قوله: (فإنا وجدنا القدرة على بعضها يلازم القدرة على البعض). تلخيص هذا الوجه أن يقال: إنا قد بينا أن القدرة على صفة من صفات الذات يلازمها القدرة على سائر صفات تلك الذات وعلمنا ذلك بطريق الاستقراء أو التتبع، وعلمنا أن القدرة على صفة لذات هي العلة في القدرة على سائر صفات تلك الذات لدوران الحكم معها ثبوتاً وانتفاء بخلاف القدرة على ذات من الذوات فإنا لم نجدها علة في القدرة على سائر الذوات ولا وجدنا القدرة على الذوات متلازمة بل علمنا ضرورة الفرق بين ما يتعلق بنا من الذوات وما لايتعلق.
قوله: (لأن كثرة المدافعة تحتاج إلى كثرة الجهات).
المدافعة: هي الاعتماد والمراد أن كثرة اعتمادات الجسم وتهاديها في حال لايكون إلا مع كثرة الجهات التي يهوى فيها ذلك الجسم فإذا هوى من شاهق فاعتماداته ومدافعته لما يقع عليه يكون أكثر من اعتماداته إذا هوى من دونه لنه إذا كان في هذا الجسم الذي هوى مثلاً عشرة أجزاء من الثقل لازمه باقية ففي الوقت الثاني من هويه يولد تلك العشرة عشرة اعتمادات مجتلبة غير باقية وفي الوقت الثالث تولد العشرتان عشرين وتعدم إحدى العشرتين المولدتين وهي المجتلبة فتكون الاعتمادات ثلاثين، وفي الوقت الرابع يولد الثلاثون ثلاثين فتكون جملة الاعتمادات أبعين وهلم جراً فما كثرت الجهات كثرت الاعتمادات والمدافعات وما قلت الجهات كانت الاعتمادات أقل، وفي كلام المصنف نظر لن ابن الملاحمي قصد أن تعذر ثقله لكثرة الاعتمادات ولا كلام في كثرتها عند أن يسكنه الواحد منا لأنه يسكنه باعتماد يوجده فيما سكنه به من يد أو غيرها فيوجد فيه اعتمادات بعدة ما أوجد فييده لأن الاعتماد يولد الاعتماد ويوجد فيه سكون متولد عن الاعتماد، لأن الاعتماد يولده إذا منع مانع من توليده للحركة.
تنبيه
اعلم أن من أصول الجمهور أن الاعتماد لايمنع بنفسه وإنما يمنع بموجبه وهو الكون.
قالوا: فإاذ سكن أحدنا جسماً فالمانع عن تحريكه ما تولد فيه من السكون عن الاعتماد لأن المنع لايكون إلا بضد أو ما يجري مجراه وليس الاعتماد ضد للحركة ولا جاري مجراه مع أن الذي يجري مجرى الضد لابد إذا كان منعاً من وقوعه على وجه كالتأليف فإنه لايمنع عن التفريق الذي يجري مجرى الضد له إلا إذا وقع على وجه من كونه التزاقاً فعرفان أن المانع من تحريك الجسم وتنقيله حدوث سكون فيه ..... في تلك الجهة. وقد عرفت أنا أبا علي يمنع من تسكين الساكن وتزايد السكون فلا يتأتى هذا على أصله.
قوله: (فدليله صفة الوجود والوجوه التابعة له).
اعلم أن مذهب الجمهور أن الوجود لايتزايد وأن الموجود لايستحق من الوجود أكثر من صفة وسياتي إن شاء الله في باب الصفات وكذلك مذهبهم في الوجوه التابعة له نحو كون الكلام خبراً وذكر الشيخ الحسن في الكيفية أن كون الكلام خبراً يتزايد المريد به فإذا أراد كون الكلام خبراً بإرادات كثيرة تزايد كونه خبراً لن كل إرادة لابد أن تؤثر في صفة ولايجوز أن تؤثر صفاته الكثيرة بكونه مريداً في حكم واحد للكلام بكونه خبراً، وقد أبطل ما قاله بأن المؤثر في كونه خبراً هو الفاعل وليست المريدية هي المؤثرة وإنما هي شرط في تأثير الفاعل، فكان يلزم على ثبوت حكمين للكلام بكونه خبراً أن يعلق الإرادة بأحد الحكمين والكراهة بالآخر فيريد كون الصنعة خبراً عن زيد، ويكره كونها خبراً عنه، وذلك محال.
