هو الذي تقتضيه قاعدتهم وإما أنهم يكفرونهم فلم يسمع بذلك عن أحد منهم لكن إنكارهم ومنعهم وقوع المعاصي من الأنبياء من جملة اعتقاداتهم الفاسدة ومذاهبهم الرديئة المبنية على غير قاعدة، فإن القرآن مصرح بنسبة المعاصي إلى الأنبياء نحو قوله تعالى: {وعصى آدمُ ربَّه فغوى}، ولعلهم يتأولون ما ورد من ذلك بأن المعنى أنهم عصوا بترك الأولى وارتكاب ما هو مكروه وهو تأويل بعيد ويخلص غير مفيد.
قوله: (الثالثة أنهم كفَّروا أمير المؤمنين..) إلخ.
قد تحرر هذه الشبهة تحريراً أوضح من هذا وهو أن يقال: إنهم استحلوا تكفير المؤمنين وأكابر الأئمة ولعنهم والبراءة منهم وذلك يدل على استخفافهم بالدين وتهاونهم بأمره، والمعلوم ضرورة من الدين أنه يكفر مستحل تكفير المؤمنين والمستخف بالدين، وهذه أقوى ما يحتج به على كفرهم ونعترض بما ذكره المصنف، وجوابه يناسب تحريره للمشبهة وأما هذا التحرير فيقال: إنهما يعلم ضرورة كفر(1) مستحل تكفير من يحكم هو بإيمانه وأما من اعتقد كفره لشبهة طرت عليه وهو في نفس الأمر مؤمن فلا يسلم العلم ضرورة من الدين تكفيره.
قوله: (فهو آحادي).
يعني فلا يصح أن يحتج به على كفرهم وإن كان ظاهره قاضياً بذلك، وقد عرفت ما اعترض به أدلة تكفيرهم ولأجل ذلك عدل المحققون عنه إلى تفسيقهم.
والحجة على فسقهم: ما ذكر من أدلة المكفرين فإن الاعتراضات الواردة عليها إنما تمنع(2) عن الإكفار وأقل الأحوال بعد ورودها أن تبقى دالة على فسقهم كما ذكر من استخفافهم بأمير المؤمنين وغيره من أئمة الحق ولعنهم والتبرؤ منهم وذلك فسق بالإجماع وقد اعترضه الإمام المهدي بأن الإجماع المذكور غير متواتر، وإن سلم تواتره فإنما يكون الاستخفاف فسقاً حيث يكون المستخف بالإمام معتقداً لإمامته لا حيث ينفيها ويعتقد ظلمه لشبهة طرت عليه فلا نسلم فسقه.
__________
(1) ـ في (ب): كتكفير.
(2) ـ في (ب): إنما المنع.
واعلم أن ما(1) كان دليله الإجماع والقياس من الإكفار والتفسيق فهو معرض الاحتمال عند أولي التحقيق فإن حصول القطع فيما طريقه ذلك متعسر أو متعذر والله ولي التوفيق.
ومن أدلة فسق الخوارج بغي متقدميهم على أمير المؤمنين وبغي متأخريهم على غيره من الأئمة فالباغي فاسق بالاتفاق، ومن لم يخرج منهم لا(2) على إمام ولا نعي عليه مع كونه مذهبه مذهبهم الذي يجمعهم على ما قدمناه وكان رأيه رأيهم فهذا الدليل لا يتناوله إلا أن أبا القاسم البستي نقل إجماع أهل البيت على فسقه وادعى ـ أيضاً ـ إجماع الأمة على عدم الفرق بين من حارب الإمام وخرج عليه وبين من اعتقد وجوب محاربته لأن الأمة لم يفرقوا بين الخوارج المتأخرين وبين من حارب منهم أمير المؤمنين.
قيل (مهدي): وهذا في(3) غاية الضعف لأن الخوارج بعض الأمة وهم لا يرون ذلك.
