قال الفقيه حميد: والصحيح أن أحوالهم(1) متقاربة في باب الجهل.
قلت: بل الصحيح أنها متباعدة.
قال الإمام يحيى: ومعظم الخلاف في الإكفار إنما يجري في هاتين الفرقتين المشبهة والجبرة لما تعرض من أقوالهم المنكرة في ذات الله تعالى وصفاته وأما من عداهم من الفرق بإكفارهم يضعف كما سنحققه.
قوله: (فلا يقدح في ذلك خلاف العنبري والأشعرية).
الصحيح أنهم لا يخالفون في كفر المشبه على الإطلاق، وإنما خلافهم فيمن قال بذلك عن تأويل كما عاد المصنف إليه ولا تواتر عنهم خلاف في تشبيه المجسم(2).
فقوله: (وإنما خلاف هؤلاء في هل المجسم(3) مشبه).
غير مستقيم.
قال الإمام يحيى: خلافهم إنما يتناول الذي تأول ما ورد من الآيات والأخبار المشعر ظاهرها بالتشبيه فلهذا عذروه في الإكفار لا من قال بهذه المقالة الشنيعة من جهة نفسه من غير تأويل فلم ينقل عنهم أنه لا يكفر.
قوله: (ونحو ذلك من الصفات التي تنافي صفات الإلهية).
قال الإمام يحيى: لأن كل من اختص بصفة المكونات فهو بريء عن صفات الإلهية لا محالة وإلا لجاز في الواحد(4) منا أن يكون مختصاً بها ولا نقص أعظم من هذا النقص؛ لأنه نقص في الذات لا سيما له على بطلان صفات الإلهية وحصوله على نقائضها من الصفات الجسمية.
قوله: (جهلاً لا يتمكن معه من العلم بصفات الكمال).
وذلك لأنهم إذا اعتقدوه جسماً طويلاً عريضاً على شكل الإنسان وصورته لم يكن قديماً وإنما يكون كالأجسام الحادثة، ولا قادراً على جميع المكونات ولا محيطاً بجميع المعلومات وإلا لزم(5) في أحدنا أن يكون كذلك.
قوله: (كالخلاف في إثبات الأحوال).
__________
(1) ـ في (ب): أقوالهم.
(2) ـ في (ب): الجسم.
(3) ـ في (ب): الجسم.
(4) ـ في (ب): وإلا لجاد الواحد.
(5) ـ في (ب): والإلزام.

يعني: قول بعضهم في الوجود والقادرية ونحوها أنها صفات كأبي هاشم وأصحابه. وقول بعضهم: أنها أحكام، كأبي الحسين وأتباعه. ومنهم من لم يجعلها زائدة على نفس ذاته كالأخشيدية.
قوله: (كان قد وجه العبادة إلى غير الله).
وذلك لأنه(1) وجهها إلى من اعتقد أن له أعضاء وجوارح، ولا شك أن الله تعالى ليس كذلك.
قال الفقيه حميد: وجرى ذلك مجرى من يكون له أب عربي أبيض فعمد إلى رجل عجمي أسود فبرَّه وعظمه، فإنا نعلم أنه لا يكون باراً بأبيه.
قال: فتكون عبادة المجسم(2) قبيحة لأنها تجري مجرى عبادة الصنم والوثن، وقد ذكر ذلك علماؤنا وصرح بذلك السيد أبو طالب والسيد الجرجاني.
قال: بل صرح بأنها كفر.
قوله: (وإلا يكون غنيّاً(3) ونحو ذلك).
يعني: من انتفاء صفات الكمال التي لا يصح ثبوتها للأجسام ولزوم ثبوت صفات النقص [التي ثبتت للأجسام ولا يجوز على الله تعالى نحو أن يكون جاهلاً وعاجزاً.
تنبيه:
أهمل المصنف](4) بعضاً مما يحتج به الأصحاب على كفر أهل التجسم كاحتجاجهم بقوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم}. قالوا: ولا شك أن كل من قال في جسم أنه الله فقد قال في غير الله أنه الله وهؤلاء قد صرحوا بأن الله تعالى جسم ذو أعضاء وجوارح وكف وبنان(5) وفم ولسان كما صرح النصارى بأن الله هو المسيح فيجب إكفارهم كالنصارى، وكاحتجاجهم بأن الله استعظم مقالة من أثبت الولادة له بقوله: {تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً}. فإذا كان كذلك ولم يثبتوا له من صفات الأجسام إلا الولادة فكيف حال من أثبت لله تعالى جميع الصفات الجسمية من اليد والرجل والظهر والبطن فذلك لا محالة يكون أطم.