قوله: (كالعلة).
اعلم أن العلة لاتؤثر للذات الواحدة إلا في حكم واحد أو صفة واحدة إذ لو بعدت لتعدت ولا .... فقاس أصحابنا عليها وقالوا: إذا لم يتعد تأثيرها إلى أكثر من صفة للذات الواحدة فكذلك الفاعل في تأثيره في صفة الوجود للذات وفي الكائنية لو كان هو المؤثر فيها، قالوا: ولايقال أن الفاعل يؤثر في صفات كثيرة لذوات كثيرة بخلاف العلة فهلا فارقها بالنظر إلى ذات واحدة. قالوا: لأن هذا فرق من وراء اجتماعهما وإنما صح ذلك منه دونها لأن هذه الذوات معه على سواء بخلاف العلة فإنها تختص بذات واحدة.
قوله: (الوجه الخامس) إلى آخره.
اعلم أن هذا الوجه استدلال على أن القدرة معى فليست كما يذهب إليه أبو الحسين ومحمود وأصحابهما فإنهم ذهبوا إلى أن المرجع بها إلى صحة البنية وأنها ليست بمعنى ولاصفة زائدة على ذلك ويرجعون بما يحصل لمن صح منه ما تعذر على الآخر إلى أن يثبته أصح وأن جسمه أحصف بمعنى أصلب وأصح كما سيأتي، وليس هذا الوجه بدليل على ما نحن فيه من إثبات الكون ذاتاً لأنهم ولو سلموا الاحتياج إلى زيادة قدَر يقولون بأنه يحتاج إليها ليفعل بها كائنيات فإن كل صفة تحتاج إلى زيادة قدرة ولهذا فإن الذي يؤثر فيه أحدنا عند الجمهور هو صفة الوجود فقط، وأما الذوات فهي ثابتة من قبل مع أنه يحتاج في تحصيل صفات لاوجود الكثيرة إلى زيادة قدر ولكنه إذا ثبت أن القدرة معنى ثبت أن الكن معنى ولو سلم أبو الحسين أن القدرة معنى سلم ذلك في الكون أيضاً، فإن قصد المصنف الاستدلال بهذا الوجه على ثبوت الكون معنى ورد عليه مثل ما أورده المصنف على الوجه الذي قبله، وهو أنهم يقولون يحتاج إلى زيادة القدر التي هي عندهم صحة البنية ليفعل صفات كثيرة كما يقولون يحتاج إلى زيادة القدر التي هي عندكم معاني ليفعل أكواناً كثيرة.
قوله: (ليفعل أكواناً واعتمادات) الذي يؤثر في حمل الثقيل الأكوان ولكن احتياجه إلى فعل الاعتمادات ليولد الأكوان لأنها لاتصح منا ههنا إلا بتولده عن الاعتمادات.
قوله: (لحصول كونه قادراً واحتمال المحل في الموضعين).
يعني حصول القادرية التي كانت ثابتة له حال تمكنه من حمل الخفيف واحتمال المحل أي محل الحمل للحمل في الموضعين أي في الثقيل والخفيف لن الثقيل يحتمل الحمل كما يحتمله الخفيف.
قوله: (فكان يلزم لو أخذ الضعيف عوداً صليباً) إلى آخره.
يقال: ذلك ملتزم فإنه يتأتى من الأضعف أن يحرك بالعود ما يحركه الأقوى بيده ولكن ذلك لايتأتى في حق كل ضعيف وقوي بل إذا كان قوة الضعيف دون قوة الأقوى بيسير والكلام متوجه إلى من دونه بكثير.
