قال الغزالي: لأن ما ذكرناه من تصرف العقل وحكمه مما ذكر يؤدي إلى العلم بتصديق الرسول من غير التفات إلى النظر في الحكمة فلا يلزم من تطرق التجويز فيما ذكرناه بطلان تصديق الرسول ومعرفته.
قال الإمام يحيى: وهذا منتهى تقرير أبي حامد وفيه مغالطة ظاهره، وإنحراف عن المقصد ونعمته لطريق الحق كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.
قوله: (وهذه مرواوغة).
هي من زاغ إذا مال ومعنى المفاعلة هنا غير مقصود فإن المراد أنه الذي زاغ وحده لا أنه قوبل بمثل ذلك وكذلك المراد في قوله ومغالطة، وإنما المقصود بمثل هذا الاستعمال في العرف المبالغة في ذلك المعنى.
قال الجوهري(1): وفلان يراوغ في الأمر مراوغة. أراد أن معنى المفاعلة غير مقصود فيه.
قوله: (وهذه هي المهازلة والتلاعب بالدين).
الكلام في المهازلة كما سبق في المراوغة وهي من الهزل نقيض الجد، والتلاعب مصدر تلاعب فلان وفلان بكذا من اللعب، وكان التلعب أوفق لأن التلاعب لا يكون إلا بين اثنين.
قوله: (واعترض بأن مذهب المجبرة أن الشيء يحسن..) إلى آخره.
هذا الاتراض جيد وهو أولى مما سلكه(2) الإمام يحيى عليه السلام من أن صحة الشرائع موقوفة على القضايا العقلية والأمور الضرورية وتجويز أن يفعل الله القبيح لا يمنعنا من القطع بذلك(3) والجزم به لأن هذا إنما يصح إذا كان المراد بالشرائع ما يحكم العقل بوجوبه ووجوب تركه وليس كذلك فإن الأظهر أن المراد بالشرائع ما جاءت به الأنبياء مما طريقه السمع ومما يعترض به ذلك المسلك أنه وإن لزمهم فساد الشرائع فهم لا يلتزمونه ويحتالون في دفعه بكل حيلة والكفر لا يتوجه بالإلزام وإنما يتوجه الإلتزام.
فصل:
فأما(4) ما ينفرد به بعض علماء المجبرة من المقالات المنكرة فلزوم الكفر فيها أظهر.
__________
(1) ـ في (ب): قوله قال الجوهري.
(2) ـ في (ب): يسلكه.
(3) ـ في (ب): لذلك.
(4) ـ في (ب): وأما.
قوله: (كمقالة الأشعري: أنه لا نعمة لله على الكافر لا في الدين ولا في الدنيا).
قال: أما الدين فلأن الله تعالى إنما خلقه للعقوبة الأبدية والتعذيبات السرمدية في الآخرة وهو الذي عقد بناصيته الكفر بحيث لا محيص له عنه وخلقه فيه وإرادة منه ثم عذبه عليه، وأما نعمة الدنيا من الحياة والسمع والبصر والشهوة واللذة وجميع أنواع الانتفاع فليست في الحقيقة بنعمة لتأديتها إلى الضرر الدائم والعقاب الذي لا ينقطع أبداً.
قال الإمام يحيى: وهذه مقالة شنيعة ومذهب منكر لا يقول به من وقرَ الإسلام في صدره وهو كفر صريح فنعوذ بالله من الجهل المؤدي إلى الخذلان وكيف يمكن إنكار نعمة الله على الخلق ولا يمكن حصرها وعدها {وإن تعدوا نعمة الله لا تعحصوها}، فإذاً لا عذر له في هذه المقالة إلا الرد والتكذيب بما هو معلوم الضرورة من الدين ولا تعريج على التأويلات الباردة التي لا برهان ينطق بها ولا يدل عليها ولو شاغ في هذا تأويل لشاغ للباطنية وغيرهم من الفرق الخارجة عن الإسلام تأويلاتهم.
قوله: (وكما يحكى عن النجار..) إلخ.
