هو ررجل من أهل فارس أسلم وسبب قتل عبيدالله له أنه رآه مع أبي لؤلؤة قاتل أبيه عمر يشاوره فأتهمه بأن له يداً في قتل عمر ونقل أن عمر أوصى بقتل أبنه عبيدالله إن لم يقم بينه على الهرمران بما أتهم به من الأمر بقتله فلما مات عمر طلب المسلمون إلى عثمان إمضاء الوصية في عبيدالله و......... فعظم ذلك على المسلمين.
قوله: (وأراد أن يعطل الحد في الوليد بن عقبة).
يعني: حده على شربه لاخمر وقد تقدم وذكر وقامت به الشهادة المعتبرة وزعموا أن عثمان توعد الشهود وتهددهم وضرب أحد الشهود أسواطاً، فأتاه أمير المؤمنين وقال: علطنا الحدود وضربت قوماً شهدوا على أخيك فقلبت الحكم.
قال: فما ترى؟
قال: أن تعزله ولا توليه شيئاً من أمور المسلمين وأن الشهود إذا لم يكونوا أهل ظنة ولا عداوة أقمت عليه الحد فساعده ولكن ما جسر أحد على حده فأخذ أمير المؤمنين السوط فجلده بيده.
قوله: (لم يكن للهرمران ولي).
قيل: إنه كان وليداً فعفا عن قاتله. فقيل: إن أمير المؤمنين أعترضه في عفوه عنه، وقال: إنه قتل في أمره غيرك وقد حكم الوالي الذي قتل في إمارته بقتله ولو أنه قتل أيضاً في إمارتك لم يكن لك العفو عنه فأتق الله فإن الله سائلك عن هذا.
قوله: (ومنها أنه كان يؤثر أهل بيته بالأموال العظيمة..) إلخ.
قد روي أنه أعطى أزواج بناته وهم أربعة من قريش ما ذكره المصنف، وفي رواية: أنه أعطى مروان مائة ألف عند فتح أمر نفيه. وفي رواية: أنه أعطاه خمسها وكان ألف ألف دينا. وقيل: مائتا ألف دينار.
قالوا: وكان من قتله يعطي على جهة الإقتصاد وبقدر الإستحقاق وإذا كانت سرقة عشرة دراهم توجب الفسق فإتلاف هذه الأموال على بيت المال وإعطاؤها من لا يستحقها بمنزلة إلقائها في اليم فيكون ذلك فسقاً مبطلاً لعدالته.
قوله: (وجائز أن يعطي من ماله).
قال الإمام يحيى: قد روي ذلك فإنه كان ذا مال وثروة عظيمة.

قال: وإذا كان من بيت المال فالإحتمالات فيه كثيرة ما هذا حاله لا يمكن القطع بالتفسيق به وغاية الأمر أنه أخطأ في العطاء من غير استحقاق فلا يكون بذلك فاسقاً خاصة مع أعتقاده للولاية وأن بيت المال في يده يقبض فيه ويبسط.
قوله: (ومنها: أن أكابر الصحابة كانوا بين قاتل له وراض بقتله وخاذل له وذلك دليل على فسقه).
قالوا: لأنه لو لم يكن قتله حقاً لم يتفق عليه المهاجرون والأنصار ومع كون قتله حقاً فأقل أحواله الفسق.

وأعلم أن قصة عثمان وما كان من قتله في صحن داره والمصف في حجره بمهاجر رسول الله وفي جواره وحول قبره وبمدينته المسماة طيبة بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين أثنى الله عليهم ومدحهم وخصهم بالفضائل الكبار مع قرب عهدهم بنبيهم خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم يأخذون عنه ويشاهدون نزول الوحي عليه وهبوط جبريل إليه وكان لهم من الحرص على صيانة الإسلام وعدم تعدي الحدود وجري الأمور على فوانينها وبنائها على قواعدها وأستنكار الأمر اليسير الذي يخالف مقتضى الشرع الشريف ما لا يقدر قدره ومع ذلك فسكوتهم هذا يكون على أعظم فاحشة وأكبر منكره القتل الذي عظم الله الرزية فيه حتى جعل من قتل نفساً واحدة كمن قتل الناس جميعاً وذهب أعيان من علماء الإسلام إلى أنها لا تقبل توبة فاعليه مع تعلقه بشيخ من مشائخ المسلمين وكبير من كبراء المهاجرين السابقين وأحد العشرة الخواص البررة المبشرين و...... رسول الله ومن أرتضاه زوجاً لأبنتين من بناته واحدة بعد واحدة رقية وأم كلثوم فقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لو كان لنا ثالثة لزوجناك إياهما ونحلة)). وله فضائل الدثرة وناهيك بتجهيز جيش العسرة ثم ختم مكارمه وأوصافه بأقتعاده عازب الخلافة وتولي إمرة المؤمنين فبايعوه والتزموا طاعته وأمتثلوا أوامره ما يدهش الألباب ويبهر العقول وتحار فيه الأذهان ويصير له النظر في كل واد يهيم فلا يهتدي إلى الوجه في ذلك كما لا يهتدي ضال الطريق في الليل البهيم وليس القسمة تحتمل إلا أحد أمرين:ـ
إما أن عثمان قد أستحق القتل بما صدر منه وصار دمه هدراً فما بال كبراء الصحابة ورؤساء المهاجرين والأنصار وأهل الحل منهم والعقد لم يتولوا الأمر ويكونوا فيه رأساً لا ذنباً والغاضبين لدين الله والمنتصرين له ممن تعدى حدوده وعصاه.

