قوله: (والحوادث اليومية كيفية). المعارضة لهم بها أن يقال قد ثبت أن الذي أثر في هذه الحوادث اليومية كالنبات والثمار وما شاكلها سواء كان موجباً أو مختاراً قد حصل مؤثراً بعد أن لم يكن فلا بد من أمر وذلك المر محدث فالكلام فيه كالكلام فيها وإن شئت جعلت كيفية المعارضة أن يقال قد ثبت أن هذه الحوادث اليومية محدثة بالاتفاق ففاعلها قد حصل فاعلاً بعد أن لم يكن فلا بد من أمر كما ذكروه في الشبهة.
قوله: (على أنا نقول ذلك الأمر هو كونه قادراً والداعي). يقال: إن كونه قادراصوالداعي قد حصلا في الأزل وحصوله فاعلاً بعد أن لم يكن يقتضي تجدد أمر له إذ لو لم يكن إلاَّ ما هو حاصل في الأزل لوجب أن يحصل التأثير في الأزل.
والجواب أنَّه وإن كان كذلك فالمؤثر على موجب لأجلهما وهما غير موجبين بل مؤثران على طريق الصحة فلا يلزم ذلك فإن قيل: فقد حصل مؤثراً لأجلهما بعد أن لم يكن مؤثراً لأجلهما فلا بد من أمر.
قلنا: ليس كونه مؤثراً مما يعلل إذ ليس له بكونه مؤثراً حال.
قوله: (وكلاهما غير محدث في حق صانع العالم) يعني بل هما صفتان ثابتتان في الأزل أما القادرية فذلك ظاهر فيها وأما الداعي فلأنه من قبيل عالميته تعالى.
قوله: (قلنا يجوز أن يكون هذا الحكم مما يعلل). أراد بالحكم الاستحالة وإنَّما لم يجب تعليلها لما ذكره من كونها نفياً والتعليل بالمؤثرات وما يجري مجراها لايكون إلاَّ للأمور الثابتة وإنَّما كانت نفياً لن المرجع بها إلى عدم الصحة.
قوله: (والمخير ذلك من الوجوه المانعة من التعليل كالحلول وغيره). يعني حلول الحال في المحل المعين فإن تعليل.... ممنوع مع أنَّه أمر يتأتى. قال أصحابنا: لنا إن جعلناه حالاً في هذا المحل بالفاعل لزم ... إذا وقف على اختياره صحة أن يجعله حالاً في محلين وإن يوجد غيره حال لن من حق ما كان بالفاعل أن يقف على اختياره وإن جعلناه لمعنى فذلك المعنى يحتاج في حلوله إلى معنى فيؤدي إلى التسلس ثُمَّ أنَّه يلزم إذا وجد أمثال للمعنى الموجب للحلول في محال كثيرة أن يوجب كل واحد منها كون ذلك المعنى الذي فرضنا الكلام فيحلوله حالاً في محله فيؤدي إلى حلوله في المحال الكثيرة وهو محال وإن جعلناه لصفته الذاتية أو المقتضاة لزم فيما شاركه فيهما أن يحل ذلك المحل بعينه فكان يلزم وجود السوادات كلها في محل واحد وكذلك البياضات ونحوها فوجب ألا يعلل هذا الحكم وقد ذهب الشيخ الحسن إلى تعليل الحلول بالفاعل حتَّى أنَّه لمبالغته في ذلك أمر بأن يكتب على ما بلغ في حجر قبره وفعل ذلك واحتج بأن الحلول كيفية في الوجود والوجود بالفاعل فكذلك كيفيته والأقرب صحة ما قاله.
