فإن قيل: لِمَ لم يقل المصنف مما يكون وجوبه وجوازه واستحالته راجعاً إلى الذات على ما ذكره غيره ويحترزون بذلك عما يكون وجوبه أو جوازه أو استحالته مما لايرجع إلى الذات كوجوب كوننا مدركين عند كوننا أحياء وجواز كوننا عالمين عند ذلك واستحالة كوننا عالمين وجاهلين دفعة واحدة، فإن لمرور الأوقات واختلاف المكان أثراً فيه لما لم يكن وجوبه وجوازه واستحالته للذات بل لكونه حياً فلولا كونه حياً مع الشرائط لم يجب كونه مدركاً ولولا كونه حياً لم يجز كونه عالماً ولاتثبت استحالة كونه عالماً جاهلاً في وقت واحد إلاَّ للحي لا لغيره.
قلنا: ترك ذلك لوجهين، أحدهما: أن كونه كائناً وجواز تنقله واستحالة كونه في جهتين ليس براجع إلى الذات، أما استحالة كونه في الجهتين فهي راجعة إلى استحالة اجتماع الضدين، وأما وجوب كونه كائناً فهو راجع إلى وجود الكون وإن كان ذلك بطريقة التضمين وأما جواز التنقل فهو وإن كان لجل التحيز فإنه لايطلق عليه أنَّه راجع إلى الذات وإن كان ذلك يتمشى فيه.
وثانيهما: أن وجوب كونه مدركاً وجواز كونه عالماً ونحوه واستحالة كونه عالماً جاهلاً وإن جاز زوال هذا الوجوب والجواز والاستحالة لما لم يكن راجعة إلى الذات فلا حاجة إلى هذا الاحتراز لأنَّه لم يؤثر في زوال ذلك الوجوب والجواز والاستحالة مرور الزمان فإنه لاتأثير له في شيء من ذلك وإنَّما الذي أثر في زوالها زوال كونه حياً فإن بزواله تزول الأحكام المذكورة لا مرور الزمان فعرفت حينئذ عدم الحاجة إلى هذا الاحتراز.

قوله: (فكيف يحترك مالم يكن ساكناص). كان الأولى أن يقول: فكيف يحترك مالم يكن كائناً من قبل في جهة لن الحركة هي الانتقال من جهة إلى جهة فإن احتراك مالم يكن ساكناً جائز فإنه تعلق خلق جوهراً ثُمَّ نقله في الوقت الثاني إلى جهة ثانية فإنه قد صار محتركاً بعد أن لم يكن ساكناً، فكذلك لو نقل أحدنا جوهراً إلى جهة ثُمَّ نقله في الوقت الثاني إلى أخرى فقد صار في هذا الوقت محتركاً بعد أن لم يكن ساكناً بل بعد أن كان محتركاً، وكذلك فقد يكون ساكناً بعد أن لم يكن محتركاً بأن يخلق تعالى جوهراً ثُمَّ يبقى في جهته تلك بأن لاينقله فإنه يصير في الوقت الثاني ساكناً بعد أن لم يكن محتركاً ولكنه تساهل في العبارة.
قوله: (واعلم أن هذا الدليل مبني على أن التحيز ليس بمتجدد). .... إنَّما كان مبنياً على ذلك لنه لو ثبت وجوده غير متحيز لكان للخصم أن يقول: قد كان الجسم فيما لم يزل غير متحيز ثُمَّ لما تحيز وجد فيه الكون وذلك الكون الذي وجد فيه أول أوقات تحيزه عندي هو الكون المطلق الذي يوجد فيه عند حدوثه عندكم فلو ثبت أنه كان غير متحيز ثبت له ذلك ولاكلام فيه لكن قد تقرر أن الجسم لايوجد إلاَّ متحيزاً لن مع وجوده يكون قد حصل مقتضى التحيز وهي الجوهرية وشرط اقتضائها له وهو الوجود فلا بد من حصوله وسيأتي إيضاحه في فصل الصفات، وبالجملة فهذه الدعوى مبنية على أن الأجسام لاتوجد غير متحيزة وإلاَّ فلو سلمنا لهم أنَّها توجد غير متحيزة لسلمنا لهم انفكاكها من الكوان ولو لسلموا أنَّها لاتوجد غير متحيزة لسلموا أنَّها لاتنفك عنها ولم يجدوا بداً من تسليم ذلك فيعود الخلاف إلى الصل.
قوله: (ولأنهما حاصلان في جهتين).
يقال: أما مع عدم القول بتحيزها فالخصم لايسلم ذلك؟

