إما أن أبا بكر لم يمتثل للأمر في حال مرض رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لعدم الخروج إلى مخيم إسامة وقد قال الشيخ أبو الحسين الخياط: إن أبا بكر أسترد عمر من جيش أسامة للحاجة إليه.
وإما أن يبني الإعتراض على أن أبا بكر لم يمتثل أمر رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم بتنفيذ جيش أسامة بعد موته صلى اللّه عليه وآله وسلم وبعد أن أفضت الخلافة إليه وولي الأمر.
وإذا تأملت كلام المصنف وجدته خلط الوجهين وجاء من كل واحد منهما بطرف لأنه في أوله رمز إلى عصيانه بعد موت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وفي آخره رمز إلى الوجه الأول فليتأمل.
والذي عول عليه الإمام يحيى وغيره الوجه الأول قال حاكياً عن الخصوم لأنه قال عليه الصلاة والسلام في مرضة مرة بعد مرة: ((نفذوا جيش أسامة)). وكان أبو بكر وعمر وعثمان فيه وكانوا من جملة من يلزمهم النفوذ فيه لأمره فلم يفعلوا ذلك مخالفة لأمه ومنعهم أبو بكر عن ذلك ومخالفة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم لا محالة فسق ولعل المصنف لم يقصد إلا هذا المعنى ولكن ركَّب عبارته بقوله: مات وهو يقول. وكان المطابق أن يقول: مرض وهو يقول أو قال في مرضه والقصة أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم أقام بعد ......... من حجة الوداع بقية ذي الحجة والمحرم وصفر أو ضرب على الناس بعثاً إلى الشام وأمَّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة مولاه وأمره أن يوطي الخيل تخوم البلقاء ـ أي حدودها ـ والدارم من أرض فلسطين فتجهز الناس وأوعب مع أسامة المهاجرون والأولون.

قال ابن هشام: قال إسحاق وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء أن رسول الله أستبطأ الناس في بعث أسامة وهو في وجعه فخرج عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر وقد كان الناس قالوا في أمرة أسامة أمر غلا ما حدثا على جلة المهاجرين والأنصار فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: ((أيها الناس نفذوا بعث أسامة فلعمري لئن قلتم في أمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليقاً لها)). ثم نزل صلى اللّه عليه وآله وسلم وأنكمش الناس في جهازهم واستعز برسول الله مرضه فخرج أسامة وخرج بجيشه معه حتى نزلوا الجرف من المدينة على فرسخ فضرب به عسكره و... الناس وثقل رسول الله فأقام أسامة والناس لينظروا ما الله قاض في رسوله.
قال ابن إسحاق حدثني سعيد بن عبيد بن السباق عن محمد بن أسامة عن أبيه أسامة بن زيد قال: لما ثقل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم هبطت وهبط الناس معي إلى المدينة فدخلت على رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وقد أصمت فلا يتكلم فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها عليَّ أعرف أنه يدعو لي.
قوله: (من الجائز أن يرى الصواب في تأخيره لنصرة الإسلام ولئلا يفترق المسلمون).
كان أيسر من هذا أن يقول: إن إنفاذ الجيوش والسرايا إنما هو مبني على أنقداح المصلحة ومراعاتها ولا شك أنه لما ولي الأمر بعد الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم رأى الصلاح متعلقاً بالوقوف بالمدينة عقيب وفاة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم فإن كان هذا صلاحاً فقد فعله وإن كان غير صلاح فقد أعتقد أنه صلاح ولم لا يكون عذراً له هكذا ذكر الإمام يحيى.