فأما قولهم: يلزم أن يوجده غير حال فجوابه: أنكم قد صرحتم بأن كونه مما يحل على سبيل الجملة واجب لصفته المقتضاة فكيف يصح منه إيجاده مع ذلك غير حال وإلزامكم أن يوجده في محلين لايتأتى فإن العلم باستحالة ذلك لايتوقف على العلم بأن الحلول ليس بالفاعل وكما لايلزم أن يصح من الفاعل جعل الجوهر في جهتين مع أن الكون وإيجاده متعلق باختياره فكذلك ههنا وأشار المصنف بقوله وغيره إلى عدم بقاء غير الباقي في الوقت الثاني فإنه لايعلل أيضاً.
قال أصحابنا: لأنا إن جعلنا عدمه في الوقت الثاني لذاته أو لما هو عليه في ذاته لزم في مثله ألا يوجد في ذلك الوقت أيضاً للمشاركة في الصفة الذاتية والمقتضاة اللتين أوجبتا أو أحدثهما عدم وجوده في ذلك الوقت وإن جعلناه باختيار الفاعل لزم أنَّه إذا لم يختر عدمه أن ينفي وإن جعلناه لمعنى فالمعنى لايختص بالمعنى فإن جعل اختصاصه به حلوله في محله لزم أن يوجب لجميع ما في ذلك المحل العدم في الوقت الثاني لعدم اختصاصه به دون سائر ما فيه وإن جعلناه لوجوده أو حدوثه لزم ذلك في كل موجود أو محدث فوجب حينئذ ألا يعلل فأما البقاء فهو مما يعلل بالجنس ولكن لايعلل استمرار البقاء قدراً مقدراً ومما لايعلل ثبوت الصفات الذاتية واختصاص كل ذات بذاتيتها.
فائدة
قد يستوي في عدم التعليل ثبوت الشيء وانتفاؤه كمسألة الحلول فإن الحال لايعلل حلوله في هذا المحل ولا عدم حلوله في غيره وقد يعلل الأمران كحدوث ما ينفى يعلل بالفاعل وانتفاؤه يعلل بطرو ضد أو ما يجري مجراه وتعلق المتعلق فإنه لما هو عليه في ذاته وزوال تعلقه لعدمه وقد تعلل الإثبات دون النفي كما في حدوث ما لاينفى وانتفائه وقد يكون بالعكس كاستحالة كون السواد بياضاً فإن ذلك لما هو عليه في ذاته ولايعلل كونه سواداً لأن الصفة الذاتية لايعلل والله أعلم.
قوله: (في الشبهة الخامسة الباري تعالى جواد لم يزل). أرادوا وإذا كان جواداً لم يزل لزم فعله للجود فيما لم يزل وهو الإكثار من فعل الإحسان والتفضل من جاد بماله يجود جودا وذلك يستلزم حصول من يجود عليه في الزل.
قوله: (لايسلم كونه تعالى جواداً لم يزل بهذا المعنى). يعني بل بمعنى أنه قادر على فعل الجود وأنه سيفعله وإن كان أصحابنا قد نصوا على أنَّه لايسمى جواداً في الأزل لما كان صفة فعل فلا يثبت له إلاَّ بعد فعل الجود وأما النجارية فقد ذهبت إلى جواز وصفه بذلك في الزل بمعنى نفي البخل قالوا إذ لو لم يكن جواداً في الزل لكان بخيلاً وهو محال وهذه المقالة أحدثها حسين النجار وسبب قوله هذا: ورود هذه الشبهة وكلامهم باطل لأن الجواد فاعل الجود إذ لو كان الجواد الذي لايبخل للزم أن يوصف الجمادات بذلك لحصول المعنى في حقها ذكره أصحابنا ولهم أن يقولوا أن معناه الذي لايبخل مع تمكنه من الفعل الذي يجود به.
قوله: (إخلال مخصوص) يعني يختص بأنه إخلال بواجب إذ قد يكون الإخلال إخلالاً بمندوب وبمباح.
قوله: (بواجب مخصوص) يعني ما يتعلق بالحقوق كالصدقات والنذور وسائر الحقوق الواجبة ولهذا فإن الإمام لايسمى بخيلاً إلاَّ إذا منع الحقوق من مستحقها فأما افخلال بغير ذلك من الواجبات كالصلاة والحج فلا يسمى بخلاً إلاَّ تجوزاً.
