي الحدوث فينبغي أن يقال فإذا ثبت احتياجها إلينا في حدوثها لا في غيره ولا علة للحاجة إلاَّ الحدوث لدوران الاحتياج معه ثبوتاً وانتفاء.
قوله: (قلنا أنَّها علة كاشفة إلى آخره).
قد أجيب عن هذا السؤال بجواب آخر وهو أن العلة في الحقيقة كون هذا الشيء مما إذا وجد كان محدثاً وذلك سابق على الحدوث ومقارن لحاله احتايجه إلى المحدث فلا يلزم كون العلة في الاحتياج متأخرة عنه.
قوله: (فإن قال هلا كانت العلة في الاحتياج هو الحدوث مع الجواز).
قد أجيب عنه بأه وإن كان حدوثها مع الجواز هو العلة في الحاجة ولولا الجواز لما كان الحدوث علة في الاحتياج لكن لايجعل الجواز جزءاً من العلة وإن كان معتبراً على وجه الشرط كما أنا عند العلم بالمتحركية نعلم الحركة وإن لم نعلم حصول المتحركية على سبيل الجواب مع أنَّه هو الدليل الموصل إلى العلم بالحركة والفرق بين هذا الجواب وجواب المصنف أن في هذا تسليم أن ذلك من تمام وجه الحاجة والمصنف أنكر ذلك.
قوله: (لمشابهتها العلة الحقيقية).
اعلم أولاً أن العلة في اللغة تطلق على أمور علة بمعنى السقم ولامرض ومنه فلان عليل وفلان به علة، وعلة بمعنى العذر ومنه ما علة فلان في كذا وبما يعتل أي ما عذره وبما يعتذر.
وعلة بمعنى الحال وعليه قول زهير:
إن البخيل ملوم حيث كان ... ولكن الجواد على علاته هرم
أي في سائر حالاته من شدة ورخاء، وأما في الاصطلاح فالعلة الحقيقية حقيقتها: كل ذات أوجبت لغيرها صفة أو حكماً زائدين على الموجود وهي تنقسم:
فمنها ما يوجب صفة وحكماً وهو العلم.
ومنها ما يوجب صفة فقط وهو سائر المعاني الراجعة إلى الجملة والأكوان مما يرجع إلى المحل.
ومنها ما يوجب حكماً فقط وهي الرطوبة واليبوسة والتأليف والاعتماد فأما العلة المقصودة هنا المشبهة بالعلة الحقيقية فحقيقتها الَّتِي تعلق بها أمراً جزء إثباتاً أو نفياً مع كونها ليست بمعنى موجب للمعلق به ومما يتجوزون بإطلاق لفظ العلة عليه السبب كقولهم الافتراق علة في الألم والمقتضي. يقال: الجوهرية علة في التحيز والداعي. يقال: فعل فلان كذا لعلة أي لغرض وداعي، والشرط يقال: زال السواد عن المحل لعلة ويعنون بها البياض وطروه شرط في نفيه لا علة والحلول يقال: حلول السواد علة في تسمية المحل أسود.
واعلم أن الفرق بين العلة الحقيقية والعلة الكاشفة المشبهة بها من وجوه:
الأول: أن العلة الحقيقية تؤثر في معلولها بخلاف الكاشفة.
والثاني: أن المؤثرة من حقها أن تكون أمراً ثابتاً مؤثراً في أمر ثابت بخلاف الكاشفة فقد تكون كذلك كما فيم سألتنا وقد تكون نفياً في نفي كعدم الإرادة فإنه علة في زوال تعلقها وقد تكون إثباتاً في نفي كجعل العلم يقبح القبيح والعلم بالاستغناء عنه علة في ألا يفعله وقد يكون نفياً في إثبات كتعليل كون الضرر ظلماً بكونه لايقع فيه ولادفع ضرر ولا استحقاق.
والثالث: أن المؤثرة لاتكون إلاَّ ذاتاً واحدة تعلق بها حكم أو صفة بخلاف الكاشفة فقد تكون أموراً كثيرة تعلق بها أمر واحد وقد تكون أمراً واحداً تعلق بها أمور كثيرة.
والرابع: أن المؤثرة يجب مقارنتها بخلاف الكاشفة فلا يجب فيها ذلك بل يجوز تقدمها وتأخرها وإنَّما شبهت بالمؤثرة لما ذكره المصنف من حصول الحكم عندها لامحالة وهذا من خصائص المؤثرة.
قوله: (وإن حصل الشبه المتقدم).
يعني من حصول الحكم عندها لامحالة.
قوله: (لئلا يوهم أن صحة الفعل هي المؤثرة في كونه قادراص) يقال: فقد حصل الإيهام في الأولى فهلا امتنعت من تسميتها علة.