وإما أن يكون غير مستحق لما ناله وهو باق على الأصل في كونه محترم الدم ثابت الحرمة فما يكون المخلص من السكوت على ذلك والإغضاء عليه وعدم الغضب لله والذب عن رجل من أكابر المسلمين ومن يتولى أمورهم وقد بايعوه ومدوا أكفهم إلى يده ولو أن رجلاً حاول أن يذبح دجاجة في المدينة ظلماً وتعدياً على مالكها بحضرة صحابي واحد أو أثنين لما تم له ذلك ولا ترك له سبيل إليه فكيف تم لأولئك الأهماج الرعاع ذبح عثمان وإراقة دمه على ورقات القرآن ما هي إلا مصيبة عظمى وطامة كبرى وقصته فاحشة ومؤلمة للقلوب موحشة ونحن نتكلم منها في أطراف خمشة نذكر في كل طرف منها شبح فالأستقصاء يؤدي إلى بسط كثير:ـ

الطرف الأول: في السبب المفضي إلى ذلك.
والسبب في ذلك ما صدر من عثمان من الأحداث التي تقدم ذكرها والمهم منها ما كان منه من توليه الأعمال كلها قرابته مع سوء أحوالهم وقلة أديانهم وقبح سيرتهم وأنه ترك أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم مهاجريهم وأنصارهم في المدينة بحكم المسجونين وإن ذهب أحد منهم إلى جهة لم يجد فيها مجالاً لمكان ولآة السوء فهذا أشد ما دأبهم منه.

قيل: فهموا بعزله فما أسعدهم ولا تمكنوا من ذلك لرسوخ قدمه في الأمر وأشتداد وطأته ونفوذ أحكامه وأرادوا منه أن يولي غير ولاته فما أنقاد لذلك لكن لما ألحق أغلبه أسعد أمير المؤمنين إلى أن يولي محمد بن أبي بكر مصر وفعل ذلك وخرج محمد بن أبي بكر ومع مصريون كانوا قد وفدوا إلى المدينة متظلمين من المتولي عليهم فلما صاروا ببعض الطريق أدركهم خادمه يسير في أثرهم قاصداً إلى مصر ففتحوا أمتاعه فوجدوا معه كتاباً إلى عاملة بمصر أن إذا وصلك محمد بن أبي بكر فأضرب عنقه وحد على الطريق حى لا يأتل العلم بذلك حتى يأتي كتابي أو كما قال: فأخذوه ورجعوا إلى المدينة وأطلعوا أمير المؤمنين عليه وأزمعوا أن يقصدوه إلى داره فقال علي عليه السلام دعوه حتى أطلعه على كتابه فلما أطلعه أعترف أن الختم له وأنكر أن يكون الكتاب منه وأعتذر بأن مروان كتبه بغير ضامنه.
فقال علي: إدفع إلينا مروان لنقيم عليه ما هو عليه.
فقال: لا أفعل.
فعند ذلك تجهز محمد بن أبي بكر في المصريين وغيرهم من أهل الأفاق بعد أن فهموا من الصحابة النقم لطريقته فهجموا عليه وحاصروه.

