قوله: (وأما الفقه فلا يحتاج أن يعلم منه إلا ما كان قطعياً).
كان الأولى أن يقول: فلا يحتاج أن يعلم منه إلا مسائل الإجماع لئلا يخالفها بإجتهاده. لكنه أنكل على ما سبق من تلك الإشارة الواقعة في غير موضعها. وأما المسائل القطعية غير المجمع عليها فليس العلم بها من علوم الإجتهاد وإنما هي مما يستنتج بعلوم الإجتهاد فإنه إذا علم مسائل الإجماع وآيات الأحكام وجملة صالحة من الأخبار أرشده ذلك إليها كما ترشد إلى معرفة الأحكام الظنية. وفي كلام الفقيه حميد ما يقضي بأنه لا بد من أن يكون له معرفة في الفقه مسائل الإجماع وغيره لأنه قال: يجب أن يعلم قطعة شافية من الفروع الفقهية وما أنعقد عليه الإجماع منها مما لم ينعقد عليه لئلا يجتهد في خلاف ما أجمعت عليه الأمة لأن الإجماع من الأدلة المقطوع بها.
قال الإمام يحيى: ولا تلزم الإحاطة بجميع الإجماعات بل يكفيه ألا يفتي بحكم قد وقع الإجماع على خلافه.
تنبيه:
إعلم: أن أقوال العلماء مختلفة في تبعيد الإجتهاد بقرينة وتيسيره وتعسيره وكثيراً ما يذكر الأصحاب أنه يكفي في الأجتهاد قراءة كتاب من كل فن وإن كان مختصراً كالخلاصة في الكلام والمجزي أو الفائق في الأصول ومعرفة آيات الأحكام ومعرفة كتاب من كتب الحديث كالسنن لأبي داود أو شفاء الأوام ومقدمة ظاهر أو ابن الحاجب وكتاب المجمل لابن فارس في اللغة ونحو ذلك. والتحقيق أن هذا مما لا يقف على تحديد فإن أحوال القراءة وطلبه العلم تختلف فمنهم من يستثمر ويستفيد بأيسر علاج ومنهم من لا يتم له ذلك إلا بعد التعب والنصب وكثرة مدارسة الكتب وذلك لن العلوم منح إلاهية ومواهب أختصاصية.
قوله: (السادس: أن يكون ورعاً).
معنى الورع الكف عن المحرمات والقيام بالفرائض الواجبات وأشتراطه مذهب الزيدية وجماهير العدلية وغيرهم.
قال الإمام يحيى: ولا يشترط حصوله في أعلى مراتب الكمال في الورع والزهد ولكن مقدار الغرض يحصل بمجانبة الكبائر والتنزه عن الأمور المستسخفة، أنتهى.
فلا تصح إمامة الفاسق ومن يفعل ما لا يعتاد صدوره إلا من أهل الفسق وذهب بعض الناس إلى صحة إمامة كافر التأويل وفاسقه.
قيل (ي): ولا يبعد أن الخلاف في إمامة فاسق التأويل كالخلاف في شهادته ونسب إلى الحشوية صحة إمامة الفاسق المجاهر بالفسق وأنهم لا يعتبرون إلا التغلب على الأمر وأفضى بهم ذلك إلى أن قالوا بإمامة يزيد مع فسوقه ومروقه.
ونسب القول بصحة إمامة الفاسق: إلى أهل خراسان ومن كان من البغدادية وراء النهر.
قيل: ولا خلاف في أن الإمام يجب أن يكون عدلاً عند ادعائه للإمامة وخلاف الحشوية فيما إذا فسق بعد العقد وقد أشار المصنف إلى الدليل على أشتراط الورع. بقوله: (لأنه ما لم يكن كذلك..) إلى آخره.
وأستدل على ذلك: بإجماع الصحابة فإنهم أجمعوا على طلب الأفضل في الإمامة.
وأستدل: بقوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين}. فإن المراد بالعهد الإمامة على ما يقضي به سياق الآية.
وقيل: المراد به الأمر.
أي: لا ينال أمري، والمعنى أمره بأن يقتدي بهم في الدين وما أودعه من شرعه الذي أمر المكلفين بإتباعهم فيه فلا يجوز كون الفاسق نبياً ولا خليفة ولا أميراً ولا قاضياً ولا محدثاً ولا مفتياً ولا إماماً في الصلاة لأن الإمامة تشمل هذه المعاني.
وأحتج القائل بصحة إمامة كافر التأويل وفاسقه: بأنه متحرج في دينه لا يقدم على معصية يعلمها فأشبه من ليس كذلك ورد بأن الله تعالى قد أمر بالجهاد للكفار والبغاة ولم تفرق الأدلة بين مصرح ومتأول فكيف تصح طاعته مع وجوب جهاده.
