قلنا: فيلزم صحة التحيز للأعراض لأنه لايجوز أن يحصل المقتضي ويستحيل شرط الاقتضاء على الإطلاق ومعلوم استحالة حصول التحيز للأعراض مطلقاً فتبين أن كونه موجوداً ليس بمقتضٍ ويمكن إفراد هذا الجواب وجهاً مستقلاً في إبطال تأثير الوجود في الكائنية بأن يقال: لو كان مؤثراً فيها لم يتصور ذلك إلا بطريقة الاقتضاء إذ هو معنى تأثير صفة في صفة ولايصح أن يكون مقتضياً لما ذكره فكذلك في الحدوث.
قوله: (ويلزم ألا تجدد له هذه الصفة حال البقاء).
الوجه في ذلك أن الأثر لايتجدد إلا بتجدد المؤثر ولايجدد للحدوث حال بقاء الجسم وعبارة المصنف هذه حسنة فلا يرد عليها ما ورد على عبارة السيد الإمام حيث ألزم ألا يستمر كونه مجتمعاً إذا كان المؤثر الحدوث فقد اعترض بأنه لامانع من استمرار الأثر وإن فقد المؤثر كالفعل والمسبب فإنهما يستمران وإن عدم الفاعل والسبب فهذا الاعتراض ساقط عن عبارة المصنف لأنه ألزم أن لايتجدد وذلك صحيح لما تقدم، وإن كان قد أجيب عن ذلك الاعتراض بأن الحدوث لو كان مؤثراً لكان من قبيل المقتضيات إذ هو صفة ومعلوم أن المقتضي يزول بزوال المقتضي ولايستمر مع زواله فكان يلزم إذا زال الحدوث أن يزول كونه مجتعماً ولايحصل بعد ذلك بخلاف الفاعل والسبب، فليس حكمهما حكم المقتضي في ذلك.
قوله: (وبهذا الأخير يبطل الخامس) أراد بالأخير لزوم ألا يجدد هذه الصفة حال البقاء، ونظير ذلك الحسن والقبح فإنهما لما كانا لحدوث الفعل على وجه لم يتجددا حال بقائه في حالة واحدة ولأنه لايعقل في تأثيره إلا طريقة الاقتضاء فكان يلزم أن يكون واجباً، وقد ثبت أنه جائز فالخامس يبطل لهذين الوجهين كما يبطل بهما الثالث والرابع.

قوله: (باطل). يعني وهو أن يكون الجسم مجتمعاً لعدمه بنفسه لا لعدم معنى فبطلانه سيأتي والدليل على بطلان السادس ما ذكره ولم يبطله بأنه لايصح أن يكون مجتمعاً إلا وهو موجود، ومحال أن يكون معدوماً مجتمعاً لأنه يرد عليه أن يقال: ما أنكرتم أن تأثير العدم في حال كونه موجوداً لا في حال عدمه فيكون عدمه في الوقت لاذي قبل وجوده مؤثراً في اجتماعه في الوقت الثاني وهو حال وجوده كما أن النظر يؤثر في الوقت الثاني، وإن كان قد أجيب عنه بأنه قد ثبت بطريقة السبر أن ما أثر في أمر لم يحله في حالة ما وقد ثبت أن العدم في وقته يحيل كونه مجتمعاً ولأن من حق المؤثر إذا لم يكن فاعلاً ولاسبباً أن يقارن أثره فلا يصح كون العدم المتقدم مؤثراً في كون الجسم مجتمعاً بعد الوجود فأما النظر فهو سبب فصح فيه ذلك ومما يبطل أن يكون اجتماعه لعدمه أن تأثير العدم لايعقل إلا أن يكون من باب الاقتضاء ومن حق المقتضي أن يكون أمراً ثابتاً والعدم نفي.
قوله: (لأن المصحح لهذه الصفة هو التحيز وهو مشروط بالوجود) يعني وإذا كان شرطاً في مصححها كان شرطاً فيها وإذا كان الوجود شرطاً استحال أن يكون العدم مؤثراً لامتناع أن كون المؤثر مؤثراً.