قلت: ولعله لا يعتد بهم في الإجماع ولكن لا قطع بالإجماع الذي ادعاه من غيرهم وإن سلم فلا قطع بأن ينعقد من دونهم ومما يحتج به على تفسيقهم إن رميهم لأمير المؤمنين وغيره بالكفر أفحش من قذف مؤمن بالزنا فإن الكفر أفحش من الزنا ويكون هذا من باب الفحوى وهو قياس جلي قطعي فيكون رميهم لعلي عليه السلام وعثمان بالكفر كما لو رموهما بالزنا بل هذا أولى.
قال الإمام المهدي: وهذا أقرب ما يتمسك به في فسق خوارج زماننا لكنه لا يفيد القطع عندي لأن القذف إنما قبح لكونه مفسدة، ووجوه المفاسد لا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى فلا مانع من أن تكون المفسدة في الرمي بالزنا أبلغ من المفسدة في الرمي بالكفر.
قلت: ويقوي ذلك وجوب الحد على القذف بالزنا دون الرمي بالكفر ثم صرح المهدي بأنه لم يظهر له برهان يدل على تفسيق القوم في عقيدتهم.
فصل: في الرافضة.
قوله: (في حديث زيد: يسبون أبا بكر وعمر).
__________
(1) ـ في (ب): أن كل ما.
(2) ـ سقط من (ب): لا.
(3) ـ في (ب): وهذا هو في.
قال الإمام يحيى: حديث زيد يدل على أن تلقيبهم بالرفض لأجل سبهم الشيخين.
قوله: (وقد اختلف الناس في تكفيرهم).
الذي عليه أئمة الزيدية وجمهور المعتزلة والرازي من الأشعرية: أنهم ليسوا بكفار ولا يقتضي شيء مما ذهبوا إليه الكفر، وذهب أكثر الأشعرية إلى إكفارهم.
قال الإمام يحيى: والحق هو الأول والمعتمد ما ذكرناه وهو أنه لا حجة على إكفارهم من نص كتاب أو سنة ظاهرة متواترة ولا فيه إجماع قاطع ولا قياس يرشد إلى العلم ولأنه لم يصدر من جهتهم إلا ما كان من سب الصحابة واعتقاد كفرهم والسب ليس كفراً، ومن اعتقد في بعض الاعتقادات الصحيحة أنها كفر فلا يلزم إكفاره لأجل هذا الاعتقاد. انتهى.
واعلم أن الروافض فرق كثيرة، وكثير منهم ينسب إليه مقالات كفرية كالمفوضة والخطابية والغلاة، فإن المفوضة زعموا أن الله فوض الخلق والرزق إلى الأئمة، وزعمت الخطابية و ـ كذلك ـ الميمونية أن الله يظهر في صورة البشر، ثم منهم من قال: يحتجب بالأئمة. ومنهم من قال: يتحد بهم. وقال بعضهم: إن الله هو عليٌّ وأن محمداً إنما هو رسول علي وإن كل من ظهرت عليه معجزة فهو الله. وسائر الغلاة لهم أقوال ـ كذلك ـ شنيعة ومذاهب فظيعة كما أشار إليها نشوان في رسالة الحور العين وشرحها وغيره من المصنفين بكتب المقالات، ولا شك في كفر أولئك وإنما محل الخلاف هل تكفر الرافضة بمذهبهم هذا الشهير الذي يجمعهم وهو تكفير الصحابة وسبهم أولاً، وقد أورد المكفرون لهم بذلك ثلاث شبه:
الأولى: أنهم كفَّروا سادات الإسلام، ومن كفر مسلماً فهو كافر لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((إذا قال المرء لغيره يا كافر فقد بآء بها(1) أحدهما))، ونحوه، وقد تقدم ما يرشد إلى جواب هذه الشبهة وحاصله عدم تسليم أن يقتضي تكفير المسلم الكفر مطلقاً إنما يقتضيه إذا كان المفكر يعتقد إيمانه، وتأويل الرازي للحديث وحمله على ذلك مع أنه آحادي.
__________
(1) ـ في (ب): كاء بها.
الشبهة الثانية: أن القرآن والأخبار مشتملة على مدح الصحابة والثناء عليهم فتكفيرهم رد للكتاب والسنة وذلك كفر.
