ثم قال: لم أبعث فيكم لهذا ولكن أحببت أن أبسطكم أني أحببت مناظرتكم في مذهبي الذي أنا عليه وديني الذي أدين به.
فقلنا: أفعل وفقك الله وأرشدك.
فقال: إني أدين الله بأن علي بن أبي طالب أفضل خلق الله بعد رسول الله وأحقهم بالخلافة.
قال إسحاق: فقلت: إن فينا من لا يعرف ما ذكرته في علي رضي الله عنه وقد دعوتنا للمناظرة؟
قال: يا إسحاق أختر إن شئت أن اسألك وإن شئت أن تسأل؟
قال إسحاق: فأغتنمتها منه.
فقلت: بل اسألك من أين قلت إن علي بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وأحقهم بالخلافة بعده؟
قال: يا إسحاق خبرني عن الناس بما يتفاضلون حتى يقال فلان أفل من فلان؟
قلت: بالأعمال الصالحة.
قال: صدقت.
قال: فأخبرني عمن فضل صاحبه على عهد رسول الله ثم إن المفضول عمل بعد وفاة رسول الله بأفضل من عمل الفاضل على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أيلحق به؟
قال: فأطرقت.
قال: يا إسحاق لا تقل نعم. فإنك إن قلت: نعم أوجدناك في دهرنا هذا من هو أكثر منه جهاداً وصلاة وصياماً وصدقة.
قلت: أجل لا يلحق المفضول على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم الفاضل أبداً.
قال: يا إسحاق فأنظر ماذا روى لك أصحابك ومن أخذت عنهم دينك وجعلتهم قدوة لك من فضائل علي فقس عليها ما أتوك به من فضائل أبي بكر وعمر فإن وجدت لهما من الفضائل ما وجدت لعي وحده فقل إنهما أفضل منه لا والله ولكن قس فضائل العشرة الذين شهد لهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بالجنة فإن وجدتها تشاكل فضائله فقل إنهم جميعاً أفضل منه.
يا إسحاق أي الأعمال كانت أفضل يوم بعث الله رسوله؟
قلت: الإخلاص بالشهادة.
قال: أليس السبق إلى الإسلام؟
قلت: نعم.
قال: اقرأ ذلك في كتاب الله تعالى يقول الله تعالى: {والسابقون السابقون أولئك المقربون}. إنما علي من سبق إلى الإسلام فهل غلمت أحداً سبق علياً إلى الإسلام؟

قلت: إن علياً أسلم وهو حديث السن لا يجوز عليه الحكم وأسلم أبو بكر وهو مستكمل يجوز عليه الحكم.
قال: أخبرني أيهما أسلم قبل ثم أناظرك عليه من بعد في الحداثة والسن؟
قلت: علي أسلم قبل أبي بكر على هذه الشريطة.
قال: نعم.
فأخبرني عن إسلام علي حين أسلم هل يخلو من أن يكون رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم دعاه إلى الإسلام أو يكون إلهاماً من الله؟
قال: فأطرقت.
قال: يا إسحاق لا تقل إلهاماً فتقدمه على رسول الله لأن رسول الله لم يعرف الإسلام حتى أتاه جبريل عن الله.
قلت: أجل بل دعاه رسول الله إلى الإسلام.
قال: يا إسحاق هل يخلو رسول الله حين دعاه إلى الإسلام من أن يكون دعاه بأمر من الله تعالى أو تكلف ذلك من نفسه؟
قال: فأطرقت.
قال: يا إسحاق لا تنسب رسول الله إلى التكلف فإن الله تعالى يقول: {وما أنا من المتكلفين}.
قلت: أجل بل دعاه بأمر من الله عز وجل.
قال: فهل من صفة الجبار جل ذكره أن يكلف رسله دعاء من لا يجوز عليه حكم؟
قلت: أعوذ بالله.
قال: أفتراه في قياس قولك يا إسحاق أن علياً أسلم صبياً لا يجوز عليه الحكم فقد كلف رسول الله من دعاء الصبيان ما لا يطيقون فهذا يدعوهم الساعة ويرتدون بعد ساعة فلا يجب عليهم في أرتدادهم شيء ولا يجوز عليهم حكم الرسول عليه الصلاة والسلام.
أتُرى هذا جائز عندك أن تنسب إلى الله عز وجل؟
قلت: أعوذ بالله.
قال: يا إسحاق فأراك قصدت إلى فضيلة فضل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم علياً بها على هذا الخلق أبانه بها منهم ليعرف مكانه وفضله ولو كان الله تعالى أمر بدعاء الصبيان لدعاهم كما دعا علياً عليه السلام؟
قلت: بلى.
قال: فهل بلغك أن الرسول دعا أحداً من صبيان أهله وقرابته لئلا يقول كان علي ابن عمه؟
قلت: لا أعلم ولا أدري فعل أو لم يفعل.
قال: يا إسحاق ارأيت من لم يدره ولا يعلمه ايسأل عنه؟
قلت: لا.
قال: فدع ما قد وضعه الله عنك وعنا.

