كافر التصريح: خارج عن أمة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم وعن أهل القبلة اتفاقاً.
وأما كافر التأويل: فيوصف بأنه من الأمة ومن أهل القبلة والصلاة لأن الأمة في الأصل كل من بعث إليه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وفي العرف كل من صدقه واعتقد وجوب إتباعه سواء كان مؤمناً أو لا، بدليل: ((ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة..)). فجعل كل تلك الفرق من الأمة وليس الناجية منها إلا فرقة واحدة فقط وكذلك فأهل القبلة والصلاة من صدقه صلى اللّه عليه وآله وسلم واعتقد وجوب اتباعه وأهل التأويل كذلك.
وقيل: لا يصح وصف كافر التأويل بذلك لأن من شرط صحة الوصف بذلك أن يتابعه، وكافر التأويل غير متابع ولأن أمة النبي اسم مدح فلا يستحقه والصحيح هو الأول.
القول في التفسيق
قوله: (اعلم أن الفسق كالكفر في أنه لا يجوز إثباته إلا بدليل قاطع).
وكذلك فهو كالكفر في أنه لا مجال للعقل فيه وفي أنه ينقسم إلى:
مجمع عليه: وهو كل(1) ما علم من دين النبي ضرورة أنه كبيرة محبطة. ومختلف فيه وهو ما ليس كذلك.
وإلى فسق تصريح، وفسق تأويل: فالتصريح ظاهر كشرب الخمر والزنا ونحوهما مما لا يتأول مرتكبه.
قيل: وضابطه ما علم ضرورة من الدين أنه فسق وفيه نظر فليس كل فسق صريح يعلم كونه فسقاً بضرورة الدين ولو كان كذلك لم يحدث خلاف في شيء منه، ومعلوم أن في الكبائر خلاف في الأدلة التي تدل على كونها كبيرة.
وفسق التأويل: أن يرتكب المكلف معصية من ارتكبها عامداً مع علمه بكونها معصية فهو فاسق لكنه لا يعتقد كونها معصية لشبهة عرضت له.
__________
(1) ـ سقط من (ب): كل.

مثاله: ما كان من الخوارج من تكفير أمير المؤمنين ولعنه وقتاله واستباحة دمه وماله وكذلك دماء المسلمين وأموالهم لشبهة عرضت لهم وتلعبت بعقولهم اعتقدوا لأجلها إصابتهم في ذلك. وكذلك من بغى إلى أئمة الهدى وحاربهم معتقداً إصابته في ذلك وخطأ الأئمة وفسق من هذه حاله مذهب الزيدية وجل المعتزلة وكل الخوارج، وذهبت المجبرة وأهل الحديث إلى أن تلك مسألة اجتهادية فجعلوا ذلك من قبيل الخطأ في الاجتهاد فيكون المخطئ في ذلك معذوراً كسائر الاجتهاديات وقالوا في الحروب التي حدثت بين الصحابة هي من هذا القبيل فالقاتل والمقتول في الجنة لأن كلاً منهم فعل ما أدى إليه اجتهاده.
وبالجملة فالكفر والفسق أخوان متفقان في أكثر الأحكام وإنما يختلفان في أن عقاب الكفر أعظم وأحكام أهله أغلظ وفي أنه يجوز ثبوت فسق لا دليل عليه اتفاقاً. وأما ثبوت كفر لا دليل عليه فمختلف فيه كما سبق.
واعلم أن اختلاف أهل القبلة في المسائل الدينية العلمية للظن فيها التي لا مجال كالعقائد الإلهية لا بد من الخطأ فيه لأن الحق مع واحد ويعلم الخطأ فيه بالعقل كما يعلم من جهة العقل أن القادرية والعالمية ونحوهما صفات في حق الباري تعالى وأن المخالف في ذلك مخطئ ونحو ذلك، وأما كون ذلك الخطأ كبيراً أو فسقاً فلا مجال للعقل فيه وإنما يعلم من جهة الشرع، وقد سبق ذكر ما يبلغ من الخطأ في ذلك إلى حد الكفر واختلاف العلماء في التكفير جملة وتفصيلاً.