والجواب بأحد وجهين، إما أن يكون المصنف عرف من مذهبهم أنهما في جهتين قبل تحيزها فألزمهم على ذلك ملازمة الكون لهما إذ لايكون الشيء في جهة على وجه الاستقلال إلاَّ إذا كان كائناً فيها ولا يكون كائناً فيها إلاَّ بكون وإما أن يكون مؤاخذاً لهم بتسميتهما جسمين وإن لم يكونا عندهم متحيزين لأن الجسم لايكون إلاَّ في جهة والجهة من خواصه.
قوله: (ولأن من أصولهم أن الجزء يتجزأ).
اعلم أن مذهب الفلاسفة والنظام أن الجزء يتجزأ بمعنى أنَّه لاينتهي إلى حالة إلاَّ ويصح تجزئته فيها إلاَّ ما لايتناهى وإن كان من أصحابنا من ظن ببعض الفلاسفة أنهم يقولون بتجزئة تخريجاً من مقالات لهم دون أن يصرحوا بذلك، والمصرحون بتجزئة منهم من قال يتجزأ بالفعل بمعنى أنَّه في ذاته غير متناهي العدد، ومنهم من قال يتجزأ بالقوة بمعنى أنَّه وإن كان شيئاً واحداً فإنه يصح في الفاعل أن يجعله أشياء كثيرة.

قال الشيخ ابن متويه: ويبعد في قائل هذا القول ألا يكون معتقداً فيه أن أ>زاءه ثلاثمائة فيصير قوله والقول الأول سواء ووجه ما قاله رحمه الله أنهم إذا أجازوا في الفاعل أن يجعله أشياء كثيرة فإنه لايصح ذلك إلاَّ إذا كان الجزء كذلك في ذاته، ومما يبطل به أصحابنا كلام أهل الهيولى والصورة أن الحلول كيفية في الوجود وكيفية الوجود تلازمه كما أن كيفية كل صفة تلازمها فكيف يثبت وجودهما في الأزل عندهم ويتأخر الحلول عنه ثُمَّ أن حلول إحداهما في الأخرى إما أن يكون علي سبيل الوجوب فيلزم ملازمته للوجود لنه إما أن يكون للذات أو لصفتها ومع كونه كذلك ليس الصورة بأن يحل الهيولى أولى من العكس لاشتراكهما في الذاتية والمقتضاة واستوائهما فيهما أو على سبيل الجواز فهو إما لفاعل وهو باطل إذ لاتأثير له في الحلول ويلزم منه أن يكون قادراً على ذاتيهما إذ لايقدر على حكم لذات من دون معنى إلاَّ من قدر عليها فيلزم كون وجود الصورة بالفاعل وهي قديمة عندهم أو لعلة وهي إما معدومة فلا يختص أو موجوده فلا اختصاص لها بالصورة فيوجب حلولها دون الهيولى إذ لايختص بها إلاَّ إذا حلتها ولا تحلها إلاَّ مع تحيزها ولايتحيز إلاَّ بعد أن تحل الهيولى فتؤدي إلى التوقف ثُمَّ أنَّها مع الصورة والهيولى على سواء فلم تكن بأن يوجب حلول أحدهما في الأخرى أولى من العكس.
فصل
وأما الدعوى الرابعة وهي أن مالم يحل من المحدث فهو محدث، فالخلاف فيها من ثلاث جهات.
قوله: (قال أبو رشيد العلم بالرابعة ضروري مطلقاً). يعني سواء قيل فيها مالم يحل من حادث معين ولم يتقدمه فهو محدث مثله أو قيل مالم يحل من المحدث فهو محدث على سبيل الجملة من غير إشارة إلى الكوان ولا الصفات الصادرة عنها لكنها تدخل في ذلك لأن الجسام لم يحل عنها وقد حكي قوله هذا عن أبي علي بن خلاد والفقيه حميد وابن الملاحمي وصاحب الإكليل.
قوله: (وقال القاضي إلى آخره).