قلت: وإنما أهمل المصنف نحو هذا الاحتجاج لأن مرجعه إلى القياس الذي لا يؤخذ به هاهنا.
__________
(1) ـ في (ب): أنه.
(2) ـ في (ب): الجسم.
(3) ـ في (ب): ولا يكون عبثاً.
(4) ـ سقط ما بين المعكوفين من (ب).
(5) ـ في (ب): ويدان.

قوله: (على بعد ذلك إن إراد استبعاد وضع اسم الحلول والمحل على غير ما هو المعقول).
فصحيح أن ذلك بعيد وأن تسمية الله تعالى محلاً غير سديد وإن أراد استبعاد أن يكون هذا مذهب الكرامية وترجيح أنهم يقولون بحقيقة الجسمية، فالأقوى خلاف ذلك، والأظهر عنهم عدم اعتقاد التحيز، وعلى هذا المنهج الذي ذكره يجري الكلام فيمن اعتقد أنه تعالى مختص بالجهة لا على جهة الشغل لها أو أنه كائن فوق العرش بكون إلهي أو أنه حاصل بكل مكان لا على جهة الحلول والإستقرار.
قال الإمام يحيى: إلى غير ذلك من المذاهب التي لا تدل على حقيقة التشبيه.
قوله: (والذي ذكره أصحابنا في كفر من هذا حاله وجهان، الأقرب أن أصحابنا لا يقولون بكفره، وإنما قال الإمام يحيى لو كفرنا من هذه حاله لأجل اعتقاده ما ذكر فليس كفره يكون إلا بأحد وجهين.
قوله: (أنه يلزمه القول بالتشبيه).
تقريره أن يقال: إذا أثبت الله محلاً للحوادث وحاصلاً في الجهة لزمك أن يكون جسماً لأن ذلك لا يعقل إلا في الأجسام.
قوله: (إن الكفر لا يثبت بالإلزام).
قال الإمام يحيى: ما من مذهب إلا ويلزم صاحبة عليه الكفر لكنه لا يكفر لأنه لم يلتزمه ولهذا لم يكن معدوداً في أدلة الإكفار بحال.
قوله: (وتأولوها على صفات قديمة كما تقوله قدماء الأشعرية).
قال الإمام يحيى: ويسمونها الصفات الخبرية أرادوا أن طريق إثباتها الإخبار من جهة الله تعالى.
قوله: (فالقطع بكفرهم وكونهم مشبهة أبعد).
أراد: أنه أبعد من القول بكفر من جعله تعالى محلاً للحوادث وفسر الحلول بما لا يقتضي الجسمية والوجه في كونه أبعد غير واضح.

قال الإمام يحيى: من أطلق لفظاً على الله تعالى يوهم ظاهره التشبيه ولم يعتقد مضمونه أو أراد به معنى آخر لا يدل على التشبيه فإنه لا يعد من المشبهة ولا يكون داخلاً في غمارهم ولا يجوز إكفاره لأن المشبه ليس إلا من أثبت لله حقيقة التشبيه واعتقد معناه لا من أجرى لفظه على غير المعنى اللغوي وإنما أخطأ في إطلاق اللفظ على غير معناه فهو خطأ لفظي لا غير فكيف يقال بكفره.
فصل:
فيما يكفر به أصحابنا المجبرة في مسائل الخلاف.
اعلم أن لفظ المجبرة اسم لهذه الفرقة التي يجمعها القول بأن الوجود في الأفعال مستحيل تعليقه بقدرة العبد وأنه مضاف إلى قدرة الله تعالى وأن الذي يضاف إلى قدرة العبد إما الكسب وإما غيره على اختلاف فيه بينهم، والمراد بقولنا: رجل مجبر، أنه صار ذا قول بالجبر، كقولك: مريب إذا صار ذا ريبة، وكذلك إذا قلت: أجبر الرجل. وأما قولنا: جبري فمنسوب إلى الجبر كثمري فليني(1).