تنبيه
قيل: إن من أقوى ما يستدل به على أبي الحسين وأصحابه أن يقال: إذا كنت تجعل الكون صفة فهو قبل حصوله لاشيء فإن الصفة قبل حصولها لاشيء بلا كلام فتعلق قدرة الفاعل بها يكون إذاً تعلق شيء بلا شيء ومن المحال أن يتعلق شيء بلا شيء فيكون إذا تعلق قدرة الفاعل بها محالاً.
فإن قيل: وله أن يقول مثل هذا وارد على الجمهور في تعلق قدرة الفاعل بصفة الوجود.
قلنا: إن قدرة الفاعل تتعلق بالذات وهي عندهم ثابتة في العدم وإنما يرد ذلك على من نفاها في حالة العدم.
فإن قيل: وله أيضاً أن يقول إن جعلتم القدرة متعلقة بالذات فهو باطل إذ هي عندكم غير مقدورة أو بمجرد الصفة فهو باطل أيضاً للزوم ما ألزمتم من تعلق شيء بلا شيء أو بالذات على الصفة فباطل كذلك لأن الصفة لم يثبت لها تعدد.
قلنا: بل نقول يتعلق بالذات وقولكم أنها غير مقدورة لانسلمه إذ المقدور المعدوم الذي يصح إيجاده وهذا حال هذه الذات.
تنبيه آخر
أو قيل: قد أبطل المصنف كل واحد من الأقسام إلا وجود معنى وذلك لايكفي في صحته مالم يات مع ذلك بدلالة على أنه كان مجتمعاً لوجود معنى وإلا فأكثر ما عرف من استدلاله بطلان سائر الأقسام.
قلت: بل قد كفى استدلاله على بطلان سائراه فيا لعلم بأن كونه مجتمعاً حصل لوجود معنى لأنا قد علمنا وثبت لنا أن الحكم معلل ثم ذكر ما يمكن أن يعلل به وأبطل تلك الأقسام إلا واحداً فوجب أن يتعين تعليل الحكم به مع عدم الدليل على بطلانه وإلا اقتضى انفلات ما علم ضرورة أو بأدنى تأمل من أنه لابد من أمر لأجله كان الجسم مجتمعاً جهلاً وهو محال.
واعلم أن القسمة التي أوردها المصنف في تعليل كونه مجتمعاً إحدى ثلاث قسم:
قسمة تذكر ويراد بها إبطال سائر المقسومات كما يأتي في نفي كونه تعالى مشتهياً.
وقسمة تذكر ويراد بها إثبات جميع المقسومات كقسمة الموانع بأن نقسمها إلى قرب وبعد ونحوهما ثم نثبتها الجميع.
وقسمة تذكر ويراد بها تصحيح البعض وإبطال البعض كهذه القسمة فإنا أبطلنا فيها بعضاً وهو أكثر الأقسام وصححنا بعضاً وهو أنه مجتمع لمعنى.
فصل
وأما الدعوى الثانية وهي أن الأعراض محدثة فقد خالف في ذلك فرقة من الفلاسفة زعموا أنها قديمة ولكنها تكمن وتظهر وإنما قالوا بالكمون والظهور لئلا يلزمهم من عدمها عدم قدمها وهؤلاء فرقة غير النافين لها وقد ذهبت المطرفية إلى أن الأكوان وغيرها لاتوصف بأنها محدثة وإن وجدت بعد أن لم تكن بناء على أصلهم من أنه لافاعل لها وإنما حدثت بالفطرة التي فطرت الأجسام عليها.
قالوا: ولكن تسمى حادثة وحدوثاً وقد بنوا أيضاً على أنها ليست بذوات بل صفات.
قوله: (فقد ادعى فيه كثير من الناس الضرورة) والأكثر على أنه يعلم دلالة ولايتأتى على كلام مثبتي المعاني إلا أن يعلم دلالة إذ ذواتها معلومة بالاستدلال فلا يعلم الفرع ضرورة.
قوله: (وهو حاصل فيما غاب عنا).