الطرف الثاني: ذكر ما نسب إلى أكابر الصحابة في شأنه.
أعلم أنه قد شهر نسبة قتله والرضا به إلى أمير المؤمنين وهو عليه السلام أبرأ الناس من دمه وقد ذكر المصنف عنه ما يدل على ذلك من قوله: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان. وعنه: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله. وقال لعثمان: ........ قتله بعد أن عاتبه عثمان: والله إني لأكثر الناس ذباً عنك ولكني كلما جئت لشيء أظنه لك رضاء...... وإن نغيره ..........
قوله: (وتركت قولي).
وروى الإمام يحيى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: والله لقد دفعت عنه حتى حسيت أن أكون آثماً.
قال: ولما قال عمار: هو جيفة على الصراط ناظره الحسن السبط فأحتكما إلى علي عليه السلام.
فقال علي لعمار: أتكفر بما آمن به عثمان؟
قال: لا.

قال: أفتؤمن بما كفر به عثمان؟
قال: لا.
فقال له: حل عن ...........
وقال عليه السلام لرجل سأله عنه: ليس رأي فيه رأي أبي اليقضان، أما أنه استأثر فأسىء الأثرة وجزعتم فاسأتم الجزع ولله حكم واقع في المستأثر والجازع وإنما بالغ في إضافة ذلك إلى علي عليهم السلام فرقتان:ـ
أحدهما: أرادت بذلك........ عنه والحط من شأنه وإغراء الناس عليه في حياته وبعد موته وهذا هو الذي أراده معاوية وأتباعه والمقتفون لآثاره.
والفرقة الثانية: المتحاملون على عثمان المبالغون في وضعه وتشنيع أفعاله وتقطيع ما صدر منه فأرادوا بذلك حصول غرضهم لأن أمير المؤمنين حجة وأي حجة وأقواله وأفعاله إلى الهدى أوضح محجة وقد نسب الرضا بقتل عثمان وما كان في أمره إلى عائشة وطلحة والزبير وكانوا من المتحاملين عليه.
وقفت في بعض التواريخ على أن عائشة أبرزت قميصاً لرسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم حتى رآه من بالمسجد وقالت: يأيها الناس هذا قميص رسول الله لم يبل وعثمان قد أبلى سنته فقال: {إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم}.
ورأيت في بعضها: أن رجلاً سئل عن أمر عثمان فقال: قتل بسيف شحذه فلان وسمه فلان وضرب به فلان وذكر أمراً رابعاً وعين علياً عليه السلام وعائشة وطلحة والزبير.
وأما شأن عمار بن ياسر في ذلك فظاهر ومحمد بن أبي بكر هو زعيم تلك القضية ورأسها لكنه ليس بصحابي على الحقيقة لحداثة سنة وإن كان قد ذكر في تقريب التهذيب إن له رواية وأحسب أن المشاركين في قضية عثمان هم العدد الكبير من الصحابة والجلة منهم ولو لم يرضوا بما كان ولا ظنوا أن القضية تنتهي إليه لما كان يصدر منهم من النعم عليه و....... بأفعاله وتصرفاته والإنكار لها ومثل ذلك يكفي في إغراء الجهلة وأهل الحماقة ومن ليس له تورع يصوبه عما....... وقد نسب إلى أمير المؤمنين أنه قال: قتله الله.
ولا صحة لهذا وأتفق من الصحابة أن تزكوه بعد قتله ثلاثاً لم يدفن.

وقال عمار: هو جيفة على الصراط، وقبر في خش ولم يؤثر أجتماعهم للصلاة عليه وحضور مواراته فلمثل ذلك......... الرافضة على أن نسبوا قضيته إلى أكابر الصحابة وأعتقدوا رضاهم.

الطرف الثالث: في ذكر الأصح من حال الصحابة في أمره.
فالذي صححه المحققون أن أكابر الصحابة كانوا متوقفين في بطلان إمامته بسبب أحداثه فما أمروا بخلعه لعدم قطعهم بإنتفائها ولا كرهوه لعدم قطعهم ببقاء أحكامها ولم يرضوا بقتله وقد روي أن أمير المؤمنين أمر أولاده ومن عنده من أصحابه أن يفكوا عنه الحصار فما أمكنهم ذلك ونسور الدين قتلوه من خلف الدار حتى قتلوه ولم يشعر بهم من في وجة الدار حال مدافعتهم عنه.
قال بعض أئمتنا: والظاهر أن جميع الصحابة الذين بمدينة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم خذلوه فلم يدفعوا عنه وذلك لما كرهوه من أفعاله وإما أنهم رضوا بقتله فلا لأنه ظهر غضبهم منه فيما تعد وأشتهر.
قلت: ولعلهم ظنوا أن خذلانهم له وتركهم لنصرته على جهة الغضب عليه لما فعل ما فعل وما أنزجر ولا أعتدل لا يؤدي إلى قتله وإنما يؤدي إلى خلعه فلما حشي عليه القتل أمر الحسنين أن يدافعا عنه.
قيل: (مهدي): ورجاء أمير المؤمنين أنه بعد مضايقتهم له يسعد إلى الإنخلاع فتجتمع كلمة المسلمين وقد كان ذلك قريباً فقد كان عثمان أمر الحسن إلى والده فسبق ما سبق عن غير رضا من علي عليه السلام بقتله وأما خلعه فكان لا يكرهه وعليه يحمل ما روي عن علي عليه السلام أنه قال: والله ما أمرت ولا نهيت ولا رضيت ولا كرهت.
أراد: ما أمر بالخلع ولا نهى عنه ولا رضي به ولا كرهه.