قال الإمام يحيى: وفائدة وصفنا لهم بهذين الوصفين إما على معنى أن الله تعالى خلق فينا جميع الأفعال كلها، وإما على معنى أنه خلق القدرة وهي موجبة للفعل فمن قال بأحد هذين القولين صدق عليه هذان الوصفان مجبر وجبري، ثم قال: الصحيح أن إطلاق هذين الوصفين إنما يكون باعتبار أمر جامع لهم في الجبر؛ لأنهم قد أجمعوا عن آخرهم واتفقت كلمتهم على أن الوجود في الأفعال يستحيل تعليقه بقدرة العبد وأنه مضاف إلى قدرة الله تعالى.
قوله: (وذلك متعذر في الغالب).
لا يبعد إطلاق تعذره إلا إذا فرض أن الشارع نص على العلة وعلم قطعاً حصولها في الفرع فيصير القياس حينئذ ملتحقاً بالنص.
قوله: (لأن المرجع بالكفر..) إلى آخره.
يعني وذلك يقضي بتعذر استنباط عليه.
قوله: (على أصل شيخنا أبي الحسين والسيد المؤيد بالله وسائر من لا يكفر المجبرة).
__________
(1) ـ في (ب): إلى الجبر كرجل ثمري وليني.

قال الإمام يحيى: الذي ذهب إليه أكثر علماء العترة ومن تابعهم من الزيدية هو إكفار المجبرة، واتفق عليه رأي الجماهير من المعتزلة، وحكي عن السيد المؤيد بالله وأبي الحسين أنهما ذهبا إلى أن الجبر ليس كفراً وأن المجبرة ليسوا كفاراً، ثم مال إلى ترجيح هذا؛ لأنه قال: ونحن نذكر ما عول عليه المعترفون بإكفارهم، ثم نذكر ما عول عليه المنكرون لإكفارهم إلى أن قال: لأن إيراد الاحتمالات والشكوك على ما أوردوه في القطع بإكفارهم يكفي في فسادها وبطلانها لأنه إذا بطل الدليل بإيراد الاحتمال فيه بطل ما قطعوا به من تلك الدلالة.
واعلم أن ممن نص على كفرهم من أهل البيت عليهم السلام: القاسم والهادي والناصر وأحمد بن سليمان والمنصور بالله وعزي إلى زيد عليه السلام وروي إجماع أهل البيت على ذلك، رواه السيد أبو عبدالله الجرجاني والأمير الحسين بن محمد وأجروا عليهم إذا تحزَّبوا أحكام الكفرة من القتل والسبي وغير ذلك.
ونص على ذلك من المعتزلة: أبو علي وأبو هاشم وقاضي القضاة، بل قال أبو علي: الشاك في كفرهم كافر، والشاك في كفر الشاك كافر.
وقال الفقيه حميد: ذهب الطبق الأدهم من العلماء إلى تكفير الجبرية.
قلت: وممن قال بتكفيرهم عدلية الإمامية، والقول بعدم تكفيرهم مذهب جماعة من المعتزلة وهم المتقدمون منهم، ومن متأخيريهم محمد بن شبيب وأبو الحسين وأبو الفضل بن شروين وهو مذهب السيد المؤيد بالله والإمام يحيى بن حمزة، روى بعض السادة عن المؤيد أنه قال: طريقة التكفير والتفسيق السمع، إما نص في آية(1) لا يختلف في تأويلها أو خبر مجمع على صحته لا يختلف في تفسيره أو إجماع أمة أو إجماع أهل البيت عليهم السلام وليس يوجد شيء من ذلك في تكفير المجبرة(2).
قال الفقيه حميد: صرح المؤيد بالله بأن الجبر إثم عظيم وحوب كبير ورأيت له في كتاب الهوسميان الكبيران رأيه الأول كان تكفيرهم.
__________
(1) ـ في (ب): أنه.
(2) ـ في (ب): في تكفيره الجبرية.

وقال الإمام يحيى: المحكي عن المؤيد بالله في كتبه وعلى ألسنه أصحابه الناقلين لمذهبه وعن الشيخ أبي الحسين ليس الوقف وإنما المحكي هو القطع بعدم الإكفار مراعاة للأصل ولهذا قيل للإمام المؤيد بالله: إذا لم يكونوا كفاراً عندك فهم مؤمنون فقال(1): إذا جوزنا كفراً لا دليل عليه وقفنا في حالهم، وإن لم نجز كفراً لا دليل عليه فهم مؤمنون.
