الغرض الثاني: ألا ينقل ناقل يتقول عنهم خلاف ما نقلناه وآثرناه فيظن صحته وحاشى وكلا.
قال المؤيد بالله: لو قيل لواحد ممن يدعي تزعمه كفراً أو فسقاً في حقهم أرني نصاً من جهة الأئمة صريحاً أنه يتبرئ فيه من الشيخين لم يمكنه ذلك.
وعن بعض أئمة أهل البيت أنه قال: من زعم أن أحداً من العترة من لدن زيد بن علي إلى يومنا هذا يذهب لى تفسيق الصحابة فإنه كاذب في هذه المقالة.
قوله: (فرضينا لدنيانا من رضية رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لديننا).
يقال: ولم جعل الإمامة دنيوية مع أنها من معالم الدين؟
والجواب: أنها دينية على التحقيق بلا شك وإنما جعلها دنيوية لما سيأتي ذكره إن شاء الله في الإمامة.
قوله: (لما وضع الديوان).
هو سجل يذكر في المعطوب وينزل فيه عطاياهم ويشتمل على تقدير ما لكل منهم.
قوله: (فالصوكلكلة الكل).
كل الصدر وكذلك الكلكال ذكره الجوهري.
قوله: (وأنه لما رأى الفسادلم يتلبث في إظهار دين الله بالسيف).
تمام كلامه عليه السلام ما لفظه: كما فعل بأهل الجمل وأهل النهروان وصفين وغيرها.
قال الإمام يحيى: فهذا كلام من شرح صدره للإسلام فهو على نور من ربه لم يمزج بالحسد ولا خالطته العصبيه والمكر.
قوله: (ومنه ما روي عن عبدالله بن الحسن وأولاده عليه السلام).
ذكر الإمام يحيى من أولاده محمد بن عبدالله النفس الزكية وإبراهيم ويحيى وأهل المصنف ما نقله الإمام يحيى عليه السلام عن الباقر والصادق قال عليه السلام: والمأثور عن الباقر شدة المحبة وعظم الثناء على الشيخين والموالاة لهما أثر عن أسلافه، وعن جعفر الصادق أنه كان شديد المحبة لهما. وقد روي عنه خلق عظيم أنه كان يترحم عليهما. قال: وروي عن الصادق أيضاً أنه قيل له: ما تقول في أبي بكر؟
فقال: ما أقول فيمن ولدني مرتين.
أراد بذلك: أن أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأم أمه بنت عبدالرحمن بن أبي بكر.

قال الإمام يحيى: فقوله هذا يدل على الرقة في قلبه والرحمة وإعظام المنزلة.
قلت: بل يقضي بأنه ...... لحق الولادة ولولا هي لقال فما في مثل هذا حجة، والله سبحانه أعلم.
قوله: (والجاحظ).
هكذا ذكر الإمام يحيى وقد تقدم ما روي عنه مما يدل على أنه ناصبي المذهب وهو ينافي هذا.
قوله: (وغيرهم).
إشارة إلى معتزلة بغداد فإنهم ...................... أهل البيت.
قال الإمام يحيى: معتزلة بغداد فإنهم يفتخرون بأئمة الزيدية فلو ظهر هؤلاء الأئة نقصاً في حالهم ما بايعوهم ولا كان منهم أعتقاد لإمامة واحد منهم.
قوله: (ومنه ما روي أن القاسم عليه السلام..) إلى آخره.
قال الإمام يحيى: وروي عنه أنه قال: ننكر أفعالهم ونسخط ولا نقول قول الرافضة فنفرط.
قال: وهذا تصريح منه بتحريم الأذية والسب.
قال: وكلا الروايتين دال على سلامة الأمر من جهته في حقهما ولهذا صرح بأن قول الرافضة إفراط وغلو وليس يرتضيه مذهباً لنفسه ولو كان صواباً وحقاً لقال به وحاشى لبصيرته النافذة وورعه الذي فاق به على نظرائه أن يصدر من جهته ما لا يليق بذلك.
قوله: (قال سمعت المؤيد بالله..) إلى آخره.
قال الإمام يحيى: وكان المؤيد بالله في أول غره وعنفوان شبابه متوقفاً عن الترضية ثم ترحم عليهما في آخر عمره وذكر في الهوسميات أن الخلاف في الإمامة وإن كانت عطعية لا يوجب كفراً ولا فسقاً ولهذا فإن أمير المؤمنين لم يصدر من جهته رمي لهم ببكفر ولا فسق مع مخالفتهم له فيها.
قوله: (وكتبه مشحونة بذلك).
قال عليه السلام في بعضها: والذي نختاره ما نقلناه عن الأفاضل من آبائنا عليهم السلام فإن المأثور عنهم ما أوضحناه من المحبة والتولي لهما وإعظام منزلتهما وبترك المقالة القبيحة في حقهما بل أقول كما قال الصادق عليه السلام: اللهم إني أحبهما وأودهما وأتولاهما وأحب من يحبهما اللهم إن كنت تعلم خلاف ذلك من قلبي فلا تنلني شفاعة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم.

