ما تمسك به المانعون لوجوب الإمامة ونصب الإمام وقد تمسكوا بوجوه:ـ
الأول: لو وجب ذلك لكان إما لفائدة فيه أو مع غيره فائدة محال أن يكون نصبه لغيره فائدة لأنه يكون عبثاً وإذا كان لفائدة فهي:
إما دينية وهو كونه الأصل في معرفة الله ومعرفة صفاته كما تقوله طائفة، أو لكونه لطفاً في الواجبات والكف عن المحرمات كما تقوله الإمامية والقسمان باطلان فبطل أن يكون نصبه لفائدة دينية.
وإما دنيوية فأما جلب نفع فهو غير واجب إتفاقاً أو دفع ضرر فيكون الوجوب موقوفاً على حصول المضرة وإندفاعها ولا مانع من أن ينكف الناس عن الأضرار مع عدمه لا يكون دفعه ممكناً فضلاً عن أن يكون واجباً.
وأجبت: بأن نصبه لغرض ديني خلاف ما ذكر وهو إظهار شعار الدين كالجهاد وإقامة الحدود والجمعات وغير ذلك، وغرض دنيوي وهو دفع ضرر بعض الخلق عن بعض ودفع الظلم وهذا غرض عظيم ومقصد كلي.
وقولهم: فلا مانع من أن ينكف الناس عن الأضرار إلى آخره.
قلنا: ذلك أمر موهوم وأما الحاصل الموجود فهو أن الخلق لا يخلو حالهم عن إضرار بعضهم بالبعض.
الثاني: قالوا: نصب الإمام يتضمن الإضرار بالخلق لأنه ربما يستنكف الناس عن طاعته فيحاربونه فإما قتلوه أو قتلهم فتعظم الفتنة وتشتد البلوى وأي ضرر أعظم من هذا فلا يتوجه نصبه.
والجواب: هب أنه كذلك لكن الضرر الحاصل من تركه أعظم وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فإن في نصبه صلاحاً للخلق وقطعاً للشجار وكفاً للظلم.
الثالث: أجمعت الأمة على أن طريق الإمامة ليس إلا أحد ثلاثة أمور: النص، الأختيار، والدعوة.
والنص باطل بما تذكره المعتزلة، والأختيار باطل بما يذكرونه فإذا بطل ذلك كله ولا طريق للإمامة سواه وجب بطلان وجوب نصب الإمام.
والجواب: أن ما ذكره لا يستقيم لإقامة الدليل على صحة ما يذهب إليه في طريق الإمامة.

الرابع: قالوا: من شرط الإمامة الإجتهاد وضبط علوم الإجتهاد صعب وإحراز شروطه متعذر فقد يستغرق الإنسان في بعض علوم الإجتهاد عمره ولا يقع على المقصود منه فكيف إذا أراد إحراز جميعها وإذا كان ذلك متعذر كان نصب الإمام متعذراً.
قال الإمام يحيى: والجواب من وجهين:ـ
أحدهما: أنا إن قلنا أن الإجتهاد ليس شرطاً في الإمام وإن إمامة المقلد صحيحة لم يلزمنا ما قلتم إذا كان محرزاً لسائر الصفات من الورع وحسن السياسة والتدبير كما سنقرره بعد إن شاء الله.
وإن قلنا: إن الإجتهاد شرط فإن كان ممكناً فنصب الإمام واجب وإن كان غير ممكن لم يجب لأنا لم نوجب الإمام إلا مع الإمكان دون التعذر والإستحالة.
وأما ثانياً: فسنوضح الكلام في علوم الإجتهاد ونبين مقدار الواجب منها وإن إحرازه ممكن على القرب فسقط ما ذكرره.
الخامس: لو وجب النصب للإمام لكان إما أن ينصب إمام واحد أو أكثر. والأول باطل لأنه مستحيل أن ينفذ أمره في قضية واحدة من جهة المشرق والمغرب جميعاً. والثاني باطل للإجماع على بطلان إمامين في وقت واحد فيجب القضاء ببطلان نصب الأئمة.
والجواب: أن المحال إنما يلزم إذا كان هو المتولي للقضايا في المشرق والمغرب بنفسه وأما إذا كان لنصب القضاة وإنفاذ الولاة فإن ذلك غير متعذر كما كان حال الخلفاء في جميع الأقطار فسقط جميع ما تعلقوا به.