قال الإمام يحيى: وليس الغرض أنه شاك في كفرهم فإن مذهبه خلاف ذلك وهو القطع بعدم الإكفار لعدم الدلالة عليه وإنما أراد أن الجبر معصية يجوز أن يعلم الله تعالى أن عقابها عقاب الكفار، ويجوز أن تكون صغيرة فإذا لم يعلم الحال في ذلك لا جرم توقفنا فيه وذكر في تعليق الشرح أنه حكي عن الإمام يحيى في المجبرة ما يقرب من قول العنبري(2): أنهم مؤمنون. وفيه نظر لأن العنبري قاعدته القول بتصويبهم والإمام يحيى مصرح بغير ذلك، ومن كلامه ما لفظه: أما أن خطأهم في الجبر يجوز أن يكون عقابه عقاب الكفار فهذا لا مانع منه وإنما المحذور أنا نقطع بكفرهم ونعاملهم معاملة الكفار من غير دلالة فهذا باطل قطعاً ويقيناً. وقد كان الرأي الأول للمنصور بالله عليه السلام عدم تكفيرهم وصرح بذلك في حديقة الحكمة ثم رجع إلى القول به والمبالغة فيه.
قوله: (إجماع الأمة في الصدر الأول).
المراد به: الصحابة رضي الله عنهم، وهذا الإجماع مروي عنهم وعن التابعين، وأنه إجماع مستمر حتى نشأ الخلاف وتفرقت الآراء وتبع الأشعري والنجار وابن كلاب فقيل بهذه المقالة.
قوله: (غير مقطوع به).
لأنه لا يعلم أن القصد إكفار من أثبت قدماً قائمة بذات الله تعالى غير مستقلة ولا مستحقة للإلهية فمع عدم العلم بقصد الأمة فيما أجمعوا عليه وبطرق الاحتمال لا يكون الإجماع قطعياً بالاتفاق.
قوله: (واعترض بأنه جهل بالله على التفصيل..) إلى آخره.
__________
(1) ـ في (ب): وقال.
(2) ـ في (ب): النعبري.

الأحسن في تجويز هذا الإعتراض وتقريره أن يقال: إنما ثبت كون الجهل بصفات الله كفراً مع إنكارها ونفيها وأما مع القول بإثباتها والإعتراف بها فلا نسلم كونه كفراً فإنه لا دليل على أن إثبات الصفات الإلهية لله تعالى مع الجهل بشيء من أحوالها يكون كفراً إذاً للزم إكفار كثير من شيوخ المعتزلة كما قال المصنف: (ما من أحد من الشيوخ إلا وقد قال في الله تعالى بمقالة هي جهل). يعني: في صفاته لما وقع من شدة الإختلاف بينهم والحق مع واحد. هؤلاء الإخشيدية نفوا الأحوال والصفات، وأبو علي الجبائي: أثبت الصفات الأربع ونفى الأخص، وأبو هاشم: أثبت الصفات الخمس، وأبو الحسين البصري: نفى الأحوال والصفات وأثبت الأحكام والإضافات، وأبو القاسم: نفى المزيدية والقادرية والمدركية وغيره أثبتها، والخوارزمي: أثبت المزيدية والمدركية ونفى سائرها. إلى غير ذلك من الخلاف فإن لزم إكفار المجبرة بشيء من الجهل المتعلق بصفات الله تعالى لزم إكفار المعتزلة، هكذا قرره الإمام يحيى.
قوله: (ويمكن الجواب هنا بأن جهل المجبرة..) إلى آخره.
يقال ليس بأدخل(1) في عدم إمكان العلم معه بصفات الله [من جهل من لم يجعل لله تعالى](2) حالاً ولا صفة زائدة ولا حكماً.
قوله: (يوضحه أن أكثرهم يقول ذات وصفتين قياس قاعدة العربية ذات وصفتان أو ذاتا وصفتين).
وهذه إشارة إلى من يقول من النصارى أن أفيوم الأب الذات وأفيوم الابن العلم وقيل الكلمة، وأفيوم روح القدس الحياة.
قوله: (ولهذا قيل لبعضهم هو ابن كلاب(3)).