قوله: (فيها لمن أنصف بلاغ).
أي: كفاية لأن البلاغ لغة الكفاية، وهو أيضاً أسم بمعنى الإبلاغ والتبليغ.
قوله: (وأما ما روي عن أبي طالب ـ إلى قوله ـ فصحيح).
وليس فيه أن الصحابة قد خرجوا على أمير المؤمنين عنده، أما ظاهر إطلاق أبي طالب فكما ذكر ليس فيه بأس ولكن لا يبعد أنه قصد به المشائخ الثلاثة ولهذا ذكر الكني رحمه الله أن كلامه هذا إنما كان في أيام متقدمة من أول عمره وعنفوان شبابه حين كان أمامياً يرى رأي الإمامية ويعتقده فأما بعد أن صار زيدياً محققاً في الأصول فلا يظن به أنه معتقد لذلك ويؤيد ذلك أن شرح التحرير مشحون بذكر الإستدلال والرواية عن الشيخين في الأخبار والأقضية والفتاوى ولو كانا فاسقين عنده لم يكن الإحتجاج بشيء من أقوالهما وأقضيتهما وجه.
قلت: وممن يظهر عنه التجرم على المشائخ والنفحات التي تقضي بالتفسيق السيد أبو العباس الحسني رحمه الله فمن طالع كتابه المصابيح رأى ما يقضي بأنه كان إمامي المذهب وقد روى فيه أخباراً عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم تدل على الفسق وتشغر به.
قال الإمام يحيى: وكلها آحادية لا يمكن أن تكون معتمدة في الكفر والفسق لونها غير مرشدة إلى القطع.
قوله: (وأما توقف كثير من متأخري أهل البيت عليهم السلام..) إلى آخره.
قال الإمام يحيى عليه السلامك أن أحداً من الأئمة وأكابر العترة لم ينقل عنه إكفار ولا تفسيق كما شرحناه أولاً ونقلناه ثم هم بعد ذلك فريقان:ـ
الأول: مصرحون بالترحم عليهم والترضية والموالاة وصدق المحبة والمودة كما حكيناه عن أمير المؤمنين ومن ذكر من أولاده عليه السلام.
الفريق الثاني: متوقفون عن الترضية والترحم وعن الإكفار والتفسيق وعلى هذا دل كلام القاسم والهادي وأولادهما وإلى هذا يشير كلام الإمام المنصور بالله فهؤلاء يحكمون بالخطأ ويتوقفون في حكمه ولا يقدمون على سب ولا أذية أراد والأولون يحكمون بالخطأ ويقطعون بأنه ليس بكفر ولا فسق.