والجواب أن الإيهام وإن حصل فيها فهي على ما يتوهم فإن وجوب الحاجة إلى محدث هو لأجل الحدوث ويجب حصول الحاجة لأجله كما يجب عند العلة حصول المعلول فإنه لولا الحدوث لما احتاجت أفعالنا إلينا كما أنَّه لولا العلة لما حصل المعلول بخلاف طلايقة الحكم فلم يحصل فيها خاصته العلة لأنها غير موجبة لكون القادر قادراً بل المر بالعكس كما أشار إليه المصنف وحصل فيها خاصته الطريق لأنها توصل إلى كونه قادراً ويدل عليه فسميت طريقة الحكم وكونه قادراً وإن كان صفة فهو حكم بالمعنى الأعم.
قوله: (وإنما لم تسم علة لمثل ما تقدم) يعني من عدم حصول خاصة العلة فيها من التأثير فإن الأمر بالعكس .
قوله: (ولا سميت طريقة ) إلى آخره. إنَّما كان ذلك مانعاً من تسميتها طريقة لأن به نعرف عدم حصول خاصة الطريق فيها من الاتصال إلى المتطرق إليه في كل حال.
قوله: (لعارض من العوارض) يعني من إكراه أو يوصل إلى نفع أو دفع ضرر أو نحو ذلك فمع عدم الحكمة لايؤمن ذلك ومع حصولها يقع الأمان عنه لأنها تمنع من التلبيس والتغرير.
فإن قيل: إذا لم تشبه العلة ولا الطريقة فلم سميت بما يجري مجرى العلة ولم تسم بما يجري مجرى الطريقة؟
قلنا: أماتسميتها بما يجري مجرى العلة فلحصول شبه أوجب ذلك وهو أن عند وقوع أفعاله تعالى على الوجوه المختلفة يجب ثبوت كونه تعالى مريداً وكذلك من ثبتت عصمته كما يجب عند حصول العلة حصول المعلول ويتوقف ثبوت كونه تعالى مريداً عندنا على ذلك كما يتوقف ثبوت العلة على المعلول، وأما المانع من تسميتها بما يجري مجرى الطريقة فذكر بعضهم أن المانع من ذلك أن الطريق إلى الأمر قد تكون ثابتة ولايتوصل بها أحد إلى المتطرق إليه لعدم الداعي إلى ذلك في كل متطرق إليه ولاكذلك وقوع الفعل على أحد الوجوه المختلفة فإنه يثبت أنَّه تعالى مريد وفي حق المعصوم. انتهى بلفظه، وليس بالواضح.
إذا عرفت هذا فاعلم أن هذه العلل الأربع قد اشتركت في أنَّها علل غير موجبة لما علق بها وأنها كاشفة عما علق بها وقاضية به ويتجوز في الثلث الآخر بما ذكره من تسميتها بعلة الحكم وقد شملها جميعاً الحقيقة الَّتِي ذكرناها للعلة الكاشفة.
تنبيه
اعلم أن الأدلة على صحة هذا الركن الثاني وهو أن المحدث لابد له من محدث كثيرة إن لم تكن معلوماً ضرورة على ما قاله الشيخ أبو القاسم. قيل: ومن أقوى الأدلة ما ذكره بعض مشائخ المعتزلة وبعض الشاعرة وتحريره أن يقال: قد ثبت أن العالم حدث مع الجواز فلا بد من مؤثر فيه إذ لو لم يكن مؤثر لم يكن بأن يحدث أولى من أن لايحدث كطريقتنا في إثبات العراض إما أنَّه حدث مع الجواز فلأنه لو حدث مع الوجوب لم يكن بأن يحدث في وقت أولى من وقت إذ لامخصص فيلزم من ذلك قدمه وقد تقرر حدوثه ولنه لو حدث مع الوجوب لزم أن يكون من جنس واحد فلا يكون مختلف الجناس والصفات ومعلوم اختلافه فإن بعضه جماد وبعضه حيوان والجماد بعضه أرض وبعضه سماء وبعضه جبال والحيوان بعضه فرس وبعضه إنسان ونحو ذلك من الاختلاف فثبت أنَّه حدث مع الجواز ومع حدوثه مع الجواز يعلم أنَّه لابد من مؤثر بأدنى تأمل وإلاَّ لم يكن بالوجود أحق منه باستمرار العدم ثُمَّ لايجوز في المؤثر فيه أن يكون تعالى حياً قديماً أو بتعدد ما لاستلزام قدمه ولامحدثاً إذ الكلام فيه كالكلام في العالم فلم يبق إلاَّ أن المؤثر فيه فاعل مختار على ما سيأتي تلخيصه.
فصل: وأما الركن الثالث وهو أن محدثها لس إلاَّ الفاعل المختار جل وعز
قوله: (لاستحالة تأخر المعلول عن العلة).