وأما كلام المصنف فلقائل أن يقول: وأي نصرة للإسلام في تخلف الجيش، وأي أفتراق يكون في نفوذه، وكان المصنف لمح إلى أن وقوف الجيش وتخلفه كان وازعاً من الفرقة في أمر الإمامة لما شجر بين المهاجرين والأنصار فيها ولا معنى لهذا فإن الشجار أرتفع ببيعة أبي بكر وأنتظم الأمر وأستقر ولو نفذ الجيش لم يعد ذلك خذلاً للإسلام ولا فرقة بين المسلمين أو لعله لمح إلى ما كان من أرتداد بعض العرب وأنه لو نفذ الجيش والحال ما ذكر لكثرت فرق الردة ولكان في ذلك خذلان عن جهاد المرتدين.
قوله: (وقد جهزه من بعد لما أستقر الأمر).
فيه نظر لأن جيش أسامة المذكور لم ينقل تجهيز أبي بكر له وإن جهز عسكراً إلى الشام فغير ذلك الجيش ومع غير ذلك الأمير وبعد ذلك الزمان بزمان كبير. والله أعلم.
قوله: (قالت المعتزلة كل هذه الأحاديث أفتعلها الروافض).
في هذه العبارة إشارة إلى أنه لا يقطع بما قطعت به المعتزلة من أختلاق تلك الأخبار لأنه أضاف ذلك إليهم وتخلص عن عهدته وقد وردت في شيء من التواريخ ونقلها غير الروافض من الزيدية وغيرهم ولكن نقول لا شك أنها لم تبلغ حد التواتر وإيمان القوم معلوم مشهور وفضلهم معروف غير منكور وتلك الأمور المنسوبة إليهم لا تليق بحالهم وفضلهم ولا يصدر مثلها إلا عن الجبابرة المفرطين في الظلم والعدوانكما كان من خلفاء الجور الأمويين والعباسيين وأما أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وخواصه ومن سمحوا بديارهم وأموالهم وآبائهم وأبنائهم في محبته ونصرته وحفظ ............ فمن البعيد أن يصدر منهم ما فيه إحباط لأعمالهم الصالحة وجرأة على الله وعتك لحرمة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وينبغي أجتناب الظن السَّيء فيهم فهو من البعض الذي هو أثم. والله أعلم.
قوله: (وقال لأبي سفيان حين أمره بالمشاقة).

هي مفاعلة من الشق وأصلها المشاققة فأقتضى حكم التصريف تسكين القاف الأولى وإدغامها في الثانية وقد نقل عن أبي سفيان أستنكار تولي أبي بكر ومصير الإمرة والخلافة في تيم وهم من أضعف بيوت قريش ولم يكن لهم رئاسة ولذلك روي عن أبي سفيان أنه قال لعلي عليه السلام حملكم على هذا الأمر أذل بيت في قريش أما والله لأن شئت لأملأنها خيلاً ورجلاً فزجره علي عليه السلام وقال: طال ما غششت الإسلام وأهله. وكأنه عليه السلام فهم منه قبح القصد وعدم النصيحة للإسلام وأهله وأعتماد الهوى فيما نفخ منه وعداوته للإسلام ظاهرة ولم يدخل في الإسلام إلا عن غير رضا منه.
قوله: (أحياء منار الإسلام).
المنار في الأصل: علم الطريق. والمعنى المراد: حفظ بيضة الإسلام وحماية سربه أن يضام.
قوله: (والمنافسة في الرئاسة).
المنافسة الرغبة في الشيء على وجه المباراة.
قوله: (إذ مسلك المناظرة والمحاجاة).
كان الأصوب أن يقول: والمحاجة بمعنى الحجاج وهي إقامة الحجة وأما المحاجاة فهي من قول أهل اللغة بينهما أحجته يتحاجون بها وهي لغة وأغلوطة يتعاطاها الناس بينهم.
قال أبو عبيدة: نحو قولهم أخرج ما في يدي ولك كذا وقد صارت بالعرف فيما أورد من المسائل على جهة الألغاز وليس هذا بمقصود هنا.
قوله: (فلم يكن الصحابة حينئذ يستحسنوا).
الصواب يستحسنون بإثبات النون.
قوله: (إن عدم التولية لا يدل على أنتقاص مرتبته).
يوضح هذا أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قد ولى من المعلوم قطعاً أنه دون أبي بكر بمراحل بعيدة ومراتب كثيرة كتولية عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وقد ولى أبا بكر الصلاة التي هي سنام الدين ولا يتولاها إلا أخيار المسلمين.
قوله: (ولهذا قطع سارقاً..) إلى آخره.
قالوا: وأحرق الفجاة بالنار مع نهيه صلى اللّه عليه وآله وسلم عن ذلك وقال: ((لا يحرق بالنار إلا رب النار)).
قوله: (قالت المعتزلة المشهور أنه كان من أعلم الصحابة..) إلخ.