وإعلم أن النووي على جلالة قدره في العلم وتبحره فيه أجاز إمامة الفاسق المتغلب وقضى بوجوب طاعته ونفوذ أحكامه، وقال في منهاجه ما لفظه: وبالغلبة ولو جاهلاً أو فاسقاً في الأصح وهذه غلطة من مثله.
وما أحسن ما قاله جار الله في كشافه عند تفسير قوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين}. أن من كان ظالماً في ذريتك لا يناله أستخلافي وعهدي إليه بالإمامة وإنما ينال من كان عادلاً بريئاً من الظلم.
وقالوا: في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه ولا شهادته ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدم للصلاة، وكان أبو حنيفة يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن علي رضوان الله عليه وحمل المال إليه والخروج معه على اللص المتغلب أنا يسمى بالإمام والخليفة كالدوانيقي وأشباهه.
قالت له امرأة: أشرت على أبني بالخروج مع إبراهيم ومحمد أبني عبدالله بن الحسن حتى قتل.
فقال ليتني مكان أبنك.
وكان المنصور وأشياعه لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره ما فعلت.
وقال ابن عيينة: لا يكون الظالم إماماً قط وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكف الظلمة فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جاء المثل السائر من أسترعى الذئب ظلم.
قوله: (السابع: أن يكون فاضلاً لا خلاف فيه).
يعني: لإجماع الصحابة ولهذا فزعوا يوم السقيفة إلى ذكر المناقب والمفاخر فعد الأنصار فضائلهم وحاجهم أبو بكر بتقرير أمتياز المهاجرين بالفضل ولما قال عمر لأبي عبيدة: أمدد يدك أبايعك.
قال: مالك هفوت في الإسلام أتقول لي هذا وأبو بكر قائم فأنكر فعل عمر لأعتقاده أن أبا بكر أفضل.
قوله: (وإن كان المرجع بالفضل في الحقيقة إلى جمع الشرائط).
يعني: وإن عد في ظاهر الأمر شرطاً مستقلاً وإراد الشرائط التي هي العلم والورع والسخاء والشجاعة والقوة على تدبير الأمور وسياسة الجمهور وهذا أختيار الإمام المنصور بالله وغيره.
قال عليه السلام: فلا ينبغي أن يعد شرطاً مستقلاً إذ لا يصح أن يقال: فلان عالم ورع سخي شجاع قوي على تدبير الأمور إلا أنه ليس بفاضل بل يعد من قال ذلك مناقضاً والأفضل على هذا هو الأكمل في ثبوت الشرائط له.
وقيل: المرجع به إلى الصلاح في الدين والعفة فيكون معناه معنى الورع.
وقيل (ي): الأصح أن المراد به أن يكون له من المحافظة على الطاعات والتجنب للمكروهات ما يعتاده كثير من الصالحين ويكون بينه وبين القبيح والإخلال بالواجب حاجزاً كما هو شيمة كثير من الصالحين أعتياد كثير من الطاعات غير الواجبة وتجنب كثير مما لا يقطع بقبحه نظراً إلى قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه وأنه من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه)). وليس المراد بالأفضل هنا الأكثر ثواباً قطعاً.
قوله: (ولا وجه لهذا).
يقال: بل له وجه يستند إليه القائلون به وهم الإمامية وغيرهم كما سيأتي.
قوله: (وقال أكثر المعتزلة وبعض الزيدية يكفي أن يكون من جملة أفاضلهم).
قيل (ي): هذا مذهب البغدادية من المعتزلة والذي أختاره صاحب المحيط.
وقال ابن الملاحمي في الفائق: هو رأي الصالحية من الزيدية.
قوله: (ولم ينكر عليه).
قد رد بمنع عدم الإنكار فقد قال أمير المؤمنين: فيالله متى أعترى الشك في مع الأولين حتى أقرن بهذه النظائر. وبتجويز أن يكون عمر قد أعتقد في مساواتهم في الفضل.
قوله: (وقال بعض الزيدية يجب أن يكون أفضل الناس وقت الصحابة لا بحضار أهل الفضل وإمكان معرفتهم ولا يجب بعد ذلك كثير من أصحابنا).
ينسب هذا القول إلى الزيدية من غير تبعيض ولا تخصيص بوقت الصحابة.
قيل (ي): وممن نص على ذلك القاسم والهادي والناصر والمؤيد.
قال الناصر: ويفسق المفضول إذا سبق الأفضل بالدعاء إلى الإمامة.
حجة أهل هذا القول: أن الإجماع منعقد على جواز إمامة الأفضل.