ثم قال: أي الأعمال كانت أفضل بعد السبق إلى الإسلام؟
قلت: الجهاد في سبيل الله.
قال: صدقت. فهل تجد لأحد من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ما تجد لعلي في الجهاد؟
قلت: وفي أي وقت؟
قال: في أي الأوقات شئت؟
قلت: بدر.
قال: لا أريد غيرها.
قال: فهل تجد لأحد ما تجد لعلي يوم بدر. أخبرني كم قتلى بدر؟
قلت: نيف وستون رجلاً من المشركين.
قال: فكم منهم قتل علي وحده؟
قلت: لا أدري.
قال: ثلاثة أو أثنين وعشرين والأربعون لسائر الناس.
قلت: إن أبا بكر كان مع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في عريشه.
قال: يصنع ماذا؟
قلت: يدبر؟
قال: وتلك دون رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أو شريك معه أم أفتقاراً من رسول الله إلى رأيه أي الثلاثة أحب إليك؟
قلت: أعوذ بالله أن يدبر أبو بكر دون رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أو يكون معه شريكاً أو أن يكون برسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أفتقار إلى رأيه.
قال: فما الفضيلة بالعريش إذا كان الأمر كذلك أليس من ضرب بسيفه بين يدي رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أفضل ممن هو جالس؟
قلت له: كل الجيش كان مجاهداً.
قال: صدقت كل مجاهد، ولكن الضارب بسيفه الحامي عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وعن الجالس أفضل من الجالس أما قرأت كتاب الله عز وجل: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر}، {والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم}، {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى}، {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً}؟
قلت: وكان أبو بكر وعمر مجاهدين.
قال: فهل كان لأبي بكر وعمر فضل على من لم يشهد ذلك المشهد؟
قلت: نعم.
قال: فكان لسبق الباذل نفسه فضل على أبي بكر وعمر؟
قلت: أجل.
قال: يا إسحاق هل تقرأ القرآن؟
قلت: نعم.

قال: اقرأ {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا}.
قال: فقرأت حتى إذا بلغت: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا إلى قوله ويطعمون الطعام على حبه}.
فقال: على رسلك فيمن نزلت هذه الآية.
قلت: في علي.
قال: فهل بلغك أن علياً حين أطعم المسكين والييم والأسير قال: إنما نطعمك لوجه الله، هل سمعت الله وصف في كتابه بمثل ما وصف به علياً عليه السلام؟
قلت: لا.
قال: صدقت. لأن الله جل ذكره عرف سريرته، يا إسحاق ألست تشهد أن العشرة في الجنة؟
قلت: بلى.
قال: ارأيت لو أن رجلاً قال: والله ما أدري هل هذا الحديث صحيح أم لا، ولا أدري أقاله رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أو لم يقله أكان عندك كافراً؟
قلت: أعوذ بالله.
قال: ارأيت لو أنه قال: ما أدري هذه السورة من كتاب الله أم لا أكان كافراً؟
قلت: نعم.
قال: يا إسحاق أدى بينهما فرقاً، يا إسحاق أتروي الحديث؟
قلت: نعم.
قال: فهل تعرف حديث الطير؟
قلت: نعم.
قال: فحدثني به فحدثته بالحديث.
قال: يا إسحاق إني كنت أكلمك وأنا أظنك غير معايد للحق فأما الآن فقد بان لي عنادك ....... هذا الحديث صحيحاً؟
قلت: نعم. رواه من لا يمكنني رده.
قال: افرأيت من أيقن أن هذا الحديث صحيح وزعم أن أحداً أفضل من علي يخلو من أحد ثلاثة:ـ
من أن تكون دعوة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم مردودة عنده عليه.
أو أن يقول إن الله عرف الفاضل من خلقه وكان المفضول إليه أحب.
أو أن يقول إن الله عز وجل لم يعرف الفاضل من المفضول.
فأي الثلاثة أحب إليك أن تقول، فأطرقت.
ثم قال: يا إسحاق لا تقل شيئاً منها أستمسك وإن كان للحديث عندك تأويل غير هذه الأوجه الثلاثة فقل؟
قلت: لا أعلم وإن لأبي بكر فضلاً.
قال: أجل، لولا أن له فضلاً ما قيل: إن علياً أفضل فما فضله الذي قصدت له الساعة؟
قلت: قول الله عز وجل: {ثاني أثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}. فنسبه إلى صحبته.