يعني التحيز الذي ثبت لأجله جواز أن يحترك الساكن ويسكن المحترك ويفترق المجتمع ونحوه كما تقدم أن جواز ذلك للتحيز فيجب أن يكون المتحيز الغائب كذلك لحصول ما لأجله يجوز ذلك عليه.
قوله: (لم يخل الاجتماع إما أن يكون باقياً أو متنقلاً أو معدوماً).
دليل أنه لايخلو من هذه الأقسام أنها قسمة دائرة بين النفي والإثبات لأنك تقول الاجتماع بعد طرو الافتراك عليه لايخلو إما أن يبقى بصفة الوجود أو لا، إن لم يبق فهو معدوم وإن بقي اختص بصفة الوجود، فأما أن يكون في محله أولاً إن كان في محله فهو الباقي فيه، وإن لم يكن فهو المنتقل عنه.
قوله: (لتأديته إلى أن يكون الجسم مجتمعاً مفترقاً دفعة واحدة).
الوجه في لزوم ذلك أن الاجتماع إذا كان بقاياً علىما زعموا وقد ثبت أنه يوجب كونه مجتمعاً وأنه علة له وإنما يوجبه لما هو عليه في ذاته من صفته المقتضاة وما هو عليه في ذاته حاصل بعد طرو ضده لزم أن يوجب كونه مجتمعاً لحصول ما يؤثر في الإيجاب وعدم وقوفه في الإيجاب على شرط إذ هو علة والعلة لاتقف على شرط وهذه الجملة تشتمل على أبحاث:
البحث الأول
أن الاجتماع وغيره من المعاني يوجب ما يوجبه لما هو عليه في ذاته من صفته المقتضاة والدليل على ذلك أنه قد ثبت إيجابه وباطل أن يكون لغير أمر إذا لم يكن بالإيجاب أولى من عدمه، ولا كانت المعاني الموجبة بأن يوجب أولى من غيرها مما لايوجب وكان يلزم استمرار الإيجاب في حالتي عدمه ووجوده وإذا أوجب لأمر فهو لايخلو إما أن يكون خارجاً عن الذات أو راجعاً إليها، والخارج عنها ليس إلا الفاعل أو العلة وباطل أن يكون إيجابه للفاعل للزوم أن يوجده ولا يجعله موجباً وأن يوجد ما لايوجب فيجعله موجباً لن ما كان بالفاعل فهو واقف على اختياره، وباطل أن يكون لعلة لأن المعنى لايختص بالمعنى إذ لايصح حلوله فيه، وإذا وجد في محله فليس بأن يوجب ذلك الإيجاب لبعض المعاني الموجودة في ذلك المحل أولى من البعض بل كان يلزم أن يوجب الإيجاب للمحل نفسه ولأنه كان يلزم منه التسلسل فيحتاج هذا المعنى في كونه موجباً للإيجاب إلى معنى وهلم جراً.
فبقي أن يكون الإيجاب لأمر يرجع إلى الذات وباطل أن يكون لمجرد الذات للزوم الإيجاب في كل ذات ولزوم أن يوجب في حالة العدم ولأن الأحكام لاتجوز أن تكون ذاتية وباطل أن يكون لأجل الصفة الذاتية للزوم أن يحصل الإيجاب في حالة العدم لحصولها في تلك الحال.
فإن قيل: إن إيجابها مشروط بالوجود.
قلنا: قد قال أصحابنا لايجوز تأخر إيجابها إلا إذا كان صحة لصفة أو كيفية لها فتأثيرها في صحة الصفة المقتضاة ووجوبها الذي هو كيفية لها مشروط بالوجود وما عدا ذلك من تأثيرها لايشترط فيه الوجود كإيجابها للمماثلة والمخالفة وصحة كون الشيء معلوماً.
إذا ثبت ذلك فمعلوم أنه لايصح الإيجاب في حالة العدم إذ لاطريق إليه ويلزم عليه كون الأجسام مجتمعة كلها حال العدم لإيجاب المعاني المعدومة مع عدم الاختصاص وكونها لاتتناهى وباطل أن يكون الإيجاب لأجل الوجود للزوم الإيجاب في كل موجود وباطل أن يكون للحدوث لمثله فلم يبق إلا أن يكون للصفة المقتضاة.