قلت: قد عرف ما ذكره الإمام يحيى عليه السلام من توقف الهادي والمنصور وما ذكره هو والمصنف فيما ورد عن الهادي عليه السلام في الأحكام من الكلام الشديد الغليظ المحوج إلى التأويل وقد وقفنا لهذين الإمامين على كلام من جنس ما ورد عن أمير المؤمنين والحسنين ومن ذكر معهم.
أما الهادي عليه السلام فقال في رسالته التي أجاب بها على أهل صنعاء وذكر فيها عقائده وبراءته من البدع ومذاهب أهلها ما لفظه: ولا أنتقص أحداً من الصحابة الصادقين والتابعين بإحسان المؤمنات منهم والمؤمنين أتولى جميع من هاجر ومن آوى منهم ونصر فمن سب مؤمناً عندي إستحلالا فقد كفر ومن سبه أستجراماً فقد ضل عندي وفسق ولا أسب إلا من نقض العهد والعزيمة وفي كل وقت له ...... من الدين بالنفاق تمردوا وعلى الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم مرة بعد مرة تمردوا وعلى أهل بيته أجترؤا وطعنوا وإني لأستغفر الله لأمهات المؤمنين اللواتي خرجن من الدنيا وهن من الدين علي يقين وجعل لعنة الله على من تناولهن بما لا يستحققن من سائر الناس أجمعين وقفنا على هذا في الرسالة نفسها وحكاه أيضاً الفقيه العلامة محمد بن يوسف بن هبة الفضلي القدمي في كتاب له سماه الإنتصاف أجاب به رسالة وردت من بعض الشافعية المجبرة يتضمن التنفير عن مذهب الزيدية ونسبة مذاهب قبيحة إليهم وهو كتاب حسن فلما أنتهى فيه إلى ذكر ما ورد عن الأئمة في شأن الخلفاء روى كلام الهادي هذا ثم روى عن المنصور بالله عليه السلام ما أصرح من ذلك قال ما لفظه: ومن ذلك ما قاله إمامنا المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام في الرسالة الإمامية في جواب المسائل التهامية للفقيه محمد بن أسعد الواقدي الصليحي من ناحية زبيد قال: وأما ما ذكره المتكلم حاكياً عنا من تضعيف آراء أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فهم خير الناس على عهد رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وبعده يرضى الله عنهم وجزاهم عن الإسلام خيراً

ولكن ذلك لا يمنع من أن يكون عترة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أفضل منهم وأولى بمقامه من قائمهم، أنتهى.
قوله: (وأعجب من هذا أن الرجل من علماء زماننا..) إلى آخره.
سمعنا من السنة عدة من معاصرينا أنه رمز بهذا التعجب إلى القاضي عبدالله بن حسن الدواري وكان بينهما على ما بلغ وحشة ولكنا وقفنا على ما يقضي من حال القاضي المذكور بخلاف ذلك وهو الترضية عنهم وشاهدنا ذلك في بعض مصنفاته بخط يده ولما ذكر في تعليقه على الشرح الكلا في حكم من تقدم في الإمامة على أمير المؤمنين حكى المذاهب في ذلك فأجاد في النقل وأستوفى ذكر الخلاف في ذلك وذكر أن القول بتفسيقهم أشهر الروايات عن الجارودية وإليه ذهب بعض الإمامية.
قال: وظاهر إطلاق القاسم بن علي العياني وولده الحسين والإمام أبو الفتح الديلمي وذكر ذلك الإمام أحمد بن سليمان في كتاب الحقائق ورواه عن السيد أبو طالب وأبو العباس، ثم قال: وينبغي تأويل هذه الرواية لمن كان بذلك من سادات أهل البيت وصالحي المسلمين لأن هذه مزلة قدم نعوذ بالله منها.
وتأول كلام الهادي في الأحكام وروى كلامه المذكور في جواب أهل صنعاء، وحكي عن المنصور بالله أقوالاً مختلفة وسلك في جميع ذلك مسلك الإنصاف وما لا ينقد عليه.
قوله: (ولقدد أحسن القائل:ـ
إني أحب أبا حفص وشيعته كما أحب عتيقاً صاحب الغار)
قيل أن قائل هذه الأبيات أبو نواس وأبو حفص كنية عمر كنى ببنته حفصة أم المؤمنين ولعله إنما كني بها لمكانها من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وكانت من فضليات زوجاته ولما هَمَّ بطلاقها أمر بالكف عنه لأنها صوامه قوامة، وحذف آخر السم ترحيماً وعتيق لقب أبي بكر وأسمه عبدالله وإنما لقب بذلك قيل لجماله لأن العتق لغة من اسماء الجمال كما أنه ........... وقيل: لأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال له: ((أنت عتيق النار)). ذكره الجوهري.

