واعلم أولاًت أن الذي يجري مجرى الضد هو ما نفى غيره لا لتضاد بينهما وتعاكس في صفتهما بل لبقية ما يحتاج إليه كما يقوله في الافتراك فإنه يجري مجرى الضد لما يحتاج إلى التجاوز وهو التأليف لما كان نفي التجاوز، وبنفيه ينتفي التأليف وكذلك فهو يجري مجرى الضد لما يحتاج إلى البنية كالحياة والعلم والقدرة لنفيه ما يحتاج إليه وكذلك الفناء فإنه يجري مجرى الضد لما يحتاج إلى المحل من المعاني لنفيه ما يحتاج إليه وإنما سمي ما هذه صفته بالجاري مجرى الضد لأنه أشبه الضد من وجه ولم يشبهه من آخر فأشبهه من حيث أنه ينفى كما ينفى الضد ولم يشبهه من حيث أنه لم يعاكس في الصفة فإنه لولا نفيه ما يحتاج إليه لصح اجتماعهما، والدليل على أن الثاني لاينتفي إلا بضد أو ما يجري مجراه ما ذكره المصنف.
قوله: (لأنه إذا انتفى مع جواز أن ينفى) خرج بقوله مع جواز أن ينفى ما ينتفي لكونه مما لايبقى فإنه لايحتاج في انتفائه إلى أمر لأنه ينتفي مع الوجوب ولايصح تعليل انتفائه كما سيأتي.
قوله: (لم يكن بد من أمر). يعني كطريقتنا في إثبات العراض فإن الحال كالحال.
قوله: (ولا اختيار للفاعل في ذلك عدم اختياره ظاهر فإن أ؛دنا إذا أوجد كوناً ثم أراد انتفاءه ودعاه الداعي إلى ذلك فإنه لايقع انتفاؤه مالم يفعل ضده.
الفائدة الثالثة
أن القديم لاضد له ولاما يجري مجراه، ودليله ما ذكره.
قوله: (وقد ثبت أن العدم صفة مقتضاة). يعني ثبت بدليله وسيأتي في موضعه وإن لم يكن قد ذكره.
قوله: (لأن التضاد من أحكام الصفة المقتضاة). الدليل على أنه من أحكامها يجري الكلام فيه على قريب من الكلام في الدليل على أن الإيجاب من أ؛كامها فقس عليه.
قوله: (أن يكون هذا الضد معدوماً لما هو عليه في ذاته). وفي ذلك بطلان تأثيره في نفي القديم، فيه أسئلة ثلاثة:
الأول: أن القدم على رأي أبي علي صفة ذاتية فلا يجب المعاكسة فيها إذ لايجب إلا في الصفة المقتضاة.

والجواب: أنه بنى ذلك على رأي أبي هاشم والذي صححه هو وغيره ولو سلم فإن الضدين لابد أن يتعاكسا في الصفة الذاتية كتعاكسهما في المقتضاة إذ لو لم يتعاكسا فيها لم يتعاكسا في المقتضاة.
السؤال الثاني: سلمنا لزوم التعاكس في الذاتية والمقتضاة ووجوب التعاكس هنا في القدم فإن العدم ليس بصفة أصلاً فضلاً عن أن تكون ذاتية أو مقتضاة لن المرجع به إلى النفي وهو زوال صفة الوجود.
والجواب: أنه إذا سلم ذلك اتضح بطلان كلامهم لأنه يلزم مما ذكره كونه صفة وليس بصفة وأن تكون ذاتية أو مقتضاة لأنه في مقابلة الوجود الذي هو صفة ذاتية أو مقتضاة فمن حق ما يقابله من الأوصاف ويضاده أن يكون ذاتياً أو مقتضى.
السؤال الثالث: لانسلم أن في ذلك بطلان تأثيره في نفي القديم بل نثبت المضادة وإن كان معدوماً لذاته.