قوله: (لأن المعنى المعدوم لايختص رأساً) يعني وإذا لم يوجب لأن العلة لاتوجب إلا بشرط الاختصاص فإذا زال الشرط زال المشروط وفيه فوائد:
الفائدة الأولى
في تعدادات الاختصاصات وهي خمسة:
الأول: اختصاص الشيء بالشيء بأن يحله فيوجب له كاختصاص الكون بالجوهر.
الثاني: اختصاص الشيء بالشء بأن يحل بعضه فيوجب لجملته كاختصاص القدرة والعلم ونحوهما بالواحد منا.
الثالث: اختصاص الشيء بالشيء بأن يوجد على حد وجوده فيوجب له أو ينفيه كاختصاص الإرادة بالباري تعالى واختصاص الفناء بالجواهر، ومنهم من عد هذا الاختصاص اختصاصين.
الرابع: اختصاص الشيء بالشيء بأن يحله فيلتبس به كاختصاص اللون بمحله.

الخامس: اختصاص الشيء بالشيء بأن يوجد في محله فينفيه كاختصاص السواد بالبياض وكذلك جميع المتضادات الباقية الراجعة إلى المحل.
الفائدة الثانية
في الدليل على أن المعدوم لايختص وأن العدم مقطعة الاختصاص والدليل على ذلك أن الاختصاصات المذكورة مفسرة جميعها بالوجود أو ما يتفرغ عليه فإن الوجود مذكور في بعضها والحلول في بعض والحلول يتفرع على الوجود.
الفائدة الثالثة:
أن العلة لاتوجب إلا بشرط الاختصاص والذي يدل على ذلك أنها إذا لم تختص فهي مع جميع الذوات التي يصح موجبها عليها على سواء فلم تكن بالإيجاب لهذه أولى من هذه ومحال إيجابها لأكثر من معلول وذلك كالإرادة المعدومة فإنها ليست بأن توجب للباري أولى من أ؛دنا ولا لزيد أولى من عمرو بخلاف ما إذا وجدت في قلب زيد فقد صارت بأن توجب له أولى لاختصاصها به دون غيره، وكذلك إذا وجدت لا في محل فإنها بأن توجب للباري تعالى أولى لاختصاصها به تعالى.
الفائدة الرابعة
أنه إذا زال الشرط زال المشروط، والدليل عليه أن الشرط ما وقف عليه ثبوت أمر آخر وليس بمؤثر فيه ولا فيما يؤثر فيه فلو حصل مشروط من دونه لم يكن شرطاً لعدم وقوفه عليه فوضح لك عدم صحة إيجاب المعنى المعدوم.
ويلحق بما تقدم من إبطال تلك الأقسام إبطال أن يكون مجتمعاً لوجود الاجتماع ومفترقاً لعدم الاجتامع أ, العكس وذلك بأن يقال: إن في هذا إقرار بثبوت المعاني وهو مرادنا ثم يلزم عليه تأثير الاجتماع في صفتين كونه مجتمعاً وكونه مفترقاً أثر في أحدهما لوجوده وفي الأخرى لعدمه وذلك محال، وأيضاً فلا يجوز تأثير الأمر العدمي في الأمر الثبوتي ويلزم أيضاً مع وجود الاجتماع وإيجابه لكونه مجتمعاً أن يوجب أيضاً كونه مفترقاً لأنه إذا أوجب ال اعدمه فوجوده إن لم يحصل لأجله الإيجاب لم يزل فكان يلزم إذا وجد الاجتماع أن يكون مجتمعاً مفترقاً.
قوله: (والذي يشتبه من هذه الأقسام أن يكون مجتمعاً بالفاعل).

فيه سؤال تقريره: أنك قد ذكرت أن هذه الأقسام جميعها هي التي يشتبه الحال فيها فلم قصرت ههنا الاشتباه على هذا القسم.