قوله: (قالوا إذا وجد العالم في وقت صح أن يتوهم وجوده قبل ذلك) إلى آخره.
لهذه الشبهة تحرير آخر ذكره في التذكرة. قال ابن متويه: قال ابن الروندي أصح العلوم ما تقرر في الوهم وقد ثبت تقرر قدم الجسم في الوهم لأنَّه يجوز أن يعتقد أنه لا حال يشار إليها في الأجسام إلاَّ وقد كانت موجودة قبلها ثُمَّ كذلك لا إلى أول فيجب كونها قديمة. قال ابن متويه: وهي ركيكة ضعيفة جداص. وقد قال الشيخ أبو علي لابن الراوندي: أخطأت في قولك أصح العلوم فإن العلم لايكون أصح من علم آخر لاشتراك الكل في اقتضاء سكون النفس وفي تعلق الشيء علىما هو به وعلى أن الوهم ظن مخصوص فكأنه قال: أصح العلوم ما يظن ولايجب من حيث يصح ظن الظان لقدم الأجسام أن يكون قديمه.
قوله: (يجب إذا رأينا داراً مبنية وشيخاً قاعداً على سرير) إلى آخره.
هذا مأخوذ من كلام الشيخ أبي الهذيل عارض به من أورده على هذه الشبهة فقال: يجب إذا رأينا شخصاً قاعداً على كرسي ولا حال يشار إليها إلاَّ ويصح أن يعتقد أنه كان على هذه الصورة فيها فيجب لأجل هذا أن يعتقد أنَّه كان كذلك لم يزل.
قوله: (قلنا أتريدون يستحيل وجود شيء لامن فاعل) إلى آخره.
قد أجيب بجواب آخر هو أقطع للجاجهم وهو أن يعكس كلامهم ويقال: بل بديهة العقل يحكم بأن حدوث شيء من شيء غير منصور لن معنى ذلك أن يصير بعض الشيء شيئاً آخر وذلك لايعقل لن ذلك الشيء إن بقي على حاله فلم يصر بعضه شيئاً آخر وإن لم يبق على حاله فقد عدم هو وحدث شيء آخر.
قوله: (لكن فيه حدوث الهيولى).
يعني لنها شيء وليست بفاعل مختار وهو يجب صدور كل شيء ليس بفاعل مختار عن فاعل مختار ومع صدورها عن فاعل مختار يثبت حدوثها.
قوله: (وقدم الباري). يقال: من أين أن في ذلك ما يوجب قدم الباري فكان الأولى أن يقول: وثبوت الباري.
قوله: (فاختلف وجه الحاجة فلا توقف). يعني وإنَّما التوقف لو اتحد وجه الحاجة كأن يحتاج شيء إلى شيء في وجوده وذلك الشيء يحتاج إليه أيضاً في وجوده وكذلك لو احتاج كل واحد منهما إلى الاخر في العلم به.
قوله: (احتياج كل واحد من العلة والمعلول إلى صاحبه) يعني فإن العلة تحتاج إلى المعلول في العلم بها إذ لايمكن معرفتها إلاَّ به ويحتاج هو إليها في ثبوته وحصوله فلم يلزم التوقف لما اختلف وجه الحاجة فكذلك في مسألتنا.
قوله: (واحتياج كل واحدة من الحياتين إلى الأخرى).