اعلم أن تلخيص مذهب القاضي وتلامذته أنه إذا كانت صورة هذه الدعوى أن مالم يحل من حادث معين ولم يتقدمه فهو محدث مثله فهي ضرورية.
قيل: وينبغي أن تكون وفاقية وفي المحيط ما يقضي بأنها استدلالية في هذه الصورة إلاَّ إذا علم ثبوت ذلك المعين وحدوثه وعدم الخلو منه ضرورة فهي حينئذ ضرورية كما أشار إليه المصنف آخرا في هذه الجهة.
قال القاضي وتلامذته: وإن كانت الصورة بالجسم إذا لم يحل من املحدث ولم يتقدمه وجب أن يكون محدثاً فهي استدلالية إذ لو كانت ضرورية لم يخالف فيها ابن الروندي ومن تابعه.
وأجيب بأن ابن الروندي ومن تابعه لابد أن يعتقدوا في واحد منها أنَّه قديم وإلاَّ لم يتصور خلافهم وههنا صورة أخرى لهذه الدعوى وهو أن يقال: الأجسام لم تحل من هذه الأكوان ولم يتقدمها فيجب أن تكون محدثة.
قيل: فهذه تكون استدلالية اتفاقاً لتوقفها على ثبوت الأكوان وحدوثها وأن الجسم لم يخل منها وكلها استدلالية وما توقف على الاستدلالي فهو مثله وقد أشار إليه المصنف أيضاص.
قوله: (زعم ابن الروندي وبعض الفلاسفة).. إلى آخره.
تحقيق مقالتهم أن قالوا أن الجسام لم تخل من حادث وقيل الحادث حادث أما لا أول له والجسم وإن قارن بحمله هذه الحوادث فلا أول لها فكذلك لا أول له فكان قديماص.
تنبيه

اعلم أن الفلاسفة لما نقوا لاصانع المختار وقالوا بقدم العالم وكان هذا الدليل المبني على هذه الدعاوى أبلغ أدلة أهل الإسلام على حدوث العالم وثبوت الصانع المختار جعلت الفلاسفة تحتال لإبطاله بكل حيلة وتدخل له من كل مدخل وافترقوا للخلاف في هذه الدعاوى الأربع وتقسموه لنه متى ثبت إفساد أحدها بطل الدليل لانبنائه على كل واحدة منها فخالف بعضهم في الأولى واستضعف بعض خلافهم فخالفوا في الثانية واستضعف بعض آخر منهم خلاف الفرقتين الولتين فخالفوا في الثالثة واستضعف بعض خلاف الجميع فخالفوا في الرابعة خديعة منهم وإلحاداً في الدين ويأبى الله إلاَّ أن يتم نورهولو كره المشركون وما أجدرهم بقوله تعالى: {هل أنبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسنون صنعاً}.
قوله: (فقد صار وجوده معها أو بعدها).
يقال: أخللت بقسم ثالث وهو أن يكون وجوده قبلها.
والجواب: لا إخلال مع بنائه على أن الجسم لم يخل من المحدثات ولو كان وجوده قبلها لكان خالياً عنها وكلامه مبني على عدم الخلو الثابت بالدلالة.
قوله: (لأنه إذا كان كل واحد من هذه الحوادث له فاعل يعني لما تقرر من أن الحادث لابد له من محدث على ما سيأتي.
قوله: (وبعد فهذه الحوادث قد حصرها الوجود..) إلى آخره.
تلخيصه أني قال: أن مع دخول هذه الحوادث في الوجود لابد أن يكون قد حصرها ومع حصره لها لاتكون غير متناهية فإنه لايصح أن تدخل في الوجود ما لانهاية له إذ ما دخل فيه جاز دخول الزيادة والنقص فيه وما كان كذلك فهو متناه لأنَّه يكون مع تلك الزيادة أكثر منه مع عدمها ولا كلام في تناهي ما يكون أكثر مع تقدير زيادة عليه فإن ما لايتناهى لايكون غيره أكثر منه فلا يكون هو مع تقدير أكثر منه من دون ذلك التقدير ولا يمكنهم المنع من جواز دخول الزيادة في هذه الحوادث بل هم يحكمون بتزايدها في كل وقت.
قوله: (ظاهر التناقظ ظهور تناقضه في المعنى وفي اللفظ).