وأجبت: بأن الرافضة لا يسلمون المدح والثناء في الجماعة المعنيين الذين قضوا بكفرهم ولأنه إن(1) سلم ذلك فهو مشروط سلامة العاقبة(2) ولم يحصل ذلك في حقهم عندهم بل اعتقدوا أنهم قد غيروا وحرفوا وبدلوا فلم يكونوا رادين للكتاب والسنة في عقيدتهم.
الشبهة الثالثة: دعوى الإجماع على إكفار من كفر سادات الصحابة.
وجوابه: أنه غير مسلم أما الصدر الأول فلم يخوضوا في هذا، وأما إجماع غيرهم فالرافضة منهم وإن أجمع غيرهم على ذلك فالمجمعون بعض الأمة.
فصل: في المقلدين والعوام.
قد سبق في أول الكتاب ذكر حقيقة التقليد، والمراد هنا بالمقلدين من اعتقد ثبوت الصانع وثبوت صفاته تقليداً.
وأما العوام فهم في الحقيقة غير مقلدين وليس لهم من التمييز ما يهتدون به لمسلك التقليد ويعرفون به كيفيته، وسيأتي ذكر حكمهم.
فأما المقلدون فقد قال المصنف: (لا خلاف بين الجمهور أن المقلد مخطئ).
__________
(1) ـ في (ب): ولأنه أنه.
(2) ـ في (ب): سلامة العافية.
أشار بقوله: (الجمهور) إلى ما يحكى من خلاف شرذمة من الملاحدة والحشوية وأهل التعليم زعموا أن النظر بدعة وأن التكليف لم يرد متعلقاً بالاعتقادات العلمية وإنما ورد متناولاً للإقرار فقط بالنطق بكلمتي الشهادة وهذا هو الإيمان عندهم وكلام المصنف يقضي بأن الشيخ أبا القاسم ومن تابعه يقولون بخطأ المقلد وإنما يخالفون في كفره كأنه نظر إلى قول الإمام يحيى، ولا خلاف بين أهل التحقيق من الزيدية والمعتزلة والنظار من الأشعرية في خطأ المقلد فيما يتعلق بالأمور النظرية في المباحث الإلهية فإنما الخلاف هل يكفّر أو لا والمنقول عن أبي القاسم ومن قال بقوله ما يقضي بخلاف ذلك وأنه مصيب. قال في الغايات وقال الشيخ أبو القاسم البلخي وأبو إسحاق بن عباس والقاسم بن إبراهيم والإمام يحيى والرازي وغيرهم كأبي حامد الحاجرمي: بل المقلد مؤمن مستحق للثواب قائم بما وجب عليه إذا وافق الحق لحصول ما كلف به من الاعتقاد الحازم وهو المطلوب منه ولإجماع الصحابة على إسلام العوام الذين لم يتقدم منهم نظر في الأدلة.
قال: والعجب كله من هؤلاء العلماء كيف مالوا إلى هذا القول الذي تنهدم به قواعدهم التي أصلوها بل قواعد الإسلام كله فإن هلاك الأمم السالفة إنما كان من جهة تقليدهم أسلافهم فقيل(1) فيهم: {أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون}. أراد تعالى فكيف اتبعوهم من دون نظر في حسن ما اتبعوهم فيه أو قبحه فعنفهم سبحانه على ذلك وهو عين ما قال هؤلاء العلماء بجوازه وحسنه من هذه الأمة وأشنع من ذلك أن أضافوا تجويز ذلك إلى رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم والسلف من أصحابه(2) وتابعيهم كأنه لم يمر على أسماعهم ما ذم الله به في كتابه المتبعين لدين الأسلاف تقليداً.
__________
(1) ـ في (ب): فقال.
(2) ـ في (ب): من الصحابة.
قلت: بالغ المهدي عليه السلام في تشنيع هذه المقالة ولا يمكن القطع بكونها ضلالة وما من شيء إلا ويمكن تشنيعه وإذا تؤمل ما ورد من أخبار الأمم السالفة والخالفة استقرأت التواريخ وقصص الأنبياء في القرآن وغيره ظهر أن اتباع الأنبياء فيما جاءوا به ناجون وإن لم ينظروا ويستدلوا وأنهم غير ملومين ولا معدودين في زمرة الكافرين وإنما تعلق الذم والتسفيه بمن قلد أسلافه في رد ما جاءت به الرسل والاستمرار على الكفر من غير قبول لما جاءوا به ولا نظر في معجزاتهم ولا استماع لدعائهم، فكيف يلحق متبعوا الأنبياء ومصدقوهم إذا لم ينظروا ويستدلوا بمن ردهم ونأى عنهم واعتقد كذبهم واستهزأ بهم تقليداً لأسلافه العصاة وعدم مبالاة برسل الله.