والجواب: أن اشتباه ما عدا هذا القسم هو بالنظر إلى مالم يذكره من الأقسام التي هي واضحة البطلان واشتباه الحال في هذا القسم هو بالنظر إلى هذه الأقسام المذكورة وكان الولى أن نقول: والأشد استثناها من هذه الأقسام.
قوله: (واحتياجه إلى محل إنما يعلم بدليل منفصل). يعني فلا يقال أنه لايعلم على انفراده وإنما يعلم محله عليه، لأنا إذا سمعنا كلاماً علمناه بانفراده ولايعلم أنه سمع من محل إلا بدليل منفصل وهو ما دل على أنه لايصح وجوده إلا في محل.
قوله: (فليست ذات الجسم كما يقوله النظام).

اعلم أولاً أن مذهب الجمهور أن الكلام من قبيل الأصوات ولكن المرجع بالكلام إلى صوت له صفة مخصوصة من تقطع الحروف وتميز بعضها من بعض وأن الصوت عرض وذهب أبو علي والكلابية والأشعرية إلى أن الكلام ليس من جنس الصوت بل جنس مستقل وأبطل ذلك بلزوم حصول الأصوات المقطعة ولاتكن كلاماً أو حصول الكلام من غير أصوات مقطعة إذ تلازم بينهما من وجه معقول، وذهب الشيخ أبو الحسين محمد بن علي وأصحابه إلى أنه صفة بالفاعل وإبطاله بما تقدم من أنه يعلم على انفراده ولما كان النظام من القائلين بأنه من جنس الأصوات وهو يذهب إلى أن الصوت جسم قال بأن الكلام جسم وإبطاله بما ذكره المصنف من تماثل الأجسام واختلاف الحروف والأصوات وأكثر ما يتبين الاختلاف في الحروف فيعلم مخالفة الرا للزاي ومنهم من قال بتضاد الحروف والأصوات وأبطل أبو هاشم كلام النظام بأنه لو كان جسماً لوجب صحة أن يبنى منه حائط وأبطله أبو علي بأنه يلزم لعدم سمعنا له مستمراً أن يكون كامناً في الجسم الذي سمع منه كالنار في المقدحة فيلزم تجويز أن يتنهي إلى حد لايتمكن من الكلام بأن ينفذ ويفرغ كما قد ينتهي إلى حد لاينقدح معه النار من المقدحة لنفاداه وقد تقدم ذكر تصريح الإمام يحيى تأتي هذه الحكاية عن النظام وهماً وأن النظام لما كان يذهب إلى أنه لايسمع الصوت إلا بانتقال الهوى الحامل له إلى الصماخ ظن الناقل أنه يذهب إلى أنه جسم.
قوله: (وأما أن للكلام بكونه خبراً صفة).
اعلم أولاً أن هذه مسألة خلاف وفي الخلاف إطلاقان وتفصيل، الإطلاق الأول للجمهور من أصحابنا فإنهم ذهبوا أن للكلام بكونه خبراً صفة وكذلك بكونه أمراً ونهياً وسائر أنواع الكلام.
والاطلاق الثاني: لإمامنا المنصور بالله قدس الله روحه وللشيخين أبي الحسين وابن الملاحمي وأصحابهما فإنهم ذهبوا إلى أنه لاصفة له بكونه خبراً ولا أمراً ولا نهياً ولا غير ذلك من أقسامه وهو مذهب الأشاعرة.

وذهب الشيخ الحسن إلى التفصيل فقال: أما الخبر فله بكونه خبراً صفة وأما الأمر فليس له بكونه أمراً صفة وكذلك النهي، والأغلب أنه ينفي الصفة عن سائر أنواع الكلام كما نفاها عن الأمر والنهي ووجه فرقه بين الخبر وبين الأمر والنهي أنه جعل تميز الأمر والنهي عن غيرهما بإرادة المأمور به وكراهة المنهي عنه فاتكفى بذلك عن إثبات صفة لهما بخلاف الخبر فإنه لايصح أن يتميز بإرادة المبخر عنه إذ قد يكون باقياً وماضياً وقديماً لكنه يقال له: فهلا جعلت تميزه بإرادة كونه خبراً عما أخبر به عنه.