تنبيه:
أعلم أن الجمهور يعدون مسائل الإمامة من المسائل القطعية التي لا مجال للإجتهاد فيها ويحكمون بأن وجوب الإمامة معلوم قطعاً وإن أدلته موصلة إلى العلم وذهبت الأشعرية وبعض المعتزلة إلى أنها من المسائل الظنية الإجتهادية.

قيل (مهدي): ومعنى قولهم إن الإمامة إجتهادية أن الأمة إذا أختلفت في إمامة إمام فبعضهم قضى بصحتها وبعضهم قضى بفسادها فثبوت إمامته ووجوب طاعته ظني لا قطعي مهما لم يحصل عليه نص متواتر ولا إجماع ولا قياس قطعيان وحكموا بتعذر هذه الطرق الثلاث فيمن قام منذ قتل عثمان، وَرَدَّ بأن الأدلة القطعية قد قامت على وجوب الإمامة ولم يشترط الشرع حصول نص ولا إجماع على القائم بها ومن أنتصب لها كامل الشرائط فقد قام بما أوجبه الله قطعاً فلزم القطع بإمامته.
قلت: وقد أتفقت بيننا وبين أعيان علماء عصرنا مراجعة في هذا المعنى مجموعها قدر مجلد لطيف ابتدأناها برسالة وأجاب عنها أعيان علماء صنعاء وغيرهم وأجبنا عن أجوبتهم وفي تلك المراجعة فوائد وفرائد لا ينبغي أن يغفل عنها من عول على التحقيق في هذه المسألة.

فصل:
وطريق وجوب الإمامة عند جمهور العدلية السمع فقط.
قوله: (وبنوا ذلك..) إلى آخره.
تحقيق هذا الوجه أن الإمامة إنما وجبت لأجل وجوب أمور علم وجوبها من جهة السمع كإقامة الحدود ولا شبهة أن العقل لا يقضي بوجوبها وإذا ثبت ذلك فلا يجوز أن يعلم وجوبها بالعقل لأنه لا يعلم وجوب ما هو وصلة إلى الواجب إلا بعد العلم بوجوب ذلك الواجب فإذا كان الإمام إنما يراد لأداء أمور واجبة وجب ألا يعلم وجوب الإمامة إلا بعد العلم بها وهي لا تعلم إلا من جهة الشرع، وأحتجوا أيضاً بأن العقل يمنع من مقتضى الإمامة إلا بمبيح شرعي لأن الإمامة إنما تراد لأمور ضارة كالقطع والرجم والصلب وأخذ نصيب من أموال الناس على كره منهم وقتالهم وقتلهم إن أمتنعوا من ذلك ولا شك أن العقل يمنع من وجوب هذه الأمور لأنه يمنع من حسن الإضرار بالغير لا لنفع أو دفع ضرر والعقل لا يدل على ثبوت غرض في هذه الأفعال بل هو مما ينفرد الله بالعلم به ولا يعلم إلا بوحي يرد من جهته.
قوله: (قالوا: والذي يقضي به العقل من ذلك هو رئيس ما هو كذلك).