وأما التفسيق: فالمشهور عن أصحابنا وفي كتبهم أن ذلك الخطأ قد يكون فسقاً ولا يرتقي إلى درجة الكفر وينصون على فسق طوائف من المبتدعة وسبق عن المؤيد عليه السلام: أنه منع من تكفير المجبرة ونص على أن خطأهم كبير، والذي ظهر لنا من كلام الإمام يحيى عليه السلام في كتاب التحقيق: أنه لا يقول بالتفسيق في هذا الباب ويرفع قاعدته إلا نادراً لأنه ذكر وقوع الخطأ في بعض مسائل العقائد كما في مسألة الوجود هل هو حالة أو لا؟ وهل القادرية والعالمية أحوالاً ومعاني؟ وهل الصوت يسمع في محله أو غير محله؟ وهل الأكوان مدركة أو لا وغير ذلك من المسائل الكلامية ومنع من وقوع الفسق بذلك؟.
قلت: ومن هذا القبيل خلاف المعتزلة للزيدية في مسائل الإمامة وإن كان قد ذكر كثير من العلماء إن من أنكر إمامة ثابت الإمامة وجهلها فهو فاسق كمن نابذه وحاربه، ونسبه الشيخ أبو القاسم البستي إلى كثير من الزيدية. لكن المختار ما ذكره المؤيد بالله والبستي لنفسه وغيرهما من أنه لا دلالة على فسق من جهل إمامة إمام أو أنكرها إذا لم يقترن بذلك خروج عليه ومحاربة له.
قال الإمام المهدي: وهذا هو الحق عندي وعليه أهل التحصيل من الزيدية.
قال الإمام يحيى: والذي يدل على أن الخطأ في تلك المسائل لا يكون فسقاً أن القضاء بكونه(1) فسقاً لا بد فيه من دليل ولا دليل هناك، فوجب القطع بالخطأ دون الفسق، ولأنه لو كان الخطأ في تلك المسائل فسقاً لوجب انقطاع الموالاة وحصول المعاداة والإجماع منعقد على بطلان ذلك ووجوب المعاضدة والمناصرة مع وقوع الخلاف في هذه المسائل بينهم فعلمنا أن الخطأ فيها لا يكون كبيراً.
__________
(1) ـ في (ب): بكونها.

ثم ذكر عليه السلام المشبهة والمجبرة وذكر أن المنكرين لإكفار المشبهة والمجبرة منهم من زعم أنهم فساق وهذا شيء يحكى عن بعض الزيدية ولم أعرف هذه المقالة للإمام المؤيد بالله ولا للشيخ أبي الحسين ولا لأحد ممن أنكر إكفارهم ثم أبطل ذلك بأن الفسق لا بد عليه من دلالة قطعية من كتاب أو سنة أو إجماع من الأمة أو العترة أو قياس يقطع به وشيء من هذه الأدلة ليس حاصلاً(1) في حق المجبرة والمشبهة فلأجل هذا قطعنا بإنكار فسقهم ثم نقول لمن قطع على فسقهم إذا قد قطعتم على بطلان إكفارهم لعدم الدلالة عليه فأخبرونا لم قطعتم بفسقهم، هل الدلالة قامت على ذلك فاذكروها لننظر فيها أو من أجل قصور الدليل على كفرهم فوجب القطع بفسقهم فما هذا حاله باطل لأن قصور الدليل على الكفر لا يوجب إثبات فسقهم بل كل واحد من الكفر والفسق يحتاج إلى دلالة ثم إنه عليه السلام ذكر ما يستدل به على فسقهم ونقضه ثم ذكر المرجئة، وحكي أن أكثر الشيوخ من المعتزلة ذهبوا إلى أن من جوز من المرجئة على أن الله تعالى إلا تبين لنا مراده من الوعيد للفساق من أهل الصلاة فهو فاسق لأنه يتعذر عليه معرفة مراد الله في كل شيء ومن أخرج نفسه عن صحة أن يفهم عن الله بخطابه شيئاً فأقل أحواله أن يكون فاسقاً إذا لم يكفر(2) بهذه المقالة.
قال الإمام يحيى: واعلم أن تفسيقهم بما ذكرناه فيه نظر من وجهين:
الأول: أن تفسيقهم بذلك على جهة الإلزام ولا يلتزمونه.
الثاني: إظهار الفرق بين الوعيد وسائر خطاب الله. فقالوا: القصد بالوعد هو الترغيب فيما عند الله فلو لم تبين حاله لم يحصل الغرض به بخلاف الوعيد فالغرض التخويف(3) وهو كما يحصل مع القطع يحصل مع التجويز فافترقا.
__________
(1) ـ في (ب): ليس صالح.
(2) ـ في (ب): لم تكن.
(3) ـ في (ب): التخفيف.

