قوله: (والمعروف..) إلخ.
الذي يذكره المتكلمون في حقيقته أنه كل فعل عرف فاعله حسنه، والمصنف عدل إلى الحقيقة التي ذكرها لأنها أصر وليس من شرط الحقائق الإشارة إلى وجوه الإشتقاق كما ذكره مع أن لفظة المعروف أصلها عرف مخففاً لا عرف بالتضعيف.
فصل:
قوله: (لا خلاف في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
يعني: على سبيل الجملة ولم يعتد المصنف بخلاف يعزى إلى الحشوية وهو أنهم منعوا وجوبه عقلاً وشرعاً وقولاً وفعلاً إلا طائفة منهم فزعموا أنه لا يجب شرعاً ويعلم وجوبه بالعقل.
قيل (مهدي): وتلخيص مذهبهم وتحقيقه أنه يجب الأنقياد لكل من غلب وإن يمتثل أوامره ولو كان ظالماً فيجب الجهاد معه والأمر والنهي حيث أمرنا بذلك إذا لم يدعنا إلى الأمر والنهي من له شوكة فلا يجبان بالسيف قط ويجبان بالقول فقط.
قوله: (وإن أختلف في كيفيته هل تجب بالقول والفعل..) إلى آخره.
لعله يشير إلى خلاف الإمامية وقولهم لا يجب فعلاً إلا في زمن الإمام وأما قولاً فيجب من دونه ومنهم من أطلق فقال لا تجب قولاً ولا فعلاً إلا في زمن الإمام.
وقال الأصم: لا يجبان إلا حيث يكون ثم إمام مجمع عليه لا إذا لم يجمع عليه فلا يجبان.
قوله: (ويدل على وجوبه من الكتاب قوله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل}).
هي من أوضح الأدلة على وجوب التناهي عن المنكر في حق بني إسرائيل والإستدلال بها في حقنا مبني على أنا متعبدون بشرع من قبلنا ما لم ينسخ وفيه خلاف بين أهل الأصول لكن هذا هو المسترجح وما ثبت في النهي عن المنكر ثبت في الأمر بالمعروف إذ هما أخوان ولا فارق بينهما في الوجوب.
قوله: (فأمر الله أن يكون فينا من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر).
يعني: ولأمر يقتضي الوجوب على ما هو المختار عند الجمهور من علماء الأصول وفيه خلاف واسع ليس هذا موع ذكره وبسطه.
قوله: (فأوجبه على الكفاية وذلك أن الأمر متناول لبعض منا غير معين، وهذه الآية الكريمة كما تدل على وجوب الأمر والنهي المذكورين بدل على أن هذا الوجوب من فروض الكفاية التي إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين.
ويدل على ذلك أيضاً: أن الغرض بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يقع المعروف وألا يقع المنكر فإذا حصل الغرض بالبعض فلا معنى لإيجابه على الكل كنشرمعالم الدين ونحو ذلك من فروض الكفايات.
قوله: (وقال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض..) الآية.
وجه دلالة هذه الآية أنه تعالى حكم على المؤمنين بكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوصافهم فمفهومه أن من لم يكن كذلك فليس بمؤمن كما أنه من لم يقم الصلاة ويؤت الزكاة فلا إيمان له.
قوله: (وقال تعالى: {كنتم خير أمة..} الآية).
تمامها: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر).
قال الفقيه حميد: والإستدلال بها على الوجوب بعيد لأن مدلولها المدح على ذلك والمدح غير مقصور على الواجب بل يحسن على المندوب ولا يقال وجه دلالتها أن الله تعالى جعل هذه الأمة خير الأمم بذلك لأنه يقال: قد يجوز أن يكون خيراً مع ذلك وإن كان مندوباً لأن ذلك إنما يقتضي فضل هذه الأمة والفضل الذي بالثواب يكون بالواجب ويكون بالمندوب ومن الأدلة القرآنية قوله تعالى حاكياً عن لقمان: {يابني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر}. وأقره الله على ذلك ولولا كونه حقاً لما حسن إقراره.