اعلم أنَّه قد تقرر أن الحي لايجوز أن يكون جزءاً واحداً ولابد من أن يكون مبنياً بنية مخصوصة فإذا قدرنا مثلاً أنَّه بني من جزئين فهو يحتاج في كونه حياً إلى حياتين. قال أصحابنا: ولايجوز وجود حياة واحدة فيه لأنها إن وجدت في كلا الجزئين لزم أن يكون مثلاً للتأليف وهو محال وإن وجد في أحد المحلين فباطل لأنها حينئذ لاتوجب إلاَّ لمحلها فيلزم صحة وجود الحياة في محل واحد واختصاصها به فتخرج عن كونها موجبة للجملة ولايمكن أن يقال بل يوجد في أحدهما ويوجب لهما لأنها لاتجوز أن توجب للجزء الذي تحله إلاَّ بعد أن تدخل في جملة الحي وهو لايدخل في جملة الحي إلاَّ بحياة توجد فيه إذ لو دخل في جملة الحي بغير حياة موجودة فيه وصح إيجابها له كونه حياً ولا حياة فيه لكان يلزم أن يوجب ما فينا من أجزاء الحياة لما كان متصلاً بنا من شعر وظفر ونحوهما، ويلزم من وجود حياة واحدة في أحد الجزئين ألا يصح الإدراك بالجزء الذي لم يوجد فيه لأن الإدراك لايكون إلاَّ بمحل فيه حياة ولهذا فإنا ما علمنا أنه يدرك به علمنا أن فيه حياة وما لم يقع الإدراك به علمنا ألا حياة فيه وأنه غير حي فقد بان أنه لايجوز أن يوجد في أحد الجزئين حياة من دون أن يوجد في الآخر حياة أخرى وبهذا يعلم حاجة إحدى الحياتين إلى الأخرى مع أنَّه لايؤدي ذلك إلى توقف كل واحدة منهما على الأخرى توقفاً يقتضي الدور والتعذر.
وقد ورد على ما ذكر أنَّه يلزمكم حاجة كل واحدة من الحياتين إلى الأخرى في وجه واحد وهو الوجود فيلزم حاجة الشيء إلى نفسه ويلزم الدور لأن هذه لاتوجد حتَّى توجد تلك وتلك لاتوجد حتَّى توجد هذه.
وأجيب بأن وجه الحاجة مختلف فإحداهما تحتاج إلى الأخرى في وجودها والمحتاج إليها في الوجود تحتاج إلى تلك في أن يدخل محلها في جملة الحي ليوجب له إذ لايوجد موجبة لجزء واحد فإذا اختلف وجه الحاجة لم يلزم الدور.
قال الشيخ ابن متويه: إلاَّ أنَّه يبقى للسائل أن يقول فليست هذه بأن يحتاج في وجودها إلى تلك أولى من أن تحتاج إليها تلك ولا هذه بأن يحتاج إلى تلك في أن يدخل محلها في جملة الحي أولى من خلافه. قال: فإذا حققنا فذلك يقتضي رجوع الحاجة إلى الحي فنقول: احتاج في كونه حياً إلى هذه الجزاء من الحياة أجمع لا أن مرجع الحاجة إلى الحياة بعضها مع بعض.
واعترض بأن قيل ما أردت بقولك أن الحي يحتاج في كونه حياً إلى هذه الأجزاء أتريد أنَّه يحتاج في حصول صفة واحدة له إليها فغير مسلم لأن الحي يثبت له صفات كثيرة بعدد أجزاء الحياة لا أنَّه يحصل له صفة واحدة عن مجموعها وإن أردت أنَّه يحتاج في مجموع الصفات إلى مجموع هذه الجزاء من الحياة فمسلم ولكن ما أنكرت أن تحصل له صفة واحدة لحصول حياة واحدة.
فالولى أن يقال: قد علمنا أن الحياة الواحدة لاتوجب الصفة لغير الجزء الذي هي فيه إلاَّ إذا كان فيه حياة وإلاَّ لزم أن يوجب للشعر كونه حياً وهذا الحكم لايعلل بأي شيء علل فسد.