قوله: (لأن الخبر غير واقف على أحواله) أراد أحوال المخبر عنه وهي إرادته ودواعيه، وقد اعترض كلام أصحابنا في إثبات صفة للخبر باعتراض ذكره الإمام يحيى وغيره وهو أن هذه الصفة إما أن تكون ثابتة لمجموع الحروف أو لكل حرف من حروف الصيغة، والأول باطل لأن مجموعها لا وجود له في وقت واحد، وإنما الموجود منها حرف واحد، فإن جملة حروف الخبر لاتجتمع في وقت واحد فيلزم أن تكون الصفة ثابتة لمعدوم وهو محال، ويلزم منه قدرتنا على صفة لذات ونحن لانقدر على تلك الذات وهي ما قد عدم من حروف الخبر إذ قد خرجت بعدمها عن كونها مقدورة فينتقض الدليل بنفسه.
قوله: (فلأنها تقف على أحوالنا ثبوتاً ونفياً).
يعني فإن أردنا كون الكلام خبراً عن هذا المعين ودعانا الداعي إلى ذلك كان خبراً عنه، وإن لم يرد وحصل الصارف عن ذلك لم يكن خبراً.
قوله: (والمدح والذم وغيرهما) يعني الأمر والنهي فإنا نمدح على جعل الكلام خبراً عن هذا، ونذم عليه ونؤمر به وننهى عنه.
قوله: (وأما إن قدرتنا عليها علة في القدرة على إيجاد الذات).

اعلم أن هذه هي طريقة المتقدمين من المتكلمين فإنهم جعلوا القدرة على الصفة علة في القدرة على الذات والمراد علة كشف لا علة تأثير ودليل ذلك ما ذكره رحمه الله وهي الطريقة هي التي ذكرها في المحيط واعترضها صاعد من المتأخرين بالاعتراض الذي ذكره الفقيه قام وأخبار صاعد جعل القدرة على الذات أصلاً في القدرة على الصفة قال: لن القدرة على الذات أصل متبوع والقدرة على الصفة فرع تابع.
قوله: (فهي كجعلنا صحة الفعل علة في كونه قادراً). يعنيمع أن كونه قادراً هو الأصل في صحة الفعل ولم يمنع ذلك من جعل صحة الفعل علة فيه لما كان المراد أنها علة كشف.
قوله: (ينبغي أن يكون اعتراضاً عليه فيما اختاره).
ظاهر هذه العبارة أن الفقيه قاسم اختار طريقة صاعد وهو جعل القدرة على الذات هي العلة في القدرة على الصفة وليس كذلك فإنه قد اعترض طريقة صاعد بالذي ذكره المصنف.
قوله: (بخلاف العكس) يعني فإنه لايجب في العلل الكاشفة واعتراضكم هذا إنما هو بعدم حصول العكس فيها وهو وجوب ألا يقدر على الذات إلا من قدر على الصفة.
قوله: (لأنه قد يوجد الحكم مع فقد العلة).
مثاله ما نقوله في قبح الفعل إذا كان ظلماً أن علة قبحه كونه ضرراً عارياً عن نفع إلى آخره، ثم قد يوجد الحكم الذي هو القبح مع فقد تلك العلة كقبح الضد فإن علة قبحه كونه عارياً عن عرض مثله وذلك حين خلفت تلك العلة علة أخرى.