يعني فإنه قال بمثل قول الأشعري في الفحش فهي كفر وردة لأن المعلوم ضرورة من دين صاحب الشرع أن الله تعالى أنعم على جميع المكلفين بالهداية إلى الدين ويخلق الألطاف والمصالح المقربة من الإيمان وأن المنافع الدينية في الوصول إلينا كالنعم الدنيوية بل نعم الدين أدخل في النفع؛ لأن النفع بها دائم غير منقطع، بخلاف الدنيا فإن نفعها منقطع.
قلت: خالف الإمام يحيى عليه السلام قاعدته التي يبني عليها وبالغ هنا في التشديد وينبغي أن يتأمل ما ذكره عليه السلام فللناظر فيه نظره.
ثم قال: وليس العجب من النجار وطبقته لقصور باعه وانتقاص شبره وذراعه ونكوصه عن بلوغ شاء والتحقيق وإنما العجب من ابن الخطيب الرازي حيث صوبه على هذه المقالة وتابعه على ركوب غارب هذه الجهالة من غير مخافة لله تعالى ولا مراقبة للدين ولا محاشاة لأهل الإسلام ويدعي مع ذلك حذقاً وفطانة وتبحر في العلوم وكياسة وقد ذكر هذه المقالة في تفسيره ونزل كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه على منهاج الجبر وقرره على قواعد وحاشى لله وكلا أن يشير كلام الله إليه أو يدل بظاهره ومفهومه عليه ولو تعب نبي مرسل على تصديق الجبر لكان ذلك عندي قدحاً في معجزته، ولله در الإمام يحيى لقد سل سيف الإنتصار للعدل وأهله وأني في ذلك بما يشهد بغزارة علمه ووفرة فضله.
قوله: (وكما يحكى عن العطوي..) إلخ.
قال الإمام يحيى: وقد كفره أهل العدل والجبر بهذه المقالة لأنها مؤدية إلى ألا توثق بشيء من أخبار الله تعالى ولا تقطع بصدقه ويقتضي الشك في جميع أخبار القرآن وأن القصص التي فيه خرافات، وكفر من هذه حالة معلوم بالضرورة من الدين، ولم يتجاسر أحد على تجويز الكذب على الله إلا العطوي لا غير، وما ذاك إلا لأجل الوقاحة وقلة المبالاة بدين الله تعالى فأما إخوانه المجبرة فما جسروا على ذلك بل اعتذروا عن إلزامهم الكذب فإن من لا يجوز عليه الجهل لا يجوز عليه الكذب إلى غير ذلك من المعاذير التي لا تجدي وأما هو فتحامق وركب في الكفر رأسه وطول في تقرير الهذيان أنفاسه.
فصل: في ذكر خيالات ادعى بعض المجبرة لأجلها كفر المعتزلة
قوله: (وإن هذا هو الأقرب في الغالب).
ليس هذا عطفاً على قوله: إنهم لا يكفرون أحداً من أهل الصلاة، ولا داخلاً فيما حكاه عن جمهورهم، وإنما هو استئناف كلام صادر عن المصنف فالموافق لذلك كسران ومعناه أن عدم تكفير أهل الصلاة هو الأقرب أي أقرب من تكفير من كفر منهم.
وقوله: (في الغالب).
يخبر به عن تكفير من قال بمقالة شنيعة كما ذكر آنفاً في حق العطوي والأشعري.
قوله: (وهذا تصريح بأنه لا وجه لتكفيره إياهم إلا أنهم أكفروه).
وقد صرح بذلك الرازي في النهاية عن أبي إسحاق قال ما لفظه: وكان الأستاذ أبو إسحاق يقول: أكفر من كفرني وكل مخالف يكفرنا فنحن نكفره.