البحث الثاني
في الدليل على أن عليه الافتراق في ذاته حاصل بعد طرو الاجتماع على تسليم بقائه وعدم انتفائه ويدل عليه ما يعلمه من حصول مقتضيه وهي الصفة الذاتية وشرط اقتضائها وهو الوجود ولا يجوز حصول المقتضي والشرط مع تخلف المقتضي وإلا لقدح في كونه مقتضياً.
البحث الثالث
في أن إيجاب الاجتماع وسائر العلل لايقف على شرط سوى وجودها واختصاصها والدليل عليه أن تجويز شرط منفصل يلزم منه تجويز أن يكون في الجسم معان كثيرة موجبة لكن لم يحصل شرطها وتجويزه يفتح باب الجهالات والتحيرات.
قوله: (لأن الافتراق هو الطارئ فله حط الطرو).
اعلم أن من أصول أصحابنا أن الحادث له حط الحدوث، ومعنى ذلك أنه إذا حدث سواد في جسم فيه بياض باق فطرأ عليه ذلك السواد فإنه ينفيه لأن له حظ الطرو حتى لو كان في المحل عشرة أجزاء من البياض لنفاها الجزء الواحد الطارئ من السواد وذلك لأن الباقي لاحظ له في المنع بخلاف الحادث.
دليله ما نعلمه من أن الواحد منا إذا سكن جسماً فمن كانت قدرته دون قدرة المسكن له لايتمكن من تحريكه حالة التسكين فإذا رفع المسكن ما كان مسكناً به ذلك المسكن ونحن نقطع ببقاء ما كان قد فعله فيه من السكون إذ السكون من الباقيات تأتَّى من الضعيف حينئذ تحريكه لما كان الذي فيه من السكون حينئذ بقاياً، واستدلوا أيضاً بما ذكره المصنف من أنه إذا كان له حالة حدوث كان أولى بالوقوع والإيجاب من ضده لأنها حالة وجوب وقوعه من فاعله بخلاف ما كان باقياً فلذلك ينتفي.
قوله: (وإن سلمنا أنه طار). يعني ويكون طروه ههنا بمعنى ظهوره بعد كمونه.
قوله: (وأما الكمون والظهور فغنما يعقل في الأجسام). ينبغي أن يقول في المتحيز ليشمل ما عدا الجسم كالجوهر ونحوه، وإنما كان غير معقول فيما عدا ذلك لأن الكمون حقيقته اختفاء المتحيز بعد أن كان ظاهراً وحقيقة الظهور أن يبدو المتحيز بعد أن كان خافياً ثم أن القول الكمون هنا إثبات ما لاطريق إليه وذلك لايجوز.
قوله: (لما كان إلى وجودها طريق).
يعني لأن الطريق إليها ليس إلا حصول موجبها.
قوله: (ما هو المعقول من أنه تفريغ جهة وشغل أخرى).
يعني فلا يعقل من معنى الانتقال غير هذا ولم يضعه أهل اللغة إلا لما هذه صفته، وقال: تفريغ جهته وشغل أخرى ليشمل ما انتقل من مكان ومن فراغ إلى فراغ فهو أولى مما قاله السيد الإمام أنه تفريغ مكان وشغل مكان.
قوله: (وإلا لم يصح اجتماع الأعراض الكثيرة في المحل الواحد).
يعني لاستحالة التداخل في المتحيزات فإنا نعلم ضرورة استحالة أن يكون المتحيزان في جهة واحدة أو مكان واحد ومعلوم أن كثيراً من الأعراض فوجد في المحل الواحد كالأعراض التي في حبة الرمان من لون وكون وطعم ورائحة وتأليف واعتماد ورطوبة فإن هذه حاصلة في كل جزء منها.