يقال: ليس هذا من قبيل العلة والمعلول لأن العلة ذات تؤثر في صفة أو حكم والمؤثر فيه ههنا ذوات فهو بالسبب أشبه والسبب يجوز تراخي أثره ومسببه عنه وقد أشار الفقيه قاسم إلى أن ذلك بالعلل أشبه لأن الأسباب ليس لها تأثير حقيقي إنَّما التأثير فيها للفاعل.
قوله: (لأن ليس بعضها يوجب كون الماء ماء إلى آخره). يعني ليس بعض الموجبات.
وفيه سؤال وهو أن يقال: إنَّما فرضت الكلام في موجب واحد فلم عدلت إلى الكلام على موجبات كثيرة.
والجواب: أن هذا منه رحمه الله التفات إلى مذهب القائلين بالمؤثر الموجب لنهم يجعلونها موجبات كثيرة فالطبائيعية والمطرفية يجعلون التأثير للأصول الربعة والفلاسفة للعقول والأفلاك والباطنية للسابق والتالي ومع فرض أنَّه موجب واحد يكون الكلام أظهر فإنه ليس بأن يوجب كون بعض هذه الأشياء على صفة أولى من العكس.
قوله: (وكذلك الكلام في فقد الشرط) يعني أن الكلام فيه كالكلام في ثبوت المانع لكن ما قيل هناك في ثبوت المانع قيل هنا في فقد الشرط، وجعل فقد الشرط مكانه وجعل الجواز في فقد الشرط بدل الحدوث في المانع.
قوله: (فيقال لهم أي شيء العقول والنفوس).
اعلم أن الفلاسفة يقسمون جائز الوجود إلى جوهر وعرض ويجعلون الجوهر أربعة أنواع فنوع لايكون إلاَّ حالاً وهو الصورة وهو يشمل الصورتين وهما نوع واحد عندهم ونوع لايكون إلامحلاً وهو الهيولى وذلك لأن كل جسم عندهم مركب من ثلاثة جواهر: حل اثنان منهام في الثالث يسمى أحد الحالين صورة جسمية وهي الَّتِي بها صار الجسم متحيزاً والاخر صورة نوعية وهيا لتي بها صار الجسم مختصاً بجهة دون جهة ويسمون المحل هيولى وهو مادة الجسم وأصله وهو قابل للاتصال والانفصال ولحلول الصورتين فيه فالصورتان عندهم نوع والهيولى نوع، والنوعان الثالث والرابع لايكونان حالين ولامحلين فأحدهما له اشتغال بالتدبير والتصرف وهو النفس والآخر ليس كذلك وهو العقل ويريدون بالنفس النفس الناطقة الَّتِي هي ثابتة عندهم للأفلاك وللإنسان والنفس والعقل عندهم لايكونان إلاَّ بسيطين دائماً والجسام إنَّما تتركب من الهيولى والصورة وأما العرض عندهم فهو تسعة أجناس ويسمونها مقولات وهي الكم والكيف والين ومتى والإضافة والملك والوضع والفعل والانفعال فقد بانن بذكر هذه الخرافات مرادهم بالنفس والعقل.
قوله: (وتقريب من هذا يبطل قول الباطنية). يعني لأن مذاهبهم تضاهي مذاهب الفلاسفة لإثباتهم علة قديمة صدر عنها سابق وعن السابق تالي وعن التالي نفس كلية كما أن الفلاسفة أثبتت علة قديمة وصدور عقل عنها فالكلام متقارب وإن اختلفت العبارات.
قوله: (وأما الطبائعية فيبطل قولهم أن الطبع غير معقول).