وفي حكاية الإمام المهدي عن الإمام يحيى أن قوله كقول أبي القاسم نظر فإن الإمام يحيى نص على أن أبا القاسم يصوبه وأنه يخطئه فقال: إذا تقرر أن المقلد غير كافر فهل يكون مصيباً فيما فعله من الاعتقاد أو(1) لا، فيه قولان:
القول الأول: يكون مصيباً.
القول الثاني: أنه مخطئ في اعتقاده.
قال الإمام يحيى: وهذا هو الأقرب عندنا، وهو مذهب الأكثر من الزيدية والمعتزلة فصارت المذاهب في المقلد ثلاثة:
أحدها: أنه مصيب.
والثاني: أنه مخطئ خطأ غير كفر.
والثالث: أنه كافر.
فالإمام يحيى يقول بتخطئته، ولكنه يقول مع ذلك بأنه ناج.
قال: والمختار عندنا مع القول بخطائه أنه ناج عند الله وأنه يتجاوز عنه تقصيره(2) وإهماله للنظر لأجل اعتقاده هذا المطابق.
قال: وأظن ما ذكرته من الحكم بنجاته محكي عن الإمام المؤيد بالله.
حجة المصوبين: أن اعتقاده مطابق كما لو كان علما(3)ً فقد حصّل لنفسه اللطف في أداء الطاعات واجتناب المقبحات ولم يتأخر عنه إلا سكون النفس وثلج الصدر ومع حصول المطابقة لا يحل ذلك بالاعتقاد.
__________
(1) ـ في (ب): أم.
(2) ـ في (ب): بتقصيره.
(3) ـ في (ب): عالماً.
واحتج المخطئون غير المكفّرين بأنه ترك المعرفة مع إمكانها ومن أمكنه فهو مأخوذ بتحصيلها لما فيها من اللطف والمصلحة فيكون مخطئاً لا محالة، ولا يكفّر لعدم الدليل القاطع بكفره.
واحتج المكفِّرون بما ذكره المصنف.
قوله: (وقال الشيخان وغيرهما..) إلى آخره.
ذهب الشيخان وأكثر شيوخ المعتزلة أن كل من عدل إلى التقليد مع تمكنه من تحصيل العلم المقتضي لسكون النفس فإنه كافر وليس بمؤمن لأن المؤمن من قام بالطاعات الواجبة والمندوبة، وهذا قد أخل بأعظم الواجبات وهو العلم بالله وصفاته وعدله وحكمته، وقد قيل بأنه مؤمن عندنا، وفي ظاهر الحال إذا كان صلى اللّه عليه وآله وسلم يقبل إيمان العوام الذين لم ينظروا ولا استدلوا ولا يدري ما هو عند الله هل عقيدته مقبولة يحق بها الثواب أو لا يفيده إلا حقن دمه وتحصين ماله ووجوب موالاته في الدنيا وهو غير متخلص في الآخرة. حكاه الحاكم عن بعض العلماء مبهماً.
قوله: (فغير مسلم).
قال الإمام يحيى: لا نسلم انعقاد الإجماع على خطأ المقلد فضلاً عن كفره فإن في الأمة من عذره في التقليد وصوبه، فكيف يمكن دعوى الإجماع؟.
قوله: (ويمكن الجواب بأن المدعي إجماع كل عصر..) إلخ.
قد أتى المصنف بأبلغ ما يمكن في تقويم هذه الحجة لكن لا يعقل عما قد تكرر منا ذكره وهو أنه لا سبيل إلى حصول إجماع قطعي يؤخذ به في هذه المسائل كثيرة الخطر، وارجع إلى نفسك هل تجد روايات هذه الإجماعات موصلة لك إلى العلم بإجماع الأمة في محل الخلاف فإنك تجد العلم غير حاصل ولا تجده منك بمكان قريب.