ثم ذكر مذهب من زعم أن الوعد والوعيد تعارضا وقال: نهاية الأمر فيهم الخطأ فيما ذهبوا إليه من هذه المقالة فأما كونه فسقاً فلا دلالة تدل على ذلك وذكر من غلط في اللغة ولم يخط بحقائق الألفاظ الوضعية فخالف في ألفاظ العموم قال: وخطأهم دون خطأ من تقدم.
ثم ذكر الخوارج وحقق الأدلة على فسقهم ولجودتها وقوتها لم يعترضها ولا شك أن أقل أحوالهم الفسق واستحقاق عقابه وثبوت أحكامه.
قال الإمام يحيى: وقد سار أمير المؤمنين فيهم سيرة الفسق والبغي ولم يعاملهم معاملة الكفار.
قلت: وقد نقل الإجماع على فسقهم.
ثم ذكر عليه السلام الإمامية وذكر أنهم لقبوا بهذا اللقب؛ لقولهم بالنص على أعيان الأئمة ووجوب الرجوع إليهم في الأمور الدينية وزعموا أن منزلة الأئمة منزلة الأنبياء ولا بد في كل وقت من إمام، ويسمون الرافضة لما تقدم.
قال: ولما زلت أقدامهم في اعتقادهم في الأئمة ما لا يجوز من تفضيلهم على الأنبياء وإحاطتهم بالعلوم الغيبية وظهور الخوارق إلى غير ذلك من الجهالات خبطوا في كل وادٍ من الضلالة ثم تَحَزَّبُوا أحزاباً ثلاثة:
الحزب الأول: الغلاة، وهم المفوضة والخطابية والميمونية(1) وقد قدمنا طرفاً من الإشارة إلى ذكرهم ولهم أقاويل شنيعة وكفريات فاحشة لا يفوه بها مسلم.
قال الإمام عليه السلام: ولا خلاف بين الأمة في كفرهم وليسوا معدودين من فرق الإمامية كما لا تعد القرامطة والباطنية منهم وإن انتموا إليهم، ومنهم الغرابية يزعمون أن علياً هو الرسول وأنه أشبه بمحمد من الغراب بالغراب.
قال: ولهم تهويسات كثيرة أغفلنا ذكرها ظنة بالبياض وأكثر الغلاة يبطلون الشرائع ولا يعترفون بها.
__________
(1) ـ في (ب): اليمونية.

الحزب الثاني: المتوسطة الذين ليسوا بغلاة ولا حصلوا النظر وأظهروا الكياسة كغيرهم وهؤلاء فرق الكاملية وهم الذاهبون إلى أن الأمة كفرت يمنع على حقه وأنه كفر بترك المطالبة بحقه والكيسانية الزاعمون أن الإمام [بعد الحسين](1) محمد بن الحنفية ومنهم من جعله الإمام بعد علي ومنهم الجعفرية(2) الزاعمون أن الإمام بعد محمد بن علي جعفر بن محمد، وكل فرقة من هؤلاء تفرقت فرقاً كثيرة.
قال عليه السلام: معظم أقوالهم خطأ فإن قام برهان شرعي بعد إمتحانها وتعهدها بالنظر على أن فيها ما يكون كفراً أو فسقاً وجب القضاء به لأن الدليل منيع، وغالب الظن في مذاهبهم الخطأ وأنه ليس فيها ما يوجب الإكفار والتفسيق.
الحزب الثالث: القطعية قطعوا بموت موسى بن جعفر وزعموا أن الأئمة إثنا عشر وهم زبدة فرق الإمامية وعليهم التعويل في المذاهب وهم المنظرون فيهم الذين تصدروا لتقرير المذاهب وقعدوا في دست العلماء وأصغى إلى أقاويلهم الفضلاء في الرد والإفحام وهم العدد الكثير ومن عداهم حثاله(3) وغثاء وقد بادوا وانقرضوا فلا يوجد منهم إلا القليل النادر وهؤلاء يزعمون أن الإمام يجب عقلاً لكونه لطفاً في الدين وأن الزمان لا يخلو عنه وأنه تشترط فيه العصمة ولا بد له من معجزة وأنه يعلم الغيب ولا يعرف معنى القرآن إلا بواسطته ونحو ذلك من مذاهبهم.
قال عليه السلام: وهذه المذاهب وإن كان مقطوعاً على فسادها وبطلانها فليس فيها ما يقتضي الكفر والفسق لعدم الدلالة على ذلك وقد أبطل علماء الدين مذاهبهم وأفسدوها وسكتوا عن إكفارهم وتفسيقهم لما ذكرناه من عدم الدلالة على ذلك.
__________
(1) ـ سقط ما بين المعكوفين من (ب).
(2) ـ في (ب): والجعفرية.
(3) ـ في (ب): وما عداهم حثالهم.