قلت: وهو مبني أيضاً على أنا متعبدون بشرع من قبلنا ما لم ينسخ ولا يقال: ليس في الآية ما يدل على الوجوب لأن الأمر صادر عن غير الشارع وإنما أقره الله تعالى لأنا نقول آخرها يدل على الوجوب وهو قوله: {إن ذلك من عزم الأمور}. فإنه إشارة إلى جميع ما سبق ذكره من إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والصبر ومعناه أنه مما عزمه الله من الأمور أي قطعه قطع إيجاب وإلزام ومنه أن الله يجب أن يؤخذ برخصة كما يجب أن يؤخذ بعزائمه.
وقوله: (عزمة من عزمات ربنا).
ومنه عزمات الملوك وذلك أن يقول الملك لبعض من تحت يده: عزت عليك إلا ما فعلت كذا. إذا قال ذلك لم يكن للمعزوم عليه بد من فعله والمعنى من معزومات الأمور أي من مقطوعاتها ومفروضاتها هكذا قرره جار الله.
ثم قال: ونهاهيك بهذه الآية قاضية بقدم هذه الطاعات وأنها كانت مأموراً بها في سائر الأمم.
قوله: (فقوله عليه السلام: ((ليس لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل)). المشهور في رواية الحديث: ((لا يحل لعين..)). والمراد تنظري إطباق أحد الجفنين على الآخر يقال: أسرع من طرفة عين. والعين هاهنا عبارة عن جملة الإنسان لأنها التي يصح منها التغيير والإنتقال وليس المراد التخيير بين الإنتقال والتغيير الإنتقال بل المراد أنه إذا لم يمكنه زجر فاعل القبيح وجب عليه الإنتقال وفيه دلالة على وجوب الهجرة على ما يذهب إليه جماعة من أعيان الأئمة عليهم السلام كالقاسم والناصر والمنصور وإليه الإشارة بقوله: قيل عن البلد وعند كثير من أهل البيت وغيرهم أن الهجرة غير واجبة. وإليه الإشارة بقوله: قيل عن المكان. حملوا الإنتقال على أنه من مكان إلى مكان لترتفع التهمة عن الرضا بالمعصية.
قوله: (وعنه عليه السلام: ((لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر)). إلخ.
روى الترمذي ما هو بمعناه عن حذيفة عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم ولفظه: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم)).
قوله: (وأشباه هذا من الأحاديث أكثر من أن تحصى).
من ذلك ما رواه الفقيه حميد في العمدة عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ليخرجن من أمتي أناس من قبورهم في صورة القردة والخنازير بما داهنوا أهل المعاصي وكفوا عن نهيهم وهم يستطيعون)). وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إن التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بمؤمن بالقرآن ولا بي)). وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ما من رجل يجاور قوماً فيعمل بين ظهرانيهم بالمعاصي فلا يأخذوا على يديه إلا أوشك أن يعمهم الله بعقاب)). وذكر عبدالعظيم المنذري في كتاب الترغيب والترهيب جملة من الأحاديث الواردة في هذا الباب واسعة منها قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)). وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)). وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا)). وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)). وقال أبو بكر الصديق: يأيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا أهتديتم}. وقد سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)). وغير هذا مما يطول ذكره ويشق حصره.
تنبيه:
قد عرفت مما ذكر أن هذا الباب دليله الكتاب والسنة والإجماع لأن المصنف قد أشار إلى الإجماع في أول الفصل لكن لم يُعِد ذكره.
قال الفقيه حميد: وأما الإجماع فهو أنه لا خلاف بين الأمة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جهة القول وإن أختلفوا في ذلك من جهة الفعل كما تقوله الإمامية والدليل قائم على وجوبه من جهة العقل من دون إمام إلا فيما يختص الإمام وخلاف الإمامية لا يعتد به لأن مذهبهم حادث بعد إنعقاد الإجماع من الأمة فتستقيم دلالة الإجماع على كل وجه.
فصل:
قوله: (كان المتقدمون من شيوخنا يطلقون القول بوجوب ذلك إطلاقاً).
أي: يطلقون وجوب الأمر بالمعروف من غير تقييد بأن يكون المعروف واجباً لأن المعروف قسمان: واجب، ومندوب، أو حقيقة المعروف تشملهما كما مر.
قوله: (حتى جاء المتأخرون).