فإن هذا الدليل إنما يقضي بأنه لا بد من رئيس يحصل به الغرض المقصود كافراً كان أو مؤمناً جامعاً للشرائط أو خالياً عنها ولا نعلم منه أيضاً أنه لا يصح أن يكون إلا واحداً بل مقتضاه أن أهل كل قرية لا يستغنون عن الرئيس الذي يحصل به ما ذكر وقد جعل أصحابنا هذا وجهاً مستقلاً في بطلان ما ذهبوا إليه لأن الذي زعموا أن العقل يقضي به هو غير ما نحن فيه، وإذا قالوا نرجع في شرائطه وتفصيل أحواله إلى دلالة أخرى وهي: الشرع. أو قالوا: يجب أن يكون مؤمناً لأن النفوس إليه أميل ويجب أن يكون واحداً لأن كثرة الرؤساء يؤدي إلى التنازع والمنافسة وذلك يقضي إلى نقيض الغرض المقصود.
قال الإصحاب لهم: إذا كان وجوب الرئاسة.
دليله: ما ما نعلم من فزع العقلاء إلى الرؤساء وجب ألا يعتبر في الإمامة إلا ما يعتبرونه عند الفزع، فأما أن يجعل الفزع دليلاً على بعض ذلك دون بعض فلا مخصص وإما كون النفوس أميل إلى المؤمن والكافر تنفر عنه النفس فغير المسلم لأن كثيراً من الجاحدين يقع منهم العدل وكثير من أمراء الإسلام يقع منهم الجور.
وقولهم: إن كثرة الرؤساء يؤدي إلى التنازع.
غير مُسَلَّمٍ فمن المعلوم أنه متى أراد الواحد منها أنفاذ أوامره على أقطار كثيرة وأستبداده بالرئاسة وقع من التنازع والتشاجر والتناحر ما يزيد على ما يقع بسبب تعدد كثرة الرؤساء هكذا قرره الفقيه حميد في العمدة.
قوله: (فالواجب دفع أكثر الضررين بأقلهما).
المعنى هنا: دفع أكثر الضرر بالأمر الذي ينشأ منه أقلهما.
قوله: (وقد جاز خلو الزمان من نبي فليجز خلوه عن إمام).
هذا الوجه يرد على قولهم أنه لا يجوز خلو الزمان عن إمام وهو ظاهر من مذهبهم وإن لم يذكره المصنف في أول المسألة عند ذكر خلافهم.
قوله: (إلا من رأى هذا الإمام).
يقال: ليس من شرط اللطف أن يكون مرئياً فكان القياس أن يقول أو من ...... دعوته.
قوله: (وبعد فأكثر الألطاف تختلف..) إلخ.

هذا وجه ركيك وكان يلزم مثله في معرفة الله تعالى ونحوها فإنما تختلف الأحوال في نحو الصحة والألم والغناء والفقر ولا يلزم من أختلاف الحال فيها أختلافه في كل لطف.
قوله: (لأن الناس يكونون معه أقرب إلى الطاعات).
يعني: ومن حق اللطف أن يفعل على أبلغ الوجوه كما تقدم.
قوله: (ومع فَقْدِ الإمام وعدم إطلاعه على الأفعال لا سيما أفعال القلوب كيف يفعل لأجله).
أما مع فَقْدِ الإمام وغيبته على ما تقوله الإمامية فمستقيم، وأما مع وجدانه وظهوره والعلم به فلا مانع من ثبوت اللطفية وليست مقصورة على أن يطلع الإمام على فعله ويفعل المكلف ما يفعله ليعلم الإمام ذلك منه.
قوله: (يكفي لجميع الأزمان).
يعني: كما ثبت ذلك في حق النبي.
قوله: (ولو كان هناك إمام كما زعموا).
كان الأحسن أن يقول: فلو كان الخلاف يرتفع بالإمام كما زعموا.
قوله: (لأن العلم بهذه الأمور ليس بواجب لا يبعد أن تعد أو بعضها من الواجبات على الكفاية.
قوله: (وإلى هذا أشار المتنبي بقوله:ـ
يموت داعي الضأن في جهله ميتة جالينوس في طيه)
هذا البيت من أبيات له فائقة رائقة عظمها صاحب اليتيمة ويعلمها في سلك المنظومات الحكيمة وهي:ـ
نحن بنو الموتى فما بالنا نعاف ما لا بد من شربه ... تبخل أيدينا بأرواحنا على زمان هن من كسبه
فهذه الأرواح من جوه وهذه الأجساد من تربه ... لو فكر العاشق في منتهى حسن الذي ....... لم ........
لم ير قرب الشمس في شرقه فشكت الأنفس غربه ... يموت راع الضأن في جهله ميتة جالينوس في طبه
وربما زاد على عمره وزاد في الأمر على شربه ... وغاية المفرط في سلمه كغاية المفرط في حربه
ولا قضى حاجته طالب فؤاده يخفق من رغبة
قوله: (وبعد فنهاية الأمر أن يهلك المرء..) إلى آخره.
يعني: وإن كان فهذا غير مُسَلَّمٍ لما سبق ذكره ولأنه يمكن معرفة ذلك بضروب من الخبرة والتجربة.