والجواب: أن ذلك لايصح لعدم الطريق إلى منافاته في حال عدمه بل إلى ثبوته إذ لاطريق إليه ثم أنه يلزم من ذلك أن يعود القديم معدوماً لنفي هذا الضد له ويخرج ذلك الضد إلى الوجود إذ لايصح أن يكونا معدومين معاً وأيضاً فلا يصح منافاة القديم له وهو في حالة العدم لأن المنافاة فرع على الوجود ولو ثبتت وصحت المنافاة والحال ما ذكر لم يكن أحدهما بأن يبقى الآخر أولى من العكس فإذا لايجوز إثباته لأنه لو ثبت لزم منه أحد باطلين إما المنافاة وذلك باطل لما تقدم آنفاً أو عدم المنافاة وذلك يبطل كونه ضداً إذ قد حصل القديم وهذا الضد المعدوم لذاته على ما هما عليه من الصفات التي يتعاكسان لأجلها واختص كل واحد بالآخر غاية ما يمكن من الاختصاص فيلزم من ذلك وقوع المنافاة.

قوله: (فلأن القديم لايحتاج في وجوده إلى شيء). الدليل على ذلك أن هذا المحتاج إليه إن كان محدثاً فباطل حاجة القديم ف يوجوده إليه لأنه يقتضي الا يوجد إلا بوجود ما يحتاج إليه وذلك المحتاج إليه محدث فيوجب حدوثه وإن كان ذلك المحتاج إليه قديماً فليس أحدهما بأن يحتاج إلى الآخر أولى من العكس وتامم الاستدلال بهذا الوجه أن يقال: فإذا ثبت أن القديم لاينتفي ولا يعدم وقد ثبت عدم الأكوان بطل أن تكون قديمة وإذا لم تكن قديمة كانت محدثة.
قوله: (الوجه الثالث أن القديم قديم لذاته).
في سؤال وهو أن يقال: إن مجرد القدم ليس بصفة وإن سلمنا كونه صفة فليست بذاتية بل مقتضاة كما قدمته آنفاً.
والجواب: أن القدم قد صار معناه متضمناً لمعنى الصفة لا ثبوت الوجود للموجود فيما لم يزل.
وأما الجواب عن الثاني فبأن نقول: أما على مذهب أبي علي فلا كلام لأنه يقول: ألقدم صفة من صفات الذات وأما على مذهب أبي هاشم ومن تبعه فهو وإ، لم تكن صفة ذاتية فهو مقتضى عنها وموجب عما يرجع إلى الذات والمقصود هو إبطال أن تكون لأمر خارج عنها.
قوله: (أن يتقدم على فعله). كان الولى أن يقال يتقدم على ما يؤثر فيه لأن لاقدم لا يوصف بأنه فعل ولو قدر أنه بالفاعل.
قوله: (إلا إذا كان قادراً على تلك الذات). يعني وذات القديم غير مقدورة لأن المقدور المعدوم الذي يصح وجوده ولو كان له حالة عدم لم يكن قديماً.
قوله: (وفي ذلك استغناؤه عنها لوجوبه) فلا يبقى إلى إثباتها طريق الوجه في استغنائه عنها أن حاجة المعلول إلى العلة لايكون إلا مع جوازه فثبوته بعد أن لم يثبت والحال واحدة والشرط واحد وإذا حصلت الصفة في الأزل فقد خرجت عن الحصول مع الجواز لأن ما يثبت في الأول فهو واجب الثبوت، وكذلك فلا يدل عليها لأنها لا تدل إلا مع حصولها على سبيل الجواز والحال واحدة والشرط واحد، ومع عدم دلالتها عليها لا يبقى إلى ثبوتها طريق.

قوله: (وفي ذلك وجوب معلولها). يعني في الأزل ومع وجوبه في الأزل يثبت استغناؤه عنها كما تقدم في العلة المعدومة.
قوله: (ولأنها ثابتة لا لأمر يخصصاه بحال دون حال).