قلت: ولعل مستنده في ذلك ما ورد في الحديث وهو(1) ما لفظه: ((إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه)). أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي من رواية ابن عمر. وكذلك ورد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((من دعا رجلاً بالكفر وقال عدو الله وليس كذلك إلا جاز(2) عليه)). أي: رجع. رواه البخاري ومسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه. وعن أبي سعيد عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: ((ما أكفر رجل رجلاً إلا باء أحدهما بها وإن كان كافراً وإلا كفر بتكفيره)). رواه ابن حبان في صحيحة، فيقول الأستاذ إذا كفرهم المعتزلة مع أنهم مسلمون فقد كفروا لأجل ذلك أخذاً بهذه الأحاديث ونحوها ولا وجه لما(3) قاله وتلك أخبار آحادية وقد تمسك بها بعضهم في تكفير الروافض والخوارج لتكفيرهم من كفروه من الصحابة فاعترضه(4) الرازي بأن تكفير المسلم هل يقال بأنه يقتضي الكفر مطلقاً أم إذا كان المكفر معترفاً بأن المكفّر(5) مسلم الأول غير مسلم ولم يكون من اعتقد في بعض الاعتقادات الصحيحة كونه كفراً لأجل شبهة ثم كفَّر ذلك القائل فأنه يكون كفراً والثاني مسلم، ولكن الروافض والخوارج ما كفروا سادات الإسلام إلا لاعتقادهم صدور الكفر عنهم وإن كانوا قد أخطأوا فضلوا(6) في ذلك الاعتقاد وتأول الحديث على ما إذا قال: يا كافر مع إعترافه بكونه مسلماً.
قوله: (كما يقوله كثير من محققيهم).
__________
(1) ـ سقط من (ب): وهو.
(2) ـ في (ب): أجاز.
(3) ـ في (ب): لذ.
(4) ـ في (ب): اعترضه.
(5) ـ في (ب): الكفر.
(6) ـ في (ب): وضلوا.
إشارة إلى الغزالي والجويني ومن قال بقولهما.
قوله: (على أصل من تخيل مقدوراً بين قادرين).
يعني: وأما من يقول بصحته كأبي الحسين وأتباعه فلا نرد عليهم.
قوله: (بل لأجل أنهم أثبتوا قديماً مع الله).
يعني: كما أثبتموه أنتم وكذلك كفروا لقولهم بتناهي مقدورات الله وعجزه عن مدافعة الشيطان واحتياجه في دفعه إلى الإستعانة بالملائكة ونحو ذلك من جهالاتهم وحماقتهم(1).
قوله: (وهو من جنس الخراريف الأشهر في الاستعمال الخرفات).
قال الجوهري: وهي موضوعة من حديث الليل.
قلت: وأصله حديث خرافة.
قال الجوهري: وهو رجل من عذرة إستهوته الجن فكان يحدث بما رأى فكذبوه وقالوا حديث خرافة والراقية محققة. وإنما قال المصنف خراريف توهما منه أن الرامنقلة.
قال الإمام يحيى عليه السلام بعد ذكر هذه الشبهة إن مثل هذه الخرافات لا يصغى إليها ولا تسطر في الكتب النفيسة وهي بكتب التواريخ وأحاديث القصاص أليق.
قوله: (ويشكرون الله على الإيمان إلى قوله: ونحو ذلك).
يعني به: من كونه زينة في قلوبهم وأمهلهم ورغبهم فيه وبعث لهم الدواعي إليه.
قال الإمام يحيى: فأين(2) هذا عمن يقول: إن الله تعالى قد فعل فيه المعصية وخلق فيه عبادة الأوثان والأصنام وعقد الكفر بناصيته وأعمى قلبه وختم عليه وجعل على بصرة غشاوة وختم عليه الشقاوة(3) وسد عليه طرق السعادة.
قوله: (فمن أين أن(4) مخالفة الإجماع كفر).
قال الإمام يحيى: وليس كفراً باتفاق العلماء، وما هذا إلا جهل بحال الأدلة وحكمها، فمن لا يهتدي لتقرير أدلة الإكفار كيف يخوض خوض العلماء ويرتقي إلى مراتب النظار.
قوله: (وهذا موافقة لأهل الهبولي).
يعني: القائلين من الفلاسفة بالهبولي والصورة.
__________
(1) ـ في (ب): حماقاتهم.
(2) ـ في (ب): وأين.