القول في التفضيل
قوله: (وأبو عبدالله هو من أهل المبالغة في ذلك وصنف فيه كتاب التفضيل).
وممن قال بأفضلية أمير المؤمنين من المعتزلة الحاكم نص عليه في شرح العيون وعلل ذلك بأنه وصي رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم.
قوله: (وروي هذا عن ابن عباس..) إلى آخره.
وممن روي عنه من الصحابة أبو سعيد الخدري وخالد بن سعيد وأبي بن كعب وقيس بن عبدالله الخزرجي وأبو الهيثم بن ......... وأبو بردة الأسلمي وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وأبو أيوب الأنصاري وسهل بن حنيف وعثمان بن حنيف.
قوله: (وقال النظام والجاحظ أبو بكر أفضل قالوا ثم عمر ثم عثمان).
وهذا رأي أكثر المعتزلة والشافعية والحنفية ورأي الخوارج فيهم إلى أن حديث الإحداث من عثمان ووقع التحكيم من علي ثم ذهبوا فيهما إلى غير ذلك.
قوله: (وقال أبو علي وأبو هاشم بالوقف).
قد روي عنهما الرجوع عنه إلى تفضيل أبي بكر والتوقف في الثلاثة الباقين ونقل عن قاضي القضاة أن أبا علي رجع آخراً إلى تفضيل علي عليه السلام وذكر ذلك لأبنه أبي هاشم في عدة أشياء أسرها إليه قرب موته بعد أن أستدناه إليه.
قال قاضي القضاة: ونقل ذلك عنه سماعاً ولم يوجد في شيء من مصنفاته.

تنبيه:
ومن الخلاف في هذه المسألة ما ذهب إليه أبو الهذيل وجعفر بن حرب وغيرهما أن الأفضل أبو بكر ثم عمر ثم علي ثم عمثان.
وأعلم أنه لم يذهب أحد إلى تفضيل غير الخلفاء الأربعة عليهم ولا ذهب أحد إلى تفضيل عمر على أبي بكر ولا إلى تفضيل عثمان على الشيخين. وقيل: بل قد ذهبت العباسية والروندية إلى تفضيل العباس على الأربعة والحكايات في هذه المسألة لا تخلو عن تفاوت.
ذكر ابن أبي الحديد العالم النحرير في شرح نهج البلاغة: أن الذي عليه قدماء البصريين من المعتزلة منهم عمرو بن عبيد والنظام والجاحظ وثمامة والقوطي هشام بن عمرو ويوسف السجام أن أبا بكر أفضل وأن فضلهم على ترتيب خلافتهم.