أما من جهة المعنى فلأنهم وصفوا كل ذات من الأكوان بأنها محدثة ثُمَّ قالوا لا أول لها وهذا هو معنى القديم وأما من جهة اللفظ فلقولهم آحادها محدثة وجملتها قديمة وجملتها مجموع آحادها هكذا ذكر بعض المتأخرين.
قوله: (لن الحدوث ثبت لآحادها من غير شرط..) إلى آخره، تلخيص هذا الوجه أن يقال: الحكم باعتبار الآحاد والجملة على أربعة أضرب:
أحدها: ما يثبت للآحاد من غير شرط فيجب ثبوته للجملة كثبوت السواد للزنج فإنه ثبت لكل واحد منهم من غير شرط مفقود في جملتهم فيجب ثبوته لجملتهم وهذا أوزان مسألتنا فإن الحدوث لكل واحد من الأكوان لم يثبت بشرط لم يوجد في جملة الأكوان فلا يصح أن يحكم به على الآحاد دون الجملة.
وثانيها: ما يثبت للآحاد مشروطاً بشرط لم يثبت في الجملة كثبوت جواز الخطأ على كل واحد من الأمة فإنه ثبت لهم بشرط عدم الاتفاق ولم يوجد في جملتهم.
وثالثها: ما ثبت للجملة من غير شرط كسواد جملة الزنج فإنه يثبت لآحادهم لعدم اشتراط ثبوته للجملة بشرط مفقود في الآحاد.
ورابعها: ما يثبت للجملة بشرط مفقود في الآحاد كالعصمة للأمة فإنها تثبت لهم بشرط الاجتماع وهو مفقود في آحادهم.
قوله: (على أن أبا الهذيل قد كان التزم) إلى آخره.
روي هذا المذهب عن النظام ويحيى بن بشر وهو القول بتناهي حركات أهل الجنة وأهل النار أيضاً قالوا: فينتهون إلى سكون دائم يلتذ به أهل الجنة ويتألم به أهل النار وقد روي عن أبي الهذيل أنه رجع عن ذلك.
واعلم أن مما يجاب به عن هذه الشبهة أنا لم نرد بقولنا حوادث أهل الآخرة لاتتناهى وجود ما لايتناهى فذلك مما لايجيزه وإنَّما أردنا أن محدثيها لايزالون يجددون منها شيئاً بعد شيء.
قوله: (ولايكون حادثاً الآن).
يعني لأن الحدوث يختص بأول أوقات الوجود.
قوله: (لأنه لايلزم من جوازه قدم الجسم) أي من جواز أن يقارن الجسم لافيما لم يزل حادث ولايكون لاجسم حادثاً في تلك الحال.

قوله: (على أنا نلتزم أن يكون محدثاً الآن لحصول حقيقة المحدث فيه). يعني وهو أنَّه موجود لوجوده أول. وقد أجيب عن هذه الشبهة بجواب آخر يقبل أنا لم نقتصر في دلالتنا على القول بأن الجسم لم يخل من الأعراض. بل قلنا ولم يتقدمها والحوادث الموجودة فيه الان قد تقدمها فلم يلزم أن يكون حادثاً معها.
قوله: (وإن كان المقدر مستحيلاً) . يعني في الوجهين وهو ثبوت ثان مما نع للقديم وتقدم القديم للمحدث بأوقات لانهاية لها.
قوله: (تنبيه: اعلم أنَّه كما يصح الاستدلال بطريقة المعاني يصح أيضاً بطريقة الأحوال).
يعني فيقال: الجسم لم يخل من الكائنية الحاصلة بعد أن لم يكن ولم يتقدمها ومالم يخل من الحاصل بعد أن لم يكن ولم يتقدمه كان حاصلاً مثله بعد أن لم يكن وإذا كان كذلك كان محدثاً وقد منع الشيخ أبو هاشم من ذلك وقال: لايصح العلم بحدوث الأجسام إلاَّ على تقدير إثبات الأكوان.
قال ابن متويه: والأقرب خلافه.
قوله: (وأنها هي الطريق إلى المعاني) يعني فالاستدلال بالطريق أوضح من الاستدلال بالمتطرق إليه وفيه نظر.
قوله: (وأن النظر في الحقيقة إنَّما هو في الأحوال) هذا بناء على ما قدمه في باب الأدلة لكن الذي ذكره هناك أن النظر في الحقيقة إنَّما يقع في الحدوث لكن لا يعد ذلك مرجحاً لطريقة الأحوال فإن النظر في الحدوث إنَّما يتأتى في الذوات فأما الصفات فإنها لاتوصف بالحدوث.
قوله: (حاكياً عن أبي الحسين وليس يمكن إثبات المعاني) إلى آخره. يعني فلا يقال قد دلت الدلالة على أن ذلك الأمر الذي لأجله احتراك الجسم ليس إلاَّ المعنى فإذا نفاه ناف كان عنده محتركاً لا لأمر فإنه لايمكن ذلك إلاَّ بعد إبطال أن يكون بالفاعل.
قوله: (حاكياً عن القاضي ينبني على صحة خروج الموصوف منها إلى غيرها). يعني فإنه لايعرف ثبوتها بعد أن لم تكن ثابتة إلاَّ بذلك كما أنَّه لايعرف حدوث الكوان إلاَّ بجواز العدم عليها.