فصل:
قوله: (وذلك الدليل هو السمع فقط).
الكلام في هذا الفصل على نحو الكلام فيما تقدم من نظيره في ذكر أدلة الإكفار.
قوله: ( إلى قوله: {ومن عاد فينتقم الله منه} التلاوة {ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}).
وهو أصرح في الاحتجاج على ما نحن بصدده. وأما قوله تعالى: {فينتقم الله منه}. فذلك في أنه قبل الضد.
قوله: (وبالجملة كل ما فيه وعيد يخصه).
فيه نظر وقد تقدم تحقيق هذا في ذكر ما يعرف به كبير المعصية والمعتمد عليه ما ذكر هناك فيراجع بالنظر فيه.
قوله: (وأما السنة..) إلى آخره.
لا كلام أنه ورد في السنة ما يقضي بكبر عقوق الوالدين وأنه فسق وإن لم يكن متواتراً كقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((ألا أخبركم بأكبر الكبائر..)). فذكر منها عقوق الوالدين وقد تقدم ذكر ذلك وكذلك الربا فإنه ورد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم فيه: ((إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاث وثلاثين زنية)). وورد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: <إن أهون أبواب الربا وهي ثلاثة وسبعون باباً مثل أن ينكح الرجل أمة. وورد فيه من الكتاب ما يقضي بذلك كقوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله}. وقوله تعالى: {لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة..} الآيات. وقوله: {الذين يأكلون الربا..} الآية. وأما الفرار من الزحف ففي القرآن تصريح بما يقتضي كونه فسقاً وكبيرة وهو قوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله}.
قوله: (كان يعلم أن سرقة عشرة دراهم..) إلخ.

هذا ذكره من يصحح التفسيق بالقياس وادعى أنه قياس قطعي وقد منع من ذلك المؤيد وأبو الحسين وغيرهما بدليل أن الغاصب لا تقطع يده بالإجماع، وهذا فارق أقل أحواله منع كون القياس قطعياً وقد حكي عن أبي الحسين وغيره أنه لا يمكن الاستدلال بقياس قطعي في التفسيق لأنه إن نفى ما يمكن جعله فارقاً فلا قطع وإن لم يبق ما يمكن فيه ذلك فلا قياس والأصح أن ذلك ممكن جائز كما قدمنا وأما قيامه ووقوعه فمحل نظر ولا يقطع به وقد مال المصنف إلى نحو ما حكي عن أبي الحسين بقوله: لكن(1) الأغلب أنه لا يمكن القطع بعلة فسق قط.

القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قيل: إن هذا الباب مما تشتمل عليه الحيثية السمعية من باب الوعد والوعيد وهذا لا وجه له والصحيح أنه باب مستقل وقد جعله قاضي القضاة أحد الأصول الخمسة وقال: هو من أهم أبواب أصول الدين وأعظمها لأنه أخذ من التكليف جميع جوانبه وذلك من أربع جهات:ـ
أحدها: العقل والشرع فإن الأمر والنهي يقضي بهما العقل والشرع وكذلك المأمور به والمنهي عنه منهما ما يكون عقلياً ومنها ما يكون شرعياً.
الثانية: أنه يدخل فيه القطع والظن فقد يجب علينا قطعاً وقد يجب علينا ظناً.
الثالثة: أنه يشتمل على فرض العين وفرض الكفاية.
الرابعة: أنه يدخل فيما يخص المكلف الأمر الناهي وقد يكون فيما يتعداه.
__________
(1) ـ سقط من (ب): لكن.