فصل: فيما يحتاج له الإمام
قوله: (وحفظ الأوقاف).

يعني: التي لا ولي لها خاص يصلح لتوليها وقد تقيد الأوقاف بالعامة بناء على أنه لا تعلق للإمام بالأوقاف الخاصة والأطلاق أولى.
قوله: (وتجييش الجيوش ونحو ذلك).
يعني: غزو الكفار والبغاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإرهاب الفسقة.
قوله: (وإن أختلفت فبعضها لا يقوم به إلا الأئمة وبعضها يقوم به غيرهم).
إعلم أن التكاليف التي شرعت الإمامة لأجلها وما يرجع إلى الإمام من الأحكام ينقسم إلى ثلاثة أقسام:ـ

القسم الأول: ما لا يقوم به إلا الإمام وإذا لم يوجد الإمام لم يقم به غيره.
وهو أربعه أنواع: إقامة الجمعات، وإقامة الحدود، وغزو الكفار والبغاة، وأخذ الزكاة كرهاً.
وهذا رأي أهل المذهب ومستندهم الحديث النبوي وهو: ((أربعة إلى الولاة الحدود والصدقات والجُمعات والفيء)). وفي كل واحد من هذه الأنواع خلاف.
أما إقامة الجمعات: فذهب الشافعي ومالك إلى صحتها في غير زمن الإمام وعدم أشتراطه فيها.
وقال به أعيان من متأخري أهل البيت وأئمتهم: كالمطهر بن يحيى وولده محمد والمؤيد يحيى بن حمزة والمهدي علي بن محمد.
وذهب أبو حنيفة: إلى عدم أشتراط الإمام جامع الشرائط وقال: لا بد من سلطان له قهر عادلاً كان أو جائراً.
وأما الحدود: فقد أدعي الإجماع على أنه لا يقيمها على الأحرار إلا الأئمة.
وروي عن بعض الفقهاء منهم: مالك وبن شروين: أن إقامتها تصح من آحاد الناس.
وعن بعضهم: أن للوالد أن يقيم الحد على ولده.
وللمؤيد عليه السلام: قول أن المنصوب للقضاء من جهة الخمسة يجوز له إقامة الحدود وكذلك كل قاض صح قضاؤه من غير جهة الإمام بالصلاحية أو بنصب الظلمة.
وعن بعضهم: أن ذلك يصح من أمراء الأمصار والشُّرط.
وأما المماليك: فعند القاسم والمنصور بالله أن السيد يحد مملوكه مع عدم الإمام لا مع وجوده.
قيل (ي): وهو الظاهر لأهل المذهب.
ويروى عن الشافعي: أن ذلك يجوز للسيد مع وجود الإمام كما يجوز مع عدمه.