قوله: (وهذا ثابت في المقلد).
أي: العلة الجامعة وهي انتفاء المعرفة وهذه طريقة قياسية.
قوله: (لقبحه).
إنما قضى بقبحه وإن كان مطابقاً لأن من قواعدهم أنه لا يجوز الإقدام على اعتقاد تجوز كونه جهلاً ولو كان في نفس الأمر مطابقاً وأنه قبيح، والإقدام عليه قبيح كالإقدام على الجهل.
قوله: (وهذا العدد وإن كان غير صحيح).
يقال أنه في الحقيقة إبداء فارق بين الأصل وهو الشاك والفرع وهو المقلد وهو فرق ظاهر.
قوله: (نجد في قلب كثير من العوام من الخشوع..) إلى آخره.
هو كما ذكره، ولقد وصل إلى عندي مرة رجل بدوي من أهل الشعر والوبر لا يقرأ القرآن فوقف بجنب تلميذ يقرأ في الكشاف ويبدأ بتلاوة قطعة من القرآن ثم تذاكر في تفسيرها فلما شرع التلميذ في قراءة تلك القطعة وذلك البدوي يجيبه أقبل بكليته على القارئ وأصغى سمعه وأحسن تعقل ما يتلوه فكان فيما أحسب إذا سمع ذكر الله سبحانه وهلله ومجده وإذا سمع ذكراً لرسوله صلى عليه(1) وإذا سمع ذكر الشيطان استعاذ بالله منه، وإذا سمع ذكر الجنة سأل الله دخولها، وإذا سمع ذكر النار استجار بالله منها ثم هملت عيونه وجرت دموعه وتحدرت في خدودة بسرعة وكثرت، فقضينا(2) من ذلك العجب وعلمنا أن له من الخشوع ما ليس لذي علم وأدب.
فائدة جليلة:
ذكر الإمام يحيى عليه السلام أن طبقات الخلق بالنسبة إلى إحراز العلوم الدينية على مراتب تنطوي على درجات خمس:
الدرجة الأولى: حصول هذه المعارف ضرورة وذلك مما اختلف فيه ولا مانع منه لأن موضوع إيجاب هذه المعارف منبني على اللطف والاستصلاح وليس يبعد في العقل أنه لا يصلح حال بعض المكلفين إلا بالعلم الضروري فلا جرم جوزناه وهذه أقوى الدرج في اللطف وأعظمها في الانتفاع.
الدرجة الثانية: تحصيل المعارف الإلهية كلها بالنظر والاستدلال.
قال: وهذا هو مذهب أكثر أئمة الزيدية والمعتزلة؛ لأن اللطف بما ذكرناه أكبر وأنفع وقد نبه عليه الشرع بما ورد في القرآن من التنبيه على طريق النظر.
قلت: أراد به أنفع من التقليد ونحوه لا من المعرفة الضرورية.
__________
(1) ـ في (ب): وإذا سمع ذكراً لرسول الله صلى الله عليه وآله.
(2) ـ في (ب): قضينا.
الدرجة الثالثة: تحصل هذه العلوم كلها على جهة الجملة من غير نظر في التفاصيل كما هو رأي أصحاب الجُمل وهم يخالفون أهل الدرجة الثانية لأن أولئك علموا(1) بالتفكر على جهة التفصيل في ذاته وصفاته وما يجب له ويجوز ويستحيل وهؤلاء إنما علموه على جهة الإجمال.
قال: وهذا هو الذي عليه العامة والنساء والعبيد والإماء ومن قعدت به همته عن النظر في التفاصيل كما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((عليكم بدين العجائز)). والغالب في حقهم السلامة.
الدرجة الرابعة: من أحرز هذه المعارف كلها تقليداً أو اعتقدها(2) وصمم عليها فهؤلاء وإن عدموا العلم فاعتقادهم حق وصواب، وقد تقدم حكمهم.