ذكره الإمام يحيى. وظاهر كلام المصنف أنه الأشعري.
قوله: (سبع صفات).
هو جار على اصطلاحهم؛ لأنهم يسمون المعاني صفات والمعاني القديمة عندهم سبعة: القدرة، والعلم، والحياة، والإدراك، والإرادة، والكراهة، والكلام. ومنهم من يعد من المعاني غير هذه.
__________
(1) ـ في (ب): بداخل.
(2) ـ في (ب): بصفات الله تعالى. وما بين المعكوفين سقط من (ب).
(3) ـ في (ب): ابن كلام.

[قوله: (أعظم من عتقاد مشارك له في العبادة).
يعني: مع أعتقاد حدوث ذلك المعبود وكونه جماداً](1).
قوله: (واستحقاق العبادة وإن كان الأمر يرجع إلى الفعل وهو خلق أصول النعم).
هذا المعنى أتى به المصنف بناء منه على أنه لا يعبد إلا من يعتقد استحقاقه العبادة لأجل خلق أصول النعم، وهذه الزيادة غير محتاج إليها ولا ذكرها غيره فإن المعلوم من حال عباد الأصنام أنهم لا يعتقدون أن الأصنام هي المنعمة بأصول النعم فالأحسن في تحرير الأعراض(2) ما ذكره الإمام يحيى، وهو(3) أن يقال: إن اعتمادكم في هذه الدلالة على القياس، ولقائل أن يقول: إن من عبد غير الله تعالى إنما كفر؛ لأنه إعتقد في معبوده أنه إله يستحق العبادة، ومن أثبت قديماً غير الله كهؤلاء الخصوم لا يقولون بأنه يعبد من دون الله ولا يستحق العبادة فأين أحدهما من الآخر، ويجوز أن يكون معتقداً استحقاق العبادة أعظم عقاباً ممن يعتقد القدم لا غير.
قوله: (لا على من شبَّه غير الله به).
قد تقدم تقرير هذا المعنى.
قوله: (بل كلما يصدر عن الله تعالى مما يكون معلقاً للإرادة والقدرة فهو حسن عندهم).
يعنون بذلك: الوجود لأنه عندهم معلق بقدرة الله وإرادته ولا تعلق بقدرة العبد وإرادته والوجود حسن ولا قبيح فيه، وإنما الذي يقبح ما كان متعلقاً بقدرة العبد وإرادته من الكسب وغيره من الوجوه التي تمخلوها.
قوله: (لما وحد الباري تعالى).
لعله أراد: لزوم ذلك على قول من يقول إنه تعالى موجود لمعنى، وهو مذهب شذوذ منهم.
وأما قوله: (أو لكان ناقصاً وظاهر من مذهبهم).
لأنه تعالى لا يحصل على أوصاف الكمال إلا بها.
قوله: (وليس الحاجة بأكبر..) إلخ.
يعني: وسواء أطلقوا لفظ الحاجة عليه تعالى أو امتنعوا(4) من إطلاق الوصف لأنهم قد اعتقدوا معنى ذلك.
قوله: (تقوله المجبرة في المعاني).
__________
(1) ـ سقط ما بين المعكوفين من (ب).
(2) ـ في (ب): الاعتراض.
(3) ـ في (ب): وهذا.
(4) ـ في (ب): وامتنعوا.

تحقيق مقالتهم أنهم فريقان:ـ
فريق: وصفوا الله تعالى بالمعاني والأحوال وقالوا بالعلة والمعلول وهو مذهب الباقلاني والكرامية وأما الرازي فأثبت المعاني ولم يثبت الصفات.
والفريق الثاني: جعلوا العلم نفس العالمية، والقدرة نفس القادرية(1)، وهو المحكي عن متأخريهم كالغزالي وشيخه الجويني، فهؤلاء لا يستلزم مذهبهم الحاجة؛ لأنهم لا يقولون بالمعاني، وقولهم كقول مثبت الأحوال من المعتزلة من غير فرق.
وأما الفريق الأول بالحاجة(2) وإن لزمتهم لإتيانهم المعاني وهي مغايرة لذات الله ولولا هي لما كان حاصلاً على صفة الكمال فهم ينفصلون عن ذلك ويعتذرون بأنها عندهم مضافة إلى ذاته تعالى غير مستقلة بنفسها فهي على هذا كالقادرية والعالمية عند المعتزلة.