وأما غزو الكفار إلى ديارهم: فالجمهور على أن ذلك مما يختص به الإمام ولا يجوز مع عدمه، نص عليه الهادي في الأحكام، وقال به أبو العباس وأبو طالب، والظاهر أنه قول أكثر أهل البيت.
وذهب المؤيد أخراً إلى أنه يجوز قصد الكفار إلى ديارهم من غير إمام ولا إذن منه.
قال في الكافي: وإليه ذهب زيد بن علي والناصر للحق وأبو عبدالله الداعي.
قيل (ي): وإليه ذهب الإمامان المتوكل أحمد بن سليمان والمنصور بالله.
وأما غزة البغاة إلى ديارهم: فنص القاسم والهادي وأسباطهما على أنه لا يجوز إلا للإمام وهو الظاهر من أقوال السادة الهارونيين، وبه قال المنصور بالله أخراً.
وذهب السيد أبو عبدالله الجرجاني: إلى أنه يجوز بغير إمام ولا أذنه في وقته وغير وقته قال: وهو الذي ذهب إليه المحصلون من محدثي أصحابنا وأختاره الحاكم أبو سعد، وقال به المنصور بالله أولاً.
وأما أخذ الزكاة كرهاً: وفي حكمها الخمس فمذهب أهل البيت عليهم السلام أن ذلك مما يختص به الإمام ولا يجوز لأحد غيره.
وذهب أبو الفضل بن شروين والقاضي جعفر: أن ذلك جائز لغير الإمام، ولكل من أهل هذه المذاهب المختلفة دليل على ما ذهب إليه وليس هذا موضع التنبيه عليه وهو مذكور في مواضعه من كتب الفقه.

القسم الثاني: ما يكون إلى الإمام مع وجوده لا إلى غيره ومع عدمه يكون إلى غيره.
وهو كتولية القضاة والتولية على الأوقاف ونصب القُوَّام على الأيتام والحكم بين الناس وتعديل الشهود وجرحهم والأخذ على أيدي السفهاء وإنصاف المظلوم من الظالم فهذه الأحكام إلى الإمام عند وجوده ثبتت له الأولوية بالقيام بها.

تنبيه:
إذا عدم الإمام فكيف يكون في تولي القضاة والولاة على الأوقاف والأيتام والمساجد ونحو ذلك؟
ذهب الجمهور من أهل البيت كالقاسم والهادي والناصر وأبو طالب: إلى أنه لا يعتبر النصب وإن من صلح لذلك قام به وتعين عليه ونصب نفسه وأحتسب فيه.

وذهب السيد المؤيد بالله والحنفية والشافعية والشيخان أبو علي وأبو هاشم وقاضي القضاة وأنور سيد وخرجه المؤيد بالله للهادي: أنه لا بد من النصب ينصب خمسه من أهل العلم والزهد وإن لم يكونوا من أهل الإجتهاد والصلاحية للإمامة والقضاء سادساً يصلح لما نصبوه له ولا يصح ذلك ليتصرف المنصوب بالولاية هذا في غير وقت الإمام أو في بلد لا تنفذ أوامره فيه.

القسم الثالث: ما يستوي في القيام به حال الأئمة وغيرهم لكن الواجب فيه آكد على الأئمة.
وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأصح فإنه يجب ذلك والمقاتلة عليه سواء كان في الوقت إمام أو لم يكن لأن الأدلة الدالة على وجوبه لم تفصل وإنما تكون آكد في حق الإمام لما سبق ذكره.
وعده الفقيه حميد من القسم الثاني قال: لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجبان على حسب الإمكان فمن كان تأثيره فيهما أقوى كان الوجوب في حقه آكد وأولى ولا شك أن للإمام من التمكن ما ليس لغيره.