الدرجة الخامسة: أدنى هذه المراتب وأضعفها حالاً وهم الذين لا حظ لهم في هذه المعارف وليس معهم إلا الإقرار باللسان من غير اعتقاد لا عن نظر ولا عن تقليد، كما حكي عن الحشوية وأهل التعليم، وهؤلاء لا ثمرة لما جاءوا به إلا إحراز رقابهم عن السيف وأموالهم عن الأخذ حيث أقروا بمضمون المعارف ونطقوا بالشهادتين فأولى هذه الدرجات أعلاها وآخرها أدناها وما بينهما وسائط متفاوتة في القوة.
تنبيه:
اقتصر المصنف من ذكر من رمي بكفر التأويل على تلك الطوائف لأنهم أشهر من ذكر بذلك ووقع الاختلاف في كفره وقد ذكر المتكلمون مسائل غير تلك في أعيان مذاهب يجاذبوا فيها أهداب النظر يكون كفراً أو لا.
منها: حكم من ذهب إلى أن الله لا يقدر على الظلم ذهب البغداديون أنه يكفر، قالوا: ولكن النظام لا يكفر لأنه قد تاب عن تلك المقالة، وذهب أبو الهذيل إلى أن القائل بذلك لا يكفر. وفصل القاضي فقال: إن زعم القائل بذلك أن القبيح جنس مستقل برأسه لا يقدر الله عليه فكافر لأن ذلك يقدح في كونه تعالى قادراً للذات وإن لم يقل بذلك فلا يكفّر.
ومنها: حكم من جعل الألوان مقدورة لنا.
__________
(1) ـ في (ب): علموا الله.
(2) ـ في (ب): واعتقدها.
قال القاسم والمنصور بالله عليهما السلام، والشيخ أبو هاشم: أنه لا يكفر لإضافة فعل الله إلى غيره.
وقال القاضي وغيره: ليس بكافر.
ومنها: مذهب ثمامة أن المتولدات لا محدث لها.
قيل: إن أراد ظاهر ما ذكره فهي مقالة كفرية لأن بها تسند الطريق إلى العلم بالصانع لأن الطريق إليه حدوث هذه الحوادث فإذا جوزنا حدوث محدث ولا محدث له لم يبق لنا طريق إلى إثباته.
ومنها: القول بتجويز تعذيب الأطفال ذهب القاضي إلى أنه يكفر مجوز ذلك إذ أضاف الظلم إلى الله تعالى وتظليمه كفر.
وقال أبو علي: لا يكفر بذلك لأن القائل به يزعم أن الطفل مستحق فغلط في حال الطفل ولم يقله الاعتقاد أن الظلم جائز على الله تعالى، وتوقف أبو هاشم في ذلك.
ومنها: مذهب من يقول إن الإنسان غير هذا الشخص فقد قيل بكفره لرده صريح القرآن، فإن أدلى بشبهة واعترف بتسمية هذا الشخص إنساناً فخطأه محتمل.
ومنها: ذكر الإمام المنصور بالله أن معتقد إمامة الفجرة من الأمويين والعباسيين المتهتكين المتظهرين بشرب الخمور والفسوق كافر لأنه يعلم بضرورة الدين وجوب كون أولي الأمر عدولاً.
وعنه عليه السلام: أنه يكفر من أجار الكافر وأمَّنه إلى غير غاية محدودة لرده قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين أستجارك..} الآية. فقصر إجارته على غاية معلومة.
قلت: وحاصل القول في هذه المسائل أنه لا ينبغي الإقدام على التكفير فيها إلا مع قيام الدليل القاطع والبرهان الساطع وحصوله فيها بعيد وما وقفنا من أدلة القائلين بالتكفير فيها على ما هو سديد ومفيد فالواجب عدم التكفير وإن تحذر الناظر فيها عن مهاوي التغرير والله الموفق.
تنبيه آخر:
قد يذكر ببعض كتب الكلام في هذا الباب أحكام الكفار وأحكام الدور وذكر وجوب الهجرة ونحوه ولم يستحسن وضع ذلك هنا لأن هذه فصول(1) من قبيل الفروع تذكر في كتب الفقه وهي بها أليق.
تنبيه آخر:
__________
(1) ـ في (ب): الفصول.