قد قيل: إن هذا أقوى الأدلة على أن الذات لايجوز خروجها عن صفتها الذاتية وتلخيصه: أن الصفة الذاتية ثابتة لا لأمر وما ثبت لا لأمر لايصح اختصاص حصوله بوقت دون وقت إذ التخصص من خيص مخصص محال فيجب ثبوته واستمراره في سائر الأوقات.
قيل: ومالم يرجع إلى هذا الدليل فللقدم مجال فيه.
قوله: (فكما لايزايلها معولها كذلك لايزال الذات صفتها). قالوا: والقياس في معلول العلة وصفة الذات يكون بطريقة الأولى فياقل إذا كان معلول العلة الذي هو صفة جائزة موجبة لايزول ما دامت الذات التي هي علة فيه فأولى بذلك الصفة الواجبة غير الموجبة والجامع بينهما ما ذكره من عدم افتقارهما إلى غير الذات والعلة، وافتقار الصفة الذاتية إلى الذات من حيث أن الصفة لايجوز أن تثبت إلا لذات ولايجوز استقلالها بنفسها لا كحاجة المعلول إلى العلة.
قوله: (وتحقيق هذه الجملة) أي القول بأن القديم لايجوز خروجه عن القدم الذي هو صفة ذاتية أو أن الذات على سبيل الجملة لاتخرج عن صفة ذاتها.
قوله: (لأن في ذلك خورجه عن صحة كونه معلوماً). الوجه في ذلك أن صحة كون الشيء معلوماً من أحكام الصفة الذاتية فإذا زال ما يوجبه زال إلا أن من التزم خروج الذات عن صفتها الذاتية فهو يلتزم خروجها عن صحة كونها معلومة، وإن كان خروجها عن صحة كونها معلومة أوضح في البطلان لأن في ذلك خروجاً عن حقيقة الذات.
قوله: (فيؤدي إلى اجتماع صفتين ذاتيتين) يعني إذا قيل أن هذه الصفة التي خرج إليها يستحقها قبل خورجه عن تلك أو يستحقها على حد استحقاق تلك، وفي حال استحقاقها ولكن يقال: وما المانع من ذلك.

والجواب: أن تلك الصفة الثابتة إن كانت مماثلة لتلك الصفة الأخرى التي فرضنا الكلام في خروجه عنها لزم أن يكون مماثلاً لنفسه لحصوله علىما لو حصل عليه غيره لماثله وإن كانت مخالفة لها لزم أن يكون مخالفاً لنفسه لحصوله على ما لو حصل عليه غيره لخالفه وكون الشيء مماثلاً لنفسه أو مخالفاً لها محال وسيأتي تحقيق ذلك في مسألة الصفة الأخص.
قوله: (وذلك يبطل كونها ذاتية). يعني تجددها وذلك لأن تجدد الصفة الذاتية لايجوز لأن الصفة الذاتية لو تجددت لكانت إما أن تتجدد لأمر أو لا لأمر وباطل أن يكون تجددها لا لأمر لأنها لو تجددت لا لأمر لم يكن بأن تتجدد أولى من ألا تتجدد ولا بأن تتجدد في وقت أولى من غيره، وباطل أن يكون تجددها لأمر لأنه إما أن تكون الذات أو غيرها باطل أن يكون تجددها للذات لنها لاتدخل في كونها ذاتاً إلا لأجل اختصاصها بهذه الصفة، وباطل أن يكون لأمر خارج لأن ذلك يبطل كونها ذاتية، إذ معنى كونها ذاتية أنها لم تحتج في ثبوتها إلى أمر خارج عن الذات.
قوله: (إذا ثبت هذا). يعني أن القدم صفة ذاتية وكذلك إذا كان صفة مقتضاة كاشفة لمجردها عن الذاتية فإنه لافرق.
قوله: (فيلزم إذا طرأ عليها الضد) يعني وقدرنا أن لها ضداً فإنه وإن لم يثبت ذلك فإن التقدير ههنا يقوم مقام التحقيق.
