على ظاهره وقف الحديث على عائشة وقد رفعه الفقيه حميد قال ما لفظه: وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم وقد خص بعض الصحابة بنوع ..... من العلم أقضاكم علي وهو أولى فإنه مما أخرجه الترمذي من رواية أنس قال: قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأشدهم حياء عثمان، وأقضاهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرأهم أبي بن كعب، ولكل قوم أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر أشبه عيسى عليه السلام وورعه)).
قوله: (والقضاء جامع لعلوم الإجتهاد).
يعني: لأنها شرط في صحته فالوصف به وصف بها وقد ورد مما يدل على سعة علمه عليه السلام ما هو أصرح من هذا كقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أنا مدينة العلم وعلي بابها)). وهو مما أخرجه الترمذي في جامعه هكذا وغيره زاد: ((فمن أراد المدينة فليأت الباب)). ولما نزل قوله تعالى: {وتعيها أذن واعية}. قال: ((سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي)). وقال ابن عباس رضي الله عنه: قسم العلم إلى ستة أسداس أخذ علي منها خمسة وشارك الناس في الباقي.
قال الفقيه حميد: ثم إذا تأملت أصناف العلوم وجدته الأصل في جميعها فله في الأصول ما لا يوجد لأحد من الصحابة مثله بل اليسير من كلامه فيها يعدل بكلامهم ثم له في الفرائض البديهية العجيبة والوادث الغريبة ثم في الفروع الفقهية الحظ الأسنى والقدح المعلى وكم من مرة تدارك فيها عمر على سعة علمه وبعد أن باشر الخطأ حتى قال: لا أبقاني الله لمعضلة لا أرى فيها ابن أبي طالب.
وما رجع علي عليه السلام إلى أحد منهم في شيء من الحوادث فإذا تقرر أنه أعلم وجب أن يكون أفضلهم قال تعالى: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}.
قوله: (يحيى بن آدم: ما أدركت بالكوفة..) إلخ.
يحيى بن آدم هذا مولى أموي كان من الثقات الحفاظ الأفاضل وهو من كبار الطبقة الثالثة من طبقات تابعي التابعين وكانت وفاته سنة ثلاث مأتين من الهجرة.
الكلام في الإمامة
قد قدمنا في جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فن علم الكلام وعدهما من أبوابه ما ينبغي أن يؤتى بمثله في مسألة الإمامة.
قال بعض المتأخرين: والتحقيق أنها من مسائل الفروع القطعية.
قال: وقد أفرط بعض الناس في إخراجها من أصول الدين فقال: هي من مسائل الإجتهاد التي كل مجتهد فيها مصيب وأقرب ما يعتذر به في إدخالها في هذا الفن وجعلها باباً من أبوابه أن الإمامة خالفة النبوة وعليها مدار كثير من أحكام الإسلام ولهذا ذكر أصحابنا أن العلم بها جملة من فروض الأعيان وتفصيلاً من فروض الكفايات.
وقال بعضهم: هي أهم التكاليف وأفحمها وأعظمها ثواباً والإمام أفضل الآدميين وهو في الدرجة الثانية من النبي وكما أن النبي لا يراد لنفسه بل يراد لغيره فكذلك الإمام فلو قدر أنه لم يبق إلا مكلف واحد لم يصح أن يبعث نبياً ولا يجعل إماماً.
قوله: (هي التقدم).
قيل: لا بد معه من أعتبار حصول الإقتداء فالإمام لغة: المتقدم على غيره في أمر من الأمور على وجه يقتدى به.
قوله: (كما قال تعالى: {يوم يدعو كل أناس بإمامهم}).
هذا شاهد يعم الوجهين لأن المعنى سواء كان إمام خير أو إمام شر.
والذي يختص إمام الخير: {إني جاعلك للناس إماما}. {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا}.
والذي يختص إمام الشر نحو: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار}.
قوله: (قلنا: رئاسة عامة، أحتراز من الخاصة كرئاسة الرجل على أهل بيته).
المراد بعمومها إنها تعم الأمة كافة ولا تتعلق ببعض منهم دون بعض ولا بجهة دون جهة ولا بوقت دون وقت إلا أنها لا تعم الجن فلا تكليف عليهم فيها ولا يلزمهم طاعة الإمام ولا يعلم منهم أئمة إذ لا دليل على ذلك ويخرج كل رئاسة خاصة كولاية القضاء والإمارة في بلد أو على عسكر وولاية الأوقاف والمساجد ونحو ذلك.
قوله: (ولهذا قال عمر: سيفان..) إلخ.