(3) ـ في (ب): القساوة.
(4) ـ سقط من (ب): أن.
قال في النهاية: لا سيما الذين كانوا قبل أبي هاشم فإنهم كانوا ينفون الأحوال فلا بد لهم من القول بأن ذات الشيء ووجوده واحد فإذا لم يكن الذات حاصلة بالفاعل مع أن وجودها غير ذاتها كان ذلك قولاً بأن وجودها ليس بالفاعل، قالوا: وما هذا حاله فإنه(1) كفر لأنه يؤدي إلى قدم العالم وإبطال أن يكون له صانع.
واعلم أن هذه الشبهة لا تتوجه إلى أبي الحسين وأصحابه المنكرين لكون المعدوم شيئاً.
قوله: (معنى كون المعدوم شيئاً..) إلى آخره.
فيه نظر فإن القائلين بذلك يجعلون الذات وبعض صفاتها ثابتة في حال العدم بتميزه.
قوله: (ولا يجعلون للقادر فيها تأثيراً).
يعني: ومبينوا المعدوم شيئاً يجعلون للقادر فيها تأثيراً بأن يكسبها صفة الوجود ويخرجها إليه من العدم.
قوله: (ويمنعون من كون العالم وجد بعد أن لم يكن).
قال الإمام يحيى: وكفر أهل الهبولي حاصلٌ لقولهم بقدم العالم وإضافة هذه الآثار كلها إلى الأمور السماوية وتأثيرات النقوس الفلكية وكون ذاته تعالى موجبة ولنفي الاختيار عنها فأين هذه المقالة عن(2) مقالة أهل الإسلام المثبتين للصانع الحكيم المقرين بحدوث العالم.
قال الإمام يحيى: ولأن المُحدَث ما سبقه العدم السابق عليه سبقاً لا أول له وحصل بعد أن لم يكن وكل هذا موجود في ذات العالم سواء كان للذوات العدمية ثبوت أم لا وقد أقرته جميع الفرق الإسلامية من المعتزلة وغيرهم، فأما الفلاسفة فهم غير معترفين بشيء مما ذكرناه.
قوله: (هذا الخبر آحادي).
هو كما ذكر لكن هنا ما هو أظهر من ذلك وهو إطباق علماء الحديث على أنه موضوع مكتذب كما يعرف ذلك من طالع كتبهم.
قوله: (وفي ذلك إنكار لقاء الله).
قالوا: ومن أنكره فهو كافر كما قال تعالى: {بل هم بلقاء ربهم كافرون}.
قوله: (ثم قسمهم).
يعني: فدل ذلك على أن الإنسان أريد به العموم.
قوله: (وإن أردتم أنهم أنكروا لقاء ثوابه وعقابه..) إلى آخره.
__________
(1) ـ في (ب): في أنه.
(2) ـ في (ب): من.
إشارة إلى أن هذا المعنى هو المراد باللقاء.
قال الإمام يحيى: ونحن نحمله على الإعادة وملاقاة ثواب الله وأكثر المفسرين على أن المراد بقوله تعالى: {بل هم بلقاء ربهم كافرون}. الأخبار عن منكري الإعادة وملاقاة الثواب والعقاب.
فصل: في المرجئة
اعلم أن المرجئة ليسوا بفرقة مستقلة بل لا تخلو فرقة من فرق الإسلام غالباً عمن يقول بالإرجاء وليس ينبغي أن يطلق القول بتكفير المرجئة فإطلاق القول بذلك خطأ والواجب أن ينظر في مذاهبهم فإنها مختلفة متنوعة فما قام الدليل القاطع على أنه كفر الذاهب(1) إليه، وما لم يكن كذلك لم يكفر قائله.
قال الإمام يحيى: وهذا هو الذي عول عليه أهل العدل من أئمة الزيدية والمعتزلة وأرتضاه الأشعرية ولم أعلم أن أحداً من أهل القبلة قضى بإكفارهم مطلقاً لأن منهم من يكفر ومنهم من يفسق ومنهم من يكون مخطئاً في مقالته وقد أشار المصنف إلى هذه المراتب الثلاثة بما أورده من التقسيم.