قوله: (وهذا يتم من دون قياس على الشاهد).
قال الإمام يحيى: وهذه هي طريقة النظار التي عول عليها أكثر(3) علماء الدين في معرفة الصانع وصفاته، ومن العجب أنهم لم يكتفوا بالاعتماد على طريقة الجواز بل ابطلوا للاعتماد(4) على طريقة القياس وأظهروا بالأدلة القاطعة بطلان الاعتماد عليها وأنها غير موصلة إلى العلم.
قال عليه السلام: وهب أنا سلمنا صحة ما ذكرتموه فغاية الأمر أنكم ألزمتموهم(5) إياه لكنهم لم يلتزموه بل عندهم أنهم عالمون بالله وبصفاته على أبلغ وجه، فمن أين يلزم أن يكون حالهم كحال من لا يعلم الله؟.
قوله: (واعترض بأن الأدلة العقلية..) إلخ.
هو كلام حسنٌ جيدٌ والاعتراض لا يشمل نحو دلالة العجز على النبوة كما ذكره المصنف، ويشمله(6) أن يقال: هب أن جميع ما ذكر لازم لهم على قوة(7) مقالتهم في الجبر لكنهم لم يلتزموه والإكفار إنما يتحقق في الالتزام لا في الإلزام.
__________
(1) ـ في (ب): جعلوا العلم نفس العالمة، والقدرة نفس القادرة.
(2) ـ سقط من (ب): بالحاجة.
(3) ـ سقط من (ب): أكثر.
(4) ـ في (ب): الاعتماد.
(5) ـ في (ب): ألزمتموه.
(6) ـ في (ب): ويشمل.
(7) ـ في (أ): قود.

قوله: (وهم لم يقولوا ذلك).
أي: لم يصدر من جهة المجبرة صريح التكذيب وإن جوزت طائفة منهم الكذب على الله تعالى، ومن هذه حاله فليس مكذباً، وكيف يكون مكذباً من يخبر عن نفسه بأن مصدق بجميع أخبار الله وأخبار رسوله.
قوله: (إنما وصف المشركين بأنهم كذبوا..) إلخ.
هذا الوجه ينبني على قراءة التخفيف، وأول الكلام مسوق على قراءة التضعيف وهو الأرجح؛ لأن الكفر إنما يثبت بالتكذيب لا بالكذب.
قوله: (لجواز أن يظهر المعجزة(1) عند دعوى الكاذب).
يعني: فيحصل بذلك اننسداد باب العلم بالنبوة لأنا مع هذا التجويز لا نفرق بين النبي والمتنبي والرسول والساحر ويجوز أن ما أتى به هذا الذي ظهرت المعجزة عليه باطل وأنه داع إلى الكفر والضلال والإكفار بما هذا حاله معلوم بإجماع الأمة لما يتضمن من إبطال الدين وفساده.
قوله: (بل يعملون في دفعه كل حيلة).
قال الإمام يحيى: لما ألزموا إياه قاموا وقعدوا وصوبوا وصعدوا لما رأوا من فحش الإلزام وصعوبته ولما إعتاص عليهم رام النظار منهم وأهل الفطانة التخلص عنه بمخالص هي في الحقيقة غير نافعة ولا مجدية ولكنها نافعة لهم في عدم إكفارهم لدلالتها على عدم الالتزام سواء كانت صحيحة أو فاسدة.
قوله: (فقال الجويني: العلم يكون المعجز دلالة على التصديق علم ضروري).
قال الجويني: لأن العقلاء لا يشكون فيه متى حصل لهم علم بالمعجزة وإنما كذب من كذب من الأمم السالفة لعدم العلم بالمعجزة واعتقاداتها من قبيل الخبل والمخارق والطلسمات ولو علم صحتها لم يشك في دلالتها على الصدق.
قوله: (لا يقدح في ذلك).
قال: لأن أحدهما بمعزل عن الآخر وغير مترتب عليه فلا يكون مفسداً له.
قوله: (فأما كونه تصديقاً).
يعني: من الله تعالى للمدعي.
قوله: (ولا يقدح في ذلك تجويز إظهار المعجز على الكاذب).
__________
(1) ـ في (ب): المعجز.

141 / 158
ع
En
A+
A-