إذا عرفت هذا فاعلم أن طريقة المتقدمين أصح لأنها طريقة تطرد ولاتنتقض وإن كانت غير منعكسة وطريقة صاعد طريقة عكس تنعكس ولاتطرد وقياس الطرد أصح عند الأصوليين وليس كون القدرة على الذات أصلاً يوجب أن يكون علة بل الواجب التعليل بما يسبق العلم بكونه علة وبكون العلم به أ>لى والقدرة على الصفة كذلك فإنا نعلم صفة الكلام وهي كونه خبراً ونحوها، وإن لم نعلم كونه ذاتاً ولهذا نعلم صفته من نفي كونه ذاتاً.
قوله: (وقد ذكر عن المتأخرين طريقة ثالثة).

تحرير هذه الطريقة التي سلكها المتأخرون أن يقال: من قدر على الصفة قدر على الذات لأن القدرة على الذات شرط في القدرة على الصفة وإذا حصل المشروط دل على حصول شرطه قياساً على الكلام فإن من قدر على صفاته قدر على ذاته.
قال الفقيه قاسم: وهذا وإن أوصل إلى العلم فليس بطريقة قياس إلا بتأويل وهو أن يعلل ذلك بأن يقال إنما كانت القدرة على الذات شرطاً في القدرة على الصفة لأن ثبوت الصفة تبع لوجود الذات وقد شاركت الأجسام الكلام في أن ثبوت الصفات فيها تبع لوجود الذات فيجب أن تكون القدرة على جعلها على الصفات مشروطة بالقدرة على إيجاد الذات. انتهى.
وفي هذا التعليل نظر لأن تبعية الصفة للذات لايقتضي أكثر من أن الصفة لاتثبت ولايصح حصولها إلا بعد حصول الذات وذلك لايوجب كون القدرة على الصفة مشروطة بالقدرة على الذات، وقد صار الجسم موجوداً فلا مانع من أن يكسبه القادر صفة من دون معنى إذا لم تكن العلة إلا ذلك والذي ذكر هذه الطريقة صاحب الواسطة واعترضها بعضهم بأنه لايلزم من حصول الشرط حصول المشروط لأن الشرط ليس بمؤثر ولكنه يجري مجرى المؤثر وهذا الاعتراض في غاية الركة ولعله وهم فيه فإنهم إنما ألزموا من حصول المشروط حصول الشرط إذ لو لم يحصل لم يحصل المشروط لا العكس وإنما كان هذا الاعتراض يتأتى لو جعلوا القدرة على الصفة شرطاً في القدرة على الذات.
وههنا طريقة أخرى للشيخ أبي علي بن خلاد، قيل: وقد استجادها المتأخرون. وقال الفقيه قاسم: هي أحسن الطرق، وهي: أن نجعل عدم القدرة على الذات علة في عدم القدرة على الصفة فمن لم يقدر على الذات لم يقدر على الصفة، ودليله أن أ؛دنا لما لم يقدر على ذات كلام الغير لم يقدر على جعله على صفة فكذلك إذا لم يقدر على فعل الجسم لم يقدر على جعله على صفة وينبني على أصل وفرع وعلة وحكم ويأتي فيها قياس الطرد.

وقد استجاد بعض المتاخرين طريقة التابع والمتبوع وهي جعل القدرة على الصفة تابعة للقدرة على الذات فإذا بطل المتبوع بطل التابع، وكل هذه الطرق يحصل منها ما قاله المصنف من أن القدرة على الصفة ملازمة للقدرة على الذات.
قوله: (في حال كونه غيرم قدور). يعني وهو حال بقائه لأنه في حال البقاء غير مقدور لنا، ولا للباري فيكون الدليل ثابتاً في حقنا وحقه تعالى وشاملاً لجميع حالات الجسم إلا أول أوقات حدوثه فلا يثبت ذلك في حقه تعالى لأنه مقدور له فقط في تلك الحال.
قوله: (ونحو ذلك من وجوه الأفعال). يعني ككون الكلام استخباراً أو عرضاً أو تمنياً وكون الخبر صدقاً أو كذباً.