أعلم أنه إذا قيل المتقدمون من المعتزلة فالمراد بهم من هو متقدم على قاضي القضاة وتلامذته، والمتأخرون القاضي وتلامذته ومن بعدهم.
وقال في تعليق الشرح: بل الأقرب أن المتأخرين أبو علي وأبو هاشم وطبقتهما ومن بعدهم والمتقدمون من قبلهم وعليه بنى المصنف فإن أول من فصل في وجوب الأمر بالمعروف الشيخ أبو علي وهو تفصيل حسن وكيف يتصور أن يجب الأمر بما لا يجب على المأمور فعله وعلى هذا التقييد ينبغي أن يحمل إطلاق المتقدمين ولكنه قد نسب إلى الشيخ أبي القاسم تبقية الإطلاق على حقيقته والتصريح بوجوب الأمر بالمندوب وأحتج بحجة ضعيفة وهو أنه قد ورد عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في السنن والرواتب ما يقضي بأن تركها منكر وما كان تركه منكراً وجب الأمر به كقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا تدعوا ركعتي الفجر)). وقد ذكر بعض العلماء أنه إذا أطبق أهل بلدة على إهمال السنن وتركها وجبت محاربتهم والمحاربة أقصى ما ينتهى إليه في الأمر والنهي.
وجوابه: أما قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((لا تدعوا ركعتي الفجر)). فالمراد به الحث على فعلهما والتعريف بأنهما سنة مؤكدة وأنه ينبغي الحرص عليهما لعظم ثوابهما ولو حمل النهي على ظاهره فالذي يقضي به وجوبهما فقط ومع ذلك نسلم وجوب الأمر بهما وأما أنه يجعل دليلاً على وجوب الأمر بهما فقط فهذا ما لا وجه له وكما يرد الأمر للندب فكذلك يرد النهي للكراهة لا للتحريم فيكون مؤدى النهي عن الترك كراهته، وأما ما ورد عن بعض العلماء من ذكر قتال من أطبق من أهل البلدان على ترك المندوبات فليس بحجة ويحمل على أن مرادهم من تركها تهاوناً بالفرض وأستخفافاً بها.
قوله: (فأما المنكر فلا ينقسم).
يعني: لأنه قسم واحد وهو ما يستحق عليه العقاب فكله قبيح ولا يدخل فيه المكروه كراهة تنزيه وحكم النهي عنه حكم الأمر بالمندوب فيكون النهي عنه مندوباً.
فصل:
وأختلف الشيخان في هل يدل العقل مع السمع على وجوب ذلك.
قوله: (وقال أبو هاشم لا تدل).
وإلى مثل قوله ذهب قاضي القضاة وأبو الحسين والجمهور وصححه السيد صاحب شرح الأصول.
قوله: (إلا في صورة واحدة وهي أن يلحق أحدنا برؤيته المنكر إغتمام وغيظ).
يعني: على وجه يتضرر بذلك ويلحقه مضض ولا شك أن الغم من أنواع الضرر وزاد القاضي صورة أخرى: وهو أن يفوته بعدم إنكار المنكر تأدية واجب عليه كما إذا أعد مالاً لقضاء دينه فأراد الغير أخذه أو ماء ليتوضأ به فقصد غيره إلى إراقته أو الإنتفاع به غصباً فيجب حينئذ عليه عقلاً أن ينهى عن ذلك لأن تأدية ما وجب عليه لا يتم إلا بنهيه ومدافعته وما لا يتم الواجب إلا به يكون واجباً وقد أعترض ما ذكره أبو هاشم والقاضي بأنه لا معنى لأستثناء الصورتين المذكورتين لأن النهي فيهما لم يجب عقلاً لكونه نهياً عن المنكر بل وجب في الأول إلى لدفع الضرر وفي الثانية لتوقف الواجب عليه وهذا غير ما نحن فيه فإنه لا فرق في الصورتين المذكورتين بين الأمر والنهي وغيرهما فإنه يجب دفع كل ضرر بالأمر والنهي وغيرهما ويجب ما لا يتم الواجب إلا به أمراً ونهياً كان أو غيرها وإنما كلامنا في أنه هل يجب الأمر والنهي لكونهما أمراً بمعروف ونهياً عن منكر عقلاً ويكون هذا هو الوجه في وجوبهما أو لا فأبو علي ذهب إلى ذلك وأبو هاشم منعه ولم يجعل ما ذكر وجهاً في الوجوب فلا معنى لإستثنائه تلك الصورة لأن الأمر والنهي فيها وجباً لوجه آخر لا لذلك الوجه وهذا أعتراض حسن وكلام جيد لا غبار عليه.