إذا عرفت هذا فكلام المصنف ليس بسديد لأنَّه جعل حاجة كل واحدة من الحياتين إلى الأخرى نظيراً لمسألتنا وليس كذلك إلاَّ لو كانت أحدهما تحتاج إلى الأخرى في وجودها والخرى تحتاج إليها في دلالتها عليها وليس كذلك إلاَّ أن يكون مراده أنه نظير لمسألتنا في مجرد الحاجة وعدم التوقف على سبيل الجملة فهو يتمشى.
قوله: (قلنا الداعي إنَّما يدعو إلى ما يصح ووجود العالم في الأزل مستحيل) إلى آخره.
اعلم أن جواب المصنف عن هذه الشبهة جواب جيد ولم يذكره أصحابنا وفيه ما لايجري في كلامهم من اشتراط الإمكان في الداعي بل قد صرح ابن متويه بأن أحدنا قد يدعوه الداعي إلى أمر مستحيل وهو الذي يقتضيه حقيقة الداعي.
وقدأجاب الشيخ أبو القاسم عن أصل الشبهة بأن الله تعالى خلق الحياء في أول أوقات إمكان خلقهم ولايلزم للداعي حصول المستحيل، وأجاب أبو الحسين بأن له تعالى داعياً إلى إحسان ما فأي وقت خلق الأحياء فيه فقد فعل ما دعاه الداعي إليه. وأجاب ابن الملاحمي بأن له تعالى صارفاً فيما يزل عن خلق العالم وهو علمه باستحالة وجوده في الأزل والذي اعتمده الجمهور في الجواب أنَّه تعالى وإن كان له داعي حكمه إلى خلق الحياء وهو الإحسان إليهم إلاَّ أنَّه لايجب حصول ما دعا إليه داعي الحكمة عند حصوله فإن أحدنا يتصدق على فقير بدرهم لداعي حكمة ولايتصدق على الاخر بمثله مع حصول الداعي فكذلك ههنا.
قوله: (لأن هذه سبيل داعي الحكمة ألا ترى أن أحدنا إلى آخره).
هذا كالقياس لأفعاله تعالى الَّتِي يدعو إليها داعي الحكمة على أفعالنا في صحة التقديم والتأخير وفيه نظر وأجود منه أن يقال فإذا حصلت الحالة الَّتِي يمكن خلق العالم فيها ولم يخلقه تعالى فيها أو لم يخلقه دفعة واحدة علمنا أنه تعالى علم أن الصلاح في ذلك فلو علم أن الصلاح في إيجاده دفعة واحدة لفعله وهذا مغن عن القياس فإن أحدنا وإن تصدق على فقير دون فقير وفي وقت دون وقت فإنه ليس من اجل كونه علم أن الصلاح في ذلك بخلافه تعالى فإن تقديمه وتأخيره لعلمه بالصلاح.
فصل وأما الركن الثاني وهو أن المحدث لابد له من محدث.
قوله: (فقد اتفق العقلاء على أنَّه لابد من أمر).
هذا ما ذكره قاضي القضاة كما تقدم واختاره المصنف وأكثر أصحابنا يحكمون بعدم الاتفاق ووقوع الاختلاف.
قوله: (قيل والعلم بذلك ضروري) هذا القول للشيخ أبي القاسم فإنه ذهب إلى أن العلم بأن العالم لابد له من محدث ضروري على سبيل الجملة لايحتاج إلى نظر واستدلال.