قوله: (إن ننفيها من حيث هي متماثلة ولاننفيها من حيث هي مختلفة) قد تقدم أن الضد لاينفي المختلفين وأما لزوم نفيها من حيث هي متماثلة فلعلمنا بأن السواد إذا طرأ على محل فيه أجزاء كثيرة من البياض فإنه ينفيها لما كانت متماثلة إذا ثبت هذا فمعنى منافاته لها أن يخرجها من الوجود إلى العدم ومعنى عدم منافاته لها ألا يؤثر في وجودها فلا يزيله فكان يلزم ما ذكره من كونها معدومة موجودة دفعة واحدة وكون الشيء موجوداً معدوماً في حالة واحدة محال.
تنبيه

إذا تقرر لك بما تقدم من الأدلة أن الأكوان بل الأعراض لأن الطريقة في الكل واحدة غير قديمة وجب أن تكون محدثة لأنها قسمة دائرة بين نفي وإثبات فلا يجوز متوسط بينها.
وبيانه أنك تقول: الأعراض إما أن يكون لوجودها أول أو لا، إن لم يكن لوجودها أول فهي القديمة وإن كان لوجودها أول فهي المحدثة، وهذه قسمة صحيحة ويلحق بها في الصحة قسمة الأول والأكثر والمساوي نحو أن تقول: هذا العدد لايخلو إما أن يكون أقل من هذا العدد أو أكثر منه أو مساوياً له، وكذلك قولك: هذه الذات إما أن تكون موجودة قبل هذه أو بعدها أو معها، فأما القسمة الدائرة بين إثباتين كقولك: زيد إما في الدار أو في المسجد، فهي غير صحيحة لجواز أن يكون في السوق وغيره فإنه يمكن دخول متوسط وكذلك لاقسمة الدائرة بين نفيين كقولك: زيد إما ألا يكون في الدار وإما ألا يكون في المسجد فإنه يجوز دخول متوسط.
تنبيه آخر
ما تقدم من حكاية قول المطرفية يدل على بطلانه وجوه:
أحدها: أنهم إذا سلموا حصولها بعد أن لم تكن فذلك معنى كونها محدثة فقولهم ليست بمحدثة مناقضة وكذلك وصفهم لها بأنها حادثة غير محدثة لأن معناهما واحد.
وثانيها: أنهم إذا بنوه على أنها صفات وليست بذوات على ما حكاه عنهم بعض أصحابنا فذلك أصل قد تقرر بطلانه في الدعوى الأولى.
وثالثها: أنهم بنوا على ما لايعقل من القول بالفطرة وهو القول بالطبع.
فصل
قوله: (أما الدعوى الثالثة وهي: أن الجسم لم يحل من الأعراض المحدثة).

ضرب غير باق فيجوز خلو الجسم عنه بكل حال يعني قبل وجوده فيه وبعد وجوده، وقد ذهب من خالف في الدعوى الثانية إلى أنه لايجوز خلو الجسم عن الأعراض كلها بل هي موجودة فيه فما ظهر أوجب وما كمن لم يوجب وذهب أبو علي وأبو القاسم والأشعرية إلى أنه لايخلو الجوهر مما يحتمله أو من ضده فإن لم يكن له ضد لم يخل منه أصلاً وأما من خالف في هذه الدعوى فقد ذهبوا إلى جواز خلو الجسم عن جميع الأعراض وأراه الذي لاينفي الاعتماد والصوت والألم ونحوها فأما كلام أهل لاكمون والظهور فقد تقدم بطلانه وهو بناء على قدمها وأما قول أبي علي ومن تابعه فهو أيضاً واضح البطلان فإنا نعلم خلو كثير من المحال عن الصوت مع أن مذهبهم يقتضي ألا يخلو المحل عنه وقتاً واحداً وكذلك نعلم خلو المحال عن كثير من المتضادات.