قوله: (وكان يجب أن تتكاثف وتعظم) أراد الأعراض وذلك بأن تجتمع فتتكاثف كما أن الأجسام كذلك لما كانت متحيزة ومما يبطل به تحيز الاجتماع وحده أنه يلزم منه أن يكون مجتمعاً أو مفترقاً فيؤدي إلى التسلسل.
قوله: (لأن حلول العرض في محل معين كيفية في وجوده).
المتكلمون يذهبون إلى أن كل معنى وجد في محل فإنه لايصح أن يحل في غيره لاقبل وجوده ولابعده وكذلك فما كان من الأجناس يصح حلوله ووجوده لا في محل كالإرادة فما صح من أفرادها أن يوجد في محل استحال أن يوجد لا في محل مع استحالة أن يوجد في محل غير ذلك المحل المعين، وما صح أن يوجد لا في محل استحال أن يوجد في محل للدلالة التي ذكرها المصنف من أن ما يحل محلاً لو جاز حلوله في غيره إلى آخرها.
قوله: (لما سلف من أنه لايحتمل الذات على صفة ) إلى آخره.
يقال: ليس حلوله في المحل صفة له فكيف يكون كما تقدم؟
والجواب: أنه لافرق بين الصفة والوجه والمفارقة فلا يجعل الذات على صفة أو وجه أو مفارقة إلا من قدر على تلك الذات والحلول وإن لم تكن صفة للحال فإنه وجه يقع عليه ومفارقة يفارق بها تلك الذات مالم يحل محلها والدليل على ذلك ما تقدم فإنه يمكن طرده في جميع ما ذكر.
قوله: (ولأنه ليس بأن يوجب حلوله في محل أولى من غيره).
هذا الوجه لايتصور إلا في إبطال أن يحل أن يحل في محل بعد أن كان حالاً في غيره لمعنى وتلخيصه أن يقال: هذا المعنى الذي قيل با،ه يوجب حلوله في محل غير محله الذي هو فيه لايخلو إما أن يحل محله فليس بأن يوجب انتقاله من ذل المحل إلى محل معين أولى من غيره إذ سائر المحال التي يصح انتقاله إليها على سواء معه فلا يكون بأن يوجب انتقاله إلى بعضها أولى من الآخر أو يحل في المحل الذي يوجب انتقاله إليه فليس بأن يوجب انتقاله إلى محله أولى من غيره من المعاني التي في المحال إذ لا اختصاص له به دونها.
قوله: (وعلى الجملة فإما أن يكون الانتقال على سبيل الجواز أو الوجوب وكلاهما باطل).
أما على سبيل الجواز فهو ما كان بالفاعل أو العلة وقد تقدم إبطال ذلك، وأما على سبيل الوجوب فالذي يدل على بطلانه أن الذي يجب لايكون إلا للذات أو لصفتها فكان يلزم منه أن يكون منتقلاً مستمراً وألا يلبث في محل واحد وقتين فصاعداً لحصول ما يوجب انتقاله في سائر الأوقات وذلك محال ويلزم أن يكون منتقلاً حاله العدم.
قوله: (وكلاهما باطل كما سيأتي).
يعني من أن القديم لايجوز أن يكون قديماً بالفاعل ولا لعلة.
قوله: (الوجه الثاني أن القديم باق) إلى آخره. الكلام من هذا الوجه يقع في ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى
في حقيقة الباقي وبيان أن القديم باق أما حقيقته فالباقي ما استمر له في الوجود وقتان فصاعداً أو ما يجري مجرى الوقتين. وقلنا: ما يجري مجرى الوقتين لأن القديم تعالى فيما لم يزل باق وإن لم يكن ثم وقت إذ المرجع به إلى حركات الأفلاك لكنه يجريمجرى الوقت وسيأتي حقيقة الوقت في فصل الآجال إن شاء الله تعالى. وأما الدليل على أن القديم باق فلأن المرجع بالقدم إلى حصول الوجود في الأزل واستمراره وعدم تحدده وذلك يتضمن معنى البقاء.
الفائدة الثانية
أن الباقي لاينتفي إلا بضد أو ما يجري مجراه.