قال الإمام يحيى عليه السلام: وعلى الجملة فهب أن الأمر على ما ذكره السائل. يعني من مخالفة للدين.
قلت: مقتضى ما ذكره الإمام يحيى عليه السلام أنه من ......... تحت الإمامة ظاناً للصلاحية وليس منها في شيء فأورد وأصدر وقدم وأخر وتصرف في النفوس والأموال وحال في ميدان هذا الأمر الواسع المجال أنه لا يحكم بفسقه وفي هذا ترخيص كثير فليتأمل.
قوله: (فقد أقدم بالكذب على الكبيرة).
ولم يتعرض المصنف لمناقشتهم في هذا ووجهها ظاهر وهو منع كون ذلك مما يقطع بكبره.
قوله: (ومنها قول عمر كانت بيعة أبي بكر فلتة..) إلى آخره.
وجه أحتجاجهم بذلك أن قالوا في هذا بيان أنها كانت خطأ وأنه يجب المقابلة فيها وهو يدل على أعتقاد عمر أنه غير صالح للإمامة.
قوله: (وبعد فقوله: وقى الله شرها يدل على أنه لم يكن يعتقدها خطية).

يعني: لأنه لو أعتقدها خطية لقال ونسأل الله أن يغفرها لنا أو فنستغفر الله منها ونحوه. وأما وقى الله شرها فإنما يدل على أن فيها نوع خطر وإن مثل ذلك لا تؤمن معه الفرقة والتشاجر لأن البيعة وقعت بعد نزاع شديد عن غير أتفاق رأي وإجماع كلمة وإنما وقعت فجأة من غير تدبر ولا تردد ولا مشاورة وإنما قال عمر لأبي بكر أمدد يدك أبايعك فوقى الله شر ذلك حيث لم يقل غير عمر لغير أبي بكر مثل ذلك فيفترق المسلمون و........ الفساد والعناد لكن وقى الله شر ذلك وتم لعمر ما أراد. والمعنى أن الملجي إلى ذلك في صدر الإسلام وعقيب وفاة رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم خشية أنتهاب هذا الأمر وما وقع في السقيفة من التنازع العظيم الذي كاد يقضي إلى أشد الفساد ولا مجلي إلى مثل ذلك فيما بعد لاستقرار أمر الإمامة وعدم منازعة قريش فيها وأحتكام المسلمين لمن وليها في أمره وأمر من يخلفه إلى أن نجم أمر معاوية وما سنة من سنن الجبارين ثم صارت كسروية قيصرية أتباعاً لسنته الشنية الردية وكان المحتجين بحديث عمر توهموا أن معنى فلتة. كمعنى زلة أو الخطية وليس كذلك.
قال الجوهري: يقال: كان ذلك الأمر فلتة أي قحام إذا لم يكن عن تدبر ولا تردد، والفلتة آخر ليلة من كل شهر ويقال: في آخر يوم من الشهر الذي بعده الشهر الحرام. أنتهى.
قيل: وإنما سميت آخر ليلة من الشهر الذي بعده الشهر الحرام فلتة لأن من لم يدرك ثأره فيه فاته بدخول الشهر الحرام لما يكون من كف الأيدي عن القتل والقتال.

فصل: وأما ما طعنوا به على عمر فوجوه
قوله: (لولا علي لهلك عمر).
قال ذلك حين أراد أن يرجم مجنونة وحين أراد أن يرجم حاملاً فمنعه علي عليه السلام وقال له في شأن الحامل هب أن لك عليها سلطاناً فما سلطانك على ما في بطنها.
قوله: (فعلاه بالدرة).
الدرة بكسر الدال المهملة وهي شيء يستعمله الأمراء يضربون به إذا أدعى الداعي إلى ذلك.
قال الجوهري: الدرة التي يضرب بها.