قوله: (وضرب باق فيجوز خلو الجسم عنه).. إلى آخره.
مثاله: اللون فإنه يجوز ألا يوجد الله تعالى في الجسم الذي جعله لوناً، فقد حاز ذلك الجسم عن اللن مطلقاً، وإذا أوجد في سوادً مثلاً لم يحل ذلك الجسم عن جنس من أجناس اللون، وإن حاز خلوة من السواد، وذلك لأن اللون الذي وجد فيه باق، والباقي لا ينفى إلاَّ بضد أو ما يجري مجراه على ما تقدم، وضده من نوعه، فإن الذي ينفي السواد إما بياض أو حمرة أو نحوهما، وهما وغيرهما مما ينفيه من جنس للون.

فإن قيل: هلا خلا عن الباقي بعد وجوده فيه وعن خلسه، فإن ينتفي بما يجري مجرى الضد فقد أجزتم انتفاء الباقي، بذلك قلنا: أما الباقيات الَّتِي لا يوجد في الآحاد كالتألف والحياة والقدرة، فمسلم ابتغاؤها بما يجري مجرى الضد، وخروج الجسم عنها إلاَّ إلى ما هو من جنسها، فإنه لا ضد لها لا من جنسها ولا من غير جنسها، وأما الَّتِي توجد في الآحاد ولا تحتاج إلى أكثر من جزء في وجودها كاللون والطعم ونحوهما، فليس الذي يجري يجري مجرى الضد لها إلاَّ الفناء لنفيه ما يحتاج إليه من المحال وهو لاينفها إلى مع نفيه الجسم وكلامنا هو في حال بقاء الجسم فقد ثبت أنَّه لايخلو عنها بعد وجودها فيه.
إذا عرفت هذا فالأولى أن يقال: الأعراض تنقسم إلى ثلاثة أقسام، قسم يجوز خلو الجسم عنه مطلقاً وهو ما لايبقى أو يبقى ولاضد له قبل وجوده، وقسم لايجوز خلوه عنه مطلقاً وهو الأكوان، وقسم يجوز خلوه عنه قبل وجوده فيه ولايجوز بعد وجوده فيه أن يخلو عنه إلاَّ إلى جنسه وهو ما يبقى ولاينتفي إلاَّ بضد كالألوان.
قوله: ( لا لأمر يرجع إلى الجسم).
يعني فلا يكون كاستحالة خلوه عن الكوان فإنه لأمر يرجع إليه وهو كونه مصمتاً بالكون.
قوله: (وإن أمكن الاستدلال به على حدوث الجسم). الضمير في (به) عائد إلى ما عدا الكون المطلق من الأكوان وذلك هو الكون الواقع في الوقت الثاني وهو إما حركة بأن ينتقل الجوهر في الوقت الثاني من وجوده أو سكون بأن يبقى في تلك الجهة وهو نفس الكون المطلق إلاَّ أنَّه في الوقت الثاني يسمى سكوناص.
قوله: (لنه لم يسبقه إلاَّ بقوت واحد يعني فلو كان الجسم قديماً لوجب أن يتقدم على هذا الكون المحدث الحاصل ويأتي حال وجوده بما لو كانت هناك أوقات لكانت بلا نهاية ولأنه إذا لم يسبقه إلاَّ بوقت فقد صار يمكن الإشارة إلى وقت وجد فيه وحدث وذلك يبطل قدمه.
قوله: (لأن الجسم لايحصل إلاَّ في محاذاة).

اعلم أن الجهة والمحاذاة والحيز في اصطلاح المتكلمين بمعنى واحد والمرجع بها إلى الفراغ.
قوله: (وبجامع التحيز فيما غاب عنا).
يعني فنقول: إنَّما وجب حصول هذا الجسم الحاضر في جهة لتحيزه والتحيز ثابت فيما غاب عنا فيجب حصوله في الجهة وإبطال أن يكون لغير التحيز من الأقسام على نحو ما مضى ونظائره.