قال: يا إسحاق أما إني لا أحملك على الوعر من طريقك إني وجدت الله تبارك وتعالى نسب إلى صحبة من رضيه ورضي عنه كافراً وهو قوله: {قال لصاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نظفة ثم سواك رجلاً لكن هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً}.
قلت: ذلك صاحب كان كافراً وأبو بكر مؤمن.
قال: فإذا جاز أن تنسب إلى صحبة من رضيه ورضي عنه كافراً جاز أن تنسب إلى صحبته مؤمناً وليس بأفضل المؤمنين ولا الثاني ولا الثالث.
قلت: قدر الآية عظيم لأن الله تعالى يقول: {ثاني إثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}؟
قال: يا إسحاق فإني الآن أخرج إلى الإستقصاء عليك أخبرني عن حزن أبي بكر كان لله رضاً أم سخطاً.
قلت: إن أبا بكر إنما حزن من أجل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم خوفاً عليه وغماً أن يصل إلى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم شيء من المكروه.
قال: ليس هذا. جوابي أن تقول رضا أو سخط؟
قلت: بل كان لله رضا.
قال: فكان الله جل ذكره بعث رسولاً ينهى عن رضا الله وعن طاعته؟
قلت: أعوذ بالله.
قال: أوليس قد زعمت أن حزن أبي بكر كان رضا لله؟
قلت: بلى.
قال: أولم تجد أن القرآن يشيد أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قال له: لا تحزن نهياً له عن الحزن؟
قلت: أعوذ بالله.
قال: يا إسحاق إن مذهبي الرفق بك لعل الله أن يردك إلى الحق ويعيدك عن الباطل لكثرة ما يستعين به حديثي عن قول الله تعالى: {فأنزل الله سكينته عليه}. من عني بذلك رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أم أبا بكر؟
قلت: بل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.
قال: صدقت. فخبرني عن قوله: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً إلى قوله فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين}. أتعلم من المؤمنين الذين أراد الله في هذا الموضع؟
قلت: لا أدري.

قال المأمون: الناس جميعاً أنهزموا يوم حنين فلم يبق مع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إلا سبعة من بني هاشم علي منهم فضرب بسيفه بين يديه والعباس أخذ بلجام بغلة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم والخمسة المحدقون به خوفاً من أن يناله من جراح القوم شيء حتى أعطى الله لرسوله الظفر والموهمون في هذا الموضع علي خاصة ثم من حضره من بني هاشم فمن أفضل من كان مع رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم في ذلك الوقت أم من أنهزم عنه ولم يره الله موضعاً لينزلها عليه؟
قلت: بل من أنزلت عليه السكينة.
قال: يا إسحاق من أفضل من كان معه في الغار أم من نام على فراشه ووفاه بنفسه حتى تم لرسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ما أراد من الهجرة، إن الله تبارك وتعالى أمر رسوله بأن يأمر علياً بالنوم على فراشه وأن يقى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بنفسه فأمره رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بذلك فبكى علي رحمة الله عليه، فقال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ما يبكيك أجزعاً من الموت؟
قال: لا والذي بعثك بالحق يا رسول الله ولكن خوفاً عليك.
قال: فنم على فراشي.
قال: سمعاً وطاعة طيبة بذلك نفسي بالفداء لك يا رسول الله.
ثم أتى مضجعه فاضطجع وسجي بثوبه وجاء المشركون من قريش فجفواته لا يشكون أنه رسول الله وقد أجمعوا أن يضربه كل رجل من كل بطن من بطون قريش طربة بالسيف لئلا يطلب الهاشميون بطناً من البطون بدمه وعلي يسمع ما القوم فيه من تلف نفسه ولم يدعه ذلك الجزع كما جزع صاحبه في الغار ولم يزل علي صابراً محتسباً فبعث الله تعالى ملائكته فمنعته مشركي قريش حتى أصبح فلما أصبح نظر القوم إليه.
فقالوا: أين محمد؟
قال: وما علمي بمحمد أين هو.
قالوا: فلا نراك إلا كنت مغروراً بنفسك منذ ليلتنا.
فلم يزل علي أفضل مائة يزيد ولا ينقص حتى قبضه الله.
يا أبا إسحاق هل تروي حديث؟
قلت: نعم.
قال: أروه. ففعلت.