قوله: (وقال لابن عباس ما أظن صاحبك..) إلخ.
وفي الرواية أن ابن عباس قال بعد قوله الأول أد إليه ظلامته وأنه قال بعد قوله الثاني والله ما أستضعفه الله حين ولاَّه سورة براءة وعزل أبا بكر وما رووه أن عمر قال للعباس رضي الله عنه في مناظرته: إن هذا الأمر لمن هو أحق به مني ومنك لمن تركناه وراءنا بالمدينة. يعني علياً عليه السلام.
قوله: (إنه قال عام الحديبية).
هو بالتخفيف مكان معروف بالقرب من مكة كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قد أنتهى إليه من المدينة قبل الفتح يريد دخول مكة معتمراً بهدي معه فصده المشركون ووقع بينه وبينهم خوض في الصلح والهدنة فقبل ذلك رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم مع إنطواء الهدنة على رجوعه وعدم دخوله فنحر الهدي بالحديبية وققد كان سبق الوعد بدخولهم مكة برؤيا رأها رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصروا فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا وأستبشروا وحسبوا أنهم اخلوها في عامهم وقالوا إن رؤيا رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم حق وكان الذي راجع في ذلك عمر لأنه كان رجلاً جهورياً جسوراً وحاشى فضله وعلمه ورسوخ قدمه في الإسلام أن ينحو منحى التكذيب لله ورسوله وإنما قصد إلى أستنكار تقبل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ذلك مع القطع بصدق وعد الله منازعة في الرأي لأن عمر كانت تلك عادته كما نازع في أمر أسرى بدر ومفاداتهم وكما نازع في الصلاة على المنافق ومما جسره على ذلك تصويب الله رأيه في عدة مواضع كما كان في قصة أسرى بدر وفي الصلاة على المنافق وإذا تأمل كلامه في الحديبية حق التأمل وجد قاضياً بقوة الإيمان لا بضعفه.

قوله: (فلما قال له النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أنفلت لكم في عامكم هذا)). فسكت. المروي أنه قال: لا. قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((فهو كما قلت)). يعني: أن ما وعدتكم فهو صدق فسيكون الأمر في المستقبل كما قلت لكم.
قال الإمام يحيى: فلما سمع ذلك عمر سكت وعلم أن ذلك كائن في المستقبل كما وعد الله وقد كان ذلك يوم الفتح فدخلوها آمنين محلقين ومقصرين غير خائفين من أحد حرباً ولا نكاية وإنما صدر الإستنكار والأستهجان وما هو في معنى التكذيب من عبدالله بن أبي رأس المناافقين وعبدالله بن نفتل ورفاعة بن الحرب فإنهم قالوا والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين}.
قوله: (قالت المعتزلة: لا نسلم صحة هذا الخبر..) إلخ.
قال الإمام يحيى: والحاصل أن هذا الخبر إن كان آحادياً فلا يقبل في أحكام التفسيق لأنه لا شك في أن الأمر بقتل المسلم يكون فسقاً بلا مرية فضلاً عمن يعظم محله في الإسلام ويرتفع مكانه فيه كأمير المؤمنين، وإن كان متواتراً يورث العلم وأمكن حمله على النهي عن الإختلاف والتفرق وجب حمله عليه ولا يجوز القطع به في التفسيق مع إمكان الحمل على ما ذكر.
قال الإمام المهدي: يحمل على أنه أراد أن البعض الذي فيهم عبدالرحمن بن عوف إذا عقدوا الواحد لزم أتباعه وإن أمره لازم لهم لأن ذلك من أحكام الإمامة فصار الذي الذي يختاره عبدالرحمن ومن أنضم إليه كالمنصوص عليه ونص الإمام على إمام بعده ....... في أعتقاد إمامته عدد كبير من الأمة.
قال عليه السلام: وإذا كان يعتقد ذلك جاز عنده أن يأمر بقتل من خالفه لأنه يصير عنده باغياً وإذا كان مخطياً في هذا الإعتقاد فهو خطأ لا يقتضي الفسق إذ لا دليل على ذلك ولا تفسيق إلا بدليل قاطع.
قوله: (جاء إلى باب فاطمة فأحرقه وفعل وفعل).