قاله يوم السقيفة جواباً للأنصار وقد قال قائلهم: منا أمير ومنكم أمير.
قوله: (والألطاف تختلف).
يعني: فمن الجائز أن يكون اللطف في بعثة نبي واحد وأن يكون في بعثه نبيين أو ثلاثة.
قوله: (وقلنا في أمور مخصوصة..) إلخ.
سيأتي تحقيق هذا في بيان ما يحتاج إلى الإمام فيه.
قوله: (وحفظ بيضة الإسلام).
أي: حوزته والحوزة في الأصل الناحية.
قال الجوهري: بيضة كل شيء حوزته.
قوله: (لكن يد الإمام فوق يده).
يعني: فيلزمه أمتثال ما أمره به ونهاه عنه ولو صدر منه ما يوجب الحد وجب على الإمام أن يقيمه عليه.
تنبيه:
لم يذكر المصنف حقيقة الإمام أكتفاء بذكر حقيقة الإمامة لأنها ترشد إليها فالإمام من له تلك الرئاسة العامة المذكورة.
فصل:
قوله: (والظاهر من كلام العلماء أن الإمامة واجبة).
هكذا يذكرون وهو كلام مجمل.
قال الفقيه حميد: ومعنى ذلك أنه يجب على من صلح للقيام بأعباء الأمة أن ينتصب ويدعو الناس إلى طاعة الله تعالى وطاعته والأنقياد للأحكام الشرعية.
قلت: ويجب ذلك على الصالح ويتعين إن لم يصلح غيره وكفاية إن كان الصالح لذلك جماعة ويجب على سائر الأمة نصبه على قول من يجعل طريقها العقد والإختيار ويخيرون في نصب من شاؤا من الصالحين لها.
قال الرازي في نهايته: أتفق جمهور الأمة على أنه يجب نصب إمام في كل وقت.
وتابعه على ذلك الإمام يحيى وهذا يستقيم على القول بالعقد والأختيار........... الواجب على الأمة وأما إذا لم تكن طريق الإمامة إلا الدعوة فالواجب على الإمام لا عليهم ولا يبعد أن يعد من الواجب على الأمة حثه على القيام وإعانته عند من يجعل طريقها الدعوة لأنه قد يفهم من كلامهم أن الواجب على الأمة وعلى ما ذكره الفقيه حميد أن الواجب على الإمام فقط، وإنما يجب عليهم الإجابة والطاعة، والقول بوجوبها مذهب أهل العدل والأكثر من الأمة والخلاف في ذلك مع الحشوية ..... من الخوارج والأصم وهشام بن الحكم وهشام الفوطي وبعض المرجئة، وأختلف في الرواية عنهم.
فقيل: ذهبوا إلى أن الإمامة لا تجب شرعاً ولا عقلاً لكن إن أمكن نصب إمام عدل من دون سفك دم ولا ضرر فحسن وإن لم يتفق ذلك وقام كل واحد بأمر منزله ومن يشتمل عليه من ذي قرابة وجار فيقيم فيهم الحدود والأحكام على مقتضى الكتاب والسنة جاز ذلك ولا حاجة إلى الإمام، وإما أنه يقوم بالسيف والحرب فلا يجوز هكذا حكى نشوان عنهم.
وقيل: بل الخوارج لا توجب الإمامة بحال تناصف الناس أو لم يتناصفوا.
وقال هشام بن الحكم: تجب الإمامة مع التناصف لأن الإمام يحتاج إليه لتنفيذ الأحكام مع التناصف لا عند التشاجر.
وقال الأصم ومن طابقة: إن وقع التناصف لم يجب لعدم الحاجة إلى الإمام حينئذ.
قال في تعليق الشرح: وكلامهم يعود إلى قولنا، لأن المعلوم ضرورة من عادة البشر أنه لا يقع بينهم تناصف.
وقد حكى الرازي عن عشام الفوطي مثل ما نقل عن هشام بن الحكم فقال هؤلاء: يجب نصب الإمام في حال ظهور الظلمة لأنهم ربما أنفوا عن طاعته فيؤدي قيامه إلى إثارة فتنة وأما مع ظهور التناصف فيجب نصبه لإظهار شعار الشريعة.
قوله: (ويحتجون لذلك بإجماع الصحابة).