قوله: (وهذا كفر بلا شبهة).
قال الإمام يحيى: إلا أن يزعم أن الوعيد بالعقوبة منصرف إلى الكفار فلا يكون ذلك كفراً لازماً هذا حاله ليس معلوماً بالضرورة لأن وعيد الفساق من أهل الصلاة ليس معلوماً بالضرورة [لأن وعيد الفساق من أهل الصلاة ليس معلوماً بالضرورة](2) من دين صاحب الشريعة.
قوله: (ليسوا مزجورين عن المعاصي).
أرادوا أن الله ما عناهم بالوعيد وأنهم غير داخلين تحته.
قوله: (قيل وهذا لا يكون كفراً).
__________
(1) ـ في (أ): أنه كفر كفر الذاهب.
(2) ـ ما بين المعكوفين في (ب)، مكرراًً.
صرح بذلك الإمام يحيى عليه السلام والظاهر من مذهب الأصحاب القطع بكونه كفراً وأن القائل بأنه لا وعيد للفاسق من أهل الصلاة وإن ارتكب كل فاحشة وأنه يدخل الجنة كافر لأنه رد ما هو معلوم من ضرورة دين النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وصرائح(1) القرآن المتقدم ذكرها واعترض بأن المعلوم ضرورة تناول الوعيد للعصاة جملة لا تفصيلاً، فإذا ذهب إلى أنه متناول للكفار دون الفساق لم(2) يكن هذا رداً لما علم ضرورة من الدين إذ تناوله للفساق بخصوصهم غير معلوم ضرورة إذن لوقع الإشتراك فيه فلا يقع الكفر بإنكاره كيف ومنكره إنما أنكره لآيات متعددة وأحاديث واردة معارضة لما يقضي بتوعدهم.
قال الإمام المهدي(3): ومن ثم امتنع بعض الأصحاب من تكفيرهم لكن الحق إكفارهم لازم لا محيد عنه فإنا نعلم ضرورة أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يكن يترك مرتكب الفواحش منزلة غيره بل يظهر السخط له والتبري من عمله ويحكم بوجوب التوبة عليه وكافيك أنه لا خلاف في وجوب التوبة على مرتكبي الفواحش بل ذلك معلوماً ضرورة من دينه صلى اللّه عليه وآله وسلم ـ كما علم(4) ـ وجوب الصلاة ونحوه ولا توبة إلا من ذنب يستحق عليه العقاب ولأن الله أمر بإقامة الحد عليهم على جهة الخزي والنكال ورد الشهادة حتى يتوبوا ولولا استحقاق العقاب عليها لم يكن فرق بينها وبين المباحات، وخلاف ذلك معلوم ضرورة من الدين فالمنكر لوعيد الفساق راد لهذه المعلومات ضرورة ويعلم ضرورة لزوم ذلك له وإن أنكره لم يدفع إنكاره إكفاره.
قلت: إذا صح أن الكفر يلزم بالإلزام ثبت هذا الكلام واستقام لكن(5) ذلك غير متحقق(6) كما سبق والله أعلم.
قوله: (وإن كان في كونه فسقاً خلاف).
__________
(1) ـ في (ب): وصريح.
(2) ـ في (ب): فإن لم.
(3) ـ في (ب): الإمام يحيى المهدي.
(4) ـ سقط من (ب): كما علم.
(5) ـ في (ب): ولكن.
(6) ـ في (ب): ذلك غير متحقق ولا واضح.
ذهب قاضي القضاة(1) إلى أنه فسق لأن الإجماع منعقد من جهة الأمة على اندراج فساق الصلاة تحت هذه العمومات الوعيدية فالقائل بخروجهم عنها قد خرق إجماعاً مصرحاً وخرق الإجماع فسق ونظَّره الإمام يحيى بأن قال: إن كان المدعي إجماع الصحابة على فسق من قال بهذه المقالة فهو فاسد؛ لأنهم لم يخوضوا في هذه المسألة وإنما خيض فيها في زمن التابعين وتابعيهم وما لم يخوضوا فيه فلا وجه لدعوى إجماعهم عليه لأن الإجماع والخلاف فرع على الخوض وإن كان إجماعاً لاحقاً فالمرجئة من جملة الأمة ولا يخرجون عنهم إلا بالفسق وهم لا يفسقون إلا بالإجماع فيتوقف أحدهما على الآخر.