المذكور أن عمر قام على الباب وقال: لئن لم يخرج ابن أبي طالب لأحرقن عليه البيت بمن فيه وأخرج علياً والزبير وكسر سيفه.
قوله: (وإن فاطمة ماتت بسبب ضربة على بطنها).
الذي رووه أنه لما دخل عمر عليهم البيت أعتمد على الباب وأعتمدت فاطمة عليه فضرب الباب على بطنها فألقت صبياً أسمه محسن وبقيت عليلة إلى أن ماتت.
قوله: (من أنه لا يظن العاقل بالصحابة مثل هذا).
قال الإمام يحيى: وهذه الروايات رويت من طرق ضعيفة وحكايات موهومة عن رجال لا يوثق بدينهم ينسبون إلى وضع الأحاديث ...... وهذه الأخبار في ......... والتهمة منزلة أخبار الجبر والتشبيه والقصد بوضعها الطعن في الصحابة وإسقاط منازلهم في الدين.
قال: ولا معنى لتأويل هذه القصص فإنها لو صحت لكانت من الكبائر المبطلة للأعمال الموجبة لاستحقاق النار.
قال: (وخلافها معلوم من حال الصحابة).
يعني: فقد علم منهم تعظيم أمير المؤمنين ورفع منزلته وأستمدادهم من جهته للرأي والمشورة وأعتمادهم على فتواه في مسائل الإجتهاد.
قوله: (وهذا أستخفاف بأمير المؤمنين وهو فسق).
قالوا: والوعيد بالقتل في حق أمير المؤمنين أعظم من الخروج عليه.
قوله: (روايات آحادية غير مقطوع بها).
قال الإمام يحيى: منسوبة إلى رجل ثقفي في نفسه بعلة الثقة وأختلاف الرواية ولو قدرنا صحته فغاية الأمر فيه أنه خبر آحادي لا يعمل به في التفسيق ومعارض بما أثر عن عمر من الرجوع إلى أمير المؤمنين في الإجتهادات والإعتراف بحقه وتصريحه بأنه لولاه لهك وغير ذلك من الروايات لاحسنة فأين هي عن هذيان الروافض وفرية الملاحدة.
قوله: (ومنها ما رووا أن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم لما أحتضر..) إلخ.
تحرير هذه الشبهة على ما ذكره الإمام يحيى أن قالوا: لما حضرت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم الوفاة وكان في البيت رجال منهم عمر قال صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً)).

فقال عمر: حسبنا كتاب الله. وأختصموا في البيت، فقال عمر في الرسول إنه مهجر وعصاه حين طلب أن يكتب الكتاب وهو رد على الرسول في أمره وأعتراض عليه فإن لم يكن هذا كفراً لما فيه من الإستخفاف بالرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم فأقل أحواله أن يكون فسقاً.
قلت: المهجر من الهجر هو الهذيان يقال: هجر المريض يهجر هجراً فهو هاجر والكلام مهجور.
قوله: (والجواب ما تقدم من أن هذه الأخبار لا يظن صدقها).
قال الإمام يحيى: إن أحداً من الخلق في زمن عمر ما أتهمه بالردة والرجوع عن الإسلام بعد وفاة رسول الله ولو كان ما نقلوه صحيحاً لوجب ذلك.
قلت: بل هذا من الأخبار الصحيحة أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في جامعهما من رواية ابن عباس رضي الله عنه قال: لما حضر رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وفي البيت رجال منهم عمر بن الخطاب فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده)).
فقال عمر: إن رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبكم كتاب الله.
فأختلف أهل البيت وأختصموا فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ومنهم من يقول: ما قال عمر. فلما كثر اللغط والإختلاف قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((قوموا عني فلا ينبغي عند التنازع)). فخرج ابن عباس وهو يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم وبين كتابه.
وفي أخرى: قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس. ثم بكلى حتى بل دمعه الحصى.
قلت: بابن عباس ما يوم الخميس؟
قال: أشتد برسول الله وجعه، فقال: ((ائتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً)). فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما شأنه هجراً استفهموه فذهبوا يردون عليه فقال: ((ذروني دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه)). فأمرهم.

148 / 158
ع
En
A+
A-