اعلم أن هذا الوجه يشمل إبطال قول كل قائل بالطبع على اختلاف كلامهم وظاهر كلام أصحابنا أن الطبائعية فرقة واحدة ويحكون عنهم القول بالطبع جملة، وقال الإمام يحيى: زعموا أن الأجسام قديمة وأنها متحركة لذواتها ثُمَّ اتفق في حركاتها أنَّها تصادمت فحصل منها هذا العالم وقالوا: بأن حصول الألوان والأشكال تابع لامتزاج العناصر الأربعة النار والهوى والأرض والماء، وذكر بعض أصحابنا أن الطبائيعية ليست فرقة واحدة بل هم فرقة كثيرة فكل من أثبت الطبع فهو طبائعي فمنهم من جعل العالم صادراً بطبع العلة القديمة وهم بعض الفلاسفة والباطنية والعالم عندهم قديم و.... حادثاً لوجوده من جهة غيره ومنهم من يجعله صادراً بطبع الإلاك وهم المنجمة ومنهم من يجعل الحوادث اليومية كالنبات والمولودات والحياة والموت والآلام حادثة بالطبائع الحاصلة في الأجسام ولاتأثير للقديم فيها أصلاً وهم المطرفية والفرق بينهم وبين من تقدم ذكره أنهم يقرون بحدوث العالم وثبوت الصانع المختار بخلاف من ذكر أولاً من الطبائعية ولهذا قيل المطرفية أسوأ حالاً من الطبائعية الجاحدين للصانع المختار لأنهم اعترفوا بالصانع ثُمَّ أضافوا التأثير إلى غيره والطبائعية لما نفوا الصانع لم يكن لهم بد من إضافة ذلك إلى أمر ما ومن الوجوه الفارقة بينهم أن المطرفية يقولون: الأجسام والأعراض حدثت بالفطرة والتركيب وأن الله تعالى هو الذي فطرها وركبها على أن يكون طبعها وعادتها الكون على ما كانت عليه والطبائعية يضيفون المور كلها إلى الطبع وقد قيل للمطرفية أن الطبع إذا كان موجباً عندكم
فالموجب لايتراخى عن موجبه فالمخلوقات مترتبة في الوجوب شيئاً بعد شيء فكيف تكون حادثة بالطبع ثُمَّ أن الطبع إن كان عندكم قديماً فهو باطل لنه تابع لوجود الجسام وقد ثبت حدوثها وما تفرع على المحدث فهو أولى بالحدوث وإن كان محدثاً، وأما أن يكون محدثه طبعاً فيلزم التسلسل أو فاعلاً مختاراً فيجب أن يقضى بأنه المؤثر في الأجسام والعالم كله فلا تثبت طريق إلى إثبات واسطة.
واعلم أن من المعتزلة من أثبت الطبع وقال به وهم الذين زعموا أن المتولدات حادثة بطبع المحل كما سيأتي، القائلون بأن تركيب الإنسان وغيره من التراكيب الحادثة حاصلة من تركيب الطبائع الأربع مع أن الله قادر على أن يبتدئ الخلقة من غير تركيب وهذا قول الشيخ أبي القاسم البلخي وقد قيل أن الأصل في مقالة المطرفية لأن مطرف بن شهاب قال به أولاً ثُمَّ لم تزل مقالته ومقالة متابعيه من بعده تزداد حتَّى أفضت إلى الأمور الشنيعة في أكثر المسائل.
فإن قيل: قولكم الطبع غير معقول يفيد أنَّه لفظ لامعنى له ومعلوم أنَّه موجود في كلام العرب فيقولون طبع الماء البرودة وطبع النار الحرارة ونحو ذلك كقولهم طبع فلان كذا وطبع فلان كذا وذلك يقضي بأن له معنى.
قلنا: إن الطبع الذي جعلناه غير معقول ولامعنى له وهو ما ينسب إليه التأثير فإن من حق ما ينسب إليه التأثير أن يكون أمراً متميزاً موجوداً فأما الطبع الذي أثبته أهل اللغة فهو وإن كان معقولاً فليس بأمر وجودي بل أمرا عتباري ومعناه العادة والسجية فمرادهم بقولهم طبع فلان كذا أي عادته وسجيته وكذلك فمرادهم بقولهم طبع النار الحرارة أي عاتها أنَّها تكون حارة فإن الأجسام وإن كانت متماثلة فقد أجرى الله العادة بأن يخلق في بعضها الحرارة وفي بعضها البرودة ونحو ذلك وقد تأول كلام أبي القاسم على أن هذا مراده حيث قال بتركيب الحوادث اليومية من طبائع الأجسام وكذلك كلام الجاحظ ومن معه حيث قالوا أن المتولدات حادثة بطبع المحل كما سيأتي.
قوله: (القسمة الأولى بعينها).
يعني في أول الفصل حيث قال لأن ذلك الموجب إن كان محدثاً إلى آخره.
قوله: (وأما أصحاب النجوم).
اعلم أن أصحاب النجوم القائلين بتأثيرها فرقة من الفلاسفة وغيرهم كما تقدم والذي ذهب إليه المسلمون أنَّها جمادات يسخرها الله بأمره ويدبر حركاتها بمشيئته خلقها تعالى حكمه منه لمنافع عبيده ولما فيها من الألطاف لهم فمن منافعها ما ذكره تعالى في القرآن الكريم من كونها زينة للسماء ورجوماً للشياطين المسترقين للسمع وعلامات يهتدى بها.
قوله: (فيبطل قولهم أنَّها غير حية) أي قول من جعلها فاعلة مختارة لن الفاعل المختار لابد أن يكون حياً قادراً فأما قول من جعلها موجبة بالطبع فقد تقدم إبطاله بأنه غير معقول وكفى بالمذهب فساداً ألا يعقل.
واعلم أن كلام المصنف موافق لكلام أبي علي فإنه ذهب إلى أنا نعلم أنَّها غير حية بالعقل فإنا قد علمنا أن الحياة تحتاج إلى رطوبة وهي غير حاصلة فيها لحرارتها كما لايحصل في النار.