قوله: (والعكس). يعني ثبوت المعاني مع عدم ثبوت موجبها.
واعلم أن هذا الترجيح الآخر الذي اورده القاضي إنَّما هو ترجيح لطريقة المعاني على طريقة الأحوال إذا قيل أنَّها بالفاعل لأنها إذا جعلت بالفاعل فما كان بالفاعل لم يستحل بقاؤه مع عدم الفاعل ولا وجب ثبوته بثبوته بل ما كان من الصفات بالفاعل فإنه لايتجدد حال البقاء كالوجود، وأما إذا جعلت الكائنية صفة معنوية فحكمها جواز خروج الموصوف عنها إلى غيرها ويستقيم الاستدلال كما في المعاني.
قوله: (في حكاية قول ابن الملاحمي لنه جعلا لعلم باستحالة أن تكون هذه الصفة ذاتية متوقفاً على العلم بإثبات المعان). أراد حيث قال القاضي: وإنَّما يعلم صحة خروج الموصوف عنها بإثبات المعاني وإذا كان كذلك بصحة خروج الموصوف عنها هو معنى استحالة كونها ذاتية مع أنَّه لايمكن إثبات المعاني إلاَّ بعد العلم بأنه يجوز خروج الموصوف عنها إلى غيرها فإنا مالم نعلم ذلك لم نعلم أنَّها ليست بذاتية ومع عدم العلم بأنها ليست بذاتية لايعلم أنَّها معنوية.
فصل في شبه القائلين بقدم الأجسام
قوله: (ضرب يقدح بأن يرد على أركان الدليل). قال ابن متويه: وجملة القول في الشبهة أنَّها تنقسم إلى قادحة وغير قادحة وهي في الحقيقة لاتقدح وإنَّما الغرض أن معها لايسلم علم المرء بذلك المدلول.
ومثال ما يرد على أركان الدليل في مسألتنا وهي العلم بحدوث الأجسام أن يرد شبهة على الدعوى الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة فإن هذه تقدح في الدليل بالمعنى الذي ذكره ابن متويه لترتب صحته على صحدة مقدماته ومع قدحها فيه يقع القدح في العلم بالمدلول لن طريق العلم به هو الدليل فإذا حصل لبس أو شك فيه انتفى العلم بمدلوله.

قوله: (فيكون العلم بحله من فروض الأعيان) لاكلام في ذلك فأما أن نفس حله من فروض العيان فليس كذلك بل فرض كفاية وهذا مع حصول الشك في الدليل فأما لو قدرنا أن شبهة وردت على ركن من أركان الدليل ولم يقع لأجل ورودها شك في الدليل ولا قدحت في العلم به بحيث أنَّه لاينصرف عن تحديد العلم بالمدلول لأجل ورودها لم يكن العلم بحلها فرض عين وإنَّما يكون فرض كفياة وقد قيل أن معارضة الدليل مما يقدح في العلم وينزل منزلة ما يرد على أركانه.
مثاله: قولهم قد ثبت أنَّه قادر عالم والقادر العالم لايكون إلاَّ جسماً معارضة لقولنا قد ثبت أنَّه تعالى قادر عالم والقادر العالم لايكون إلاَّ حياً فيكون العلم بحل هذه المعارضة ونحوها من فروض العيان لحصول الشك معها.
قوله: (فيكون العلم بحلها من فروض الكفاية). الوجه في ذلك أن الدليل باق على صحته وإفاته للعلم ويكون وجوب ذلك كفاية تحرراً عن أن يدعو إلى اختيار الجهل إذ لايؤمن ذلك فيكون حلها صارفاً عما يدعو إليه.
قوله: (لو كان العالم محدثا) إلى آخره. مرادهم بالعالم السموات والأرضون وما بينهما والحديث المروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أن لله ثمانية عشر ألف عالم الدنيا وما فيها عالم واحد يدل على أنَّه اسم لجميع المخلوقات وقد قيل أن العالم اسم لمن يعلم لانه مشتق من العلم فيكون اسماً للملائكة والثقلين.
قيل: وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة عند ذكر مريم عليهما السلام: (تلك سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء العالمين). يدل على أن العصر يسمى عالماص.
قوله: (في حكاية الشبهة وذلك المر محدث) يعني لنه لو كان قديماً لكان العالم حاصلاً في الأزل ولم يكن فاعله فاعلاً بعد أن لم يكن.

34 / 158
ع
En
A+
A-