ولا دليل يدل على جواز إمامة المفضول من كتاب ولا سنة ولا إجماع فوجب قصرها على الأفضل وما سبق من فزع الصحابة إلى عد الفضائل وتقرير الإمتياز فيها ويمكن أن يقال: ليس عدم الإجماع على جواز إمامة المفضول يقدح في ذلك لأن الأدلة قد دلت على وجوب الإمامة وعلى أن الإمام لا بد له من شرائط وقد حصلت في حق المفضول وافية فعلى المانع من صحة إمامته أن يقيم الدليل وأما فزع الصحابة إلى عد الفضائل فليس فيه تصريح بأنه لا بد أن يكون القائم هو الأفضل وإنما يعلم منه الأولوية ونحن لا ننكرها.
قوله: (وقال بعض المعتزلة..) إلى آخره.
هذا منسوب إلى الشيخين أبي علي وأبي هاشم.
قوله: (فخافت الصحابة ألا ينقاد له الناس).
قلت: وقد صرح بذلك عمر على ما روي عنه في شرح نهج البلاغة من كلام له سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى قال في آخره: لا ورب هذه البينة لا يجتمع عليه قريش أبداً ولو وليها لانتفضت عليه العرب من أقطارها.
قوله: (هذا كلامهم فإنه أشارة إلى عدم تصحيحه).
وقد نقض أصحابنا هذا الإعتذار بوجوه:ـ
أحدها: أنه لو منع ذلك من تولية هذا الأمر أولاً لمنع ثانياً لأن هذه العلة مستمرة بالضرورة فكان يلزم ألا تصح إمامته بحال وإلا يفزعوا إليه بعد قتل عثمان.
وثانيها: أنه لو منع عن الإمامة لمنع عن الإمرة فكان لا يؤمره رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ونحن نعلم خلافه فإن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يؤمره على المهاجرين والأنصار في كل موضع يخرج فيه ولم يؤمر عليه أحداً كما كان منه بعد تولية أبي بكر تبليغ سورة براءة فإنه أرسل علياً في أثره وآثره بذلك، هكذا ذكر الفقيه حميد وينبغي أن يتأمل.
وثالثها: أن هذا الأعتذار يوجب اساءة الظن بالصحابة لأن فيه أنهم كانوا يرون أمير المؤمنين بعين النقص وأمتنعوا من العقد له لأسباب تعد في مناقبه وفضائله ورد أصحابنا على أهل هذه المقالة أصل ما ذهبوا إليه من جواز العدول إلى غير الأفضل لعذر بأن العذر كان راجعاً إلى الإمام قادحاً في صلاحيته فنحن نسلم ما ذكرتم إلا أنا فرضنا الكلام في حق من هو صالح للإمامة وإن كان العذر راجعاً إلى غيره من المكلفين كأن يكون فيهم من يكره إمامته وينفر عنها فلا نسلم أن ذلك يوجب العدول عنه لأنه إن كان بسبب الحسد ونحوه فهم عاصون بذلك والمعصية لا تدافع وقوع الطاعة وأن كان لغير ذلك فلا دليل يدل على أن عدم رغبتهم فيه مع كماله وأفضليته يمنع عن إمامته ويوجب العدول إلى من هو دونه، وللقائل أن يقول: إنما كان الأفضل أحق بالإمامة لكونه أصلح وأرجح والقلوب إليه أميل، فإذا عرض في حقه مامنع من ميل القلوب إليه وتعويل الناس عليه وعلم أو غلب على الظن أنه يقل الأنقياد له ويتفاقم الأمر عليه فلا شك أنه يصير غيره أرجح منه وإن كان هو الأفضل لأن العبرة بالصلاح والمقصود حصول ثمرة الإمامة لا مجرد قيام الإمام.
يوضحه: أنهم قد نصوا على أنه لا ينبغي أن يؤم في الصلاة من كرهه الأكثر وإن كان صالحاً لها بل ورد التصريح بالنهي عن ذلك مع عدم الحظر في إمامته والأمن من الضرر فكيف بالإمامة الكبرى التي يفتقر فيها إلى طيبة النفوس وأستمالة القلوب.
تنبيه:
إذا قام المفضول بهذا الأمر ولا يعلم في تلك الحال أن غيره أفضل منه ثم ظهر بعد ذلك من هو أفضل منه في خصالها وأكمل في شرائطها ما يكون الحكم في ذلك عند من يعتبر الأفضل.
قال الفقيه حميد: أختلف أئمتنا عليهم السلام في ذلك.
فذهب الناصر: إلى أنه يجب عليه التسليم.
وذهب أبو طالب: إلى أنه لا يخرج عن إمامته بل هو أولى بالإستمرار عليها وقد صار أفضل لتحمله أعباء الإمامة وقيامه بأمر الأمة.
قوله: (وقالت الصحابة الأولى أن يقول، وقالت المهاجرون في مقابله فقالت الأنصار).
فالصحابة اسم يعمهم جميعاً.
قوله: (نحن عترة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم).
أي رهطه لأن العترة يستعمل في النسل وهو المقصود في تسمية أهل البيت عترة وفي الرهط.