قوله: لأنه من باب الإحسان إلى الغير ودفع الضرر عنه أما كونه إحساناً فظاهر لأنه يقوده إلى فعل الطاعة أو ترك المعصية يحصل له نفع عظيم وخير كثير وأما دفع الضرر عنه فلأن المأمور بفعل الواجب وترك القبيح يندفع عنه ضرر العقاب ولما كان الآمر والناهي كالسبب فيما ذكر صار كأنه النافع له ودافع الضرر عنه وإن كان حصول النفع والدفع بفعله لما أمر به وتركه لما نهى عنه.
قوله: (والذي ....... الحال فيه).
يعني: من الوجوه التي تحتملها القسمة على ما يذكره كثير من أصحابنا فإنهم يقولون لو وجب ذلك عقلاً لم يحل إما أن يجب لأمر يرجع إلى الآمر الناهي من كونه آمراً وناهياً وإلى الأمر والنهي من كونه أمراً بالواجب ونهياً عن القبيح أو إلى المأمور به والمنهي عنه وهو كون أحدهما واجباً والآخر قبيحاً أو لمجموع ذلك أو بعضه وكل ذلك لا يصح لأنه كان يجب أن يلزم الأمر والنهي في كل حال وعلى كل إنسان لأن وجه الوجوب قائم في كل حال وفي حق كل إنسان فيجب على الأعيان وكان يجب ألا يرد الشرع بإقرار أهل الذمة على عقائدهم الباطلة ومذاهبهم الفاسدة إذ ما كانت علته قائمة لا يجوز تغير حاله ولا أن يرد الشرع بخلافه كما في الكذب والجهل.
قوله: (لأن الباري تعالى مكلف..) إلخ.
قد يجاب عن هذا بأن وجه الوجوب وعلته إذا حصل في حق الباري تعالى ثبت الوجوب ولزم أن يمنع وإذا بطل التكليف في ذلك المأمور به أو المنهي عنه فلا ضير كما أنه لما وجب المنع من فعل المفسدة التي تصدر من مكلف لكونها مفسدة في حق مكلف آخر وجب ذلك عليه تعالى وإن بطل التكليف في حق ما منع عنه ذلك المكلف.
قوله: (لكن السمع قضى بإقرارهم).
قد أجبت بأنه لو كان وجه الوجوب ما ذكر لم يصح ورود السمع بخلاف مقتضاه كما أن الكذب والجهل لما قبحا لكونهما كذباً وجهلاً لم يختلف الحال فيهما ولم يصح أن يرد السمع بخلاف ذلك فعلمنا أن وجه الوجوب في الأمر والنهي ليس إلا حصول المصلحة لنا فيهما كغيرهما من الواجبات الشرعية والمصالح يجوز أن تختلف بإختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة بخلاف الوجوه العقلية المقتضية للقبح والوجوب فإنها لا تختلف بحال.
قوله: (لأنه لا يمكن القطع من جهة العقل..) إلخ.
يعني: فلا يصح أن يجعل ذلك وجهاً عقلياً يعرف به وجوب الأمر والنهي وإنما يعرف ذلك بالشرع فيكون كوجوب الصلاة والزكاة فإنه وإن كانا لطفين إلا أنه لما لم يعرف ذلك بالعقل لم يكن وجوبهما عقلياً وحيث لم يعرف إلا بالشرع كانا شرعيين وقد أحتج الشيخ أبو علي على مذهبه بوجهين:ـ
أحدهما: أنه لو لم يكن الطريق إلى وجوب الأمر والنهي عقلية لكان المكلف مغري بالقبيح وكمن أبيح له فعله.