قال: وذكر البغداديون قاطبة قدماؤهم والمتأخرون منهم أن علياً عليه السلام أفضلهم فيهم بشر بن المعتمر وجعفر بن ميسر وعيسى بن صبيح والأسكافي وأبو الحسين والخياط وأبو القاسم البلخي وهو عبدالله بن محمود وتلامذته.
قال: وإلى هذا ذهب من البصريين أبو علي ذكره أخيراً سماعاً عنه ولم يذكر ذلك في شيء من مصنفاته. وقال به الشيخ أبو عبدالله وكان مبالغاً في ذلك، وبه قال قاضي القضاة ب توقفه والشيخ أحمد بن السن بن متويه وأحتج لذلك وأطال.
قال: وكثير من الشيوخ توقف منهم أبو هاشم وأبو الحسين البصري وأما أبو الهذيل وواصل فقطعا على تفضيل علي على عثمان وتوقفا في شأنه وشأن أبي بكر وعمر.
قوله: (وقال بعض الناس إن كان الخلاف في الأفضل أي الأكثر ثواباً..) إلى آخره.
ذكر الفقيه حميد في العمدة أن المراد بالفضل الأكثر ثواباً وبنى الخلاف على ذلك وقال في تعليق الشرح الأفضل له معنيان متفرعان على معنى الفضل:ـ
أحدهما: الأكثر ثواباً خالصاً من غيره.

الثاني: من خصال المحامد فيه أكمل وأتم ويظن لأجلها أستحقاقه لزيادة الثواب ومرادنا هاهنا بقولنا في علي أنه الأفضل المعنيان جميعاً وهذا القول الذي نسبه المصنف إلى منهم ولا يبعد أن يكون هو ....... عذره وإنما ........ ستر ذلك تحرزاً من طعن جهلة الشيعة وأهل التعصب المفرط سمعت من المعاصرين من يستحسنه ويستقويه في حال درس هذا الكتاب أبان الشباب وعنفوانه قد قمت في تلك الحال حاشية عليه في ......... معناها أنه يمكن أعتراضه بأنك إذا سلمت كثرة فضائل علي وهي عبارة عن سبق أسلامه وعظم جهاده وسعة علمه وشدة ورعه ونحو ذلك ولا شك في أن هذه الفضائل أسباب في أستحقاق الثواب الجزيل ويعلم قطعاً أنه يستحق الثواب عليها وأنه لم يأت بما يحبطه لما ثبت من عصمته وإن ثواب المختص بها أكبر من ثواب من ليس على صفته فيها إما بأن تكون معدومة في حقه أو مقتضية فيقطع بأن علياً أكثر ثواباً من أبي بكر لقطعنا بأن فضائله أكبر وإنها أوفر كما أنا نعلم أن ثواب من جاهد أكبر من ثواب من لم يجاهد حيث لم يعلم أن الأجر يفضله في غير ذلك وليس العلم بكثرة الثواب يتوقف على العلم بكميته ومقاديره فإنا نعلم قطعاً أن ثواب الني أكثر من ثواب غيره ومع ذلك لا نعلم القدر والكمية وإذا قلت من الجائز أن يكون لأبي بكر طاعات خفية لم نعلمها يستحق عليها من الثواب مثلما يستحقه علي على تلك الفضائل الظاهرة أو أكثر لعدم العلم بمقادير الثواب في عظم الموقع.