قال: ولهذا فإن كل من رأى بناء فإنه يعلم أنَّه لابد له من بان وصانع حتَّى أنَّه لو جوز أنَّه لامحدث له لعد غير عاقل، وذهب الجمهور إلى أنَّه استدلالي جملة وتفصيلاً ولو كان ضرورياً لكان بديهياً لأن الضروري الحاصل عن طريق ليس إلاَّ عن المشاهدة أو الأخبار المتواترة أو عن الخبرة والتجربة على قول ولاشيء من هذه الطرق بحاصل ههنا ومع كونه بديهياً يجب اشتراك العقلاء فيه وهذا ثمامة يقول: لامحدث للمتولدات مع اعترافه بحدوثها وعوام الملحدة يعترفون بحدوث الدجاجة والبيضة ولايثبتون لهما محدثاً وكذلك سائر الحوادث اليومية ولأبي القاسم أن يقول: أليس العلم بأن زيداً هو الذي كنا شاهدناه ضرورياً حاصلاً لا عن طريق مع أنَّه لم يجب اشتراك العقلاء فيه، وقيل: ينبغي التفصيل فإن علم بالضرورة أن المحدث حدث مع الجواز فالعلم بأن له محدثاً ضروري وإن كان العلم بأن حدوثه مع الجواز استدلالياً كالعلم بحدوث العالم فالعلم بأن له محدثاً استدلالي وخلاف ثمامة في المسببات لما كان العلم بحدوثها استدلالياً ونظير ما تقدم الخلاف في العلم بقادرية المؤثر في العالم بعد العلم به فإن أبا القاسم ذهب إلى أن العلم بالقادرية لذلك المؤثر بعد العلم به ضروري. وقال الجمهور: بل استدلالي إذ من المعلوم صحة دخول التشكيك فيه بمقالة أهل الطبع والنجوم وغير ذلك فعلى قول أبي القاسم يكون العلم بأن للعالم محدثاً وأنه قادر ضرورياص.
قوله: (وفي كليهما) أي القول بأنه حدث مع الوجوب أو مع الجواز من غير مؤثر.
قوله: (لصح أن تجتمع ألواح في البحر وتتركب منها سفينة) إلى آخره.
يقال: على سبيلا لمعارضة ولو كان ذلك لايتأتى إلاَّ من محدث للزم أن يصح منه إيجاد ألواح في البحر وجمعها وتركيب سفينة منها فإن التزمته فالخصم يلتزم حصول ذلك لا عن محدث فكان الأولى أن تقول: لوجب أن تجتمع ألواح في البحر إلى آخره فههنا لاتتأتى المعارضة لن ما كان من تأثير لفاعل فهو غير واجب.
قوله: (أما الأولان فتقدما في الدعوتين الأولتين). يعني وهو أن لنا أفعالاً وأنها محدثة، وفيه سؤال وهو أن يقال الذي تقدم في الدعوى الأولى ثبوت نفس الأفعال والاستدلال عليها وإن لم يتقدم التصريح بأنها أفعال لنا وأنا نحن المحدثون لها لكن ذلك ثابت في موضعه بدليله وقد أشار إليه المصنف حيث قال: وبعد فإذا حرك أحدنا الجسم بعد سكونه علمنا ضرورة أنَّه قد حصل أمر لم يكن ونحو ذلك مما ورد في أثناء كلامه في تلك الدعوى مام يدل على أن الأكوان المثبتة قد تكون أفعالآ لنا.
قوله: (من كوننا قادرين ومريدين ونحوهما) أما تأثير كننا قادرين ففي حدوث الفعل وأما تأثير كوننا مريدين ففي وقوع الأفعال على الوجوه المختلفة وأما نحوهما من الصفات المؤثرة فكوننا كارهين فإنها تؤثر في كون الصيغة نهياً وتهديداً وكوننا عالمين فإنها تؤثر في الأحكام إذا كان المعلوم مقدوراً لنا يصح أحكامه.
واعلم أن إضافة التأثير إلى هذه الحوال إنَّما هو على سبيل التوسع والمجاز وإلاَّ فالمؤثر في الحقيقة هو الفاعل لكنه لما كان لايؤثر إلاَّ بحصول هذه الصفات سميت مؤثرة على سبيل التجوز وقد اختلف في كيفية تأثير هذه الصفات فقيل: كونه قادراً هو المؤثر في الأحداث والأحكام والوقوع على الوجوه المختلفة ولكن تأثيرها في الأحكام بشرط العالمية وفي الوقوع على الوجوه المختلفة بشرط المريدية.