قوله: (وسواء حصل حال الحدوث أو حال البقاء).
يعني الكون المطلق بالنسبة إلى الاجتماع والافتراق فإنه مطلق مهما لم يوجد غير ذلك الجوهر فإذا قدرنا أن الله تعالى خلق جوهراً واحداً فقط وبقي ذلك الجوهر أوقاتاً لاشيء معه من الجواهر فإن الذي يوجد فيه من الكوان وسواء تنقل في الجهات أو بقي في جهة واحدة مطلق بالنسبة إلى الاجتماع والافتراق بمعنى أنَّه لايسمى اجتماعاً ولا افتراقاً حتَّى يوجد غيره فإن ضامّه ذلك الغير فالكون الذي فيه حينئذ اجتماع وإن باينه فافتراق بخلاف المطلق بالنسبة إلى الحركة والسكون فإنه لايسمى مطلقاً إلاَّ حال الحدوث، وفي الوقت الثاني إن بقي في جهته تلك فسكون وإن انتقل عنها فحركة.
قوله: (لو جاز خلوه عن الأكوان فيما مضى من الزمان لجاز الآن).
اعلم أنَّه يحتاج إلى أن يراد بعد ذلك بأن يبقى على ما كان عليه من الخلو لئلا يرد أن يقال: أليس الجسم ذو اللون يجوز عندك خلوه عن اللون فيما مضى ولايجوز خلوه عنه الآن ومع تلك الزيادة يسقط الاعتراض فإن اللون وإن لم يجز خلو الجسم عنه الآن فهو يجوز بأن يبقى على ما كان عليه من الخلو فكان يلزم جواز وجود جسم لا كون فيه بأن يبقى على ما كان عليه من الخلو عن الكون ومعلوم خلافه.
قوله: (لم يتغير عليه إلاَّ مرور الزمان).
يقال: لِمَ لم يقل: والمكان، كما هو مذكور في بعض كتب هذا الفن.

والجواب: أن مرور الزمان عليه متيقن وأما اختلاف المكان فإنه غير متيقن، وإذا قال لم يتغير عليه إلاَّ مرور الزمان والمكان فقد قطع باختلاف المكان عليه ثُمَّ أن عدم تأثير المكان في تغير أحوال الجسم أظهر من عدم تأثير الزمان ولهذا وقع الخلاف في الزمان دون المكان.
واعلم أن هذا الدليل لايتم إلاَّ مع العلم بأن الجسم لايوجد إلاَّ متحيزاً وأن تحيزه غير متجدد كما ذكره المصنف وأما مع تقدير وجوده غير متحيز كما ذهب إليه المخالف وبنى كلامه عليه فله أن يقول بل تغير عليه غير الزمان وهو التحيز فإنه قد كان غير متحيز فلم يصح حلول الأكوان فيه وبعد تحيزه حلته كما هو مذهبهم لكن سيأتي بطلان وجود الجسم غير متحيز.
قوله: (فيما يجب للجسم أو يجوز أو يستحيل).
مثال ما يجب له الكون في جهة فإنه لما كان لايوجد إلاَّ متحيزاً ولايكون متحيزاً إلاَّ وهو كائن في جهة ولايكون كائناً في جهة إلاَّ بكون كان واجباً له في كل وقت.
ومثال ما يجوز عليه هو التنقل فإنه يجوز عليه في كل وقت أن ينتقل من الجهة الَّتِي هو فيها إذ ليس كونه فيها لما هو عليه في ذاته ولايجب انتقاله إلى غيرها إذ ليس لأمر يرجع إلى ذاته.
ومثال ما يستحيل عليه كونه كائناً في جهتين في وقت واحد فهذه الأمثلة المذكورة لاتتغير وجوبها ولااستحالتها بمرور الأزمنة ولا اختلاف الأمكنة.

33 / 158
ع
En
A+
A-