قال: يا أبا إسحاق ارأيت هذا الحديث هل أوجب على أبي بكر وعمر ما لم يوجب لهما عليه؟
قلت: إن الناس ذكروا أن هذا الحديث إنما كان بسبب زيد بن حارثة لشيء جرى بينه وبين علي وأنكر علي فقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)).
عند ذلك قال: يا سبحان الله ما هذه العقول ثم قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه)). وفي أي موضع قال هذا، أليس بعد منصرفه من حجة الوداع؟
قلت: أجل.
قال: فإن قتل زيد بن حارثة قبل الغدير كيف رضيت لنفسك بهذا، أخبرني لو رأيت أبناً لنفسك قد أتت عليه خمس عشرة سنة يقول: مولاي مولى ابن عمي أيها الناس فاعلموا ذلك، أكنت منكراً ذلك عليه تعريفه الناس ما لا ينكرون ولا يجهلون؟
قلت: اللهم نعم.
قال: يا إسحاق أفتنزه أبنك عما لا تنزه عنه رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، ويحكم لا تجعلوا فقهائكم أربابكم دون الله فإن الله عز ذكره يقول: {أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله}. ولم يصلوا لهم ولا قاموا ولا زعموا أنهم أرباب ولكن أمروهم فأطاعوا أمرهم.
يا إسحاق أتروي حديث: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى))؟
قلت: نعم. قد سمعته وسمعت من يجحده.
قال: فمن أوثق عندك من سمعته منه وصححه أم من جحده؟
قلت: بل من صححه.
قال: فهل يمكن أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم مزح بهذا القول؟
قلت: أعوذ بالله.
قال: فهل يمكن أن يقول قولاً لا معنى له ولا يوقف عليه؟
قلت: أعوذ بالله.
قال: فما تعلم أن هارون كان أخا موسى لأبيه وأمه.
قلت: بلى.
قال: فعلي أخو رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لأبيه وأمه.
قلت: لا.
قال: أوليس هارون نبياً وعلي عترتي.
قلت: بلى.
قال: فهذان الحالان معدومان في علي وقد كانا في هارون، فما معنى قوله: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى))؟

قلت: إنما أراد أن تطيب نفس علي لما قاله المنافقون خلفه أستثقالاً له.
قال: فأراد أن تطيب نفسه بقول لا معنى له.
فأطرقت.
قال: يا إسحاق له في كتاب الله معنى بَيِّن.
قلت: وما هو؟
قال: قوله عز وجل حيث يحكي عن موسى أنه قال لأخيه هارون: {أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين}.
قلت: إن موسى خلف هارون في قومه وهو حي ومضى إلى ربه وإن رسول الله خلف علياً حين خرج إلى عرانة.
قال: كلا ليس كما قلت.
أخبرني عن موسى حين خلف هارون هل كان معه حين ذهب إلى ربه أحد من أصحابه أو أحد من بني إسرائيل؟
قلت: لا.
قال: أوليس أستخلفه على جماعتهم؟
قلت: نعم.
قال: أخبرني عن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم حين خرج إلى عرانة هل خلف إلا الضعفاء والنساء والصبيان فأنى يكون مثل ذلك وله عندي تأويل آخر من كتاب الله يدل على أستخلافه إياه لا يقدر أحداً أن يحتج به ولا أعلم أحداً أحتج به وأرجوا أن يكون توفيقاً من الله.
قلت: وما هو؟
قال: حين حكا عن موسى: {رب أجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً}. ....... علي بمنزلة هارون من موسي وزيري من أهلي وأخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبح الله كثيراً ونذكره كثيراً فهل يقدر أحد أن يدخل في هذا شيئاً غير هذا ولم يكن يبطل قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وأن يكون لا معنى له.
قال: وطال المجلس وأرتفع النهار.
فقال يحيى للمأمون: قد أوضحت لمن أراد الله به الخير وثبت ما لا يقدر أحد أن يدفعه.
قال إسحاق: فأقبل علينا.
وقال: ما تقولون.
قال: كلنا نقول بقوله أعزه الله.
قال: والله لولا أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: ((أقتلوا القول من الناس)). ما كنت لأقبل منكم القول، اللهم قد نصحت لهم القول، اللهم إني قد أخرجت الأمر من عنقي، اللهم إني أدينك بالتقرب إليك بحب علي وولايته.