فصل: في شروط الإمامة
وإعلم أن العلم بصحة إمامة الإمام يتوقف على العلم بها فلهذا أوجب أصحابنا معرفة الصفات والشرائط على كل مكلف كما أنه يجب معرفة إمام الزمان على كل مكلف لأن على كل مكلف تكليفاً يتعلق بالإمام وما لا يتم الواجب إلا به يكون واجباً وللإجماع على ذلك، ولقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)). وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((تمسكوا بطاعة أئمتكم ولا تخالفوهم فإن طاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله)). ولن يتمكن من التمسك بطاعة الإمام إلا من عرفه وعرف شرائطه المعتبرة وحصولها فيه وهذا ثابت في حق كل مكلف ذكر، وأما المرأة فإن تعلق بها تكليف يرجع إلى الإمام كوجوب الزكاة أو ألزمها الإمام أمراً له أن يلزمها إياه وجب عليها أن تعرف الإمام وشرائطه في الدرجة الثانية من درجة النبوة إذ لم ينقص عنها إلا في أمر الوحي لا غير ولا شك في لزوم معرفة النبوة لكل مكلف عامي أو غيره وكذلك الإمامة وما من شرط إلا ويمكن العامي معرفة حصوله في الإمام إلا العلم فلا يصح أن يعلمه العوام إلا جملة وما عداه يمكنهم معرفته والعلم به بالخبرة والتجربة أو بالتواتر ولا فرق في ذلك بين العالم والعامي.
وقيل: بل التدبير وجودة الرأي مما يسوغ التقليد فيه إذ ليس كل أحد يتمكن من معرفة وجوه الأراء مصادرها ومواردها، وأما معرفة العلم تفصيلاً فمتعذرة فيجوز للعامي التقليد فيه إذ لا يمكنه طريق آخرى وقد أجاز بعضهم للعوام التقليد في معرفة الإمام وإجتماع الشروط فيه وضعفه أصحابنا، لأن العلم بما ذكر ممكن فلا يعدل عنه إلى التقليد مع إمكانه.

تنبيه:

وأما من مضى من الأئمة فلا تلزم معرفة إمامته لكن من تواتر كماله وجمعه للشرائط حصل العلم بإمامته ومن لم يتواتر ذلك فيه فلا يجب طلب معرفة إمامته والبحث عنها إذ لا يتوقف على ذلك تكليف علمي ولا عملي إلا الثلاثة المنصوص عليهم وهم علي والحسنان، فالأكثر من الزيدية على أن معرفة إمامتهم من فروض الأعيان تجب على كل مكلف ذكر وأنثى، وأستدلوا على ذلك بإجماع العترة، وذكر الهادي عليه السلام: أن الجهل بإمامة علي عليه السلام فسق ومثله ذكر صاحب الكافي ونص المؤيد بالله والأمير الحسين على ذلك في إمامة أمير المؤمنين ولم يتعرضا لذكر إمامة ولديه بنفي ولا إثبات، وصاحب الكافي صرح بأن العلم بإمامتهما غير داخل في أصول الدين.
قال في تعليق الشرح: وتجب معرفة إمامة زيد بن علي عليه السلام على الأظهر من كلام الزيدية وغيرهم، ومعرفة الأوصاف التي كان عليها لأنه مجمع على إمامته وحصول شرائط الإمامة فيه فعلينا أن نعلم ذلك ليكون طريقاً لنا إلى معرفة شرائط إمام الزمان وأوصافه إذ الأعتبار في أشتراط الشرائط أو أكثرها بإجماع الأمة وأهل البيت ولا إجماع معلوم إلا فيه إذ بعد زمانه أنتشرت الأمة وأنتشر أهل البيت فقلما يعلم لهم إجماع.
قلت: وفيه نظر وليس الإجماع على إمامة زيد يتضمن الإجماع على أن جميع أوصافه شرائط في صحة الإمامة بل يتضمن الإجماع على أنه قد جمع الشرائط وقد يكون في الإمام من الصفات الحسنة والخصال الحميدة ما ليس مشترطاً في صحة الإمامة.
قوله: (وهي عشرة صحيحة).

156 / 158
ع
En
A+
A-