الطرف الرابع: في حكم قتله عندنا.
فالذي نختاره وندين به أنه قتل ظلماً بغير حق وأن قتله معصية لأنه إن كان لا يستحق القتل فظاهر، وإن فرض أستحقاقه له فليس ذلك إلى من قتله لعدم الولاية على ذلك إنما الولاية في مثله إلى الأئمة.
قال الإمام يحيى: ولم يقتله إلا السفهاء والأوباش الذين لا رشد لهم.

الطرف الخامس: في حكم قاتله.
والتحقيق: القول بتفسيقهم لما ذكر من كون قتلهم إياه ظلماً وعدواناً على كل تقدير ولأن أمير المؤمنين عليه السلام قال: اللهم ألعن قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل.
قال الإمام يحيى: وفي هذا دلالة على فسقهم وقتلهم له بغير حق وإلى ذلك ذهب أكثر المعتزلة. وقالوا أيضاً: بتفسيق خاذليه. وتوقف الشيخ أبو القاسم فيه وفيهم وبعضهم توقف في الخاذلين لا القاتلين.
وذهب ابن جرير: إلى تكفير عثمان بأحداثه.
وبعضهم: ذهب إلى تفسيقه لأجلها.
وقال الشيخ أبو الهذيل: أتولى عثمان وحده.
معناه: أجرى عليه أحكام المسلمين من وجوب موالاته ولا أقول بفسقه، وأتولى قاتله وخاذليه وحدهم ولا أدري كيف حالهم عند الله.
قال الإمام المهدي: وهذا عندي هو أعدل الأقوال وأقربها إلى السلامة إلا أن قاتليه إن كانوا متمكنين من أستخلاص ما في يده من الأموال والعهد من دون قتله فلا شك في فسقهم، وإن كانوا لا يتمكنون من أستخلاص ما في يده بغير قتله إما بأسره أو غير ذلك فلعل الشبهة في ذلك تدفع عنهم الفسق كما ذكره أبو الهذيل.
قلت: أما من تولى القتل بيده وباشره بنفسه وأقدم عليه فلا ينبغي أن نتولاه ولا أن يتأول له ولا أن يجعل شبهته دافعة لفسقه.
وأما من أعان عليه وحضر مهلكه وأغرى الناس به فلا بأس بذلك القول في حقه والله سبحانه الموفق للصواب والعالم بحقيقة ما نشتك فيه ونرتاب.
قوله: (وإنما دخل عليه أعلاج لم يدر أيهم قاتله).
العلج: الرجل من كفار العجم. والجمع: أعلاج وعلوج ومعلوجاً وعلجة. وقد أدعى بعض المؤرخين أن قاتله رجلان معينان أسمهما: قنبرة بن وهب وسودان بن حمران. وروي أنهما قتلا في الدار عقيب قتلهما لعثمان بأيدي عبيده فيسقط السؤال من أصله وقد روي أن محمد بن أبي بكر ممن دخل الدار وهم أن يباشر القتل وأمسك بلحيته عثمان.
فقال له عثمان: لو رأى أبوك مقامك هذا لأنكره أو كما قال.
فتركه ولم ينله بشيء.