قلت: بالغ قاضي القضاة رحمه الله في جعل هذا الباب من أبواب أصول الدين حتى عده من أهمها وأعظمها وجعله أحد الأصول الخمسة ......... للعدل والتوحيد والوعد والوعيد وإذا أعطي النظر حقه علم أنه ليس من أصول الدين في شيء وأنه من أبواب الفقه ومسائل الفروع لأن فن أصول الدين موضوعة الكلام في إثبات الصانع وصفاته وأفعاله وأحكام أفعاله وليس من هذه القبيل في شيء وكتب حال الدرس في علم الكلام أتعجب من عدهم له في أبواب هذا الفن وأنظر ما الوجه في ذلك حتى وقفت على كلام قاضي القضاة الذي ذكرناه وعلى جوه ذكرها غيره وكلها لا يقضي بكونه من علم الكلام أما ما ذكره قاضي القضاة من كونه أخذ من التكليف بجميع جوانبه فكثير من أبواب الفروع كذلك إلا في قوله: إن العقل يقضي به. وهو غير مسلم وكذلك ما ذكره بعضهم من كونه بطلت مناقبه مع العمل الأعتقاد الذي هو العلم دون الظن فقد رد بأن ذلك لا يقتضي كونه من أصول الدين كمسائل الفروع العلمية ومسائل أصول الفقه القطعية وكذلك ما أشار إليه الفقيه حميد في وسيطه من أن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقوبات على العصيان فكان ذلك سبباً في إتصاله بما تقدم من إستحقاق العصاة عقوبات الآخرة.
قيل (ي): وهو وجه صحيح.
قلت: بل وجه فاسد فإن الصلاة والزكاة والحج كذلك.

وقيل: إنما عد من أصول الدين لأنه يجب على كل مكلف معرفة هذا الباب علماً يقيناً كمعرفة نبوة النبي ولا يكفي الظن في ذلك لأنه من أصول الشرائع وفيه نظر لأنا نقول ما تريد بكونه تجب معرفته علماً يقيناً هل على سبيل الجملة أو على سبيل التفصيل فيجب العلم بكل مسألة من مسائله. الثاني غير المسلم والأول لا فرق بينه في ذلك وبين وجوب الصلاة والزكاة ونحوهما من أصول الشريعة وعلى الجملة فإذا علمت موضوع فن الكلام علمت أن هذا الباب ليس منه بسبيل وأنه لا إلتفات إلى ما ذكر من الأعذار ولا تعويل، وأقرب ما يمكن بمحلة أن يقال لما كان باب الوعد والوعيد ينطوي على ذكر الطاعات والمعاصي وما تقتضيه فيقضي إليه وما يجب من التوبة عن ترك الطاعة وفعل المعصية وذكر اسماء فاعليهما وأحكامهم وحسن وناسب أن نردف ذلك بذكر وجوب الأمر بالطاعة والحث عليها والنهي عن المعصية وإلا يترك لمريدها سبيلاً إليها فكما أن في ذلك الباب ذكر أحكام فاعلي الطاعة والمعصية وما ينبغي منهم من حسن المعاملة لله فهذا كلام في بعض ما ينبغي أن يعاملهما به غيرهما من الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي ولو إلى حد القتال بعد تحسين المقال وقد وقعنا على مثل ما ذكرنا خطورة بالبال ووقوعه في النفس لبعض المتأخرين فإنه صرح بخروج هذا الباب عن فن الكلام ثم قال: خلا أنه ينبغي الإ........... المتكلمين في ذلك بتركاً ولا صبراً في إتباعهم دنيا ولا دينا.
قوله: (إفعل أو ما يقوم مقامها).
يعني: مقام هذه اللفظة أو الصيغة لتفعل في حق الغائب وأفعلا وأفعلوا ولتعفلا ولتفعلوا وأفعلي ولتفعل هند.
قوله: (على جهة الإستعلاء).
يعني: إستعلاء الأمر على المأمور والإستعلاء طلب العلو فيصبح ذلك وإن كانت رتبة المأمور أعلى.
قوله: (مع أرادته لحدوث ما تناولته الصيغة).
يحترز من التهديد كقوله تعالى: {أعملوا ما شئتم}. ويذكر المراد من هذه الإحترازات بعرف المراد من الإحترازات في حقيقة النهي.

144 / 158
ع
En
A+
A-