قلت: كلامه عليه السلام لا يخلو عن انضراب لأنه بناه على أن المدعي للإجماع على فسق أهل ذلك القول وليس كذلك. فإن القاضي ادعى الإجماع على دخول الفساق في الوعيد وجعل الوجه في التفسيق خرق الإجماع لكن كلام الإمام يستقيم بوجهيه على ما ادعى القاضي من الإجماع فإنها دعوى لا برهان عليها.
قوله: (نحو ذلك من أقوال المرجئة).
يعني: كالقطع بأن الله تعالى يعفو عن البعض ويعذب البعض وهو مذهب محققي الأشعرية كالجويني والغزالي والباقلاني وكالقول بأنه يقطع بدخولهم النار ثم خروجهم عنها.
قوله: (والذي نسبته أن يقال..) إلى آخره.
يعني: الذي نسبته أن يكون حجة على تكفيرهم عند المكفرين لهم وهم كثير من الأصحاب. قالوا: بتكفير من جوز شرطاً أو استثناء في عمومات الوعيد الصادرة من الله تعالى.
فصل: في الخوارج
__________
(1) ـ في (ب): ذهب القاضي.
سُمُّوا بذلك لخروجهم على أمير المؤمنين اعتقاداً لوجوب الخروج عليه، ومع ذلك كفروه ولعنوه وأظهروا البراءة منه ويسمون المارقة لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم في وصفهم: ((يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)). ويسمون المحكمة للهجهم بقولهم: لا حكم إلا الله إنكاراً منهم لتحكيم الحكمين، ويسمون الحرورية لنزولهم بحرورى في أول أمرهم، ويسمون الشراة تهكماً بهم لزعمهم أنهم باعوا الدنيا بالآخرة نظراً إلى قوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه إبتغاء مرضاة الله}. وفي الحقيقة أنهم على العكس من ذلك وأنهم باعوا الآخرة بالدنيا وآثروا الخسارة على الربح.
واعلم أن مذاهبهم متسعة وهم طوائف كثيرة إلا أنهم يجمعهم تكفير أمير المؤمنين وعثمان بن عفان وإنكار التحكيم والبراءة من حكم الحكمين وتكفير من ارتكب كبيرة.
قوله: (ذهب أهل العدل..) إلخ.
هذا مذهب أهل التحقيق من الزيدية والمعتزلة، وهو ـ أيضاً ـ مذهب المحققين(1) من الأشعرية، وذلك لعدم الدليل القاطع القاضي بكفرهم.
قال الإمام يحيى: فلا جرم وجب القطع بعدم إكفارهم.
قوله: (وذهب أكثر الأشاعرة إلى أنهم يكفرون).
هذا أيضاً منسوب إلى بعض أهل البيت عليهم السلام.
قوله: (فلا يبعد أن يكون اعتقادهم لحسنه وإباحته عاصماً لهم من الكفر).
مثل هذا ذكره الإمام يحيى، ولعمري أن اعتقادهم حسن ما ذكروا إباحته من الخطأ العظيم والغلو الفاحش فمن أشد الأمور بعد أن يكون ذلك عاصماً من الكفر ومانعاً عنه وكيف يعصم عنه ما هو من جنسه من العصيان بأن ينضم إليه لو لا أن الإكفار مما لا ينبغي بغير برهان قاطع ساطع الأقدام عليه.
قوله: (فإنما يكون جهلاً فقط).
لا بد أن يقال مع ذلك يكون خطأ وكونه إثماً إلا في المسائل الاجتهادية.
قوله: (إنهم يمنعون وقوع المعاصي من الأنبياء).
__________
(1) ـ في (ب): مذهب مذهب المحققين.