فصل: فيما يطعن به أهل الزيع على أمير المؤمنين عليه السلام.
قوله: (أعلم أنه عليه السلام أحل قدراً وأشهر فضلاً من أن يطعن عليه).
يعني: لما خصه الله به من العصمة عن كل شين وضيمة والفضائل الدثرة والمكارم التي يفوت الوصف كثره بحيث أنه لا يدرك أحد حصرها ولا يقدر الناظر فيها قدرها وليس بجهل منصف أمرها ولكن الشيطان نعوذ بالله منه أستفز كثيراً من الناس بمكره وحيله، وأجلب عليهم بخيله ورجله وأوقعهم في مهاوي اللال حين أتاهم من خلف وقدام ويمين وشمال ففدح الأهماج في رب العزة والجلال وعادى ........ جبرائيل وميكائيل وطعن الزعانف في الأنبياء المصطفين للأرسال ومن العجائب أن من الطاعنين في أمير المؤمنين وسيد الوصيين بعض أهل الأعتزال نسب ذلك إلى الجاحظ عمرو بن بحر مع أشتهاره وسعة علمه وقول بعضهم فيه وقد سئل عن الدليل على أعجاز القرآن إيمان الجاحظ به فنعوذ بالله من مسلك الضُّلاَّل.
روي عنه: أنه كان شديد الإنحراف عن أمير المؤمنين والتعصب للعثمانية وصنف في ذلك وبالغ فيه حتى روي من يجامله أنه صنف كتاباً للعثمانية وأيده وأحتج فيه وطعن على أمير المؤمنين عليه السلام وأعقبه بتصنيف آخر في إمامة المروانية وأقوال شيعتهم، وترجمه بكتاب أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان وذكر فيه رجال المروانية وأحتج على إمامة بني أمية من بني مروان ثم صنف كتاباً آخر ترجمه بكتاب مسائل العثمانية وذكر فيه ما فاته ذكره من نقص فضائل أمير المؤمنين.
فأنظر إلى هذا الزيغ الشديد والضلال البعيد وقد نقض كتبه هذه جماعة من متكلمي الشيعة وبالغ في نقضها الشيخ أبو جعفر محمد بن عبدالله الأسكافي وهو من شيوخ المعتزلة البغدادية ورؤسائهم وأهل الزهد والديانة فيهم وممن يذهب إلى تفضيل أمير المؤمنين والقول بإمامته نقل ذلك من المروج للمسعودي.

قال: ولم يصنف الجاحظ هذه الكتب لأنها مذهبه أو كان يعتقده لكن فعل ذلك بما جنا وقد نسب إلى عباد والأصم أنه عليه السلام لا يصح للإمامة فأنظر ما أشنع هذه العبارة على أن كلامهما قد تأول بأن عباد أراد عدم الصلاحية قبل العقد. وأن الأصم قال بذلك لما كان من قضيته الحمل.
قوله: (منها قتاله لأهل الصلاة).
أعلم أن الناس في محاربته عليه السلام لأهل القبلة على فرق:ـ
منهم: من خطأه في قتالهم جميعاً.
ومنهم: من خطأه في قتال طلحة والزبير وعائشة.
ومنهم: من وقف فيه وفي هؤلاء.
ومنهم: من قصر التصويب على حرب معاوية.
ومنهم: من صوبه في حرب الخوارج.
وأحتج من خَطَّأَهُ بأن القتال إنما يجب ويستحق بخصال الكفر والردة والقتل والزنا.
وقد ثبت أن الذين قاتلهم لم يكن منهم شيء من ذلك بل منهم من محله في الدين ومنصبه في الإسلام وفي صحبة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لا تخفى فقتلهم وقتالهم حرام لا يحل.
وأعلم أن هذا من التجاهل العظيم والخطأ الفاحش الذميم فإن محاربته عليه السلام وقتاله لمن قاتل من بغاة الأمة وأهل القبلة جدير بأن يعد من فضائله وكرم شمائله.
قال الإمام يحيى عليه السلام: هو دليل على علو منزلته عند الله لما فيه من مضاعفة الأجر وجزيل الثواب فقد روي أن امرأة قتل ولدها فجاءت إلى الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال لها: ((إن أبنك له أجر شهيدين لأنه قتله أهل الكتاب)). فإذا كان ذلك لأجل قتال أهل الكتاب مع كفرهم فكيف حال المحق في حرب أهل القبلة ومن هو على بصيرة من أمره مع القطع بخطأ من قاتله وهلاكه عند الله للخروج على إمام الحق ومحاربته له ومنعه عن القيام بأمر الله وجمع شمل المسلمين ورفع كلمة الدين كما كان من الخارجين على أمير المؤمنين.
قلت: ولهذا المعنى جزم كثير من فضلاء الأئمة بأن حرب البغاة أفضل من حرب الكفار كالإمام المؤيد بالله عليه السلام.

150 / 158
ع
En
A+
A-