قلت: إذا سلمت أن علياً فضائله الظاهرة وأعماله المشهورة أكثر وأوفر وسلمت أن ثوابه أكثر بالنظر إليها ولم يبق إلا التجويز المذكور فهو لا يقدح في الأمر المعلوم ويقابله تجويز آخر أن يكون لعلي عليه السلام أعمال باطنة وطاعات خفية مثلما جوزت في حق غيره بل لك أقرب في حقه وأغلب ثم إنا بينا ما ذكره على تسليم القطع بأنه أكثر فضائل كما صرحت به والتجويز المذكور ينافيه فليتأمل ما سمح به سن الحداثة وبلوغ أوان الحلم والله الموفق.
قوله: (وأحسنهم بلاءً).
يقال: أبلى في القتال بلاء حسناً أظهر بأسه حتى بلاه الناس وأمتحنوه.
قوله: (والمروي أن المأمون ناظر أبا العتاهية..) إلى آخره.
المأمون هو أحمد بن هارون الخليفة العباسي العالم الشهير وله من جودة العلم وصفات الكمال ما ليس لغيره من سلفهم وخلفهم وكان شديد التشيع ولم ينل أحداً من العترة عليهم السلام نكبة من جهته ومما يؤثر عنه في تفضيل أمير المؤمنين قوله:ـ
لا تقبل التوبة من تائب إلا بحب ابن أبي طالب
أخو رسول الله خلف الهدى والأخ لا يعدل بالصاحب
لو جمعاً في الفضل يوماً لقد نال أخوه رغبة الراغب
ولم أقف على مناظرته لأبي العتاهية في غير هذا الكتاب وإنما الذي وقفت عليه مناظرة له كثيرة مع جماعة كثيرة من الفقهاء مما ذكرها ابن عبدربه في عقده وهي مناظرة عظيمة ودرة يتيمة حملني شدة الإعجاب بها على رقمها في هذا الموضع وكتبها ونحن ننقلها بلفظ العقد غالباً على ما ذكرره من زوائد فإنها تشتمل على فوائد وفرائد وحيط ذلك مما ينبغي أن يقصده القاصد.
قال: (أحتجاج المأمون على الفقهاء في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه).

بسم الله الرحمن الرحيم
قال إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بعث إليَّ يحيى بن أكثم وإلى جماعة من أصحابي وهو يؤمئذ قاضي القضاة للمأمون فقال إن المأمون أمرني أن أحضر عدا من الفجر أربعين رجلاً كلهم فقيه يفقه ما يقال ويحسن الجواب فسموا من تظنونه يصلح لما طلب أمير المؤمنين فسمينا له عدة وذكر هو عدة حتى أم العدة التي أراد وكتب تسمية القوم وبعث فيهم وأمرنا....... في السحر فغدونا عليه قبل طلوع الفجر فوجدناه قد لبس ثيابه وهو جالس ينتظرنا فركب وركبنا معه حتى صرنا إلى الباب فإذا الخادم واقف فلما نظر إليه قال يا أبا محمد سيدي ينتظرك فدخل ودخلنا معه وأمرنا بالصلة فلم يستقمها حتى خرج الرسول فقال: أدخلوا فدخلنا فإذا المأمون جالس على فراشه وعليه سواد وطيلسانة والطويلة وعمامته فوقفنا وسلمنا فرد السلام وأمرنا بالجلوس فلما أستقربنا المجلس تحدر عن فراشه ونزع عمامته ووضع قلنسوته ثم أقبل علينا.
فقال: إنما فعلت ما رأيتم لتفعلوا مثل ذلك وأما الخف فمنع من حلة من عرفها فقد عرفها ومن لم يعرفها فسأعرفه بها ومد رجله وقال أنزعوا فلا نسكم وخفافكم وطيالستكم.
قال: فأمسكوا.
فقال لنا يحيى: أنتهوا إلى ما أمر به مولانا فتنحينا فنزعنا حفافنا وطيالستنا وملابسنا ورجعنا فلما أستقر المجلس.
قال: إني بعثت فيكم معشر القوم للمناظرة فمن كان به شيء من الحفتين لم ينتفع بنفسه ولم يفقه ما يسمع فمن أراد منكم الخلاء فهناك وأشار بيده فدعونا له ثم ألقى مسألة من الفقه.
فقال: بلى أبا محمد قول وليقل القوم بعدك.
فأجاب يحيى القاضي ثم الذي يليه ثم الذي يليه حتى أجاب آخرنا في العلة وعلة العلة وهو مطرق لا يتكلم فلما أنقطع الكلام ألتفت.
فقال: يا أبا محمد أصبت الجواب وتركت الصواب في العلة ثم لم يزل يردد على كل واحد منا مغالته حتى أتى على آخرنا.

152 / 158
ع
En
A+
A-