أختصر المصنف في ذكر هذا الدليل وعادة المستدلين به توسيع الكلام فيه وذكر ما ظهر من أهتمام الصحابة بتأدية هذا الأمر الواجب حتى أشتغلوا عن تجهيز رسول الله وقدموه عليه وأثروه بالنظر ثم لما دنت الوفاة من أبي بكر أشتغل بذلك في مرضه وأمعن النظر فيه وعقد الولاية لمن يقوم بالأمر بعد ثم لما أتفقت قضية عمر جعل المهم له النظر في ذلك مع معاناته لأسباب الموت وصير الأمر شورى ثم لما أتفق مهلك عثمان أنثال الناس على أمير المؤمنين وبادروا إلى بيعته من غير تراخ ولا مهلة وفي جميع هذا الأحوال لم يسمع من دان ولا عال أن قال: لا حاجة بنا إلى هذا ونحن في غنية عنه أو ليس هذا بلازم لنا ولا واجب علينا، ولا أنكر أحد قول أبي بكر: لا بد لهذا الأمر ممن ينظمه ويقوم به. ولا قول غيره في هذا المعنى وهذا الدليل هو أبلغ ما يعتمد عليه في وجوب الإمامة وأستقواه كثير من العلماء وبنوا على أنه دليل قطعي برهاني وقد أورد المصنف عليه الإشكالات الثلاثة المذكورة في المتن وهي واردة عليه بعد تسليم وقوع الإجماع وأنه منقول بالتواتر وأن الإجماع حجة قطعية وأنه لا يشترك في ذلك أتفاق جميع من وجد من الأمة قطعاً بل إجماع أهل كل عصر كاف وفي كل من هذه الوجوه نزاع شديد.
قوله: (أحدهما: أن إجماع الصحابة..) إلخ.
قد أجاب عن ذلك في العمدة بأنهم لو فعلوا ذلك لحسنه فقط من دون وجوب لما خلا بعضهم عن أن يقول لا حاجة بنا إلى ذلك ولخالف فيه كما ثبت أختلافهم فيما ليس بواجب ومعلوم ان الأمر ليس كذلك فإنهم كانوا يبادرون إلى نصب الإمام أشد المبادرة على حد يظهر منهم دلائل أعتقاد الوجوب لا الحسن فقط، وقد بالغ الإمام المهدي عليه السلام في رد هذا السؤال وتضعيفه وقال: إنه لا يصدر عن ذي فطانة لأنا نعلم ضرورة من دين النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وجوب نصرة الإسلام على كل مسلم وتوهين الكفر حسبما نستطيع وكل عاقل يعلم ضرورة أن بقاء الأمة بعد موت الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم فوضاء ليس لهم أمير يجمع كلمتهم ويسد الثغور ويصلح ما أفسده الجهال والضلال فيه هدم لما كان صلى اللّه عليه وآله وسلم مشيده والمنكر لذلك معايد دافع للعلم الضرورة فعلم أنهم إنما فزعوا إلى نصب الإمام لتقوية أمر الإسلام وذلك عليهم فرض واجب فيجب أن يكون فعلهم ذلك لوجوبه.
وعندي أن هذا الجواب غير مطابق للسؤال وفيه مجازفة وإذا ثبت ما أدعاه من العلم ضرورة بوجوب نصرة الإسلام على كل مسلم والعلم ضرورة بأن عدم الإمام ينافي ذلك أستغنينا عن الإستدلال بإجماع الصحابة فالأمور المعلومة ضرورة من الدين لا تفتقر إلى إقامة البراهين.
قوله: (لما جاز خلو الزمان عن إمام).
يعني: مع أنه يعلم ضرورة خلو كثير من الأزمنة عن أئمة الهدى والمحققون متفقون على ذلك وأنه يجوز خلو الزمان عن إمام.
وأما أنه هل يجوز خلو الزمان عمن يصلح للإمامة أو لا؟
فالعدلية وجمهور المتكلمين منعوا ذلك وقالوا: لا يجوز أن يخلو الزمان عمن هو صالح لهذا الأمر وكل من أصله فالزيدية يقولون: بإمتناع أن يخلوا عن صالح من الفاطميين.
والمعتزلة: عن صالح من قريش، إلا أبا علي: فجوز أن يخلو عمن يصلح من قريش.
وقال: ومع ذلك تجوز الإمامة في غيرهم.
وقال: ولا بد أن يوجد الصالح بكمال الشرائط ما عدا المنصب.