وجوابه: أن هذا الكلام في غاية الركة إذ يقتضي أنه لا يجب واجب ولا يقبح قبيح إلا والطريق إليه عقلية وإلا كان المكلف مغرري بالقبيح، والإخلال بالواجب وفي حكم من أبيح له ذلك وهذا فاسد ولا ينبغي أن يعول عليه ولهذا أهمله المصنف.
الوجه الثاني: أنه قد ثبت وجوب الإمتناع عن المنكر فكذلك يجب المنع منه لأن العقل لا يفرق بينهما.
وأجبت: بأنه إذا كان الوجه ما ذكر لزم أن يجب المنع على الله لأن الإمتناع واجب عليه ومثل هذا لا يلتفت إليه.
فصل:
وكيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يبدأ بالقول اللين هو ما يأتي به على طريقة النصح والوعظ والتذكير.
قوله: (وإلا تعداه إلى القول الخشن).
وهو ما فيه غلظة وينطوي على الشتم والوعيد والتهديد.
قوله: (وإلا فالعصا).
وفي حكمها السوط والضرب بالنعال ونحو ذلك.
قوله: (ثم السيف).
أراد القتال لأن الأصح أنه يجوز هنا القتل والقتال سواء كان في الزمان إمام أو لم يكن لأن ذلك من مقتضى النهي عن المنكر إذ الغرض ألا يقع فإذا لم يتم إلا بالقتل جاز وعلته قوله تعالى: {وقاتلوا التي تبغ}.
قوله: (وقد ورد النص..) إلى آخره.
فيه نظر من وجهين:ـ
أحدهما: أن مثل هذه الآية لا تعد من النصوص على ما نحن بصدده بل من الظواهر.
الثاني: دعواه أن الإصلاح يتضمن الكلام اللين والخشن فلا دلالة في ظاهره على ذلك ولهذا فسره جار الله بما لفظه: فالذي يجب على المسلمين أن يأخذوا ببه في شأنهما إصلاح ذات البين وتسكين الدهماء..... الحق والمواعظ الشافية ونفي الشبهة إلا إذا أصرتا فحينئذ تجب المقاتلة.
وأعلم أن الآية في الحقيقة غير دالة على ما أستدل بها المصنف وغيره عليه من وجوب الترتيب لأن ذكر الإصلاح فيما إذا أقتتلت فئتان على سبيل البغي منهما جميعاً وذكر القتال فيما إذا بغت فئة على فئة وكان الباغي إحدى الفئتين فأمر الله تعالى في حق القسم الأول بالإصلاح وأقتصر عليه لكنه يعلم بدليل آخر أنه إذا لم .......صير إلى قتالهما معاً وذكر في القسم الآخر القتال للباغية لكنه يعلم بدليل آخر أنه لا قتال إلا مع عدم جدوى غيره قليتأمل.
قوله: (لأن الآية لم تفصل) إلى آخره.
ظاهره أنه أراد هذه الآية ......... العهد بالذكر وهي قوله تعالى: {وإن طائفتان..} الآية. وهو غير مستقيم وإنما يستقيم إذا قصد بها ما سبق ذكره فيما يدل على وجوب إنكار المنكر فيكون الأحسن أن يقول لأن الآيات المتقدمة وأما هذه الآية فإنها تدل على الإصلاح والقتال لمن بغى.
فصل:
وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط.
قوله: (ولأن ذلك يتضمن الخبر..) إلخ.
يعني: أن الأمر أريد بان يفعل كذا لوجوبه بتضمن الأخبار بالوجوب إذ لو لم يكن جاء كما يوجبه لما أمر به وكذلك في النهي فإذا كان الخبر الحسن إلا مع العلم فكذلك ما يتضمنه ويبنى عنه.
قوله: (....... على وجوب الفعل والكف عنه..) إلخ.
فقال: قياسك هذا مخيل لأنه يلزمك أن تساوي الفرع الأصل فيجب على الآمر الناهي أن يأمر وينهى ولو لم يعلم وجوب ما أمر به وقبح ما نهى عنه إذا كان يمكنه العلم وهذا لا يصح فإنه يقبح منه في تلك الحال فلا معنى لهذا القياس المتكلف ولا ملجي إليه ففيما سبق عينه عنه.
قوله: (أليس قد يدخل النكير في مسائل الإجتهاد).