قوله: (فأوضح المأمون أن علياً أول الناس إسلاماً).
قد سبق ما ذكره المأمون في ذلك ومما يؤيده قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم لفاطمة: ((ألا ترضين أني زوجتك أقدمهم سلما وأعلمهم علماً)). وقال علي عليه السلام في أبيات له:ـ
سبقتكم إلى الإسلام طراً غلاماً ... ما بلغت أوان حلمي
وفي جامع الترمذي عن أنس بن مالك أنه قال: بعث رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يوم الأثنين وصلى علي يوم الثلاثاء.
قوله: (لأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم دعاه إلى الإسلام..) إلى آخره.
قد تقدم في مناظرة المأمون تقرير ذلك.
قال الفقيه حميد: ولأنه عليه السلام كان مع بني عبدالمطلب يوم دعاهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فبادر إلى التصديق ولأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم مدحه بذلك في آثار مشهورة منها قوله لفاطمة: ((ألا ترضين أني زوجتك أقدمهم سلما)). ولو كان إسلامه لا يعتد به لمكان الصبا لما حسن تعظيمه به لأنه يستحق التعظيم ولأنه عليه السلام لما أورد ذلك في مناشدة الشورى استدلالاً منه على فضله أقرته الصحابة ولم يعترضه ولا قالوا ولا بعضهم وأي شرف لك بإسلامك وأنت صغير وقد قيل أن المراد بقوله عليه السلام أوان حلمي: أن إسلامه وقع في وقت لم يقف عليه في هذا الحلم المعتاد لغيره مع كونه كامل العقل وآفر اللب.
قوله: (وذلك من التكاليف العقلية..) إلخ.
جواب غريب لم يقف عليه في هذا الموضع لغير المصنف والظاهر أن التكليف بالعقليات يلازم التكليف بالشرعيات وإن وقت ذلك كله واحد توضحه أن الشرعيات وجبت لكونها ألطافاً في العقليات فكيف يتأخر إيجابها عنها وإذا حقق النظر فلا يعد في ذلك ولا مانع أن يعلم الله في حق بعض الناس أنه يفعل التكاليف العقلية من دون ألطافها االتكاليف الشرعية فيكلفه بها قبل ولعل غير المصنف قد ذكر معنى كلامه في موضع غير هذا والله أعلم.
قوله: (على أنه لا يمنع أن يكون من خصائص أمير المؤمنين صحة إسلامه صغيراً).

قال في تعليق الشرح: نقرب أنه أسلم دون الإدراك وذلك وإن لم يستحق به ثواب فهو وصف كمال وفضيلة وبه يقع المدح سيما إذا أستمر كذلك إلى وقت الإدراك وذلك معلوم فإن من نشأ مطهراً عن الرذائل في صغره حتى أدرك يمدح ويكون له على ....... درجة في الفضل، أنتهى.
أعلم: أن له عليه السلام فضيلة في الإسلام ومزية غير حاصلة في أحد من أكابر الصحابة وهو أن إسلامه لم يسبقه كفر بخلاف غيره وقد قال بعض العلماء أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم نبه في قوله: ((إلا أنه لا نبي بعدي)). ولو كان لكنته على أنه لو صلح أحد للنبوة بعده عليه الصلاة والسلام لكان علياً لكون إسلامه لم يسبق بكر وذلك شرط في بعثه من بعث للنبوة.
قوله: (حتى باهي الله به الملائكة).
المذكور في المناظرة السابقة أن الله أمر الملائكة لتحرسه وأما المباهاة فلعل المصنف أطلع على خبر ينطوي عليها.
قوله: (إن علياً كان أعظم الناس جهاداً).
لا شك في ذلك يحيث أنه لا يعلم لأحد من الصحابة وسائر أهل الإسلام لما يساويه في ذلك أو يدانيه ولا ينكر ذلك إلا معاند تكذبه الشواهد ولا قال أحد ولا يقل أنه ولى دبره قط في شيء من وقعاته وغيره من الخلفاء ليس كذلك أما أبو بكر رضي الله عنه فلم يشتهر بقتل أحد ولا قتاله وعمر وعثمان من المولين مدبرين يوم أحد وقد بولغ في هرب عثمان حتى ذكر بعضهم أنه أستمر ثلاثة أيام وجمع أمير المؤمنين في الجهاد بين قتال الكفار الذين قوتلوا على تنزيل القرآن وقتال البغاة الذين قوتلوا على تأويله وإليه يرجع أهل الإسلام عن........ في تعرف أحكام البغاة.
قال الفقيه حميد: وإذا ثبت أن له في الجهاد الفضل الذي لا يجارى والسبق الذي لا يبارى ثبت كونه أفضل الصحابة لقوله تعالى: {وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً}. فصرح بتفضيل المجاهدين على من ليس بمجاهد ويلزم منه تفضيل الأكثر جهاداً على الأقل.

153 / 158
ع
En
A+
A-