واعلم أن هذه الوجوه كلها تسمى وجوه الأفعالوهي أحكام مستحقة بالفاعل وتنقسم فمنها ما هو حكم حقيقي ككون الكلام خبراً وأمراً وكون الفعل طاعة ومنها ما ليس بحقيقي وإنما سمي حكماً على ضرب من التوسع ككون الفعل ظلماً وعبثاً لأن المرجع بذلك إلى النفي وهو لايتعلق بالفاعل ولكن أضيف كونه ظلماً وعبثاً إلى الفاعل لأنه إذا أراد جعله غير ظلم ولاعبث أمكنه قوله في اعتراض ابن الملاحمي ككون الكلام خبراً فلا يصح إلا في حال الحدوث.
اعلم أن ما كان كيفية في الصفة فهو يتبعها ولا يتجدد إلا بتجددها ولايحصل إلا بحصولها فلو ثبت لابن الملاحمي أن كون الكلام خبراً كيفية في حدوثه لكان ذلك هو العلة في استحالة حصوله حال البقاء لو قدر وجوب حصوله حال الحدوث ولم يكن لنا أن نقيس عليه الكائنية إذا لم يكن كيفية مثله لكن كونه خبراً غير كيفية كما ذكره المصنف من بعد.
قوله: (لأن الحدوث كيفية في الوجود).
اعلم أن كيفيات الوجود كثيرة فمنها: الحدوث والقدم، لأن الوجود لايكون إلا حدوثاً أو قدماً.

ومنها: الحلول فيما يستحيل وجوده لا في محل كالسواد فإن حلوله كيفية في وجوده ولايوجد غير حال وكعدم الحلول في الفناء فإنه لايوجد إلا غير حال لما كان وجوده لا في محل كيفية في وجوده وسميت الكيفية كيفية لأنها الوصف المعين الذي يسأل عنه بكيف.
قوله: (ولأن الكيفية لاتفارق ما هي كيفية فيه) هذا الذي ذكره ظاهر فيما قد ذكرنا من الكيفيات وكذلك سائر الكيفيات ككون الصفة واجبة أو جائزة فإن الذاتية والمقتضاة لاتفارق واحدة منهما كيفيتها وهي كونها واجبة وكذلك التي بالفاعل والمعنوية لاتفارق أيهما كيفيتها وهي كونها جائزة.
قوله: (لما صح وجوده إلا خبرا).
فيه سؤال، وهو أن يقال: أليس عندكم أن الحدوث كيفية في الوجود، وقد يفارق الوجود فيكون على كيفية أخرى وهي العدم فكذلك يكون الخبر كيفية للكلام وإن انفك عن كونه خبراً إلى كيفية أخرى من كونه أمراً أو نحوه؟
ويجاب بأن الوجود وإن انفك عن إحدى كيفيتيه فلم ينفك عنها إلا إلى الأخرى فالعدم والحدوث له كالكيفية الواحدة فلا شك في استحالة انفكاكه عنهما بخلاف الصوت أو الكلام فإنه قد ينفك عن جميع هذه الوجوه من كونه أمراً وخبراً وغيرهما، أما الصوت فظاهر وأما الكلام فبأن يتعرى عن القصد فلا يصح أن يجعل ما ذكره كيفيات له.
قوله: (من كونه أسود وحلوا على مذهب الخصم).
يعني أبا الحسين وأصحابه فإنهم يجعلون المدركات صفات بالفاعل كقولهم في غيرها وعند الجمهور أنها ذوات كغيرها، وليست بموجبة لصفة ولاحكم.
قوله: (ولايلزمنا مثله في القدرة على بعض الذوات).
يعني يقال: يلزمكم فيمن قدر على بعض الذوات أن يقدر على سائرها فيلزم من ذلك القدرة على مقدور الغير وأن يقدر على ما اختص الله تعالى بالقدرة عليه وكله محال كما أنكم ألزمتم من القدرة على بعض الصفات القدرة على سائرها.

31 / 158
ع
En
A+
A-