والخلاف في هذه المسألة مع المخالفقين في وجوب الإمامة أستدل الجمهور بأن علينا تكاليف لا يصح تأديتها إلا مع وجود الإمام كإقامة الجمعات والحود وأخذ الزكوات كرهاً ونحو ذلك فيجب على الله تعالى أن لا يخلي الزمان عن صالح للإمامة ليتم لنا تأدية ما كلفناه إذ لا يتم إلا مع وجود من كملت في الشرائط فما كان منها من فعل الله كالعقل والذكورة والمنصب والبلوغ وجب عليه تعالى فعله، وما كان منها أكتسابياً كالعلم والورع وجب عليه تعالى توفير دواعي المكلف إلى تحصيله.
وإذا قيل: هذا يقتضي ألا يخلوا الزمان عن إمام ثابت الإمامة لأن أداء التكاليف المذكورة يتوقف على وجوده لا على وجود من يصلح فقط.
قالوا: الواجب على الله ما ذكر من فعل ما كان من الشرائط من فعله وتوفير الدواعي إلى إكتساب ما هو من فعل المكلف بحيث يقع منه ثم إذا أكملت فقد صار الواجب على غيره وهو الدعوة والخروج عند من يجعلها طريق ثبوت الإمامة والعقد على العاقدين عند من يجعله الطريق والرضا على الآخرين، وإذا ثبت أنه لا يخلو الزمان عن صالح للإمامة فمن الجائز بل الواقع وجو جماعة يصلحون للإمامة فمن دعا فهو الإمام أو من عقد له على أعتبار العقد والأختيار.
وذهب عباد بن سليم والإمامية: أنه لا يجوز أن يوجد في وقت واحد ممن يصلح للإمامة إلا رجل واحد وإلا كان تخصيص واحد بها لغير مخصص ورد بأن عمر جعلها شورى في ستة ولم ينكر عليه وبأنا نقطع بصلاحية كل واحد من الحسنين وهما في وقت واحد.
وذهب الشيخان: أنه لا بد من أن يقرع بينهم مع الاستواء لأن القرعة معتبرة في الشرع.
وقال ضرار: بل يؤثر العجمي على العربي.
والدليل على العزيز: ليكون أقرب إلى إمكان الخلع والإزالة.
وهي جهالة فإن المعتبر ما كان أقرب إلى قوة الشوكة وإنفاذ الكلمة.
وقد أجبت عن الوجه الثاني من وجهي الأشكال اللذين أوردهما المصنف: بأن الإمامة وإن وجبت على الأمة في كل عصر فوجوبها موسع غير مضيق لتباعد التواخي وأختلاف الأراقي في طلب الصالح وتعيينه وإذا كان وجوبها موسعاً لم يظهر الأخلال بالواجب من أهل العصر إلا بعد أن ينقرضوا كافة ولا يبقى منهم أحد قبل أن يقوم منهم قائم حق ولا يعلم أتفاق ذلك والخلو عن قائم حق في مدة ممتدة يقطع فيها بإنقراض أهل عصر كلهم إذ لا يقطع بذلك أو يغلب الظن به إلا في قد مائة وخمسين سنة ومن المعلوم أنه لم تخل الأمة عن قائم حق قدر هذه المدة وإنما تقع فترات يسيرة في أوقات قصيرة ذكر معنى ذلك الإمام المهدي وفيه نظر لأن الواجبات التي يحتاج إلى الإمام فيها وجب نصبه للقيام بها غير متأخرة بل يجب في أوقاتها فكيف يكون ما يتوقف عليه متأخراً موسعاً وكيف يقولون بأنه يجب نصب الإمام ليمكن تأدية ما وجب من إقامة الجمعة والحدود وأخذ الزكوات وتجييش الجيوش وحفظ بيضة الإسلام ثم يقولون يجب وجوباً موسعاً متراخياً في قدر مائة وخمسين سنة فما يكون حكم الجُمَع في هذه المدة وهي تجب في كل شهر أربع مرات وما يكون حكم الحدود وأسبابها ترتكب كل يوم وليلة في الأغلب وما يكون حكم الزكوات وهي تجب في كل سنة ومنها ما يجب في السنة مرتين ومرات مع أنكم تقولون أنه إذا قام لم تقم الحدود في الوقت الذي مضى قبل ولايته و.......... الماضية قد تعذرت إقامتها فما جاز في مدة التراخي هذه من عدم قيامة جاز فيما بعدها وأي غرض في أن يتعين وجوب إقامة على أهل العصر على آخر مدة بقائهم وأوان أنقراض آخرهم وإذا أستغنوا عنه في مدتهم وزمانهم حتى مضى الزمان وذهب أكثر الأعيان ولم يبق إلا يوم أو يومان ولا بقي منهم إلا واحد أو أثنان فلتقع الغنية عنه لتلك البقية اليسيرة في تلك المدة القصيرة وما أحوج إلى هذا إلا التكليف وسلوك سبيل التعسف.
قوله: (ووجه ثالث: وهو أن يقول المعتزلي للزيدي..) إلخ.
في هذا الوجه ضعف وجوابه واضح: وهو أن حكمنا على سكوت علي عليه السلام ومن على رأيه عن إنكار إمامة أبي بكر بأنه للتقية إنما كان لقرائن أقتضت ذلك من تجرم علي عليه السلام وفلتات تصدر منه وما صح من أدعائه الأولوية مع ما نعلم أو نظن من أن منكرها لا يسلم من الإهانة ولخوف الضرر وإرغام الأنف كما كان في حق سعد بن عبادة وما روي من هذا المعنى في حق غيره ولم يحصل مرتبة تقضي بأن السكوت عن إنكار وجوب الإمامة لمثل ذلك بل القرائن قاضية بخلافه.
قوله: (وقد أستدل على وجوبها بوجه آخر).
هذا الدليل هو الذي أعتمد عليه الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام وأبو علي وأبو هاشم في بعض كتبهما وأعتمده الرازي في نهايته.
قوله: (وأجمعت الأمة..) إلخ.
كذلك دل عليه الحديث وهو قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أربعة إلى الولاة الحدود والجُمعات والفيء والصدقات)).
قوله: (وبوجه آخر، وهو أن يقال: ما أنكرتم..) إلى آخره.
حاصله أن يجعل الإمام شرطاً في الوجوب كالنصاب في الزكاة ولا يجب تحصيل الشرك الذي هذا حاله لا شرط أداء كالوضوء لأن الإجماع وقع على أن الوضوء شرط أداء فيجب تحصيله ولا إجماع على أن الإمام شرط في أداء الحد وأول من أورد هذا الإعتراض الشيخ أبو عبدالله وضعف هذه الدلالة لأجله.
وقد أجبت: بأن الأمر بالحدود وقع مطلقاً غير مقيد بالشرط كالأمر بالصلاة فيجب تحصيل الشرط، وليس في قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أربعة إلى الولاة..)). ما يقضي بأن الولاة شرط وجوب بل منه كالتصريح بأنهم شرط أداء لأنه قال: ((إلى الولاة)). أي إقامتها بعد وجوبها بحصول أسبابها إليهم لا إلى آحاد الناس وإذا وجبت كذلك ولم يجز إقامتها إلا على وجه مخصوص داخل تحت مقدورنا وجب علينا تحصيله لنقوم بما قد وجب علينا وجوباً مطلقاً، وهذا الجواب لا يستغنى عن إعادة النظر فيه وتأمل ما أشتمل عليه من تعليل وتوجيه وأوضح من ذلك الإعتراض أن يعترض ذلك الإستدلال بمنع الإجماع وكيف يدعى الإجماع مع أن أبا حنيفة لا يشترط الإمام في إقامة الحدود ويجعل إقامتها إلى الأمراء وأهل الشوكة وإن لم يكن ثم إمام والمخالفون في وجوب الإمام وهم الحشوية ومن قال بقولهم يمنعون من كون تلك الأمور مشروطة بالإمام ومقصورة عليه وفي كون الحد والفيء والصدقات وإقامة الجمعات مقصورة على الإمام خلاف ظاهر مشهور مبين في مواضعه من كتب الفروع فكيف يحتج بالإجماع هنا، وأما الخبر المذكور فآحادي ولا تصريح فيه بالإشتراط وما المانع من أن يكون المراد أنها إليهم مع وجودهم ولا يصح أن يتركب على مثله دليل يدعي كونه قطعياً وقد أستدل بعض أصحابنا على وجوب الإمامة بدليل ثالث يجري الكلام في تقريره وتنظيره على نحو من الإستدلال بدليل الأمر بإقامة الحدود وهو أن الجهاد فرض واجب على الأمة والإمام شرط في أدائه وتحصيل هذا الشرط ممكن للأمة فثبت وجوبه ووجوب الجهاد لا نزاع فيه، وأما أن الإمام شرط فيه فغير مسلم وقد أحتج على ذلك بحجة متكلفة وسلك إلى تصحيحة في طريق متعسفة والمعلوم ضرورة إمكان جهادة الكفار والبغاة من دون حصول الإمام الجامع للشرائط وإن العلماء متفقون على من شاء الجهاد لا يتوقف عليه كمدافعة الكفارة والبغاة وبعضهم يجيز قصدهم من دون إمام ويلحق بما ذكر إيراد